الفصل الثامن عشر

ملاتيوس الشريف

٣٦٠–٣٨٢

يوليانوس الجاحد (٣٦١–٣٦٣)

هو يوليانوس بن يوليوس بن قسطنديوس الأول كلوروس، وهو أخو غالوس لأبيه، كما كان والده يوليوس أخا قسطنطين الكبير لأبيه، ووالدة يوليانوس باسيلينة نسيبة أفسابيوس أسقف نيقوميذية، وقد سبقت الإشارة إليه وإلى نضاله في سبيل الآريوسية.

وُلِدَ يوليانوس في النصف الثاني من السنة ٣٣١ في ميسية على الدانوب، وما إن مضت بضعة أشهر حتى توفيت والدته، فنُقِل إلى القسطنطينية ونشأ في قصر لجدته في آسية لا يبعد كثيرًا عن العاصمة. وفي السادسة من عمره أي في السنة ٣٣٧ شهد مقتل والده وجميع أقربائه، ونجا هو وأخوه غالوس بأعجوبة، وعاشا مدة من الزمن مراقبين محصورين، فشبَّ يوليانوس مضطرب العصب يكره قسطنطين وذريته، وتولى أمره في هذه الفترة أفسابيوس أسقف نيقوميذية، فوكل أمر تهذيبه إلى خصي نصراني (مردونيوس) كان شديد الإعجاب بهوميروس الشاعر اليوناني، وتوفي أفسابيوس في السنة ٣٤١ فنفي قسطنديوس الأميرين إلى قصر في قبدوقية على مسافة قريبة من قيصرية، فقضى يوليانوس ست سنوات يدرس ويطالع مؤلفات أعاره إياها كاهن نصراني، وفي السنة ٣٤٧ أمر قسطنديوس بانتقال غالوس إلى أفسس ويوليانوس إلى القسطنطينية، وأقام يوليانوس في عاصمة الدولة سبع سنوات احتك فيها بعالمين شهيرين، أحدهما وثني والآخر نصراني، وتعلم مبادئ اللاتينية، ورحَّبَ الجمهور بالأمير الصغير وأكرمه، فدخلت الريبة نفس قسطنديوس فأمر بنقله إلى نيقوميذية، وكان ليبانيوس العالم الأنطاكي الوثني قد ترك مدرسة نيقوميذية، فلم يتسنَّ ليوليانوس أن يأخذ عنه مباشرة، ولكنه طالع بعض مصنفات ليبانيوس وأكبَّ عليها فأثرت في نفسه؛ ومن هنا هذا التشابه في الأسلوب بين الاثنين. وفي السنة ٣٥١ رضي قسطنديوس عن الأميرين، فجعل غالوس قيصرًا وأعاد إلى يوليانوس إرثه فأصبح غنيًّا، فرحل يوليانوس في طلب العلم وأمَّ برغامون في آسية الصغرى، واتصل فيها بأديسيوس الفيلسوف الأفلاطوني الجديد، وبتلميذه خريسانطيوس الفيلسوف الفيثاغوري، وتردد إلى أفسس فاتصل بفيلسوفها مكسيميوس، وكان هذا يمارس ضروب السحر، فوقع يوليانوس تحت تأثير شعوذاته ودخل في زمرة أتباعه. وفي السنة ٣٥٥ قضى ثلاثة أشهر في أثينة والتحق بجامعتها، وكان بين رفقائه فيها غريغوريوس النازينزي وصديقه باسيليوس القديس، ثم أصبح قيصرًا في غالية، ونادى به جنوده إمبراطورًا، فمشى في صيف السنة ٣٦١ إلى الشرق، وتوفي قسطنديوس كما سبق وأشرنا، فأسرع يوليانوس إلى القسطنطينية ودخلها في الحادي عشر من كانون الأول سنة ٣٦١.١
وكان يوليانوس قد جنح إلى الوثنية قبل وصوله إلى العرش، وذلك لأسبابٍ أهمها: أن النصرانية كانت دين جلاد أسرته، وأنها كانت في شقاق الاضطراب، وأنها خلت من إبداع الفلاسفة والشعراء، وأن الأفلاطونية الجديدة كانت وريثة هذا الإبداع،٢ ويُستدَل من الرسائل التي صنفها هذا الإمبراطور الجاحد٣ أنه قال بأكوان ثلاثة أو شموس ثلاث: الشمس الأولى شمس الحقائق الراهنة والمبادئ السامية والعلة الأولى، وهي التي سماها شمس النفس، والشمس الثالثة شمس المادة الملموسة وصورة انعكاس للشمس الأولى، وبين الاثنتين — أي بين النفس والمادة — شمس ثانية هي شمس العقل. ولما كانت الشمس الأولى بعيدة المنال، وكانت الشمس الثالثة مادية غير صالحة للعبادة، فإن يوليانوس عبد شمس العقل، وسماها الملك الشمس، واعتقد أنه هو سليل الملك الشمس يهتدي بإرشاده، وقال بتناسخ الأرواح على طريقة فيثاغورس، فاعتقد أنه هو الإسكندر في «دور» آخر، وتبنى في رسالته «ما يؤخذ على النصرانية» موقف بوفيريوس الفيلسوف الحوراني اللبناني، فقال إن إله التوراة هو إله شعب خاص لا إله الكون بأسره، وأن هنالك تناقضًا بين التوحيد في التوراة والتثليث في الإنجيل، وأن الأناجيل الأربعة متنافرة غير متآلفة.
ومنح يوليانوس الشعب حرية المعتقد، فانطلق الوثنيون فرحين مهللين، وراحوا يعترفون ليوليانوس بهذا الفضل ويخلدون ذكرى هذا الانطلاق، ولا تزال بعض نقوشهم الكتابية تنطق «بالجميل» حتى يومنا هذا في عنز إلى الجنوب من صلخد حوران، وفي جنينة وجرش٤ وفي بيروت.٥

