الفصل الثالث عشر

المقاومة الوثنية

في القرن الثالث

واغتبط الوثنيون بما حل بالنصارى في القرن الثالث من قهر وإيذاء وتعذيب وتشتيت، وأيدوا الحكومة الرومانية بما أوتوا من مقدرة ونشاط، وهب رجال الفكر بينهم إلى التفنيد والتكذيب، وأعلن لوقيانوس وكلسوس وغيرهما الحرب على الكنيسة.

ثم هدأت الأحوال بعض الشيء في عهد الأباطرة السوريين كما سبق وأشرنا، وجرت محاولة لتوحيد الآراء الدينية بالاعتراف بجميع الآلهة اعترافًا رسميًّا، ولكن المسيحيين لم يقبلوا بشيء من هذا؛ لأن إلههم إله واحد لا إله إلا هو.١

أبولونيوس التياني

وكانت الفوضى والحروب والأوبئة قد أدت إلى نزعات جديدة في الفكر الوثني، فدفعت بعض الرجال إلى الابتعاد عن هذا العالم الفاني، والتأمُّل في عالم أزلي ملؤه الخير والجمال، فعكف عدد من رجال الفلسفة على فيثاغورس زاهدين وَرِعين مستوحين قائلين بالسحر والعرافة، جاعلين من بعض حلقاتهم انتداءات سحرية، فظهرت فيثاغورية جديدة.

وكان أبولونيوس قد اشتهر في القرن الأول بفيثاغوريته وسحره، فزادت شهرته في القرن الثالث وأصبح صانع عجائب ونصف إله، وسمح كلٌّ من كركلا وسويروس ألكسندروس وأوريليانوس بإحياء ذكره بطقوس خصوصية، وأحبت يولية دومنة الإمبراطورة الحمصية أن تتقرب من مريدي هذا الفيلسوف الساحر ومن أتباعه، فطلبت إلى فيلوستراتوس أن يكتب حياة أبولونيوس ففعل،٢ وجاء أبولونيوس في كتاب فيلوستراتوس فيثاغوريًّا مثاليًّا مرتديًا الكتان، لا يشرب إلا الماء، ولا يأكل إلا من ثمار الأرض، ولا يرضى عن الذبائح، ولا يتعبَّد إلا للإله الشمس مكتفيًا بحرق البخور، وهو يخبر بما يكون في المستقبل ويطرد الشياطين، ويجوب الأرض في طلب الحكمة، فيضرب فيها حتى بابل والهند والحبشة.٣
ويقول أفسابيوس المؤرخ إن هيروكليس Hiéroclés حاول أن يجعل من أبولونيوس مناظرًا للسيد المخلص،٤ ولكنه خاطر في رهانه، فنفر بعمله هذا جمهور الوثنيين وأبعدهم عن بطله.

نومانيوس

وعلم نومانيوس Numenius في أبامية بين حماة والمعرَّة في النصف الثاني من القرن الثاني، فنقل عن فيثاغورس وأفلاطون، وشرح ما جاء عن النفس في الجمهورية، واطَّلَع على حكمة اليهود وتعاليم المسيح فأوَّلَها، ورأى في أفلاطون موسى، فدعاه موسى اليوناني واعتبره نبيًّا.٥ وقال نومانيوس بانقسام الوجود إلى مملكتين: مملكة العناية، ومملكة المادة، وقال إن المادة هي أصل الشرور والمفاسد وإنه ليس يليق أن نعزو صنع العالم إلى الإله الأعلى، وأن الابن هو الصانع الذي نظم الكتلة المادية، وهو يتأمل النموذج تارةً ويتحوَّل عنه طورًا ليحرك الفلك فيصير حينئذٍ النفسَ الكلية.٦
وأوَّلَ نومانيوس النبوات اليهودية، وبحث بالطريقة نفسها في بعض نواحٍ من حياة السيد المخلص، ولكنه لم يذكر اسمه، ولم يفت هذا نظر أوريجانس العظيم فأبانه في أحد مؤلفاته.٧ ويرى رجال الاختصاص أن أفلوطين اعتمد على نومانيوس في أفلاطونيته الجديدة.

