فائدة من خبير لا يقرؤها إلا المصري

ربما يظن بعض إخواني من أهالي مصر أن في ما سأورِدُه في هذا الكتاب بعض مبالغة؛ ولذلك فإنني أنشر هنا رسالة وردت إليَّ من حضرة الكاتب الفاضل كليانتس أفندي فيلبيذس الخبير بأحوال الآستانة، ومعلوم أن حضرته رافق سمو الخديوي في زيارته الأولى إلى الآستانة، فأخباره تؤخذ عن ثقة إن شاء الله، قال:

صديقي محرر المشير الفاضل

اطلعت على ما نشرتموه في جريدتكم الزاهرة عدد ٧٩ بتاريخ ١٨ أفريل سنة ٩٦ من أنكم قد عقدتم النية على طبع كتاب يتضمن أخبار ضغط الحكومة التركية على جرائدها وسائر مطبوعاتها، مخصِّصِين في ذلك أعمال مكتوبجي ولاية بيروت، فرأيت من المستطاب أن أبعث إليكم بنبذة تقوم مقام مقدمة لهذا التأليف الجديد عن مراقبة المطبوعات عمومًا والجرائد خصوصًا في قاعدة السلطنة التركية، رجاءً أن تأتي فذلكتي هذه ببعض الفائدة لكثيرين من المصريين خصوصًا وغيرهم من العرب عمومًا، الذين ما زالوا للآن يعتقدون خلاف الواقع ويكابرون في الضلالة عن تعصبٍ أعمى وجهلٍ أظلمَ من الليل الحالك، فلا يصدِّقون الحقائق عما هو جارٍ للآن من المظالم وشدة النير الضاغط على رقاب الرعية عمومًا والكتِّيبة الأحرار خصوصًا في أيام الحكومة الحاضرة، وهم لا يخدعون إلا أنفسهم.

لما زار حضرة صاحب السمو خديوي مصر عباس الثاني المرة الأولى القسطنطينية سنة ١٨٩٣ وصل إليها نحو الساعة الحادية عشرة صباحًا من نهار الاثنين، فأعلنت الجرائد الغير التركية التي تصدر بين الساعة الثالثة والرابعة بعد الظهر وصول سموه إلى عاصمة بلاد الترك، ومن هذه الجرائد المهمة جريدة اللوانت هرالد وهي إنكليزية النزعة، والثانية الأوريانتال أدڨرتيزر أو المونيتور أوريانتال وسياستها روسية، فنشرت هذه الأخيرة جملة افتتاحية من ألطف ما يُكتب لترحب بالضيف العظيم، وأثنت فيها ثناءً جميلًا يستطاب عند أهل الذوق السليم، مبتدئةً من رأس العائلة المغفور لهُ محمد علي باشا ذاكرةً — إجمالًا — أعماله العظيمة وأعمال أنجاله وأحفاده الذين تولَّوا من بعده الأريكة المصرية، منتهيةً بما كان معروفًا عن أميال وعواطف وذكاء الأمير المالك حالًا. وكان لهذه الجملة التي نشرتها المونيتور أوريانتال رنَّة في أفئدة كل الذين طالعوها يومئذٍ من الأتراك أصحاب الذوق السليم، وخصوصًا الأحرار، وكذلك عند الإفرنج الكثيرين واليونان الذين لا يقل عددهم إلا قليلًا عن عدد الأتراك في تلك العاصمة. ومعلوم أنه لا يمكن طبع شيءٍ أو نشره هناك قبل أن يمر أولًا على أعين أقلام المراقبة. وكان في رئاسة مراقبة المطبوعات الإفرنجية إذ ذاك عطوفتلو ماجد باشا، وهو حفيد المرحوم فؤاد باشا السياسي الشهير، فقرأ الجملة التي نحن في صددها قبل الطبع، ولم يخطر على باله أن نشر بعض سطور فيها ترحب وثناء على حضرة صاحب السمو أمير مصر وآبائه وأجداده الكرام، يحرك غيظ السلطان ويستوجب غضبه، فلم يمنع نشرها. وهكذا صدرت الجريدة الساعة الثالثة بعد الظهر مصدَّرَةً بكلامٍ أحلى من الشهد لكل محبٍّ لمصر ولسمو خديويها وللعائلة المحمدية العلوية، وتناقلتها ألسن أهل الآستانة وتاقت نفوسهم إلى مشاهدة الخديوي الشاب على أثر ما طالعوه عن عزة نفسه وعواطفه الشريفة واستعداداته العظيمة. وأما السلطان فساءَه جدًّا ولم تأتِ الساعة الخامسة حتى أصدر إرادته بعزل ماجد باشا المشار إليه، فكدر ذلك العدد العديد من سكان الآستانة الذين عرفوا حضرته وما هو عليه من اللطف والإنسانية مع شرف الأصل، ولكن لم يعرف إلا الأفراد أسباب عزله، وقد كتم ذلك عن السواد الأعظم من كبار الناس. انتهى.