في أنطاكية

ودبَّ النشاط في صفوف قبائل القوط في قطاع الدانوب، وحسب يوليانوس لذلك حسابه، ولكنه آثر العمل في الشرق؛ لأنه اعتبر نفسه الإسكندر في دور ثانٍ، فقام إلى أنطاكية قاعدة الشرق الحربية في حزيران السنة ٣٦٢، وفي أثناء مروره في طرسوس أمر بإعادة أعمدة كانت قد انتزعت من هيكل وثني لتشييد كنيسة مسيحية منذ أكثر من ثلاثين سنة، ووصل أنطاكية في التاسع عشر من تموز، يوم انتحاب العذارى على مقتل أذوناي عشيق عشتروت، وكان ليبانيوس الفيلسوف الأديب قد عاد إليها ليعلم فيها إخوانه الأنطاكيين، فاستقبل الإمبراطور الجاحد استقبالًا حارًّا، ولكن أنطاكية كانت قد أصبحت مسيحية، فهال يوليانوس إعراض أهلها عن «الدين القويم»، وقلة اكتراثهم بهياكل دفنة المقدسة، فقال في إحدى رسائله إلى الأنطاكيين ما معناه: «هو ذا الشهر العاشر، شهر لوس الذي تبتهجون فيه بعيد أبولون الإله الشمس، وكان من واجبكم أن تزوروا دفنة، وكنت أنا أتصور موكبكم لهذه المناسبة شبانًا بيضًا أطهارًا يحملون الخمور والزيوت والبخور ويقدمون الذبائح، ولكني دخلت المقام فلم أجد شيئًا من هذا، وظننت أني لا أزال خارج المقام، فإذا بالكاهن ينبئني أن المدينة لم تقدم قربانًا هذه المرة إلا وزة واحدة جاء بها هو من بيته.»٦
وأكرم يوليانوس ليبانيوس الفيلسوف الوثني، ورقى عددًا من الوجهاء إلى رتبة المشيخة، فجعلهم أعضاء سناتوس أنطاكية، ووهب للمدينة مساحات كبيرة من أراضي الدولة، ولكن الأنطاكيين المسيحيين قابلوه بالهزء، ووجدوا في النقيضين لحيته الطويلة وقامته القصيرة مجالًا واسعًا للعبث والسخر،٧ وعبثًا حاول ليبانيوس أن يوفق بين الإمبراطور وبين رعاياه الأنطاكيين، ثم اشتد الخلاف وتفاقم الشر حين أخرج الإمبراطور بقايا شهيد أنطاكية القديس بابيلاس من قبره، فغضب المسيحيون لكرامتهم، وأحرقوا في الثاني والعشرين من تشرين الأول هيكل أبولون، فأقفل الإمبراطور كنيسة أنطاكية الكتدرائية، وأمر بنهبها وتدنيسها، فكسَّر المسيحيون تماثيل الآلهة، واحتج إفظويوس أسقف أنطاكية فلم يَلْقَ إلا الذل والهوان.٨
وتمادى يوليانوس في ضلاله، وأطلق لنفسه العنان، فنزع عن ميومة مرفأ غزة رتبتها المدينية؛ لأنها مسيحية، وجعلها ضاحية من ضواحي غزة الوثنية، وأعمل السيف في رقاب الكهنة والعذارى في غزة وعسقلان، ورمى بأجسادهم إلى الخنازير لتدوسها. وفي بانياس أنزل تمثالًا للسيد المخلص عن قاعدته، وحطمه تحطيمًا وأقام محله تمثالًا لنفسه، وأحرق القومس مغنوس كنيسة بيروت، وأشعل اليهود النيران في كنيستين من كنائس دمشق، ولقي شماس بعلبك حتفه؛ لأنه اجترأ في عهد قسطنطين فأقدم على قلب الأصنام. وأُحرِقت قبور النصارى في حمص، وحُوِّلت كنيستها إلى هيكل لباخوس، وفي حماة أُقِيم تمثال لباخوس على مذبح الكنيسة.٩
وعلم يوليانوس أن يسوع تنبأ بألَّا يبقى من الهيكل في أوروشليم حجر على حجر، فلكي يكذب الكتب اهتم لإعادة بناء الهيكل، فأرسل إلى أوروشليم أحد أمنائه أليبيوس ليشرف على العمل، وتقاطر اليهود واجتمع عدد كبير منهم في مكان الهيكل، فجرفوا المكان وحفروا الأرض كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء، ولما انتهوا من هدم الأساسات القديمة، وأوشكوا أن يضعوا الأساسات الجديدة حدثت زلزلة هدمت الأبنية المجاورة، وقتلت بعض الفعلة وملأت الحفر ترابًا.١٠
ونهض يوليانوس في ربيع السنة ٣٦٣ إلى الفرات، وزحف على بابل وانتصر على ذي الأكتاف عند سلوقية، فاستأنف الزحف على طيسفون، وأصابه سهم عقبه نزيف، فتوفي وهو يحدث أصدقاءه عن صفات النفس السامية، وقيل إن فارسًا مسيحيًّا من فرسانه رماه بهذا السهم للقضاء عليه. وتشاور رؤساء الجند فيمَن يكون خلفًا ليوليانوس، فأجمعوا على يوفيانوس Jovianus إمبراطورًا، وكان هذا رئيس الخدم في القصر مسيحيًّا نيقاويًّا أرثوذكسيًّا، فوقع صلحًا مع الفرس وعاد إلى أنطاكية في خريف السنة ٣٦٣.

