الفصل السادس

عظمة الأقباط واضمحلالهم في عهد الفاطميين

بينما كانت سياسة الولاة نحو الأقباط تقوم على قواعد واستثناءات معينة، تعرضت سياسة الفاطميين، التي كانت مبنية بوجه عام على التسامح، لتغييرات محسوسة جدًّا حسب الاستعداد الشخصي للولاة، الذين تبوأوا الحكم، وكان الفاطميون ينتقلون من التسامح الكامل إلى الاضطهاد الشنيع، فبعد أن مهدوا لأهل الذمة عصرًا زاهرًا، لم يكونوا يتوقعونه، عادوا فقضوا عليهم قضاء نهائيًّا.

وليس بعجب إبداء هذا التسامح من خلافة مستقلة وطدت أركانها في مصر من قريب، وكان لها أعداء أقوياء بيزنطيا وبغداد، ولا سيما أنه لم يكن في استطاعتها الاعتماد على مساعدة السنيين المخلصة، ولقد انتهج الطولونيون والإخشيديون هذه السياسة لمصلحتهم الشخصية، وعلى أية حال، فإن استيلاء الفاطميين على الحكم أثار كالعادة آمال الأقباط، مما جعلهم يقدمون إليهم يد المساعدة.

على أن الفاطميين، لما وصلوا إلى مصر، عملوا في الحال على كسب عطف السنيين وتقديرهم، وكان هذا إجراءً عمليًّا من لدنهم، فإن أول خطبة ألقاها الخليفة المعز لدين الله، وذكرها معظم المؤرخين، تتضمن هذا الاتجاه، فقد صرح الخليفة للجموع التي خفت لاستقباله بالقرب من منارة الإسكندرية «أنه لم يسر إلى مصر لازدياد في الملك أو المال، وإنما سار رغبة في الجهاد ونصرة المسلمين وإقامة الحق والسنة.».١

ولم يتردد المعز ومن جاء بعده أن يستعينوا بالنصارى واليهود أو بالذميين، الذين اعتنقوا حديثًا الديانة الإسلامية، ليبلغوا هدفهم المقدس، وكان جوهر القائد المظفر، عبدًا يونانيًّا قُدِّمَ كهدية إلى الخليفة المعز، ومن هنا كُني بالرومي، أما اليهودي يعقوب بن كلس، فقد اعتنق الإسلام في ظروف لا تُؤيد بأي حال صدق عواطفه الدينية، كان أصله من بغداد وقدم إلى مصر في عهد كافور الإخشيدي، ويصفه لنا المؤرخ «ابن القلانسي» أنه رجل واسع الحيلة وذكي، ويقص علينا أن كافور قال عنه في يوم من الأيام: «ولو كان مسلمًا لاستوزرته.» فلما سمع يعقوب هذا الحديث، دخل مسجدًا في يوم الجمعة ونطق بالشهادتين، ولما رأى ذلك ابن حنزابة، الوزير في الحكم، أراد أن يقتله قبل أن يصبح منافسًا خطيرًا له، ففر ابن كلس إلى المغرب وعاون الفاطميين معاونة صادقة على فتح مصر، وقد جعله المعز أكبر مستشاريه وعينه أمينًا على بيت المال، ولما جاء العزيز، جعله وزيرًا، ومن جهة أخرى عُين العزيز عيسى بن نسطورس الملكي وزيرًا، كما عُين اليهودي منشى حاكمًا عامًّا على سوريا.

وأبطل هذا التقليد الحاكم بأمر الله بعد أن اضطهد الذميين، ولكنه لم يستغنِ أبدًا عن جميع الموظفين النصارى، ولما تولى المستنصر الخلافة، عاد إلى خطة الفاطميين الأولى، فاستعان بالأرمني بدر الجمالي إنقاذًا لعرشه، فحكم بدر البلاد حكمًا مطلقًا وعين ابنه الأفضل شاهنشاه ليخلفه في الوزارة، أما الخليفة الحافظ لدين الله، فلم يتردد في الاستعانة بالنصراني «بهرام» وهو من طائفة الملكيين، بعد أن منحه لقب «سيف الإسلام».

إن وجود النصارى في وظائف الدولة الرفيعة دليل قاطع لتسامح الفاطميين، ثم إن هذه الفترة من تاريخ مصر مليئة بالأحداث المتعلقة بأهل الذمة، غير أن كل خليفة اتبع سياسة تختلف عن سياسة سلفه، لذلك رأينا أنه من المنطق أن ندرس كل عهد على حدة لنستطيع أن نبين كل دور من أدوار هذه الفترة الخطيرة من تاريخ الأقباط، وأن نخرج بالنتائج المترتبة عليها.

(١) المعز لدين الله ٣٥٨–٣٦٥ﻫ «٩٦٩–٩٧٦م»

شرع القائد جوهر ببناء الجامع الأزهر الذي يُعد من أعظم الأدلة لكرم الخليفة؛ إذ زوده بمكتبة عامرة، وأقيمت به الدروس لتعليم فقه الشيعة، وكان المدرسون الملحقون به والطلبة يأخذون أجورهم من الخليفة العزيز بالله.

وكان المعز يدرك تمامًا أنه لن يستطيع حكم البلاد وهو أمام تيار من العداء العام، ولما كان الشيعيون غير محبوبين في مصر وسوريا، فقد حاول أن يتقرب إلى السنيين وذلك بإظهار شيء من النفور إزاء الذميين، فألغى التقليد الذي بدأه الإخشيديون من حضور الحفلات الخاصة بالنصارى، ومنع الأقباط في عيد النيروز من جمع الحسنات من العظماء، ومن رش المارة بالماء العكر أو إشعال الصواريخ في هذه المناسبة، كما حرم عليهم نصب الخيام والتنزه بالزوارق على النيل بالقرب من المقياس في ليلة الغطاس، وهدد بالإعدام شنقًا كل مَن يخالف أوامره، فكف النصارى عن الاحتفال بهذه الأعياد طوال عهده.٢
وأطلق المعز، إلى جانب ذلك، سراح الإخشيديين الذين اعتقلهم جوهر.٣
على أن نفوذ ابن كلس كاد يؤدي — إذا صدقنا رواية المؤرخين النصارى — إلى حادث في غاية الغرابة، فقد أراد هذا الرجل أن يقلل من شأن الديانة المسيحية في نظر الخليفة، فطلب أن تُجري أمامه مناقشات دينية،٤ وسمع الخليفة في أثناء هذه المناقشات أن الرجل المؤمن يستطيع بإيمانه أن يزحزح الجبال.
فأرسل في طلب البطريرك «أفرام» وسأله فيما إذا كان الإنجيل يحوي مثل هذا الكلام، فرد البطريرك بالإيجاب، فما كان من الخليفة إلا أن أمره بالقيام بمهمة نقل الجبال وإلا «محا من الأرض اسم النصرانية.».٥

ذهل الرهبان الأقباط عندما أخبروا بأوامر الخليفة، فأخذوا يصلون ويبتهلون في الكنيسة المعلقة، وبعد مضي ثلاثة أيام، رأى البطريرك في منامه السيدة العذراء تطمئنه، فتوجه بسرعة، يحيط به عدد كبير من النصارى يحملون الصلبان والأناجيل إلى المكان الذي عُين له، حيث كان الخليفة ورجال حاشيته في انتظاره.

ويؤكد المؤرخون النصارى أن المعجزة حدثت بالفعل، وأن الخليفة أبدى دهشته وأمر بإعادة بناء جميع الكنائس المخربة، ثم أرسل في طلب كبار الأقباط والعلماء المسلمين وأمر بقراءة الإنجيل والقرآن أمامه، ولما استمع إلى النصين، ما كان منه إلا أن أمر بهدم المسجد القائم أمام كنيسة أبي شنودة وبناء كنيسة مكانه أو توسيع كنيسة أبي سيفين.٦
وقد يتساءل الناس لماذا لم يخطُ الخليفة الخطوة الأخيرة باعتناقه الدين المسيحي؟ وفعلًا لم يرَ المؤرخ القبطي مندوحة في ذلك، فأكد أن الخليفة المعز تعمد في المكان القريب من كنيسة القديس يوحنا، وتنازل بعد ذلك عن كرسي الخلافة لابنه العزيز بأمر الله، وصرف أيامه الأخيرة في العبادة في أحد الأديرة، وقد أعاد ذكر هذه القصة مرقس سميكة باشا، أحد مؤسسي المتحف القبطي بالقاهرة، ولكن أحمد زكي باشا والأستاذ عبد الله عنان احتجا بشدة على هذه الرواية.٧

(٢) العزيز بأمر الله ٣٦٦–٣٨٦ﻫ «٩٧٦–٩٩٦م»

ينقل إلينا جميع المؤرخين المعتد بأقوالهم أحداثًا دقيقة عن حكم الخليفة العزيز بالله تدل على الرعاية التي شمل بها النصارى الملكيين واليعاقبة، وكان الناس يعتبرون، حتى خلافة العزيز، أن الوالي متسامح إذا أعطى تصريحًا بترميم كنيسة أو ببنائها مقابل هدية تساوي بعض مئات من الدنانير، ولكن في خلافة العزيز وبعدها نرى السلطة هي التي تولي العمل ببناء الكنائس للنصارى وتسهر على حراسة العمال، إذا اقتضى الحال ذلك، وبينما كان المؤرخون النصارى يهللون لوالٍ لم يظلم أبناء جلدتهم، عمل العزيز على إلغاء الفوارق الاجتماعية بين المسلمين والذميين.

ومن المشاهد أن خلافة العزيز تعد تحولًا مهمًّا في تاريخ مصر الإسلامية؛ ذلك لأن الخليفة دعا لأول مرة لمبدأ المساواة الكاملة بين عنصري الأمة.

كان العزيز قد تزوج من امرأة نصرانية من طائفة الملكيين وأنجب منها ضمن ما أنجب بنتًا أسماها «ست الملك» وكانت أخلاقها تشبه أخلاق والدتها أو بمعنى آخر، كانت تعطف كثيرًا على النصارى، وكان العزيز يحب زوجه وابنته حبًّا جمًّا ويعمل برأيهما إلى حد جعله يصدر أمرًا مخالفًا للقانون، وهو تعيين نسيبيه «أرسين» و«أرستيد» بطريركين، أحدهما على الإسكندرية والآخر في أنطاكية.