الأفلاطونية الجديدة

ووجد آخرون في الطيماوس Timaeus لأفلاطون قوتًا قامت به أنفسهم فانتعشت، فأكدوا قوله بالواحد الأوحد، وقالوا بالثنائية الأفلاطونية، ففرقوا بين النفس والجسد، وجعلوا من أسطورة أفلاطون في الحياة بعد الموت عقيدة، وتقبلوا نظريته في الوسطاء بين الله والبشر Daimones، وأكَّدوا أن رائد الإنسان إنما هو أن يصير مشابهًا لله، فظهرت في مصر وسورية أفلاطونية جديدة كان لها شأن كبير في عالم الفكر حتى أواخر القرن الخامس.٨

أفلوطين (٢٠٤–٢٧٠)

وأشهر المؤسسين في هذا الحقل أفلوطين Plotinus، وُلِد في مصر في ليقوبولس في السنة ٢٠٤ بعد الميلاد، وبدأ دروسه الفلسفية في سن متقدمة في الثامنة والعشرين في مدينة الإسكندرية، ولكن ما لقيه في هذه الدروس خيَّب أمله، واعترف بذلك إلى أحد أصدقائه، فقدَّمه هذا فورًا إلى أمونيوس سكاس Ammonius Saccas فعادت رغبته إليه، وبعد أن قضى إحدى عشرة سنة في معية هذا المعلم، علم أن الإمبراطور غورديانوس فتح أبواب هيكل يانوس في رومة؛ ليعلن الحرب على ساسان، فصمَّم الفيلسوف الطالب على الالتحاق بهذه الحملة العسكرية ليسمع عن حكمة الفرس والهنود، والتحق بجيش غورديانوس ووصل معه إلى الفرات، ثم تمرَّدَ الجند واغتالوا الإمبراطور عند الصالحية، فعاد أفلوطين إلى أنطاكية (٢٤٤)، وزار أبامية ليطلع عن كثب على فلسفة نومانيوس، ثم توجَّهَ من أنطاكية إلى رومة وبدأ يعلم فيها، وتميَّزَ بسموِّ أخلاقه ونفاذ بصيرته، فصادف نجاحًا وأقبل على الأخذ عنه عدد من أفراد الأسر العالية.٩

أفلوطين والنصرانية

وكثر عدد طلاب أفلوطين وتنوعوا، وعارضه بعضهم فاتهمه بانتحال نومانيوس، فردَّ أميليوس Amelius برسالة بيَّن فيها الفَرْق بين عقيدة أفلوطين وعقيدة نومانيوس،١٠ وجرؤ آخرون من طلابه الغنوسيين المسيحيين على أفلاطون نفسه، فقالوا إنه لم يستبطن كنه الماهية المعقولة Essence Intelligible، فثارت ثائرة أستاذهم وردَّ عليهم في السنة ٢٦٤ برسالة هامة سجل فيها موقفه من هؤلاء النصارى، فانتقدهم في رأيهم في العالم وفي الإنسان والخلاص،١١ واتهمهم باستنباط أشياء لا تمتُّ بصلة إلى الثقافة اليونانية القديمة، فقد جاء في الفصل الثامن من هذه الرسالة: «بأن التساؤل عن سبب وجود العالم يعني التساؤل عن سبب وجود النفس، وعن سبب إنتاج الإله الخالق الذميورغوس Demiourgos، وهذا التساؤل يعني بدوره الاعتراف ببداية الذي كان دائمًا موجودًا، وهذا الاعتراف يعني بالتالي أن هذا الذي كان دائمًا موجودًا قد أصبح سبب وجود نتاجه بعد أن تغير هو نفسه وتطوَّر، أي إنه قد لحقه التغيُّر والتحوُّل، وهو ممتنع.»

ومما قاله أفلوطين في رسالته هذه أن هؤلاء النصارى يعتبرون أنفسهم موضوع عناية خاصة، وينسون أن هذه العناية كلية جامعة تشمل جميع الكائنات، وتسهر على الكل لا البعض فقط، والدليل على ذلك هو الوجود نفسه المرفق بالحكمة.