مجمع الإسكندرية (٣٦٢)

واتخذ يوليانوس التساهل في الدين سياسة له في بدء عهده ليعيد الوثنية، ورغب في عودة الأساقفة المنفيين إلى أوطانهم ليزداد الشقاق في صفوف النصرانية، فعاد أثناسيوس الكبير إلى الإسكندرية، ورجع ملاتيوس إلى أنطاكية، واجتمع في الإسكندرية في السنة ٣٦٢ عدد من الأساقفة المصريين المنفيين وغيرهم، وأَمَّها أستيريوس أسقف البتراء، وأفسابيوس الإيطالي أسقف فركيلية، وكانا قد نُفِيَا إلى مصر، وانضم إلى هؤلاء ممثلون عن لوسيفيروس Luciferus أسقف كلياري، وأبولويناريوس أسقف اللاذقية، والكاهن بافلينوس رئيس كنيسة أفستاثيوس الأنطاكية، واعتذر لوسيفيروس عن الحضور بالذات، وقال «إن ظروف الكنيسة في أنطاكية قضت بذهابه إليها»،١١ وخشي زملاؤه الأساقفة المجتمعون في الإسكندرية قلة درايته، فحاولوا إبقاءه في مصر ولكنه لم يرضَ.
وكان ظرف الكنيسة في أنطاكية دقيقًا، فإن إفظويوس كان لا يزال في قيد الحياة يمارس سلطته الأسقفية، فلما عاد ملاتيوس إلى أنطاكية أصبح لعاصمة النصرانية في الشرق أسقفان في آن واحد ومكان واحد، وظل أتباع أفستاثيوس يمارسون العبادة مستقلين عن الآريوسيين أتباع إفظويوس وعن الأرثوذكسيين أتباع ملاتيوس، وذلك برئاسة الكاهن بافلينوس.١٢
وتصوَّن كاهن اللاذقية أبوليناريوس من الآريوسية، وتزعم الأرثوذكسيين في هذه المدينة وتوابعها، وعاونه في ذلك ابنه القارئ في الكنسية، وكان يُدعَى أبوليناريوس أيضًا، وتحلى الاثنان بالعلم والأدب اليونانيين، وأصغيا للحكيم الوثني أبيفانيوس بينما كان ينشد شعرًا لباخوس في اللاذقية، فقطعهما ثيودوتوس أسقف اللاذقية، ثم قطعهما جاورجيوس خلف ثيودوتوس؛ لأنهما رحَّبَا بأثناسيوس الكبير لدى مروره باللاذقية سنة ٣٤٦، فلما توفي جاورجيوس بعد مجمع سلفكية (٣٥٩)، وانتُخِب بلاجيوس خلفًا له، انتخب أيضًا أبوليناريوس الأصغر أسقفًا على اللاذقية.١٣
