كلمة من المؤلف

ولم أرَ كامرئٍ يرنو لضيمٍ
لهُ في الأرض سيرٌ والتواءُ
وما بعض الإقامة في ديارٍ
يُهان بها الفتى إلا عناءُ

قُضيَ عليَّ أن أُولد في المملكة العثمانية من والدين عثمانيين لحكمة لستُ أدرك غايتها، كما قُضيَ على سائر العثمانيين أن يصيروا إلى حالة سقوطهم الحاضرة؛ فلا هم في مقدمات الأمم المتمدنة، ولا هم في أُخرياتها.

يعجزون بعجز حكومتهم وظلمها عن إدراك شأو سواهم، ثم لا يمكن أن يُقال عنهم إنهم في حالة الخمول؛ لأنهم مع كل التضييق الحاصل لهم قد تقدموا خطوة مهمة في العلم والمدنية.

أما أنا فتوالت عليَّ النكبات؛ فأول مصيبة أُصبتُ بها أنني وُلدت في بيروت، فصرت بحق مولدي — وليس بإرادتي — من رعايا الحكومة العثمانية، وهذه أنكى المصائب وأُولاها.

والنكبة الثانية أن أهلي أرسلوني إلى المدارس حيث تلقيت شيئًا من العلم، فأصبحت في علمي أستحق أن يشفق عليَّ الجاهل، وصرت أتمثل بقول الشاعر:

من لي بعيش الأغبياء فإنه
لا عيش إلا عيش من لم يعلمِ

والنكبة الثالثة أنني تعلمت اللغة الإنكليزية بنوعٍ خاصٍّ، فأصبحت لا أقوى على احتمال الخمول وأنا أقرأ جرائد أوروبا ومؤلفاتها وأغذِّي عقلي بمبادئ التقدم والحرية، وهكذا تولدت فيَّ الأميال إلى نصرة الحق والرغبة في مقاومة الظلم ولو كان في ذلك هدر دمي.

والنكبة الرابعة أنني بعد خروجي من المدرسة عُهد إليَّ بتحرير جريدة «لسان الحال»، فلبثت في ذلك العمل مدة ٨ سنوات. وأمسكت زمام الرأي العام كلَّ تلك المدة، إلَّا أنني لم أقدر أن أستعمل حريتي في إدارته، فكنتُ كمن وضعتَ أمامه الحلوى وهو مغرم بأكلها ثم منعته عن أن يمسها بيده، وأدركت من مطالعة الصحف الأوروبية منزلة الحرية ومقام الإخباري، ولكنني لم أقدر أن أستعمل شيئًا من ذلك، فكنتُ على حد قول الشاعر:

ألقاهُ في اليمِّ مكتوفًا وقال لهُ
إياك إياك أن تبتلَّ بالماء

والنكبة الخامسة أنني رحلت إلى أوروبا فزرت إيطاليا وفرنسا، وأقمتُ في إنكلترا نحو عامين أقرأُ جرائدها وأجتمع على رجال الصحافة وأرباب السياسة فيها، وأحضر جلسات البرلمان ومجتمعات الأدباء وأسمع خطب الخطباء، فَقَويتْ فيَّ أميالي إلى الحرية وزدت تقديرًا لمقام هذه الإلهة العصرية.

والنكبة السادسة والأخيرة أنني اضطُررت — حفظًا لمصالح سواي — أن أهجر بلاد الحرية وأعود إلى بيروت، فعدت إلى تحرير «لسان الحال» تحت ضغط المكتوبجي وظلم الحكومة بعد أن ذقت حلاوة الحرية.

وسبب جميع هذه المصائب والنكبات هو وجود المراقبة على جرائد تركيا عمومًا وجرائد سوريا خصوصًا؛ لأن الحكومة العثمانية اختارت وضع مراقبة صارمة على الجرائد فقيَّدت العقول، وأرادت من ذلك أن تقتل الأفهام كما تقتل الأجسام في هذه الأيام، مما سيرد تفصيله في هذا الكتاب؛ ليعلم القراء إلى أية حالة وصلت حرية الأقلام في بلاد الدولة العثمانية، ويقيسوا التأخر في هذا الباب على غيره من سائر أسباب التمدن والترقي.

وقد أجبت اليوم اقتراح عدد من الأدباء الذين سألوني وضع كتاب في أخبار المكتوبجي علمًا بأنني جهينة أخباره؛ لأنني احتملت مظالمه عدة سنوات، وعند جهينة الخير اليقين.

سليم سركيس
مصر القاهرة، في ٢٥ أفريل سنة ١٨٩٦

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