حلوان، في مارس سنة ٩٦

(١) ما هو المكتوبجي

إن مكتوبجي ولاية بيروت اليوم هو سعادتلو عبد الله أفندي نجيب، ولكنه ليس وحده المقصود في هذا الكتاب، وإنما استعملت اسم المكتوبجي لأنه أصبح من الأوضاع العصرية لمراقب الجرائد، مع أن المكتوبجي — في حقيقة معناه وطبيعته الأصلية — لا علاقة له بالجرائد وإنما هو سكرتير الوالي. ولكل ولاية من الممالك العثمانية مكتوبجي خاص، لكن الحكومة العثمانية اختارت أن تعهد إلى مكتوبجي ولاية بيروت أمر مراقبة الجرائد، فأصبح اسم الرجل معروفًا بمراقبته للجرائد أكثر من كونه كاتم أسرار الولاية.

(٢) حرية الجرائد (وكيف بدأت المراقبة)

كانت سوريا أقدم مكان ظهرت فيه الجرائد السياسية والعلمية في المملكة العثمانية، ولا تزال حتى الآن كثيرةً فيها، تزيد على أمثالها من الولايات بكثير من الجرائد. وقد كانت الحرية مطلقة لجرائد بيروت من أول نشأتها، لا مراقبة عليها ولا سيطرة، يلجأ إليها المظلوم ويخافها الظالم؛ حتى لقد بلغ من «الجنة»، و«الجنان» للمرحوم المعلم بطرس البستاني ومن «لسان الحال» في أوائل نشأته أنها كانت تكتب بحرية لا تقِلُّ عن الحرية التي نتمتَّع بها الآن في مصر. وكانت مصر تلجأ إلى سوريا وتنشر على صفحات جرائدها شكوى أهاليها، كما يتضح للقاري من مراجعة ما كتبه المرحوم أديب إسحاق في جريدته الباريزية؛ إذ نقل عن «المصباح» الذي يصدر في بيروت رسالة ملؤها حرية، ودامت جرائد سوريا على هذه الحالة من الراحة والهناء والتمتع بأحسن مزايا الإخباري إلى أن رأت الحكومة العثمانية ضعفها هي وتقَدُّمَ الشعب السوري وكثرة جرائده ومَيْله إلى المطالبة بحقوقه على صفحاتها. ومعلوم أن للحكومة العثمانية قوانين معلومة منشورة في الدستور الهمايوني، وفي جملتها قانون المطبوعات الذي يجب أن تجري عليه الجرائد، وفيه تحديد الحرية المعتدلة التي هي ملاك السعادة، والعقاب الذي ينال من يخالف ذلك القانون، شأن سائر الحكومات المتمدنة. وكانت الجرائد خاضعة لذلك القانون، تبدي أفكارها بحرية تامة متجنبةً كلَّ ما يكدر الحكومة، حتى إذا كان عام ١٨٧٧ جُعل سعادتلو خليل أفندي الخوري صاحب جريدة «حديقة الأخبار» مديرًا لمطبوعات سوريا، فإذا نشرت إحدى الجرائد ما تظن الحكومة أنه غير مناسب أرسل المدير تذكرة تُسمَّى إخطارًا وهذا نصها:

إلى صاحب امتياز الجريدة الفلانية

من حيث إن جريدتكم قد نشرت في عدد كذا مقالةً مخالفة للرضى العالي، فقد أوجبت (تخديش الأذهان)، فاقتضى إخطاركم أنكم إذا عدتم إلى مثل ذلك تجري بحقكم المعاملات القانونية.