هل يدل ذلك على أن عزيزًا كان ضعيفًا؟ كلا! فإن عهده امتاز بالحروب الدفاعية، التي قام بها على الحدود الشرقية لإمبراطوريته، وبتنظيم إدارة حازمة داخل البلاد، ولكي تستطيع الدولة أن تواجه المصروفات الضخمة التي كانت تتطلبها الحاجة، فقد وُضع بيت المال تحت رقابة شديدة، وحدد مرتبات ثابتة لموظفيه ومنعهم منعًا باتًّا من قبول أي رِشا أو هدية، وأمر بألا يصرف شيء إلا بمقتضي وثيقة مكتوبة.٨

وأنشأ العزيز جيشًا قويًّا جمع فيه بعض العناصر التركية والزنجية واشتبك في عدة معارك ضد بيزنطيا، وقد وصلت الخلافة الفاطمية في عهده إلى أوج عظمتها.

ويرى المسلمون أن العزيز أخطأ خطأً فاحشًا باعتماده على الذميين وغيرهم ممن لا يمتون إلى الإسلام إلا اسميًّا، فقد استمر يعقوب بن كلس خمس عشرة سنة الساعد الأيمن للخليفة، قام خلالها بشتى الإصلاحات، ويذكر لنا الأنطاكي أنه لما مات يعقوب «ركب العزيز إلى داره» وصلى عليه، وكشف عن وجهه، وبكى عليه بكاءً شديدًا،٩ ويضيف ابن القلانسي أن العزيز أمر «أن يُدفن في داره بالقاهرة في قبة كان بناها لنفسه، وحضر جنازته وأغلق الدواوين وعطل الأعمال أيامًا.»١٠

وبعد وفاة يعقوب، منح العزيز ثقته لعيسي بن نسطورس النصراني، الذي ما لبث أن أصبح وزيرًا، ثم ألحق بخدمته أبا المنصور، طبيب المعز النصراني، وأعطاه مركزًا ممتازًا.

وقد لاحظ الخليفة أن الرعايا المسلمين لم يعتادوا رؤية النصارى يشغلون الوظائف الكبرى في الدولة ويتمتعون بشتى الاحترامات، حتى إنهم كانوا ساخطين على هذه التعيينات وبينما كان يتنزه في المدينة ذات يوم؛ إذ لمح في طريقه شبحًا يشبه امرأة١١ كانت تحمل عريضة هذا نصها: «بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك».١٢

وأراد العزيز أن يحد من غضب الشعب، فاضطر إلى الاستغناء عن عدد من الموظفين النصارى، ولكنه كان لا يلبث أن يعيدهم إلى مراكزهم، إما تحت ضغط حريمه عليه، أو لأنه كان يرى استحالة الاستغناء عن خدماتهم.

ولجأ المتذمرون آخر الأمر إلى السكوت؛ إذ كانوا يواجهون إدارة تعتمد على قوة مسلحة كبيرة، وعلى كلٍّ، يلاحَظ أن شغل الذميين للوظائف العليا لم يكن أمرًا ذا بال إذا قسناه بالإجراءات الأخرى التي عادت عليهم بالفائدة في ذلك العهد.

أولًا: على الرغم من المصاريف الباهظة التي أثقلت كاهل الميزانية لبذخ الخلفاء من جهة، وتسليح عدد كبير من الفرق استعدادًا للحروب من جهة أخرى، فإن العزيز لم يعد العمل بالضرائب الهلالية التي فرضها ابن المدبر وألغاها ابن طولون «ومع ذلك فإن مجموع الخراج والجزية كان في هبوط بالنسبة للعهد السابق»، وقدر الشعب هذا الاعتدال في فرض الضرائب حق قدره في كل زمن وعهد.

وكان اليعاقبة، فيما يخصهم، يرون بمزيد الفرح أن البطريرك أفرام كان موضع احترام وتقدير الخليفة، ففي هذا العهد قرر البطريرك، لأول مرة، نقل كرسيه من الإسكندرية إلى القاهرة، ويظهر أن العزيز سمح للبطريرك، بإصلاح الكنائس المهدمة دون أن يستأذن في ذلك، ومما يعزز اعتقادنا بصحة هذا الإجراء، الحادث الذي وقع عند بدء الأعمال في كنيسة القديس مكاريوس، ويقول أبو صالح: «ما أن بدأ البطريرك هذه الأعمال حتى هاجمه المسلمون، وما لبث أن أسرع الخليفة، فأصدر أمره باستئناف عملية الترميم، على أن يقوم بتسديد المصاريف اللازمة، وتسلم بعد ذلك البطريرك الأمر الصادر بهذه المناسبة «الذي يقضي بالتصريح ببناء الكنيسة» ولكنه رفض المال، راجيًا العزيز في ألا يلح عليه بقبوله، ووافق العزيز على إعادة المال إلى الخزينة، ولكنه أمر فرقة من الجيش أن تحرس البناء طوال مدة العمل، وأن تقبض على كل من يحاول عرقلة تنفيذ هذا الأمر ومعاقبته، ولما علم الشعب بنيات الخليفة، لم يعاود عدوانه، وهكذا تمت أعمال البناء.».١٣
ونرى مبالغة العزيز في إظهار عطفه على النصرانية، في رفضه معاقبة من يهجر الإسلام ويعتنق الديانة المسيحية، ومجمل الرواية أن أحد كبراء المسلمين، واسمه «وساع»١٤ اعتنق المسيحية، فقبضت عليه السلطات بتهمة الردة، ولكن بعض الشخصيات الكبيرة تدخلت لصالحه كما توسطت له زوجة العزيز لدى الخليفة الذي أطلق سراح «وساع» دون أن يناله أي سوء أو أذى، واعتكف في دير بالصعيد حيث قضى بقيت حياته.
وأخيرًا، وقع في هذا العهد حادث لو حصل في عهد آخر لجلب للنصارى المصائب، ولكنه انتهى على غير ما يشتهي المسلمون، يروي سعيد بن يحيى الأنطاكي في هذا المقام: «كان العزيز قد اعتزم أن يغزو بلاد الروم وأمر عيسى بن نسطورس بإعداد الأسطول … وعزم على تسييره بعد صلاة الظهر من نهار الجمعة، فوقع فيه نار في ذلك اليوم وأحرق منه ستة عشر مركبًا، واتهم الرعية بحريقه تجار الروم الواردين بالبضائع إلى مصر، فثار عليهم الرعية والمغاربة وقتلوا منهم مائة وستين رجلًا ونهبت كنيسة ميخائيل التي للملكية بقصر الشمع، ونُهبت كنيسة النسطورية، وركب ابن نسطورس وقت النهب ونزل إلى مصر وتقدم بكف الأذى على الروم والمنع من معارضتهم، ونودي في البلد بأن يرد كل واحد من النهابة جميع ما أخذه، فرد البعض من ذلك، وأحضر من سلم من التجار الروم من القتل، ودفع لكل واحد منهم ما اعترفه وقبض على ثلاثة وستين رجلًا من النهابة واعتقلوا، وأمر العزيز بالله بإطلاق ثلثهم وضرب ثلثهم وقتل ثلثهم، فكتب رقاع منها «تضرب» ومنها «تقتل» ومنها «تطلق» وتركت تحت إزرار، وتقدم كل واحد منهم وأخذ رقعته، كان يعمل به بحسب ما يخرج فيها.».١٥

وكان من شأن هذه الإجراءات زيادة غضب المسلمين، وإذا كان الحاكم بأمر الله قد اضطهد النصارى يومًا، فلم يكن ذلك إلا إرضاء لروح الانتقام، التي استفزت قلوب الشعب، أما القسوة التي امتاز بها الاضطهاد في هذا العهد، فسببها ميل الحاكم إلى سفك الدماء.

(٣) الحاكم بأمر الله ٣٨٦–٤١١ﻫ «٩٩٦–١٠٢٠م»

بينما كان العزيز بالله في مدينة بلبيس يستعد لاستئناف القتال ضد البيزنطيين، وافته المنية وهو في الحمام، فخلفه نجله الصغير الذي أنجبه من زوجته المسيحية، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة، ولُقب عند اعتلائه العرش بالحاكم بأمر الله.

ولم يكن هناك ما ينذر بوقوع الأحداث المفجعة التي خضبت عهده بالدماء وأدخلت الذعر في نفوس النصارى والمسلمين على السواء، والواقع أن الحاكم، حينما بلغ رشده، سارع إلى اطمئنان كل الموظفين النصارى على مراكزهم واهتدى بنصائح أخته «ست الملك» التي كانت تعطف على النصارى عطفًا شديدًا.١٦

ولما كان الحاكم قاصرًا عند وفاة والده، فقد وُضع تحت وصاية «برجوان» الخص السلافي، وقد عم الاضطراب البلاد خلال هذه الوصاية بسبب العداوة القائمة بين الوصي وابن عمار، قائد جيش الخليفة، الذي قُتل بعد أن هُزمت القوات التركية قواته المكونة من قبائل شمال إفريقيا، وكان ابن عمار قد قتل ابن نسطورس قبل أن يُلاقي حتفه، ولم يمضِ وقت طويل حتى لحق «برجوان» بخصمه، فقد أمر الخليفة عام ٣٩٠ﻫ «١٠٠٠م» باغتياله لتكبره عليه ونعته بألقاب مهينة.

ولما أمر الخليفة الشاب بقتل برجوان، أقلق الشعب وأضجره وحمله على التوجه إلى مقر الخلافة، ولم يستطع الحاكم الإفلات من ثورة شعبه إلا بالبكاء والعويل والتحجج بشبابه وعدم درايته بالحكم. ونتساءل: هل خجل بعد ذلك من إظهار ضعفه، فقرر فيما بينه وبين نفسه أن يثأر من هذا الشعب؟ نسوق هذا الفرض ولا نستبعده.١٧ ومهما يكن من الأمر، فإننا لا نستطيع أن نحمِّله وحده مسئولية الأحداث الدامية التي استهدف لها النصارى.
والواقع أن بعض الدساسين عملوا على التخلص من النفوذ الذي ناله الذميون في عهد العزيز فاستغلوا ميل الخليفة إلى سفك الدماء، ومن الخطأ أن نعتقد أن الحاكم كان يكره الذميين، وكيف يكون ذلك ووالداه اللذان يحبهما حبًّا شديدًا كانا متسامحين كل التسامح؟ فلما تولى الخلافة عُين قبطيًّا، اسمه «فهد بن إبراهيم» كاتم سره ومنحه ثقته وأعطاه لقب «الرئيس»، ولما اغتيل برجوان، أرسل الحاكم في طلب فهد وخلع عليه أحسن الحلل وقال له: «لا تقلق أبدًا لما حدث»، ويقص علينا ابن القلانسي ما دار بين الحاكم وكاتم سره، فيقول: «جلس الحاكم وقت العشاء الأخير واستدعى الحسين بن جوهر وأبا العلاء بن فهد بن إبراهيم الوزير، وتقدم إليه بإحضار سائر الكتب، الدواوين والأعمال، ففعل وحضروا وأوصلهم إليه وقال لهم: «إن هذا فهد، كان أمس كاتب برجوان عبدي، وهو اليوم وزيري، فاسمعوا له وأطيعوا ووفوه شروطه في التقدم عليكم، وتوفروا على مراعاة الأعمال وحراسة الأموال»، وقبَّل فهد الأرض وقبَّلوها وقالوا: «السمع والطاعة لمولانا»، وقال لفهد: «أنا حامد لك وراضٍ عنك وهؤلاء الكُتَّاب خدمي، فاعرف حقوقهم وأجمل معاملتهم وأحفظ حرمتهم وزد في واجب من يستحق الزيادة بكفايته وأمانته.».١٨

وسرعان ما أصبح فهد هدفًا للدسائس؛ إذ خشي الحاسدون أن الثقة التي حازها تزيد من نفوذه ونفوذ النصارى، فأوعزوا على الوشاية به عند مولاه ليضعفوا ثقته فيه، فاتهمه أبو طاهر وابن عداس الكاتبان باختلاس الأموال، غير أن الحاكم لم يحسن استقبالهما، فحملا آخرين على تقديم شكاوى مماثلة ضده.