وهكذا فإن كل الأساقفة الذين اشتركوا في أعمال مجمع الإسكندرية كانوا نيقاويين مضطهدين، ولكنهم ما كادوا يخرجون من مخابئهم، أو يعودون من الأمكنة التي أُبعِدوا إليها حتى أدركوا أن معظم أساقفة عصرهم كانوا قد ماشوا الآريوسيين مكرهين أو من تلقاء أنفسهم، فاضطر الأعضاء والحالة هذه أن يعتدلوا في موقفهم من الآريوسيين، وأن يحاولوا تفهُّم الظروف التي أكرهت زملاءهم على إهمال دستور نيقية وعدم القول به؛ وهكذا فإننا نرى مجمع الإسكندرية يقرر قبول الآريوسيين الأساقفة في الكنيسة الأرثوذكسية، شرط الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه والتنازل عن الأسقفية، أما الآخرون الذين أُكرِهوا إكراهًا على القول بالآريوسية، فإن المجمع قرر قبولهم في الكنيسة برتبهم شرط اعترافهم بدستور نيقية،١٤ وشمل هذا العفو معظم أساقفة مصر وفلسطين وقبرص ونيقية وبمفيلية وأسورية، أما أساقفة سورية فإن معظمهم كان قد اتخذ موقفًا مضادًّا لجمع نيقية منذ اللحظة الأولى، ولكنهم لم يقولوا بالآريوسية المتطرفة، بل بما جاء في قرارات مجمع التكريس الأنطاكي (٣٤١) ومجمع سلفكية (٣٥٩)، فاعترفوا بألوهية ابن الله، ولكنهم تحاشوا القول بالمساواة في الجوهر.

المجمع الإسكندري ومشكلة أنطاكية

وذكر الأساقفة المجتمعون في الإسكندرية إخوتهم في المسيح المخلص أبناء كنيسة أنطاكية، فحرروا رسالة سلامية إلى الأساقفة النيقاويين الموجودين في أنطاكية والذاهبين إليها وإلى أفسابيوس الإيطالي أسقف هركيلية، ولوسيفيروس السرديني أسقف كلياري، وأستيريوس أسقف البتراء، وكيماتيوس Cymatios أسقف جبلة Paltus، وأناتوليوس أسقف أفبية، وهو غير أناتوليوس أسقف حلب.١٥ ومما جاء في نص هذه الرسالة ما يلي: «وأولئك الذين يرغبون أن يعيشوا معنا في سلام، ولا سيما أولئك الذين يجتمعون في الكنيسة القديمة، والآريوسيون الذين يأتون إلينا، هؤلاء يدعون ويُقبلون قبول الآباء لأبنائهم، اقبلوهم قبول الأوصياء، وضموهم إلى البولسيين الأعزاء، ولا تطلبوا منهم شيئًا سوى نكران الهرطقة الآريوسية والقول بالإيمان الذي أقره آباؤنا في نيقية، ونكران القول بخلق الروح القدس واختلافه في الجوهر.»١٦ وتجاهل المجمع الإسكندري في رسالته هذه إفظويوس أسقف أنطاكية وأتباعه الآريوسيين، ولعلَّ للأعضاء الآباء عذرًا في هذا، ولكن الغريب أنهم لم يذكروا اسم ملاتيوس أسقف أكثرية الأرثوذكسيين في أنطاكية، الذي تحمَّلَ مشقةَ النفي لأجل الإيمان،١٧ فجاء تدخل هذا المجمع الأرثوذكسي في أنطاكية أبتر قليل الفائدة منذ انبثاقه.