وكانت المعاملة في ذلك الحين أن الجريدة التي تُخطَر ثلاثًا على هذه الكيفية يصدر الأمر بتعطيلها لمدة معينة، ثم في سنة ١٨٨٥ تُوفِّي والي بيروت في ذلك الحين، وبعد أيام وردت الأخبار التلغرافية أنْ قد عُيِّنَ دولتلو رائف باشا وزير النافعة واليًا على بيروت، وكنت إذ ذاك أحرِّر جريدة «لسان الحال»، وكنا نعلم أن رائف باشا المشار إليه من أعظم رجال الدولة العثمانية استقامةً، فعزمت الإدارة على الاحتفال باستقباله احتفالًا خصوصيًّا، وهيأت لذلك الغرض مقالة لم يُنسج على منوالها من قبل وتقرر نشرها يوم وصول دولة الوالي، واستعملت إدارة «لسان الحال» الحرية التامة المعتدلة في بيان المساوئ الحاصلة في حكومة سوريا، وإذا توفَّقتُ للحصول على نسخة تلك المقالة أنشرُها في مكان آخر، وفي الوقت الذي كنا ننتظر فيه قدوم رائف باشا — وقد وصلت عائلته إلى بيروت — صدرت إرادة سنية تلغي ذلك التعيين، وعهدت بالولاية إلى رءوف باشا متصرف القدس الشريف، أما «لسان الحال» فأبقى مقالته الأولى على حالها ونشرها يوم وصول الوالي، فاهتزت لها المدينة وسائر الجهات التي وصلت إليها، ولم تمضِ بضعة أيام حتى أقامت محكمة استئناف بيروت الدعوى على «لسان الحال»، فحكمت المحكمة الابتدائية ببراءته، وقد حضر الجلسة ألوف من الناس وصفقوا ودعوا بالنصر للسلطان عند صدور البراءة، ولم تمضِ ٣ أيام على هذا الحكم العادل حتى ورد تلغراف من الآستانة يقضي بتعطيل «لسان الحال» إلى مدة غير معلومة، وبعد مضي ستة أشهر عُفِيَ عن الجريدة، وفي ذات يوم استُدْعِيَ جميع أصحاب الجرائد إلى سراي الحكومة، في غرفة عزتلو ميشال أفندي إدَّه ترجمان الولاية، فأنبأنا إذ ذاك أن الحكومة قد قررت ألَّا تصدر نسخة من جرائد بيروت إلا بعد أن ترسل مسودتها قبل الطبع إلى ميشال أفندي لمراقبتها.

وهكذا بدأت المراقبة التي نحن بصددها، وقد كانت في أول الأمر مراقبة خفيفة ليس فيها شيء من العنف، حتى إذا ضجر ميشال أفندي من مطالعة الجرائد وخشي المسئولية انتقلت السيطرة إلى مكتوبجي الولاية، وكان يومئذٍ المُسمَّى جمال بك. وهو تركيٌّ لا يعرف كلمة من اللغة العربية، ثم فُصل وخلَفَهُ جابي زاده سعادتلو حسن فائز أفندي من أهالي دمشق ومن أخصَّاء مدحت باشا، فشدد على الجرائد حتى كادت تزهق أرواحها، ثم آل الأمر إلى أن تَعَيَّن سعادتلو عبد الله أفندي نجيب المكتوبجي الحالي، وهو الذي سأُورد من أعماله الغرائب والعجائب.

(٣) ذهابي إلى إنكلترا

لما يئست من تحسين الأحوال في بيروت ولم أستطع احتمال ضغط المكتوبجي حسن فائز أفندي، تركت تحرير «لسان الحال» وقصدت إنكلترا حيث أقمت نحو سنتين، ومن هناك كتبت إلى المكتوبجي أخبره بوصولي وأسأله الرفق برسائلي التي كنت أكتبها من هناك إلى «لسان الحال» فكتب إليَّ الجواب الآتي:

حضرة الأديب الكامل

وصلني كتابك المبشر ببلوغك المحل المقصود سالمًا فسررت لذلك وشكرت حسن ودادك، أما رسائلكم ﻟ «السان» فهي عميمة الفائدة ولا تحتاج حذف شيء إذا حرِّرَتْ عند سكون البحر الذي هاج فرحًا لاستقبالكم، أتمنى لك النجاح والتوفيق مؤكدًا مودتي وإخلاصي للسليم.