فهم الحاكم مغزى هذه الشكاوى: ولكنه اضطر إلى السماح باغتيال فهد ممالأة للظروف، ثم أفهم حاشيته أنه أصدر أمره هذا تحت ضغط شديد، ثم أرسل في طلب أنجال القتيل وخلع عليهم خلعة وأمر بألا يمسهم أحد بسوء، وألا ينهب منزلهم، وقد أراد الحاكم بذلك أن يتحدى أبا طاهر وابن العداس اللذين أوعزا بهذه الجريمة، واللذان توصلا إلى أعلى المناصب لتنفيذ خطتهما المعادية للنصارى في مصر وسوريا.

وبالرغم من ذلك، اضطر الحاكم أن يأمر بقتل عدد آخر من أعيان القبط فيما بعد، ولقد شعر هؤلاء بالخطر المحدق بهم منذ مقتل فهد، حتى إنه عندما أمر الخليفة أحدهم، واسمه أبو نجاح، باعتناق الإسلام، طلب من الخليفة أن يمهله يومًا يفكر فيه، ثم ذهب إلى أصحابه وحثهم على أن يستشهدوا، قائلًا: «إن المسيح قد منحنا من خيرات الأرض الشيء الكثير وها هو ذا اليوم قد رأف بنا وهو ينادينا إلى ملكوت السماء.».١٩
وأخذ اضطهاد النصارى يزداد عنفًا يومًا بعد يوم منذ ذلك الحين، وأول من استهدف له موظفو الدولة، حيث فصل الخليفة عددًا كبيرًا منهم، ولم يترك إلا الذين اتضح له عدم الاستغناء عن خدماتهم،٢٠ غير أن خروج أغلب الموظفين أتى على البقية الباقية من نفوذ الذميين، الذين كان لهم الأمر والنهي في مختلف المصالح.٢١
ثم أصبح الاضطهاد عامًّا سنة ٣٩٥ﻫ «١٠٠٤م» وسلط الحاكم غضبه على النصارى والسنيين،٢٢ فأمر الأولين أن يضعوا ملابس تميزهم عن سواهم، كما كتب على المساجد عبارات مهينة للنيل من أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة، ومنع السكان من تناول بعض الأطعمة التي كان يفضلها رؤساء العرب السنيون.
وفي عام ٣٩٩ﻫ «١٠٠٨م» فرض الحاكم قيودًا أخرى على الزي ثم منع الأثرياء من النصارى من امتلاك العبيد واستخدام المسلمين، وأصدر أمره في نفس السنة بهدم كنائس القاهرة ونهب كل ما فيها، ولما علم بأن النصارى يطوفون خارج أسوار كنيسة القيامة بالقدس، في أثناء الاحتفالات الدينية، وخاصة يوم أحد الشعانين وفي عيد الفصح، أمر بهدم الكنيسة، وكان لهذا الإجراء الأخير دوي هائل، لا في الشرق فحسب، بل وفي الغرب؛ إذ «بكى المسيحيون جميعهم»،٢٣ ولا بد أن يكون هذا الإجراء أحد الأسباب المهمة لقيام الحروب الصليبية، وتقول الرواية: إن الكاتب الذي نسخ هذا الأمر كان نصرانيًّا، وإنه مات حزنًا بعد أيام قلائل.

وفي عام ٤٠٠ﻫ «١٠٠٩م»، صدرت أوامر مشددة تقضي بإلغاء الأعياد المسيحية ومنع الاحتفال بها في أنحاء البلاد، وصودرت أوقاف الكنائس والأديرة لحساب بيت المال، ومنع أيضًا ضرب النواقيس، كما نُزعت الصلبان من قباب الأجراس، ووصل الحال إلى أنه طلب إلى النصارى أن يمحوا الوشم من أيديهم وأذرعتهم.

وفي عام ٤٠٢ﻫ «١٠١١م» شاءت إرادة الحاكم أن يعلق النصارى حول عنقهم صلبانًا من الخشب طول الصليب ذراع ووزنه خمسة أرطال، ونفذت مشيئة الحاكم بحذافيرها وخاصة بالنسبة إلى الموظفين، الذين لم يتيسر الاستغناء عنهم «لمضايقتهم».٢٤

وفي ربيع عام ٤٠٣ﻫ «١٠١٣م»، صدر أمر بهدم وسلب الكنائس والأديرة الموجودة في الأراضي المصرية بدون استثناء، وكان على كل موظف نيط به هذا العمل أن يتأكد من هدم الأبنية الموجودة في المنطقة التابعة له هدمًا تامًّا، ويقال: إن عدد الكنائس والأديرة التي هُدمت في ذلك الحين بلغ ثلاثين ألفًا.

ومما زاد الحالة سوءًا، وحشية الرعاع، والسوقة الذين ما لبثوا أن هبوا هبتهم ليحققوا إرادة مولاهم، فمحوا الكنائس محوًا ووصلت بهم ثورة الانتقام إلى نبش القبور واستخراج عظام الموتى لاستعمالها وقودًا للحمامات.٢٥

وصدر بعد ذلك أمر إلى المكاريين والنوتية بأن يرفضوا نقل الذميين.

وأخيرًا، وضع الحاكم أهل الذمة بين أمرين: إما الموت وإما الارتداد عن دينهم، فأسلم عدد كبير من الناس اجتنابًا لهذا الإرهاق، كما هجر بعضهم دورهم سرًّا ولجئوا إلى المناطق التابعة للإمبراطورية البيزنطية، أما الذين كتموا إيمانهم، فكانوا يجتمعون في ندوات خاصة؛ حيث كانوا يخفون الآنية والذخائر المقدسة التي أفلتت من المصادرة والنهب والسلب.

ويذكر المقريزي أمرًا قضى بنفي جميع النصارى إلى أراضي الروم،٢٦ وأن النصارى التمسوا عفو الحاكم بأمر الله، فأذن لهم بالبقاء في مصر،٢٧ ويصف لنا الأنطاكي مشهدًا وقع بالقاهرة عام ٤٠٣ﻫ «١٠١٢م» يدل على اليأس الذي ملك قلوب النصارى، فيقول: «اجتمع سائر من بمصر من الكُتَّاب والعمال والأطباء وغيرهم مع أساقفتهم وكهنتهم وتوجهوا إلى قصره وكشفوا عن رءوسهم في باب القاهرة ومشوا حفاة باكين مستغيثين إليه يسألونه العفو والصفح، ولا يزالوا في طريقهم يقبلون التراب إلى أن وصلوا إلى مقره، وهم في تلك الحال، فأنفذ إليهم أحد أصحابه وأخذ منهم ورقة كانوا كتبوها يلتمسون عفوه عنهم وإزالة سخطه، فأعاد إليهم الرسول ورد عليهم ردًّا جميلًا.».٢٨

لم يتحمل نصارى مصر من الاضطهاد، منذ دخول العرب أرض مصر، أكثر مما تحملوه في عصر الحاكم، ولم يحاول مؤرخ مسلم واحد أن يبرر هذه الأعمال الوحشية، لقد أراد بعض الذين دونوا تاريخ هذه الفترة أن يخففوا من مسئولية الحاكم بحجة ضعف قواه العقلية، غير أنه لا يوجد ما يؤكد أن الحاكم كان مجنونًا، لعله كان شرس الطباع، فكان يجد لذة في تعذيب غيره، ولكنه كان يعي كل أفعاله حتى الغريبة منها، وأكثر من ذلك، لقول إن كل أمر كان يصدر عنه، إنما كان استجابة لفكرة معينة سواء كانت هذه الفكرة حسنة أم سيئة، وإن إغلاق الأماكن العامة ومنع النساء من الخروج إلى الطريق، والعبارات المهينة التي كتبها على جدران المساجد، ما كانت إلا تنفيذًا لخطة مرسومة.

وهكذا استمر الحاكم يعبث بخضوع شعبه له، إلى أن جاء أحد المغامرين من الأندلس اسمه «أبو ركوة» وكان يدعي أنه من بني أمية، فرفع علم الثورة فاجتمع حوله عدد كبير من الناقمين على أفعال الحاكم بأمر الله، فما كان من الحاكم — وهو الخليفة الواقعي الذي يعي تماما كل أفعاله — إلا أن كف عن تحدي السنيين، كما كف عن إيذاء الناس، ثم إنه ألغى بعض الطقوس الخاصة بطائفة الإسماعيلية، كما أدخل بعض التقاليد السنية.

ولم يكن ادعاء الحاكم بأنه إله، إلا نتيجة منطقية لمذهب طائفة الإسماعيلية الشيعي، لا مظهرًا من مظاهر جنونه، ونحن نتساءل، هل كان ادعاؤه الألوهية مقدمة لتسامحه الديني الذي عمل به في آخر عهده، كما يؤكده بعض المستشرقين؟ ليس هناك ما يحملنا على أن نثق بهذا القول، بل يخيل إلينا أن حادثًا خطيرًا حدث في ذلك الحين، فأجبره على التسامح.

إن تعاليم مذهب الإسماعيلية لم تكن جديدة على الفاطميين الذين كانوا يستوحونها في كل وقت، ويتضح من هذا أنها لم توضع موضع الاعتبار فقط منذ أعلن الحاكم دعوته، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد مضت أربع سنوات بين إعلان الدعوة وبين إجراءات العفو التي اتخذها الحاكم نحو النصارى.

كنا نفهم أن يعفو الحاكم عن الذين يعترفون بدعوته ويجزل لهم العطاء، ولكننا نلاحظ عكس ذلك، نراه يسمح للذميين أن يتعبدوا علانية، بل يذهب إلى حثهم على إعادة بناء كنائسهم وأديرتهم وزيارة رهبانهم.