وأخذ أفلوطين على هؤلاء النصارى أيضًا أنه لم يكن لديهم رأي واضح في الفضيلة، وأنهم تجاهلوا آراء القدماء في هذا الموضوع، فأهملوا النظر في كيفية اكتساب الفضيلة وكيفية إبراء النفوس وتطهيرها.١٢

بورفيريوس (٢٣٣–٣٠٥)

وأظهرُ تلاميذِ أفلوطين بورفيريوس Porphyrius الحوراني، وُلِد في البثنية من أعمال حوران وتعلَّمَ في صور، ثم درس البيان والفلسفة على لونجينوس في أثينة، فأعجب لونجينوس بشغفه بالعلم ومواهبه النادرة، وكان يُدْعَى مالكًا، فأطلق عليه لونجينوس اسم «الأرجواني» بورفيريوس، ولا نعلم ما إذا كان وُلِد مسيحيًّا كما يصرح سقراط المؤرخ،١٣ ولكننا نرجح أنه عرف أوريجانس العظيم، وعلم أشياء وأشياء عن النصرانية التي كانت قد شاعت آنئذٍ في طول الساحل اللبناني وعرضه.١٤ ويرى بعض العلماء الباحثين أنه بالإضافة إلى لغته الأم تكلم العبرية، وعرف جيدًا طقوس الكلدانيين والفرس والمصريين، ولعله أجاد فهم الأدب اليهودي غير المقدس والفينيقي.١٥ ويُستبعَد أن يكون بورفيريوس قد تذوَّقَ رسالة السيد المخلص في هذا الدور من حياته، أو أن يكون قد قدر عظمة التوراة حق قدرها،١٦ فإنه في السنة ٢٤٩ عندما بدأ داقيوس اضطهاده الشهير، اتخذ موقف المدافع عن الإمبراطورية وآلهتها وصنف رسالته في العرافة والعرافين، وطرد قوساته Causatha من الحمام؛ لأنه اعتبره شيطانًا رجيمًا.١٧
ولما بلغ بورفيريوس الثلاثين من عمره (٢٦٣)، رحل إلى رومة وأصغى إلى أفلوطين، فقال بفلسفته وأحب كثيرًا أن يُغني ذاته في الوحدة الإلهية ويتحد بالواحد، كما تسنى لمعلمه ولأفلاطون من قبله، واشتدت رغبته هذه حتى أنزفت قواه العصبية ففكَّرَ بالانتحار، ولكن أفلوطين ردعه عن ذلك مبينًا سخف هذا العمل، وأشار عليه بالتجول،١٨ فرحل بورفيريوس في السنة ٢٦٨ إلى صقلية وأقام في ليليبة، ولم يرَ أستاذه بعد ذلك.

وكان ما كان من أمر زينب التدمرية وحاجتها لفصاحة لونجينوس، وانقض القوط على ساحل إيجه وجزره، ففر لونجينوس ملبيًا دعوة زينب وأقام معها، وعلم لونجينوس بما حلَّ ببورفيريوس، فكتب إليه أن يبرح صقلية، ويعود إلى بلده الأم (٢٧٠) ويحمل إليه بعض المصنفات. ولكن بورفيريوس آثَرَ البقاء في صقلية، فاستدرَكَ بذلك خطر الموت الذي حلَّ بلونجينوس في حمص في السنة ٢٧٢ على يد أوريليانوس.

وكان أفلوطين المعلم يمقت البيان، ويستثقل العناية بالجمل والألفاظ، وأدرك الحاجة إلى إعادة النظر فيما كتب، فوكل ذلك إلى تلميذه بورفيريوس، فقبل التلميذ ولكنه لم ينفذ شيئًا منها إلا بعد وفاة معلمه، فدوَّنَ في صقلية حياةَ أستاذه، وجمع محاضراته في مجلدات ستة عُرِفت بالأقسام Ennead (التاسوعات) وشرحها،١٩ وكتب إليه تلميذه خريساريوس Chrisarios عضو مجلس الشيوخ الروماني، أن يعينه على فهم كاتيغوريات Kategoria (مقولات) أرسطو، فصنف له بورفيريوس كتاب الإيساغوجي Eisagoge (المدخل)، وكسب بهذا السِّفر شهرةً واسعة خالدة.٢٠