حسن فائز
٢ ك ١ سنة ١٣٠٨

وكنت قبل مزايلتي بيروت أذهب في أكثر الليالي لزيارة المكتوبجي في بيته، فذكرت له يومًا ما أنني إذا تمكنت من مزايلة بيروت والوصول إلى بلاد حرية يكون أول همي نشر جريدة حرة، قال: إننا نمنعها عن الدخول ونستعمل كل واسطة لمنعك عن كتابتها، ولما فارقت بيروت فجأةً كتبت جريدة المصباح أنني ذهبت إلى لندن لإنشاء جريدة عربية هناك، الأمر الذي لم يكن يومئذٍ في خاطري، وأول ما رأيته في جريدة المصباح التي وصلتني وأنا في لندن فلم أهتم بتكذيب الخبر؛ لأنني لم أعلم أن تلك الإشاعة تكون سببًا لاهتزاز رجال الدولة من أكبرهم إلى أصغرهم، أما أنا فلما وصلْتُ إلى ميناء تلبوري أخذت دليل لندن وعلمت منه عنوان قنصلية الدولة العثمانية، فكتبت رسالة باللغة العربية إلى حضرة القنصل الجنرال أُخبره فيها عن وصولي إلى إنكلترا، وأنني بصفة كوني من رعايا الدولة أحب أن أُجري ما يقتضيه الواجب؛ لتعرف قنصلية دولتي وتعطيني الحماية اللازمة، فورد إليَّ في صباح اليوم التالي رسالة لطيفة من القنصلية مكتوبة باللغة العربية وأمضاها «أمين»، فلم أعرف من هو أمين هذا، وحسبت أنه من رجال الأتراك الذين يكتفون بتوقيع اسمهم الأول كأن السماوات والأرض تعرف من هم، ومضت على ذلك مدة طويلة ذهبت في غضونها إلى لندن ثم زرت نحو ثلاثين مدينة في إنكلترا، وكنت أتردد على لندن كل أسبوع. ولم أتمكن من زيارة القنصل ولم أرَ ما يستوجب زيارته بدون شغلٍ خاصٍّ لعلمي أن المشغول لا يشغل، وبعد أن مضى عليَّ نحو سنة في إنكلترا كنت ذات يوم في لندن أسير من جهة «كانون ستريت» فذكرت أنني على مقربة من القنصلية وقلت لا بأس أن أزور القنصل وأتعرف عليه، ولا شيء يشغلني الآن، فصعدت سُلَّمًا ودخلت إلى باب عليه اسم القنصلية، فطرقت الباب ودخلت إلى غرفة واسعة ليس فيها إلا طاولة صغيرة جلس إليها شابٌّ لطيفٌ، ورأيت أمامي بابًا يؤدي إلى غرفة داخلية وقد وقف فيه رجل لا أعرفه، فتقدم إليَّ الشاب وقال: ماذا تريد؟ قلت: أن أرى حضرة القنصل، وأعطيته تذكرة زيارتي، فأخذها وقدَّمَها للرجل الواقف في باب الغرفة الثانية، فأخذها هذا ونظر فيها بإمعان مدة دقيقة، ثم صعد الدم إلى وجهه وقدحت عينه النار وأخذ يرتجف، ثم رمى بالتذكرة إلى الأرض مغضبًا وقال باللغة العربية العامية: «فوت.» أي ادخل.