إن الحوادث التي وقعت في آخر خلافته تلقي ضوءًا على ما قدمناه، يذكر لنا الأنطاكي أنه في عام ٤١١ﻫ «١٠٢٨م» توجه الأنبا «صلمون» رئيس دير طور سينا، إلى الحاكم وبسط إليه حالة فقر رهبان الدير المذكور، والتمس منه إعادة الأراضي الموقوفة التي صادرها، فلبى الحاكم طلب رئيس الدير، وفي نفس السنة، استأذن الأنبا صلمون بعمارة دير القصير وبإعادة الرهبان إليه وإقامة الصلوات فيه، فأجابه إلى طلبه، وصدر «سجل» بهذا المعنى إلى «صلمون بن إبراهيم» في شهر ربيع الآخر من عام ٤١١ﻫ،٢٩ وفي جمادى الآخرة من نفس السنة، صدر سجل بإعادة بناء كنيسة القيامة.
وتبع هذا الأمر أوامر أخرى مماثلة شملت الكنائس والأديرة، وتشجع النصارى وأخذوا يطالبون بامتيازات أخرى، ويقول سعيد الأنطاكي: «لما تسامح الحاكم بعمارة الكنائس وتحديدها ورد أوقافها، لقيه جماعة من النصارى، الذين كانوا قد أسلموا في وقت الاضطهاد وطرحوا أنفسهم عليه بين يديه وهم مسترسلون للموت، وقالوا له: إن الذي دخلنا فيه من التظاهر بدين الإسلام، لم يكن باختيارنا ولا برغبة منا، فنحن نسأل أن تأمرنا بالعود إلى ديننا، إن رأيت ذلك، أو تأمر بقتلنا. فأمرهم للوقف بلباس الزنانير ولباس السواد وحمل الصلبان، وكان كل منهم قد أعد عدة غيار ثيابه.»٣٠ ثم يقول المؤرخ المذكور: إن عددًا قليلًا من الناس حذا حذوهم خوفًا من أن يكون الحاكم يريد الإيقاع بهم؛ ذلك لأن الديانة الإسلامية تمنع الردة، ولكن بناء على اقتراح الأنبا صلمون، أكد الحاكم حُسن استعداده نحو النصارى.

وأبرز سعيد الأنطاكي صداقة الحاكم؛ لأنبا صلمون، فروى لنا كيف كان الخليفة يخف إلى تحقيق أماني الراهب جميعها، وكيف كان يقابله كل يوم في الطريق الصحراوي المؤدي إلى دير القصير على جبل المقطم ويسأله عما هو في حاجة إليه حتى إن ألسنة السوء، من بعض المسلمين تناولته بالتشنيع لها، وزعمت أن الخليفة أصبح مريدًا لأنبا صلمون، خاصة بعد أن لبس الحاكم زي الرهبان.

إن هذه التفاصيل وما يليها لها أهمية بالنسبة إلى الأحداث المقبلة، ويواصل الأنطاكي حديثه قائلًا: «وكان في كثير من الأيام يقصد دير القصير ويشاهد عمارته ويحث الصناع على الفراغ منه، وأطلق له دنانير تُصرف عليه، ودفع أيضًا إلى الرهبان المقيمين فيه دنانير ورسم لهم مساعدة البنائين لتروج عمارته،٣١ وكان يعدل أيضًا إلى ديارات جدّدها اليعاقبة بالقرب من القرافة الكبرى، وإذا أراد الدخول إلى الجبل أو الطلوع إلى دير القصير٣٢ أو غيره من الديارات، تتأخر الركابية عنه في الموضع المعروف بالقرافة وإلى الساقية، ويمضي وحده.».

وقد اختفى الحاكم نهائيًّا في إحدى الجولات وظل اختفاؤه سرًّا غامضًا، هل قُتل بإيعاز من أخته «ست الملك» التي هددها بالموت لسوء سلوكها، كما يؤكد بعض المؤرخين؟ إن الأنطاكي لم يستبعد أمر قتله ولكنه لم يعلق عليه، بل اكتفى بالقول بأن ست الملك عندما علمت باختفاء شقيقها، أسرعت فأمرت بالبحث عنه في دير القصير «لئلا يكون مستترًا فيه».

وجاءت أخبار المؤرخين المسلمين متأخرة ومدعاة للشك، ويذكر لنا أبو المحاسن بن تغري بردي أن الحاكم، قبل أن يترك قصره للمرة الأخيرة، أعطى والدته ثلاثين ألف دينار ليؤمنها من العوز، وتقول الرواية نفسها: إن الحاكم كان يرصد النجوم وينتظر أن يظهر في السماء نجم معين يعلن بنهاية عمره، فلما رآه ليلة اختفائه، أذاع الخبر بصوت مرتفع يسمعه من حوله، ولكنه قام بجولته الليلية كعادته بعد أن صفى أعماله الشخصية كأنه لن يعود أبدًا،٣٣ أما الأسقف ساويرس بن المقفع، الذي دوَّن تاريخه ثلاثين سنة بعد وفاة الحاكم، فإنه لم يذكر ست الملك، بل اكتفى بالقول بأن الخليفة صرف الخادمين اللذين كانا برفقته بعد أن أمرهما بعقر الحمار، ثم اختفى.٣٤
زد على ذلك أن الشعب كان مقتنعًا بأن الحاكم لم يزل على قيد الحياة حتى إن أحد الدجالين، واسمه «سكين» ادعى في سنة ٤٣٤ﻫ «١٠٤١م» أنه الخليفة، وكان يشبهه شبهًا كبيرًا، وصدقه عدد كبير من سكان الفسطاط فتبعوه ويمموا معه شطر قصر الخليفة وهم يصيحون: «ها هو الحاكم!».٣٥

وسواء قُتل الحاكم، أم اختفى، أم لجأ إلى دير من الأديرة، فإن هناك حقيقة واقعة لا سبيل إلى إنكارها وهي أنه، قبل أن يترك عرشه، قضى على نفوذ النصارى في مصر، ومنذ ذلك الحين، أصبح الأقباط مهملين في الدولة، وأصبح تاريخهم عبارة عن جملة أحداث ثانوية، وفقدوا بعد ذلك شخصيتهم تدريجيًّا ليندمجوا في سواد الشعب الذي كان يحتقرهم.

(٤) الظاهر لإعزاز دين الله ٤١١–٤٢٧ﻫ «١٠٢٠–١٠٣٦م»

أخذ نفوذ ست الملك ينبعث من جديد بعد اختفاء الحاكم، وكانت تعطف دائمًا على النصارى فكانت تشجعهم علانية بإرسال الهدايا والعطايا للأسقف الملكي مثلًا.٣٦
وبعد مضي بضع سنوات؛ أي: في عام ٤١٨ﻫ «١٠٢٧م» «وقعت الهدنة مع صاحب الروم، وخطب للظاهر في بلاده، وأعاد الجامع بقسطنطينية وعين فيه مؤذنًا، فأعاد الظاهر كنيسة القيامة بالقدس، وأذن لمن أظهر الإسلام في أيام الحاكم أن يعود إلى النصرانية، فرجع إليها كثير منهم.».٣٧
وهكذا أقر الظاهر الردة مستصدرًا سجلًّا يقول فيه: «إن الدخول في دين الإسلام يجب أن يكون اختياريًّا لا تحت تأثير القوة.»، فصرح بمقتضاه للنصارى بالعودة إلى عقيدتهم الأصلية،٣٨ لعل هذا الأمر فريد في نوعه في تاريخ الإسلام، وهو أهم حادث في عهد الظاهر، أضف إلى ذلك أنه «عاد من بلاد الروم جماعة من النصارى الذين أسلموا وتظاهروا بالنصرانية، ولم يتعرض لهم أحد، وأخذ منهم وممن عاد من النصارى بمصر أيضًا، الجزية من السنة التي انتهى استخراجها منهم إلى السنة التي عاد فيها كل واحد منهم.».٣٩
ويقال: إن الظاهر سمح للأقباط بالاحتفال بعيد الغطاس، وبأن يقيموا الملاهي العامة بهذه المناسبة،٤٠ ويبدو بصفة عامة أن الأقباط استعادوا شيئًا من الثقة والطمأنينة في هذا العهد، مما جعل الرحالة المسلم «ناصري خسرو» يقول عن زيارته لمصر عام ١٠٣٥م: «لم أعرف بلاد تتمتع بالأمن والطمأنينة كبلاد مصر، لقد رأيت نصرانيًّا كان أغنى رجال مصر، ولم يستطع أحد أن يُحصي عدد المراكب التي كان يملكها، ولا أن يقدر عدد أملاكه ولا قيمتها فاستدعاه الوزير وقال له: «إن الحالة في هذه السنة غير مرضية وتثقل آلام الشعب على حاشية السلطان، قل لنا ماذا تستطيع أن تعطينا من القمح سواء بعته لنا أو أقرضته لنا؟» فأجاب النصراني: «الحمد لله أني، بفضل ثروة السلطان ووزيره، أملك الآن من القمح مقدرة عظيمة حتى إني أستطيع أن أمد مصر به لمدة ست سنوات.».٤١

لا شك أن في قصة خسرو شيئًا من المبالغة، ولكن إغفاله ذكر الاضطهاد ونقله عن لسان قبطي عبارات بهذه الصراحة، لدليل على أن النصارى كانوا يعيشون في أمان في هذا العهد.

(٥) المستنصر بالله ٤٢٧–٤٩٥ﻫ «١٠٣٦–١١٠١م»

حَكَمَ الخليفة المستنصر البلاد مدة طويلة؛ إذ ارتقى العرش في السابعة من عمره، ولكن خلافته لم تكن مجيدة، فإن اضمحلال الفاطميين الذي بدأ في العصر السابق، ازداد بسبب الفوضى الداخلية، وقد نهب المرتزقة الأتراك قصر الخليفة، ولما جردوه من ثروته، اضطر الخليفة أن يفترش حصيرة في قصره الذي كان خاليًا من كل أثاث، حتى إن أعداءه اللدا رثوا لحالته التعسة وذرفوا الدموع عليها.

لم يؤثر المستنصر على مجرى الحوادث، وبينما كان الجند الأتراك والجند السود يشتبكون في قتال دموي عنيف، وبينما حل في البلاد قحط شديد جعل الشعب يأكل الجثث وأجياف الحيوانات، كان الوزراء يتتابعون على كرسي الحكم، ولم يكن نتيجة ذلك سوى استمرار حالة الفوضى التي انغمست فيها البلاد.