بافلينوس أسقف أنطاكية

ومما زاد في الطين بلة أن لوسيفيروس السرديني أسقف كلياري كان غيورًا عجلًا ينتاط الأمور برأي نفسه، فإنه ما كاد يخلص من النفي والأسر حتى أسرع إلى أنطاكية ليحل مشكلتها، ولدى وصوله إليها أسرع الكاهن إلى تأييد البوليسيين فيها، ورسم الكاهن بافلينوس زعيمهم أسقفًا عليهم،١٨ فجعل بعمله هذا عدد الأساقفة المتناظرين ثلاثة بدلًا من واحد، فلما انتهى مجمع الإسكندرية من أعماله، وقام الأسقفان أفسابيوس وأستيريوس إلى أنطاكية لتدبير أمورها، جُوبِهَا مجابهةً بعمل لوسيفيروس، فامتنع أفسابيوس عن تبكيت زميله الغربي جهارًا،١٩ ولكنه لم يعترف برسامة بافلينوس، وغادر أنطاكية إلى إيطالية مستصحبًا معه الشاب الأنطاكي إفاغريوس Evagrios.٢٠

موقف ملاتيوس «الجليل»

وتوفي يوليانوس، وتسلم يوفيانوس أزمة الحكم بعده، وكان يوفيانوس أرثوذكسيًّا يقول بنص الدستور النيقاوي، فدعا أثناسيوس الكبير إلى مقابلته في أنطاكية،٢١ واستغل ملاتيوس الجليل الظرف فدعا بدوره إلى مجمع أرثوذكسي ينظر في أمر العقيدة، فلبى الدعوة عدد من الأساقفة، أشهرهم: أفسابيوس سميساط، وبيلاجيوس اللاذقية، وأورانيوس أبامية، وطيطس بصرى، وأكاكيوس قيصرية فلسطين، وأناطوليوس حلب، وإسحاق أرمينية؛ وكان قد سبق لهؤلاء الأساقفة وقالوا بنص الدستور الذي أقره مجمع القسطنطينية إرضاءً لقسطنديوس الإمبراطور، فلما زال قسطنديوس وهلك يوليانوس بعده رأوا من الواجب أن يعودوا إلى دستور نيقية،٢٢ فكتبوا إلى يوفيانوس رسالة جاء فيها أنهم لا يرغبون الانتماء إلى أولئك الذين حرَّفوا حقيقة الإيمان، وأنهم يقبلون نص نيقية ويحافظون عليه، وأنهم توصلوا إلى تفسير حكيم للفظ Homoousios الذي التبس أمره على بعض الأساقفة.٢٣ وشك البولسيون أتباع الأسقف بافلينوس في إخلاص هؤلاء الأساقفة، واتهموهم بالرياء والمواربة، ووضعوا ردًّا بهذا المعنى نُسِبَ خطأً فيما بعدُ إلى القديس أثناسيوس الكبير.٢٤

ملاتيوس وأثناسيوس

ولبى أثناسيوس الكبير دعوة يوفيانوس، ووصل إلى أنطاكية في خريف السنة ٣٦٣، واتصل بملاتيوس الجليل ودعاه إلى الشركة، فأجاب ملاتيوس جوابًا مبهمًا مطاطًا، ولعل اللوم في ذلك يقع على حاشيته، فاعترف أثناسيوس بأسقفية بافلينوس وعاد إلى الإسكندرية،٢٥ فأمست الأرثوذكسية في أنطاكية منقسمة على نفسها ذات رأسين: ملاتيوس وبافلينوس.