قلت: ومن أنت؟ قال بغضبٍ أعظم: «أنا القنصل.» قلت: أظنني مخطئًا، فقنصل دولتي لا يعاملني هذه المعاملة. فاندفع بالشتيمة والتهديد وصاح بي قائلًا: «إنكم تخرجون من بلادكم ولا تذكرون أن لكم دولة أو حكومة، وأنت قد أقلقت رأسي وأتعبتني كثيرًا وصيرتني في مركز حرج أخاف منه على منصبي، فكأنك تريد مزاحمتي على المنصب»، إلى غير ذلك من الكلام المهين، وأنا لا أفهم معناه، بل أنتظر ريثما ينتهي من الشتيمة فأخرج، وإذا بعزتلو يوسف أفندي إلياس، مهندس لبنان سابقًا وصاحب امتياز سكة حديد حيفا، قد دخل فسلم عليَّ وصافحني وانعطف عليَّ بمزيد الشوق والتودد، ثم قال: ادخل لنجلس مع أمين أفندي برهة (يريد القنصل.) قلت: لست بفاعل؛ فإن الرجل أهانني كثيرًا وأنا غير محتاج إليه، ولا زيارته واجبة عليَّ، قال القنصل بلطف: «تفضل يا سيدي» على أثر ما رأى من إكرام صديقه يوسف أفندي لي، قلت: الآن أدخل؛ إذ لي معك كلام، لكنني لا أفعل حتى ترفع تذكرتي عن الأرض؛ إذ لا آمن أن تحصل لي الإهانة نفسها. ففعل ودخلت، فلما جلست قلت: ماذا أصابك يا هذا حتى عاملتني هذه المعاملة، وأية علاقة لي معك وبأشغالك ومركزك، مع أنك لا تعرفني ولا أعرفك؟ قال: أنت لا تعلم السبب، فمنذ زايلتَ بيروت ما برحت تَرِد إليَّ الأوامر من الآستانة بالتفتيش عليك ومراقبتك، وأنا لا أعرف مكانك، والأوامر من هناك تَرِدُ بتشديد ولا سبيل إلى إدراكك، قلتُ: إنما كان ذلك لأنني كنت أتجول في المملكة منزِّهًا الطرف في محاسنها، لكن ما الذي ألجأ الآستانة إلى هذا؟ قال: اسمع. وأخرج عدة كتبٍ بعضها من وزارة الداخلية وغيرها من غيرها وبعضها من حسن فائز أفندي مكتوبجي ولاية بيروت، مآلها أن سليم أفندي سركيس من نبهاء بيروت وأحد كتابها البارعين سافر إلى لندن، والشائع أنه ينوي إصدار جريدة عربية في لندن. ولما كان لم يعرض ذلك على الباب العالي. ولما كان مثل هذه المشروعات الكتابية مضرًّا بصوالح السلطنة، اقتضى إصدار الأمر إليكم مشدَّدًا بوجوب مراقبة حركات سليم المذكور وسكناته، ورفع التقارير المتواصلة عن الخطب التي يلقيها والجمعيات التي يتردد عليها والجرائد التي يكتب فيها، وتُرسَل تلك المقالات إلى الباب العالي … إلى آخره فأضحكني اهتمام الدولة بهذه الأمور وقلت للقنصل: ماذا تريد مني الآن؟ قال: تذهب معي إلى رستم باشا السفير، قلت: لا أفعل، قال: إذن لا تخرج من هنا إلا معي إلى السفارة. قلت: أنت ترتكب أعظم خطأٍ؛ فلا سلطة لك عليَّ، وكلمة واحدة ألفظها من هذه النافذة تجعلك تحت سلطة أول بوليس إنكليزي، أنسيت أننا في لندن أم الحرية؟ قال: لماذا لا تذهب لزيارة السفير؟ قلت: يظهر لي من معاملتك أن الدولة ملأت دماغك بالخوف مني، فإذا كانت هذه معاملتك لي فكيف تكون معاملة السفير! وأنا لا أحب أن أقابل دولته لئلا تحصل لي الإهانة التي حصلت هنا. وفضلًا عن ذلك فإن الباب العالي إنما أمرك أن ترسل إليه التقارير عن تصرفاتي لا أن تقبض عليَّ. قال: ومن لي بتلك التقارير؟ قلت: اسمح لي بساعة أعود بعدها بمادة كافية لتقريرك، قال: إنك إذا خرجت تكون أفلتَّ من جرادة العَيَّار، قلت: لدي هذه التحارير، وأخرجت تحارير من أصحاب جرائد الستاندرد والدايلي تلغراف، ومن المستر ت. ب. أوكونر صاحب جريدة الشمس وعضو ليفربول في البارلمانت، ومن الآنسة بريستلي إحدى محررات الصحف، ومن المستر استيد صاحب مجلة المجلات حالًا ومحرر البال مال غازيت سابقًا، فقرأها جميعًا وفهم منها أن تلك الجرائد كانت تطلب مني مقالات عن تركيا وأنا لا أجيب طلبها. فأخذ من التحارير بعض العبارات ليبني عليها تقريره، وانصرفت من عنده وأقسمت ألَّا أزور قناصل الدولة في كل بلاد أزورها، وأنا أؤَكد اليوم أن تلك الأوامر صدرت من سخافة عقول بعض رجال المابين الذين خافوا من نشر سيئاتهم بين الإفرنج.