ونحن نذكر هذه التفاصيل الخارجية نوعًا ما عن الموضوع، لنُظهر فقط كيف أرسل الخليفة — وقد أعيته الحيلة — في طلب الأرمني بدر الجمالي. وقد استتب الأمن في البلاد، وخاصة بالنسبة للأقلية، في عهد الوزير الذي كان عبدًا، ثم أسلم فأصبح وزيرًا عظيمًا.

وقبل وصول بدر إلى مصر، كانت الأقلية تتحمل الشيء الكثير من غضب الوزير «اليازوري» و«نصر الدولة»، ففي وزارة اليازوري، تحولت أنظار الفاطميين نهائيًّا نحو الشرق، ولما ثارت تونس على خلافة مصر، لم يجهز اليازوري حملة ضد الثوار، بل لجأ إلى قبيلتي «بني هلال» و«بني سليم» العربيتين حليفتي الفاطميين، وكانت لهما شهرة واسعة في أعمال السلب والنهب على الحدود الغربية للدلتا، وقال لهما: «لقد تركنا لكما ولاية تونس، فاجتاحوها وخربوها»، هذا لأن الفاطميين كانوا وقتئذٍ يساعدون بأموالهم ثورة أحد القواد الأتراك ضد خلافة بغداد (٤٥٠ﻫ/١٠٥٩م)، فلم يهتموا إطلاقًا بمصير بلادهم الأصلية، ولما فشلت الثورة ضد العباسيين، أقيل اليازوري.

وكان من البديهي أن يعتمد حكام مصر في مثل هذه الظروف الحرجة على مؤازرة جميع طبقات الشعب أكثر منه في أي وقت آخر، ولكن يبدو حقًّا أن نفوذ الأقباط تلاشى منذ خلافة الحاكم؛ لأن اليازوري أظهر عدوانه لهم طوال مدة حكمه، وكان ينتهز كل فرصة ليغتصب منهم المال، «فلما اتهم البطريرك خريستودولوس بتحريض ملك النوبة النصراني بعدم القيام بواجباته نحو الخليفة الفاطمي، ألقى اليازوري القبض على البطريرك دون أن يقوم بأي تحقيق، وأمره بدفع مبلغ مائة دينار، ولما جيء به إلى القاهرة، أرسل إلى «عبد الدولة» محافظ منطقة مصر السفلى الذي اقتنع ببراءته، فذهب إلى اليازوري «وأخذ منه في الحال تصريحًا بإطلاق سراحه.».٤٢

وإلينا مَثلٌ آخر «كان رأس القديس مرقس الإنجيلي موضوعًا في الإسكندرية، في منزل أبي يحيى بن زكريا، فلما مرض يحيى مرضه الشديد، خشي عشرةٌ من النصارى — في حالة موته — أن توضع ممتلكاته وأمواله تحت الحراسة، وأن تقع هذه الذخيرة المقدسة بين أيدي المسلمين، فما كان منهم إلا أن نقلوا الصندوق الذي كان يحوي رأس القديس إلى منزل أبي الفتاح والد المؤرخ الذي أتم تاريخ البطاركة، ولكن سبق أن ذاق أبو الفتاح هذا نير الاضطهاد والتغريم، فخشي أن يغضب عليه الخليفة ورفض حفظ هذه الوديعة لديه، وعندئذ نُقل الرأس عند «سرور» الذي كان يسكن أمام أبي الفتاح، فلما بلغ الوزير الخبر، أمر بإلقاء القبض على أبي الفتاح وعلى جميع النصارى الذين اشتركوا في نقل الصندوق، وحتم «كوكب الدولة» محافظ الإسكندرية، أن يعاد إليه رأس القديس مرقس ومبلغ العشرة آلاف دينار التي كانت مع الرأس، ونجح المتهمون في نيل الإفراج عن أنفسهم ما عدا أبا الفتاح الذي أرسل إلى الفسطاط حيث اعتقلته السلطات ليضطر إلى دفع المبلغ الذي حدده المحافظ، وبعد مضي ثلاثة أيام، أطلق سراح أبي الفتاح بعد أن دفع مبلغ ستمائة دينار فقط.».

وهناك حوادث أخرى تثبت عدم اهتمام اليازوري ورجاله بالأقباط، يحدثنا في هذا الشأن صاحب تاريخ البطاركة، فيقول: «إن أبا الحسين الصيرفي، الذي شغل عدة وظائف، ومنها وظيفة قاضي الإسكندرية، عُين آخر الأمر رئيسًا لمجلس العقود، وحدث أن مر بمدينة «دمرو» مقر البطاركة، فادعى أنه لم يحط بالإجلال والاعتبار المناسبين لمركزه، فكتب إلى الوزير خطابًا وجه فيه شتى الاتهامات ضد البطريرك، وذكر فيه أن «دمرو» أصبحت قسطنطينية أخرى؛ إذ يوجد فيها سبع عشرة كنيسة معظمها حديثة البناء، هذا فضلًا عن عدد كبير منها بُنيت حديثًا في القرى المحيطة بالمدينة، وقد بنى البطريرك لنفسه قصرًا نقش عليه عبارات مهينة للديانة الإسلامية.»، وختم القاضي خطابه مقترحًا على الوزير أن يغلق كل الكنائس وأن يأمر بهدم تلك التي بُنيت حديثًا، وأن يعمل خاصة على إلزام النصارى بدفع مبالغ كبيرة في الحال، فأمر الوزير اليازوري بناء على هذا الخطاب، بإغلاق الكنائس في جميع أنحاء مصر، ونفذ نصر الدولة، محافظ مصر السفلى، الأمر، فألقى البطريرك والأساقفة في السجن، وحتم على النصارى أن يدفعوا عشرة آلاف دينار.٤٣
وقد مدَّ المسلمون يد المساعدة أحيانًا إلى الأقباط الذين لم يكونوا يتوقعون ذلك ممن ناصبهم العداء ردحًا من الزمن، لقد ذكرنا قصة عبد الدولة الذي أفرج عن البطريرك بعد أن اقتنع ببراءته، ويبدو أن «حصن الدولة» كان أكثر غيرة منه على حماية الأقباط، فلما أمر الوزير بإغلاق كنائس الإسكندرية ومصادرة كل ما فيها من نفائس، وفرض غرامة على نصارى المدينة تبلغ عشرة آلاف دينار، ما كان من هذا الحاكم إلا أن أرسل في طلب «موهوب» مؤرخ سيرة البطاركة، وعمه «صدقه» الذي كان يعمل تحت إمرته، وقال لهما: «هذا كتاب يخصكما، إنه يحوي أوامر يجب أن أضعها موضع التنفيذ غدًا، فاذهبا في الحال وجردا كنائسكم سرًّا من الأواني والحلي وكل ثمين فيها.»٤٤ إلا أن أحد الرهبان — كما كان يحدث ذلك عادة في مثل هذه الأحوال — وشى بالبطريرك انتقامًا منه؛ لأنه لم يرفعه إلى درجة أسقف.
ثم إن الفوضى التي عمت البلاد بعد وفاة اليازوري، حالت بين النصارى وبين تحسين حالتهم، ولقد انتهز رجال قبيلة البربر المعروفة باسم «اللواتة» فرصة هزيمة جيش المستنصر أمام قوات القائد التركي نصر الدولة، فألقوا القبض على البطريرك خريستودولوس، وبعد أن ذاقوه ألوان العذاب، نهبوا منزله، فأسرع أبو الطيب الزراوي، كاتم سر نصر الدولة، يرجوه أن يفاوض اللواتة ففعل وتمكن من إطلاق سراح البطريرك بعد أن دفع فدية قدرها ثلاثة آلاف دينار،٤٥ غير أن هذا الاتفاق لم يضع حدًّا لأعمال السلب التي كانت تقوم بها هذه القبيلة، فقد اجتاحت مصر السفلى ونهبت أديرة وادي حبيب، وقتلت معظم رهبانها وفرقت شمل الباقين.٤٦

ومما زاد الطينة بلة، أن انتشرت المجاعة في البلاد وكان نصر الدولة في هذه الأثناء يتحدى الخليفة، مدفوعًا بالنجاح الذي لقيه النصر الذي أحرزه، فلم يكن من هذا الأخير إلا أن استدعى بدر الجمالي، وكان عبدًا أرمنيًّا عند الأمير السوري جمال الدولة بن عمار، اشتهر بقوة شكيمته وحدة ذكائه وحسن إدارته، وكان يعتمد على قوة من الأرمن وبعض الفرق المخلصة له.

ويرى المسيو جاستون فبيت في بدر الجمالي أقوى شخصية في مصر الإسلامية، بيد أنه يمتاز أيضًا بطباعه الغريبة عن طباع أهل الشرق «وقد أراد أن يكون دكتاتوريًّا منذ الساعة الأولى، ولما عرض الخليفة عليه الحكم، أملى شروطه ولم يقبل النقاش.»٤٧ وفعلًا، أجاب بدر المستنصر بأن التمرد قد تفشى بين الجند في مصر إلى درجة يستحيل عليه معها أن يعيدهم إلى النظام، وأنه لن يطيع أوامر الخليفة إلا إذا سمح له باستبدالهم بجنود آخرين من سوريا، وفي هذه الحالة يضمن للبلاد الأمن والسلام،٤٨ وسلمه الخليفة حينئذ براءة مزينة بالألقاب الآتية: «السيد الأجل أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين.».

وبدأ بدر عمله باغتيال أمراء الأتراك في أثناء مأدبة أعدها لتكريمهم، فلما خلا الجو من المعارضين، أخذ يعمل بكل ما أوتي من نشاط لإنماء موارد البلاد والمحافظة على الأمن داخل الحدود وخارجها.

ولم تذكر لنا المصادر العربية تفاصيل إدارته، واكتفت بالإشارة إلى الهدوء والرخاء وإنماء الزراعة وزيادة الدخل السنوي في عهده.