بورفيريوس والنصرانية

وعاد أوريليانوس من الشرق إلى رومة منتصرًا، وأحب أن يعمم عبادة الشمس، فيجعلها دين الإمبراطورية الأوحد، فأنشأ في السنة ٢٧٤ هيكل الإله الشمس على الكورينال، وبدأ يدعو لدين الشمس في أوساط العاصمة وفي الولايات، وعلم بورفيريوس بذلك فهب يهاجم النصارى والنصرانية، وصنف رسائله الخمس عشرة الشهيرة، وأمر الأباطرة المسيحيون في القرنين الرابع والخامس بمصادرة هذه الرسائل وإبطالها، فضاع نصها الكامل ولم يبقَ منها سوى شذرات مبعثرة في متون الردود التي صُنِّفت ضدها، ثم ضاعت هذه الردود بدورها، فلم يسلم منها سوى رد مكاريوس.٢١
ويرى رجال الاختصاص أن هذه الرسائل خالية من أي تفكير فلسفي عميق، وهي في نظرهم أقرب إلى الجدل الفيلولوجي التاريخي منها إلى البحث الفلسفي، فإننا نرى بورفيريوس يسخر من قصة آلام السيد، ويتطلب مثل الفريسيين من قبله عجائب عظمى، وهو يهزأ أيضًا من «تناقض» الأناجيل الأربعة، ويلجأ في غالب الأحيان إلى اللجاجة والمماحكة، مبتعدًا عن اتخاذ موقف حاسم واضح.٢٢

يمبليخوس العيطوري

وقام في النصف الثاني من القرن الثالث في خلقيس (مجدل عنجر) يمبليخوس العيطوري يدعو إلى الأفلاطونية الجديدة ويدافع عنها، ويعطي الناحية الدينية في الأفلاطونية الجديدة المقام الأول.٢٣ وهو تلميذ بورفيريوس أخذ عنه في روما، ودرس الرياضيات على أناتوليوس، وعاد إلى وطنه الأصلي يعلم في أبامية وفي مجدل عنجر، فقال بصدور الموجودات بعضها عن بعض، ورأى أن أفلوطين حين سَمَّى الواحد الأوحد خيرًا بالذات قيَّده بصفة، فوضع فوقه واحدًا غير معين ووضع بعده العالم المعقول، فأصبح لديه «حدود» ثلاثة؛ وجعل العالم المعقول ثلاثة حدود أيضًا: العقل، والصانع، وبينهما القدرة الإلهية؛ وجعل للعالم الاستدلالي ثلاثة حدود أخرى: الآب، والقوة، والفهم.
١  Reville, J., La Religion à Rome sous les Sévéres; Toutain, Les Cultes Paiens dans l’Emp. Romain, II, 227–257.
٢  Westermann, Oeuvres de Philostrate et Callistrate, Paris, 1849, Trad. Chassang, Paris, 1862, 1–194.
٣  Vie, I, 31, 32, IV, 10, 20, 25, VI, 27.
٤  Contra Hieroclem, I; Macarius Magnes, Apocriticus, 52, 66.
٥  Eusèbe, Prep. Evang. XI; Clément, Strom., I, 22.
٦  Leemans, E. A., Numenius, Brussels, 1937.
٧  Origéne, Contra Celsum, I, 15, IV, 51.
٨  Nock, A. D., Paganism in the Rom. Emp., Cam. Anc. Hist., XII, 438 ff.
٩  Bibez, J., Lit. and phil. in Eastern Half of Empire, Cam. Anc. Hist., XII, 621 ff.
١٠  Vita, XVII.
١١  Brehier, E., Les Enneades, II, 108–110.
١٢  Lebreton, J., Opposition Paienne, Fliche et Martin, op. cit., II, 216–220.
١٣  Socrate, Hist. Ecc., III, 23.
١٤  Eusèbe, Hist. Ecc., VI, 19; Bidez, J., Vie de Porphyre, 7.
١٥  Bidez, J., op. cit., 9-10.
١٦  Bidez, J., op. cit., 13.
١٧  Bidez, J., op. cit., 15, 17–28.
١٨  Vie de Plotin, XXIII.
١٩  Henri, P., Enseignement de Ptotin, Bull. Acad. Belge, 1937, 310 ff.
٢٠  Bidez, J., op. cit., 60 ff.
٢١  Macarii Magnetis quae Supersunt ex Inedito Codice, Edit. Blondel Parisiis, 1876; Harnack, A., Porphyrius Gegen die Christen, Berlin, 1916.
٢٢  Lebreton, J., Opposition Paienne, Fliche et Martin, op. cit., II, 222; Labriolle, P., Réaction Paienne, Paris, 1934, 252–270.
٢٣  Bidez, J., Jamblique et son Ecole, Rev. Eludes Grec., 1919, 31 ff.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