وفي أواسط تشرين الثاني سنة ١٨٩٣ بعد أن قضيت نحو سنة ونصف سنة في إنكلترا، عقدت النية على عدم الرجوع إلى سوريا، فقررت إصدار جريدة حرة بالاتفاق مع جون هزلمون مديرها الإنكليزي، ونشرت إعلانًا وزعته على جميع البلدان العربية وخصوصًا سوريا وجهاتها، وهذه صورته عن النسخة المطبوعة:

رجع الصدى

جريدة سياسية إصلاحية أسبوعية من لندن تقبل جميع المقالات والرسائل بدون توقيع أصحابها.

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ. (سورة الأعراف)

«قفوا على الطرُق واسألوا عن السبل القويمة أين هو الطريق الصالح وسيروا فيه.» (أرميا ٦ : ١٦)

هذه الحقيقة المحزنة: أن الدولة العثمانية في خطر، وللتخلص من هذه الشدائد يجب على جلالتكم أن تتناسوا العالم الماضي وتقتادوا الأمة إلى مقاصد جليلة جديدة. (من رسالة فؤاد باشا عند موته إلى السلطان العثماني)

رجع الصدى

طالما ارتفع من أنحاء الشرق صراخٌ طبق جوانب الأرض صداه، فلا غرو أن يُردَّد رجع الصدى، صراخ الأمة في أطراف المعمور، نداء الشعب يكتب بحروف من نار على جبين الدهور، أصوات منقطعة، أفئدة منفطرة، تُعرب عن قلوب منتظرة، فإلى متى تصمُّ الآذان، وقد ثبت من الصوت وجود اللسان، ومن حرقة البيان وجود الجنان، ومن حركة الخواطر أن في السويداء رجالًا، لكن حُبست الألسن الشرقية عن النطق بمحاسن الحرية. أستغفر الله من زلة القلم فلم يُحبس لسان الشرق عن الكلام، وإن حُبس القلم عن تصويب السهام. إن لسان الشرقي يلهج أبد الحياة ومنذ نشأ متحركًا بعاطفة لم يجرؤ القلم في الشرق أن يَرْقُمَهَا على القرطاس. وإنما كلمات اللسان تدرك دائرة واسعة يضيع الصوت في مداها، فالجرائد إذن أحسن ترجمان يأتي بالمراد من الكلام سحرًا حلالًا. أجل، حبست الأقلام فاستوثقت في درع النكد، الطالع قد جَمُد، واقتصر الكلام على أحبَّ وهامَ، أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان، وقُضِيَ على الرأي العام فصار حيًّا في جسد ميْتٍ، وماتت الصحف في الشرق قبل أن تحيا، ولعلها ماتت لتحيا كما نحيا لنموت، لكن سبب هذه الميْتة خوف في قلوب «الهيئة المحكومة» ألقته مخاوف «الهيئة الحاكمة»، فخائفٌ من خائفٍ، ويالله من هذا المصير. من ثم كان لصراخ الشرق — وإن همسًا — صدى رددته جوانب الأرض، وهذا رجع صداه، خدمةً للأمة بعثناه، وترجمان أفكار أقمناه، فإن لم يفعل الخير عاجلًا بقيت آثاره حتى إذا جاء عهد الشرق في تقدُّمٍ ونجاح قلنا يا قومنا اقطفوا من سعي إخوانكم ثمرًا جَنِيًّا، واعتبِروه على الإخلاص برهانًا سَنِيًّا، فالغاية أن يقضي فرضًا مأتيًّا. وحتى لا يقال إن هذا رجع صدى صوت شرقيٍّ فردٍ، وحتى يزول الخوف الذي ألقته الهيئة الحاكمة في قلوب الهيئة المحكومة، وحتى يصحَّ أن هذا هو الرأي العام، وحتى لا يُعذرَ المتقاعد عن خدمة وطنه، وحتى لا تقف الأغراض الذاتية في سبيل المنفعة العمومية؛ يقبل «رجع الصدى» كل رسالة في موضوع الجريدة بقطع النظر عن اسم مرسلها، أي بدون التواقيع، بل نتحمل كل مسئولية، ويكون «رجع الصدى» صلة بين الأمم الشرقية والحكام. فليكتب الكتبة أفكارهم من وراء الحجاب إلى أن نُمزِّقَ حواشيه أو نُلاشيَهُ إن شاء الله، وننشر ونقبل كل إفادة صريحة عن تقدم الغرب ونسبة الشرق إليه، وأفكار الشرقي في شرقه وبيان علة التأخر وعلاجها، وتحريض الأمم على الاتحاد.