ومن الطبيعي أن تميل العلاقات بين المسلمين والنصارى إلى الاعتدال في ظل حكومة حكيمة، وكان النصارى، على الأخص، ينظرون بعين الرضا إلى هذا الأرمني الذي حكم البلاد حكمًا مطلقًا؛ ذلك لأنهم كانوا يعتبرونه، رغم اعتناقه الإسلام، واحدًا منهم، كما كان هو أيضًا يشملهم بعطفه ويفصل بالعدل في الشكاوى المقدمة منهم،٤٩ ولم يترددوا في طلب تحكيمه في منازعاتهم الدينية البحتة، ويؤيد ذلك، الحادث الذي رواه الأب رينودو في تاريخه: «في عام ٤٧٥ﻫ «١٠٨٢م»، جاء اثنان وخمسون أسقفًا مصريًّا إلى بدر الجمالي يشكون إليه البطريرك كيرلس، وبعد أن حثهم الوزير على العيش في وئام واتحاد، وطلب إليهم أن يحترموا رئيسهم الديني، أوصاهم بعدم جمع الأموال وتكديسها وأبان لهم أفضلية صرف الإيرادات المتحصلة على أسقفياتهم في أوجه البر، ثم صرفهم بعد أن سلم إلى كل واحد منهم جوازًا يحميهم من كل جور.٥٠
وكان عطف بدر الجمالي على النصارى لا يدل على تحيز أو ممالأة: شكا له بعض التجار المسلمين أن «فكتور»، أسقف النوبة، قد هدم مسجدًا، ما كان منه إلا أن أمر في الحال بإلقاء القبض على البطريرك خريستودولوس وحمَّله مسئولية هذا العمل، ثم يذكر لنا «رينودو» أن بدر الجمالي أصدر مرسومًا سنة ٤٧٩ﻫ يأمر النصارى واليهود أن يتمنطقوا بزنار أسود، وأن يدفعوا ضريبة استثنائية قدرها دينار وثلث الدينار عن كل فرد،٥١ والحقيقة أن هذه الضريبة لم تكن إلا حجة تقليدية لملء خزينة الدولة.

تُوفي بدر سنة ٤٨٧ﻫ «١٠٩٤م»، فعُين الخليفة من تلقاء نفسه الأفضل ابن المتوفى، وزيرًا، وقد أخذ لقب شاهنشاه، وتُوفي الخليفة بعد وفاة بدر ببضعة شهور، ونشبت أول الحروب الصليبية في حكومة الأفضل شاهنشاه، وسنتكلم عنها في الباب التالي.

لقد ثبت بدر وابنه النفوذ الأرمني في مصر، وامتد هذا النفوذ إلى عهد «بهرام» الوزير النصراني للخليفة الحافظ لدين الله، الذي جاء بعد الخليفة الآمر بأحكام الله.

(٦) الآمر بأحكام الله ٣٩٥– ٥٢٥ﻫ «١١٠٢– ١١٣١»

هو ثالث الخلفاء الفاطميين الذين تولوا الحكم في مصر وهم في سن صغيرة؛ إذ كان عمره خمس سنوات حينما تُوفي والده، ولما كان الأفضل، ثم المأمون، قد رفضا التنازل عن حكمهما المطلق، انتهز الآمر أول فرصة سنحت له في عام ٥١٩ — وكان عمره آنذاك ٢٩ عامًا — ليستدرج سلطته، ورفض أن يعين وزيرًا خلفًا للمأمون، بل اكتفى بتعيين رئيسين هما جعفر بن عبد المنعم وأبو يعقوب إبراهيم السامري، وكان يشرف على أعمالهما راهب قبطي اسمه ابن أبي النجاح،٥٢ وأبو النجاح هذا بالغ في محاباة النصارى على حساب المسلمين،٥٣ ويذكر لنا القلقشندي بعض التفاصيل التي تدل على أن الأقباط نسوا بسرعة الأسباب التي أدت إلى اضطهادهم في عهد الحاكم بأمر الهت، وكتب صاحب «صبح الأعشى» ما يأتي: «في أيام الآمر بأحكام الله الفاطمي بالديار المصرية، امتدت أيدي النصارى وبسطوا أيديهم بالخيانة وتفننوا في أذى المسلمين وإيصال المضرة إليهم، واستعمل منهم كاتَّبًا يعرف بالراهب ولُقب بالأب القديس الروحاني النفيس أبي الآباء وسيف الرؤساء، مقدم دين النصرانية وسيد البطريركية، صفي الرب ومختاره، وثالث عشر الحواريين، فصادر اللعين عامة من الديار المصرية: من كاتب وحاكم وجندي وعامل وتاجر، وامتدت يده إلى الناس على اختلاف طبقاتهم، فخوفه بعض مشايخ الكتاب بخالقه وباعثه ومحاسبه وحذره من سوء عواقب أفعاله، وأشار عليه بترك ما يكون سببًا لهلاكه، وكان جماعة من كُتاب مصر وقبطها في مجلسه، فقال مخاطبًا ومسمعًا للجماعة: «ونحن ملاك هذه الديار حرثًا وخراجًا، ملكها المسلمون منا وتغلبوا عليها واغتصبوها واستملكوها من أيدينا، فنحن مهما فعلنا بالمسلمين، فهو قبالة ما فعلوا بنا، ولا يكون له نسبة إلى من قتل من رؤسائنا وملوكنا في أيام الفتوح، فجمع ما نأخذه من أموال المسلمين وأموال ملوكهم وخلفائهم حلّ لنا، وهو بعض ما نستحقه عليهم، فإذا حملنا لهم مالًا، كانت المنة لنا عليهم.»، فاستحسن الحاضرون من النصارى والمنافقين ما سمعوه منه واستعادوه.».٥٤

إذا لم نستطع أن نجزم بصحة هذه الرواية، فإننا نستطيع أن نؤكد أن ابن أبي النجاح كان مكروهًا من الشعب، وقُتل فعلًا سنة ٥٢٣ﻫ «١١٢٩م»، أما الخليفة فقد أحب شعبه ومات في السنة التالية مقتولًا هو أيضًا.

كيف نعلل العودة إلى التسامح الديني في عهد الآمر بأحكام الله؟ يرد المسيو فييت على ذلك قائلًا: «هناك عدة فروض تتصل بهذا الأمر: فربما وجدنا في مصر رابطة تشبه الاتحاد المقدس الذي يعقب عادة النكبات الوطنية، ولقد نكب الشعب بسبب المجاعة التي حلت في عصر المستنصر، ويجب ألا ننسى أن التجارة والزراعة كانتا بين أيدي النصارى تقريبًا، ويمكننا أن نفرض أيضًا أن مبادئ الإسماعيلية التي انتشرت منذ عهد المستعلي، أغضبت عددًا كبيرًا من المسلمين وأبعدتهم عن حكومتهم، فنهج وزراء الآمر سياسة التوازن الطبيعية، ويبدو أنهم وجدوا عند النصارى الحظوة التي فقدوها عند غيرهم.».٥٥
وفي رأينا أن سياسة بدر الجمالي والأفضل شاهنشاه لم تكن غريبة عن هذا الجو المشبع بالعطف على النصارى، ومن المحتمل أيضًا أن يكون الآمر قد أصدر، اطمئنانًا للرأي العام الإسلامي، مرسومًا يأمر فيه حكام الولايات بعدم إعفاء الذميين من الجزية حتى ولو كان الذمي من علية قومه، وعدم السماح له بإرسال جزيته عن طريق شخص آخر، حتى لو كان من أعيان أو رؤساء ملته، وإنما تُؤخذ الجزية منهم مباشرة، إذلالًا لهم وتمجيدًا للإسلام والمسلمين، وأن يدفع جميع الذميين الجزية بدون تحقيق أو استثناء.٥٦

لولا الجملتان المهمتان اللتان يحويهما هذا المرسوم، لما كانت له قيمة تاريخية، ففي عهد الفاطميين، حظي النصارى بكل التسهيلات اللازمة لدفع الجزية حفظًا لكرامتهم، كما أُعفوا كلية في بعض الحالات من سداد هذه الضريبة، وفعلًا، كيف يتصور وزيرًا يهيمن على شئون الإمبراطورية الفاطمية بأسرها، ثم يقوم بنفسه لدفع جزيته؟ ولا شك أن هذا وضع قد يقلل من شأنه أمام مرءوسيه، فالوثيقة التي ذكرها ابن النقاش تلقي ضوءًا على ناحية غامضة من التاريخ الإسلامي.

وقد اشتهر الآمر بميله إلى زيارة الأديرة، وكان يبني بجوارها المناظر ليمضي فيها ساعات طويلة.٥٧
وقد لامه المسلمون، فيما لاموه عليه، إهماله الشديد للحرب المقدسة وللحملات ضد الصليبيين مما جعل الإفرنج يستولون في عهده على جزء كبير من ساحل سوريا وعلى مواقع حصينة أخرى.٥٨

(٧) الحافظ لدين الله ٥٢٥–٥٤٤ﻫ «١١٣١–١١٤٩م»

لم تمنع نهاية الآمر المحزنة خليفته وابن عمه، الحافظ لدين الله، من أن يولي ثقته أحد الأرمن النصارى، واسمه «بهرام»، وكتب المؤرخ يوسف بن مرعي، معلقًا على هذا التعيين، أن الشعب قَبِلَ على مضض هذا التعيين المنافي للنظم المتبعة والذوق السليم، وأن بعض رجال الحاشية احتجوا على ذلك وأخبروه بأنه لا يليق أن يتولى نصراني الوزارة؛ لأن من واجب الوزير أن يكون في معية الخليفة في صلاة الجمعة، ولكن الحافظ أصر على رأيه، وقرر أن ينوب قاضي القضاة عن بهرام في هذه المناسبة.٥٩
كما أن الأقباط لم يرتاحوا لوزارة بهرام؛ ذلك لأنهم كانوا ينظرون بعين القلق إلى ازدياد عدد الأرمن في مصر، والواقع أن هذا الوزير لم يكتفِ بإحضار أقاربه وإسناد الوظائف المهمة إليهم، ومنحهم دخلًا كبيرًا، بل شجع هجرة أكثر من ثلاثين ألف أرمني إلى مصر، «وإلى جانب قلق الأقباط وغيرتهم، كان المسلمون حاقدين ومذهولين من ازدياد نفوذ النصارى؛ إذ تعدد بناء الكنائس والأديرة حتى خيف على مستقبل الديانة الإسلامية».٦٠
ولما انتزع رضوان السلطة من بهرام، نجح في كسب عطف الجماهير باستغلال شعورهم الديني، وقال المقريزي في هذا الشأن إن رضوان «أوقع بالنصارى وأذلهم فشكره الناس.»٦١ فأخرج الموظفين النصارى وخاصة الذين عينهم بهرام، ثم أراد أن يحكم البلاد حكمًا مطلقًا، ولكن الحافظ لم يسمح له بذلك، وبعد أن كان يتحداه باستقبال بهرام في مقره، أثار جنده عليه غير أن مركز بهرام ازداد سوءًا، فاضطر أن يرحل إلى أسوان؛ حيث قضى بقية أيامه في دير مجاور لهذه المدينة، وبرحيله زال النفوذ الأرمني من مصر.

(٨) آخر الخلفاء الفاطميين ٥٤٤–٥٦٧ﻫ «١١٤٩–١١٧١م»

تعود أهمية تاريخ هؤلاء الخلفاء إلى ارتباطهم ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الحروب الصليبية، وفي اليوم الذي استنجد الخليفة العاضد لدين الله بجيوش نور الدين لينقذه من الصليبيين، حكم على أسرته بالزوال.

الخلفاء الفاطميون والأعياد المسيحية

لم يقتصر عمل الخلفاء الفاطميين على إسناد وظائف الدولة الرئيسية إلى الذميين، بل أعادوا التقليد الذي سنه محمد الإخشيدي بالاشتراك في الحفلات الدينية المسيحية، ولكن بينما كان الإخشيديون يشتركون في هذه الأعياد بصفتهم الشخصية، صبغها الفاطميون بالصبغة الرسمية، فلم يعودوا يحضرونها بصفتهم الشخصية، بل الدولة نفسها هي التي أصبحت تحتفل بهذه الأعياد.

وقد وصفنا من قبل عيد الغطاس، نقلًا عن المسعودي، ولما جاء المعز، ألغى هذا العيد، ولكن لم يلبث أن أعاد العزيز الاحتفال به احتفالًا عظيمًا، وفي عام ٣٨٨ﻫ؛ أي: في أوائل عصر الحاكم، ذكر المقريزي، نقلًا عن المسبحي، أن السلطة استمرت تحتفل بهذا العيد بالأبهة نفسها، برئاسة فهد بن إبراهيم، كاتم أسرار الوزير برجوان، وفي سنة ٤٠١ﻫ ألغى الحاكم هذا الاحتفال بعد أن شرع في حركة الاضطهاد الكبرى التي قام بها، ولما خلفه الظاهر، صرح بإقامة العيد ثانية سنة ٤١٥ﻫ، ولكن اشتراكه فيه كان اشتراكًا سلبيًّا، إن صح هذا التعبير، وقال المقريزي: «نزل أمير المؤمنين، الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، لقصر جده العزيز بالله لينظر الغطاس ومعه الحرم، ونودي ألا يختلط المسلمون مع النصارى عند نزولهم إلى البحر في الليل، وأمر الخليفة الظاهر لإعزاز الدين بأن توقد المشاعل والنار في الليل، فكان وقيدًا كثيرًا، وحضر الرهبان والقساوسة بالصلبان والنيران، فقسسوا هناك طويلًا إلى أن غطسوا.».

وكان الملكيون واليعاقبة يحتفلون معًا بهذا العيد، وكان الملكيون يخرجون من كنيسة القديس ميخائيل بقصر الشمع، فإذا ما وصلوا إلى ضفة نهر النيل، وعظهم أسقفهم باللغة العربية ثم استنزل نعم الله على الخليفة وأفراد البلاط، الذين يريدونه، ثم كانوا يقفلون عائدين إلى كنيستهم بنفس الطريقة التي جاءوا بها حاملين الشموع والصلبان حيث كانوا يختمون صلواتهم.٦٢

ويروي لنا ابن إياس عن هذا الاحتفال تفاصيل غريبة، فيقول: إن «البحر كان يمتلئ بالمراكب والزوارق، ويجتمع فيها السواد الأعظم من الخاص والعام من المسلمين والنصارى، فإذا دخل الليل تُزين المراكب بالقناديل وتُشعل فيها الشموع، وكذلك على جوانب الشطوط من بر مصر والروضة، وكان يُشعل على الشطوط في تلك الليلة أكثر من ألفي مشعل وألف فانوس وتنزل رؤساء القبط في المراكب، وكان ينفق في تلك الليلة من الأموال ما لا يُحصى من مأكل ومشرب، وتتجاهر الناس بشرب الخمر، وتجتمع أرباب الملاهي من كل فن، ويخرج الناس في تلك الليلة عن الحد في اللهو والفرجة، ولا يغلق في تلك الليلة دكان ولا درب ولا سوق، وكانوا بعد العشاء يغطسون في بحر النيل، النصارى مع المسلمين معًا، ويزعمون أن من يغطس في تلك الليلة يأمن من الضعف في تلك السنة.».

وهناك عيد آخر في أهمية هذا العيد، ألا وهو النيروز؛ أي: رأس السنة القبطية، وشكا كبار المؤرخين المسلمين من أن الأقباط كانوا في هذه المناسبة يفرطون في استغلال الحرية التي كانت تُمنح لهم، فيضرون بالأخلاق كل الضرر، وكان المحتفلون بهذا العيد يلهون بصب المياه القذرة على المارين، فيقول المقريزي عندما وصف لنا عيد نيروز سنة ٥١٧ﻫ «١١٢٣م» في خلافة الآمر: «وصلت الكسوة المختصة به من الطراز وثغر الإسكندرية مع ما يبتاع من المذاب المذهبة والحريري والسوادج، وأطلق جميع ما هو مستقر من الكسوات الرجالية والنسائية والعين والورق وجميع الأصناف المختصة بالموسم على اختلافها وأسماء أربابها، وأضاف النوروز البطيخ والرمان، وعراجين الموز وأفراد البسر وأقفاص التمر القوصّي وأقفاص السفرجل، وبكل الهريسة المعمولة من لحم الدجاج ولحم الضأن ولحم البقر من كل لون بكلة مع خبز برّ مارق، وأحضر كاتب الدفتر الإثباتات بما جرت العادة به من إطلاق العين والورق والكسوات على اختلافها في يوم النيروز، وغير ذلك من جميع الأصناف، وهو أربعة آلاف دينار وخمسة عشر ألف درهم فضة.».٦٣

ويضيف المقريزي إلى ما تقدم أن الأسواق كانت تقفل في هذه المناسبة، ويكاد لا يمر أحد في الشوارع، وكانت توزع النقود على موظفي الدولة وعلى نسائهم وأولادهم.

وكان عيد الميلاد ثالث عيد يحتفل به احتفالًا عظيمًا في عهد الفاطميين وكان من رسوم الدولة الفاطمية فيه تفرقة الجامات المملوءة من الحلاوات القاهرية والمقارد التي فيها السمك وقرابات الجلاب وطيافير الزلابية والبوري، فيشمل ذلك أرباب الدولة،٦٤ أصحاب السيوف والأقلام، بتقرير معلوم، ويقول المقريزي أيضًا: «أدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر أقاليم مصر موسمًا جليلًا يُباع فيه من الشموع المزهرة بالأصباغ المليحة والتماثيل البديعة بأموال لا تحصى، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله، كانوا يسمونها الفوانيس واحدها فانوس، ويعلقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئًا يخرج عن الحد في الكثرة والملاحة ويتنافس الناس في المغالاة في أثمانها.».
وهناك عيد آخر كان المحتفلون به يتجاوزن حدود اللياقة، ألا وهو عيد الشهيد،٦٥ وقد أُلغي في عهد المماليك، وفي هذا العيد، كانوا يغمسون في النيل أصبع قديس، وكان الشعب يعتقد أن النيل لا يفيض إلا إذا غمس فيه سنويًّا أصبع هذا القديس، ويؤكد المؤرخون أن فلاحي شبرى كانوا يعتمدون على بيع المشروبات الروحية في أثناء هذا الاحتفال لدفع الضرائب المقررة عليهم.

وكانت الحكومة، في عهد الفاطميين، تصك أيضًا خمسمائة دينار ذهبًا بمناسبة عيد العهد، وكان هذا المبلغ يوزع على جميع أرباب الرسوم.

ومن عادة النصارى في أخميم «إذا عملوا عيد الزيتونة، المعروف بعيد الشعانين، أن يخرج القساوسة والشمامسة بالمجامر والبخور والصلبان والأناجيل والشموع المشعلة ويقفوا على باب القاضي، ثم أبواب الأعيان من المسلمين فيبخروا ويقرءوا فصلًا من الإنجيل، ويطرحوا له طرحًا، يعني يمدحونه».

ولما تولى الأيوبيون الحكم، أبطلوا جميع هذه العادات.

•••

لقد ذكرنا الحوادث العديدة والمتنوعة التي تتعلق بالعلاقات بين الأقباط والمسلمين في هذه الفترة، وأشرنا إلى أهميتها، ولكننا نشعر بعدم اهتدائنا إلى الطريق إذا أردنا الكشف عن الأسباب التي وجهت سياسة هذا الخليفة أو ذاك.

وهناك نقطة من شأنها أن تلقي بعض الضوء على أبحاثنا، ذلك أن نظام الفاطميين كان يشبه إلى حد غريب الماسونية في أيامنا هذه، وكان أتباعهم يحاطون بأسرار طقوسهم شيئًا فشيئًا، كما كانوا يجتمعون في محافل حسب درجاتهم.

ولا بد أن تكون هناك — كما هو الحال في الماسونية — كلمات مصطلح عليها، بعضها معروفة لدى الجميع وبعضها لا يعرفها إلا كبار الرؤساء، ومن البديهي ألا نعرف هذه المصطلحات، كما أنها ستظل في عالم الغيب إلى الأبد، لذلك فإن بعض مظاهر السياسة الفاطمية ستبقى مجهولة، فلن نستطيع أن نجزم بأن العزيز أو الحاكم أو من جاء بعدهما من الخلفاء كانوا يستوحون أوامر المحافل الكبرى، أو أنهم كانوا يعملون وفق ميولهم الشخصية ومصلحة البلاد.

لقد حاول الفاطميون الغرباء عن بلادهم أن يحققوا الوحدة القومية والتعاون الخالص لجميع المسلمين، كما تدل على ذلك، بصفة قاطعة، تصريحات المعز وأعمال قائده جوهر، ولكن يبدو أن الخلفاء عدلوا مبكرين عن التقرب من السنيين بعد أن قاموا بمحاولات فاشلة، ولما أصبح تحت تصرفهم جيش كبير من أهل شمال إفريقيا، ولما عززوه بالعناصر التركية والجنود السود، فضلوا كسب عطف الذميين، الذين لم يزالوا في ثرائهم ونفوذهم حتى قدوم الفاطميين لانتمائهم إلى الطبقة المثقفة المسيطرة على الأداة الحكومية.

وهذا الفرض، لا يمكن إهماله؛ لأن تاريخ الفاطميين يدل على طموحهم، وهم حكام مصر الإسلامية، الذين قطعوا علانية، دون سواهم، صلتهم بمركز الخلافة العباسية، وأعلنوا سيادتهم السياسية والدينية، وكل حاكم في أسرتهم أراد أن يوسع رقعة إمبراطوريته، وكل واحد منهم أراد أن يخلد ذكرى عهده ببناء مسجد في غاية الروعة أو قصر فخم، وكل واحد منهم عاش عيشة كلها ترف ورفاهية، وإذا أحصينا مع المقريزي ثروة الخليفة المستنصر أو خزائن الفاطميين وتحفهم التي نهبها الثوار، يخيل إلينا أننا نقرأ كتاب ألف ليلة وليلة.