إننا لا نقصد تخصيص الجريدة لمملكة شرقية دون الأخرى؛ فالعثمانية والفارسية والدولة العربية جميعها تجد في «رجع الصدى» ما يهمُّ. وهذه الجريدة لا تريد الطعن ولا تقصد المضرَّة ولا تبدأ بالعداء، فتصل إلى المشتركين في البريد عادة الجرائد، فإذا أوقفها الخوف وحال دون وصولها الظن، استنجدت بمعدات نشأتها واستعانت بما هو مخزون في رأسمالها ووضعت في مقدمتها مجموع قوتها، فلا تقف الموانع في طريقها. انتهى.

وفي الوقت المُعيَّن أصدرت العدد الأول من الجريدة، وما كدت أنتهي من كتابة عنوانات أعدادها حتى حضر إلى لندن عمي صاحب «لسان الحال» عائدًا من أميركا، فعدت وإياه إلي بيروت حيث أصدر جريدته يوميًّا، فحررتها مدة نصف سنة، إلى أن ظهرت حادثة الأميرة نجلا، ولاح لي من دناءة حكام بلادي وجورهم ما ضاق معه صدري مما سأذكره عند تعريب رواية الأميرة التي أجاز لي تعريبها عن الإنكليزية مؤلفها المستر فليرتون معاون المستر بلويثز مُكاتِبِ التيمس الباريزي، فرحلت مع صديقي الكريم الأمير أمين أرسلان إلى باريز، حيث أصدرنا جريدة «كشف النقاب»، وبعد مدة رأيت أن للصديق المشار إليه مقدرة كافية وحده على إصدار الجريدة، وأن من الصواب نشر مبادئ الحرية في جهتين، فأتيت الإسكندرية وأصدرت جريدة «المشير» التي فازت بالنجاح العظيم بعناية حضرات الأفاضل، وقد طرأ عليَّ من الحوادث العظيمة والأحكام الجائرة والتهديد بالقتل ما سأعود إلى ذكره عند الكلام عن «المشير».

(٤) كيف تُراقب الجرائد

بعد أن يكتب محرر الجريدة العثمانية مقالات جريدته وتُرتب حروفها وتُصلح أغلاطها حتى تصير جاهزة للطبع والتوزيع، تبعث الإدارة بنسختين منها إلى المكتوبجي، وعلى المطبعة والمحرر والعَمَلة أن ينتظروا رجوع المسوَّدة المذكورة قبل أن يبدءوا بالطبع. وتُرسل المسودة عادةً الساعة العاشرة إفرنجية صباحًا، وقد تبقى عند المكتوبجي إلى الساعة الثالثة أو الرابعة بعد الظهر، والتعطيل شامل الإدارة والمطبعة والعملة والمحرر.

فعندما تصل المسودة إلى سراي الحكومة يأخذها العسكري الملازم في خدمة سعادته من صبي الإدارة ويضعها على طاولة مولاه، ويبقى الغلام في انتظاره إلى أن يرحم ويُشفق، وعند ذلك يتنازل فيرسل المسودة المذكورة إلى أحد خلفاء قلم المكتوبجي المُسَمَّى عبد الرحمن أفندي الحوت ليطالعها قبله؛ وذلك لأن المكتوبجي الحالي عبد الله نجيب يعرف من اللغة العربية قدر ما أعرف أنا من لغة آدم.

(٥) عبد الرحمن الحوت

أما عبد الرحمن أفندي الحوت هذا فهو حوت في الحقيقة، تصل إليه المسودة فيقرؤها، ولما كان يعلم حقَّ العلم أن مراقبة الجرائد لا يُقصد منها إلا الاستبداد وأن لا قانون لها يجري بموجبه، أصبح المسكين يخاف من المسئولية؛ فهو إذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلًا. وهكذا يبدأ بقراءة المسودة؛ فإذا رأى عبارة يعرف أنها لا تُرضي المكتوبجي حذفها بحبر أسود، ثم تَعرِضُ له أحيانًا بعض عبارات لا يدري إذا كان يجب عليه حذفها أم لا، فيقع في حيص بيص، أخيرًا يضع علامة مستطيلة بحبر أحمر على جانب السطور التي تتضمن تلك العبارة التي أشكل عليه أمرها. وهكذا، فمتى انتهى من مطالعة مسودة الجريدة تكون قد صارت ذات خطوط سوداء وعلامات حمراء لا تحصى، فيكتب في ذيلها:
تُقدَّم
عبد الرحمن

أي يجب أن تقدم إلى المكتوبجي، ويضع توقيعه. وفي وسع عبد الرحمن أفندي المذكور أن يُضَيِّقَ أعظم تضييق على أصحاب الجرائد؛ لأن المكتوبجي لا يضع توقيعه على المسودة إلا بعد أن يقرأها حوت أفندي، فلو أراد حوت أفندي أن يقضي في قراءة المسودة ١٠ ساعات فليس من مانع؛ ولذلك قرر أصحاب الجرائد أن تعطيه كل جريدة مبلغًا من المال استرضاءً له ليعجل في قراءة جرائدهم. وبعض الجرائد تدفع له ذلك المال تحت ستار المصانعة؛ أي أنها تكلِّفُهُ بترجمة بعض أخبار عن جرائد الآستانة التركية مع ركاكة الترجمة وعدم تحصيل المعاني، ثم تدفع له المال كأنه أجرة ترجمة وليس بصفة رشوة.

(٦) عودٌ إلى الموضوع

وبعد أن يكتب حوت أفندي في ذيل المسودة «تقدَّم»، يأخذه خادم الإدارة إلى غرفة المكتوبجي الذي يكتفي أكثر الأحيان بأن ينظر إلى المسودة، ولما كان لا يعرف اللغة العربية فهو يرى الخطوط الحمراء إلى جانب بعض العبارات فلا يكلف نفسه إلى طلب ترجمتها أو الاستفهام عنها، بل يقول في نفسه: لو لم يكن هنا محل ريبةٍ وكلامٌ سياسيٌّ لا حق للجرائد باستعماله، لما ارتاب فيها حوت أفندي، ولما كان لا يهمه تعب المحرر أو راحة القراء، يأخذ قلمه ويضرب به على كل عبارة عليها إشارة حمراء، وهكذا فبعد أن يكون مراد حوت أفندي الاستفهام، تصبح تلك العلامة إشارة لحذف المقالة، وبعد أن يفعل ذلك يكون قد حذف من المسودة ١٠ أعمدة وأحيانًا خمسة، فيكتب في ذيل النسخة الواحدة من المسودتين:
كورلمشدر
عبد الله

وهي كلمة الإجازة للإدارة التي بدونها لا يمكن طبع الجريدة.

ولا يظن القارئ أن رحلة المسودة قد انتهت الآن؛ فإنها بعد أن يوقع عليها المكتوبجي تعاد إلى حوت أفندي ليحذف كل ما حُذِف في المسودة الثانية تمامًا، وتعاد الواحدة إلى الإدارة وتبقى الثانية عند المكتوبجي، فتصل النسخة بالحذف الذي فيها إلى محرر الجريدة المسكين، فتضطر الإدارة إلى حل الحروف ويحذف العَمَلَة ما حذفه المكتوبجي ويضعون محله مقالات أخرى، ويرسلون المسودة ثانيةً إلى المكتوبجي ليراقب العبارات والمقالات التي زادها المحرر بدلًا من المقالات المحذوفة، فيجري ما جري أولًا، وهكذا إلى أن يسمح الله بالخلاص فتطبع الجريدة ويرسل أول عدد يصدر منها مع مخصوص إلى المكتوبجي فيقابله على نسخة المسودة الثانية التي حفظها عنده؛ ليرى إذا كانت الإدارة قد حذفت كل شيء حذفه، ثم ترسل ٣ أعداد من الجريدة وفي ذيلها إمضاء صاحب الامتياز بخط يده تحت توقيعه المطبوع وهذه تُرسل إلى قلم المكتوبجي لتُحفظ هناك، وتُرسل إلى الآستانة حيث يراقبها أعضاء انجمن المعارف. والغريب أن مراقبة المكتوبجي وضغطه العنيف ومنعه كل ما لا يرضاه عن الظهور في الجرائد لا يحميها من التعطيل، بل إذا رأى بعد طبع الجريدة عبارةً لم يكن قد انتبه إليها قبلًا، أمر بتعطيل الجريدة، أو لو رأت الآستانة مقالة لم ترضَ عنها، أمرت بتعطيلها أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