وكان الفاطميون لهذه الأسباب في حاجة ملحة إلى المال؛ أي: إلى إدارة منظمة تقوم على عاتق موظفين أكفاء ومخلصين، يقومون بجباية الضرائب في مواعيدها، ويعملون جاهدين على إنماء الثروة الاقتصادية، وكان الأقباط على استعداد تام للقيام بهذا الدور خير قيام.

فلما يأس الفاطميون من استمالة السنيين إلى جانبهم، لجمودهم نحوهم، ولمسوا إخلاص النصارى، الذين كانوا يجمعون بين الكفاءة في الأعمال الحسابية وجباية الضرائب وبين المهارة في إتقان الصناعة، أرادوا أن يردوا جميل الأقباط إليهم، فأظهروا لهم تسامحًا لا حد له.

غير أن هناك نقطة ما زالت تقلقنا: لقد أثار المعز، وهو أول خليفة نزل مصر، إشاعات حول وفاته، ولم يتردد فيها التاريخ القبطي؛ حيث يقول: إن هذا الخليفة ترك الحكم بعد أن اعتنق المسيحية؛ ومن جهة أخرى، بلغ تسامح العزيز مع النصارى درجة تدعو إلى الدهشة بالنسبة إلى عصره؛ أما الحاكم، فإنه اختفى بعد أن تردد آخر شهور خلافته على الرهبان وأصلح الأديرة والكنائس؛ ثم يأتي الظاهر، فيضع قانونًا للردة، ويليه المستنصر الذي أرسل في طلب الوزير الأرمني بدر الجمالي؛ أما الآمر فقد زار الأديرة وزينها وأهمل محاربة الصليبيين، وأخيرًا خاطر الحافظ بحياته ليحمي وزيره بهرام النصراني، هل نستطع أن نجزم بأن الإفراط الذي وقعت فيه هذه الأسرة كان يبرره فقط إخلاص النصارى لها؟

وقد نال الأقباط في هذا العهد المجد والثروة والحظوة والسلطان إلى أن أدى غضب الشعب عليهم إلى اضمحلال نفوذهم؛ ذلك لأن الأقلية الدينية استغلت ثقة الخلفاء لهم ليفوزوا بأكبر نصيب من التسامح للذميين، بينما أظهروا عدم مبالاتهم، بل جهروا بعداوتهم للأغلبية الدينية.

وقد استطعنا بفضل كتاب «قانون ديوان الرسائل» لابن الصيرفي، أن نُكوِّن فكرة عن طريقة العمل في المصالح الأميرية، وهذا ما يقوله المؤلف عن التأشيرات التي كانت تُكتب على العرائض: «فلعهدي بالتوقيعات، يكتب على بعضها «يعرض» وعلى أكثرها «يجدد عرضها» وما أشبه ذلك من الفوارغ التي لا معنى لها وتُعاد إلى أصحابها، فإذا كتبوا غيرها وقع عليها مثل ذلك أيضًا، وأما «لا سبيل إلى ذلك» فهي لفظة قد اعتادها حتى لو التمس نصراني أن يسلم أو مسلم أن يبني مسجدًا من ماله في أرض مباحة لا مالك لها، لوقع على رقعته: «لا سبيل إلى ذلك» ولا يوقع إلا فيما كان تخطيطه الجزية على الذمة أو عمارة الكنائس، وما أشبه ذلك لكون بعض من يوقع فيها نصرانيًّا.».٦٦
ولا عجب لذلك، فإن الأقباط كانوا يأملون في ذلك الوقت باسترداد النفوذ، الذي كانوا يتمتعون به عندما فتح العرب مصر، فلما اضطهدهم الحاكم فكروا فيما آلوا إليه من بؤس وأسفوا على المجد الذي بلغوه قبل أن ينحدروا إلى الظلام الحالك.٦٧

هوامش

(١) المقريزي، اتعاظ الحلفاء، ص٨٨.
(٢) ابن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور، طبع بولاق جزء ١، ص٤٦، ٤٧.
(٣) الأنطاكي، ص١٣٩.
(٤) P.O., III, p. 384. وكان ساويرس بن المقفع يشترك في هذه المناقشات.
(Wucslenfeld, Geschichte des Fatimiden, p. 127); Ibn Al Rahib, p. 133.
(٥) أبو صالح الأرمني، ص١١٦، ١١٧.
(٦) لا يؤمن رينودو بهذه المعجزة، وهو يلاحظ أن مكين النصراني والمقريزي امتنعا عن الإشارة إلى هذا الحادث، ولكن «مارك بول» البندقي، الذي عاد إلى بلاده عام ١٢٩٥م، جاء معه ببعض التفاصيل المتعلقة بهذا الحادث، ويدعي كل من اليعاقبة والملكي أنهم أصحاب هذه المعجزة.
(٧) لم يذكر مؤرخ مشهور قصة اعتناق المعز الدين المسيحي، أما سعيد الأنطاكي، فلم يتكلم عن معجزة الجبل، ولكنه يذكر، بدون قصد الوصول إلى نتيجة معينة، أن خبر موت المعز ظل مكتومًا زهاء ثمانية أشهر وأنه في يوم من الأيام، قبل وفاته، جعل أسرته تبايع ابنه العزيز الخلافة «ص١٤٦».
(٨) Encyclopedie de l’Islam, art. “Aziz bi amr Illah”.
(٩) الأنطاكي، ١٧٢.
(١٠) ذيل تاريخ دمشق، طبعة ليدن وبيروت، ص٣٢.
(١١) يدعي بعض المؤرخين أمثال يوسف بن مرعي القدسي أن الذي حمل العريضة هو شخص معين شق طريقه بين الجماهير المحتشدة واختفى بعد ذلك، أما المكين فهو يضع هذا الحادث في عهد الحاكم بأمر الله الذي انتقم لهذه الجرأة بإحراق العاصمة (Vatticr, p. 267–8).
(١٢) أبو صالح، ص٣٥.
(١٣) أبو صالح، ص٣٥.
(١٤) كتبه المستشرق «كاتريمير» باللغة اللاتينية (Vasah).
(١٥) ص١٧٨–٩.
(١٦) ابن القلانسي، ص٦٠.
(١٧) لما أخذ الحاكم يبشر بألوهيته عام ٤٠٨ﻫ، غضب الشعب وثار وعاد يهاجم قصر الخليفة طالبًا درازي، فانتقم الحاكم لذلك بإحراقه القاهرة.
(١٨) ابن القلانسي، ص٥٦.
(١٩) رينيودو، ص٣٩٥.
(٢٠) يقرر المقريزي أن طبيب الحاكم النصراني أعاد كثيرًا من الموظفين بعد رفتهم بأسبوع واحد.
(٢١) الأنطاكي، ص١٨٥.
(٢٢) وأخذ الحاكم يحرق المصاحف التي كُتبت في عهد الحكام السنيين.
(٢٣) Michaud, Histoire des Croisades, 7e edil, I, p. 24.
(٢٤) الأنطاكي، ص١٩٥.
(٢٥) الأنطاكي، ص١٩٥.
(٢٦) قد يقصدون هنا النصارى الملكيين، أما الأنطاكي، فلم يتحدث عن النفي، بل عن حركة هجرة سرية سن لها الحاكم قانونًا فيما بعد.
(٢٧) الخطط، جزء ٢، ص٤٩٦.
(٢٨) الأنطاكي، ص١٨٨.
(٢٩) الأنطاكي، ص٢٩٩.
(٣٠) الأنطاكي، ص٢٣٠—٣١. ويذكر الأنطاكي مضمون كل سجل ويوصفه وصفًا دقيقًا.
(٣١) )الأنطاكي، ص٢٣٢—٢٣٣.
(٣٢) كان ديرًا للملكيين.
(٣٣) أبو المحاسن، طبع دار الكتب، الجزء الرابع.
(٣٤) انظر أيضًا: S. de Sacy, Religion des D’uzes, I, P. CCCXVI.
(٣٥) Quatrémere, Mémoires, II, p. 342.
(٣٦) الأنطاكي، ص٢٣٧.
(٣٧) الخطط، جزء ١، ص٣٥٥.
(٣٨) الأنطاكي، ص٢٣٥—٦.
(٣٩) الأنطاكي، ص٢٣٩.
(٤٠) ابن إياس، جزء ١، ص٥٨.
(٤١) Sefer Nameh, Publié, traduit et annoté par Ch. Schefer, P. 155–6.
(٤٢) Quatremére, Memoias, II, p. 299–800.
(٤٣) Quatremére, Memoires, II, p. 342–5.
(٤٤) Quatremére, Memoires, II, p. 347–8.
(٤٥) idem, II, p. 398–9.
(٤٦) idem, II, p. 400.
(٤٧) Les Mosquees du Cairo, I, p. 34.
(٤٨) الخطط، جزء ١، ص٣٨٢.
(٤٩) وجاء عدد كبير من الأرمن إلى مصر في عهد الجمالي، واستقبلت السلطات المحلية البطريرك «جريجوار» الأرمني استقبالًا حافلًا، وأعطوا له كنيسة طره «أبو صالح ص٤٧».
(٥٠) ص٤٥٧–٩.
(٥١) رينودو، ص٤٥٧–٩.
(٥٢) هو غالب ابن النجاح الذي قُتل في عهد الحاكم.
(٥٣) خطط المقريزي، جزء ٢، ص٢٩١.
(٥٤) صبح الأعشى، جزء ٢، ص٢٩١.
(٥٥) Maétriaux pour un Corpris, Mémoires I. F. A. O. “Egypte” II.
(٥٦) ابن النقاش.
(٥٧) يذكر أبو صالح أن الآمر أنشأ منظرة في دير الناهية وتوجها بقبة كبيرة «ص ٦٢».
(٥٨) الخطط، جزء ٢، ص٢٩١.
(٥٩) Passe-Temps, dans Reuue d’Egypte, Juin 1895.
(٦٠) G. Wiet, L’Egypte Arabe dans Hist, Nation Egypt, IV. P. 275.
(٦١) الخطط، جزء ١، ص٣٥٧.
(٦٢) الأنطاكي، ص١٩٦، ويقول هذا المؤرخ: ان الحاكم حضر هذا الاحتفال عدة مرات متنكرًا.
(٦٣) الأنطاكي، ص١٩٦، ويقول هذا المؤرخ: ان الحاكم حضر هذا الاحتفال عدة مرات متنكرًا.
(٦٤) الخطط، جزء ١، ص٤٩٣.
(٦٥) الخطط، جزء ١، ص٤٩٤، P. O. X. fasc4, p. 322.
(٦٦) نجهل في أية سنة بدأ الأقباط يحتفلون بعيد الشهيد.
(٦٧) مصر، مطبعة الواعظ، ١٩٠٥، ص١٥٠، ١٥١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