ولنتنيانوس ووالنس

وتوفي يوفيانوس في السابع عشر من شباط سنة ٣٦٤، واجتمع رؤساء الجند في نيقية، وتداولوا في أمر الخلافة، فأجمعوا في الرابع والعشرين من الشهر نفسه على ولنتنيانوس Valentinianus أحد قادة الحرس، وما إن أطلَّ هذا الإمبراطور على الجند ليخطب فيهم، حتى قاطعه عدد منهم بدق التروس طالبين إمبراطورًا آخر يشاركه في الحكم، فاستمهلهم وشاور ثم قدَّم أخاه والنس Valens في الثامن والعشرين من آذار أوغوسطًا وشريكًا له في الحكم، وتشاطر الاثنان الملك، فحكم والنس الشرق (٣٦٤–٣٧٨)، وتولى ولنتنيانوس الغرب (٣٦٤–٣٧٥)، واقتسم الاثنان الملك اقتسامًا تامًّا كاملًا، وأصبحت الإمبراطورية دولتين شرقية وغربية.

سياسة والنس الدينية

وكان الشقاق قد عمَّ الشرق بأسره، فاضطر والنس أن يتخذ موقفًا معينًا محددًا حسمًا للنزاع، وحبًّا في توطيد الأمن الداخلي وتوحيد الصفوف للدفاع عن الإمبراطورية ضد القوط في الشمال، والفرس في الشرق، ورأى والنس الأرثوذكسية النيقاوية ضعيفة خارج مصر، ولمس مقاومة عنيفة لعقيدة آئيوس Anomeisme في آسية الصغرى وغيرها، ووجد في الدستور «المؤرخ» الذي أقر في ريمينة والقسطنطينية قولًا وسطًا Homeisme بين الأقوال المتضاربة، يؤيده عدد من أساقفة المراكز الهامة في القسطنطينية وأنطاكية وغيرهما، ومما لحظه والنس أيضًا أن قسطنديوس الإمبراطور كان قد جعل من الدستور المؤرخ دستورًا رسميًّا للدولة، فقال بالهومايسية ودافع عنها طوال عهده.٢٦ ويلاحظ في تعليل موقف والنس أن أفذوكسيوس أسقف القسطنطينية الذي قال هذا القول نفسه كان رزينًا حكيمًا مجربًا ذا تأثير في نفس الإمبراطور الجديد،٢٧ وأن الإمبراطورة ذومينيكة كانت آريوسية متحمسة.٢٨

إبعاد ملاتيوس الجليل

وفي ربيع السنة ٣٦٥ أصدر والنس أمرًا بوجوب إبعاد الأساقفة الذين أقصاهم قسطنديوس عن مراكزهم وأعادهم يوليانوس إليها، فخرج ملاتيوس الجليل من أنطاكية، ولم يَعُدْ إليها قبل وفاة والنس،٢٩ أما بافلينوس فإنه بقي آمنًا في أنطاكية؛ لأنه رقي الكرسي الأسقفي بعد عهد قسطنديوس، ولأنه تمتع بشطر وافرٍ من احترام إفظويوس وإكرامه.٣٠
وتشاور الأساقفة الذين قالوا بالتشابه في الجوهر، فأرسلوا وفدًا إلى إيطالية يلتمسون بواسطته عطف ولنتنيانوس، وعقدوا مجمعًا في تيانة قبدوقية؛ لسماع أقوال أعضاء هذا الوفد، ولاتخاذ ما يرونه موافقًا لمصلحتهم العامة، وكان بين المجتمعين في تيانة عدد من أساقفة الكرسي الأنطاكي: أفسابيوس قيصرية قبدوقية، وأثناسيوس أنقيرة، وبيلاجيوس اللاذقية، وزينون صور، وبولس حمص؛ فاتفق المجتمعون على القول بالمساواة في الجوهر، وقرروا عقد مجمع كبير لهذه الغاية في طرسوس في ربيع السنة التالية، ولكن أفذوكسيوس القسطنطينية خشي سوء العاقبة، فمنع الإمبراطور انعقادَ المجمع المنتظر.٣١

جوهر الروح القدس

وأدى البحث في جوهر الابن إلى النظر في جوهر الروح القدس، ولا سيما وأن المجمع المسكوني الأول اكتفى بالعبارة: «ونؤمن بالروح القدس.» وقال مجمع الإسكندرية في السنة ٣٦٢ بألوهية الروح القدس، وأوجب لعنة مَن يقول بخلق الروح،٣٢ وراج القول في هذه الآونة في ولايات تراقية وبيثنية والهلسبونط بخلق الروح القدس، وتزعم هذه الحركة ثلاثة من كبار الأساقفة الذين اشتهروا بالفضيلة والمحبة والغيرة، والإشارة هنا إلى أفستاثيوس سبسطية، وإلفسيوس Eleusios كيزيكة، ومراثونيوس Marathnios نيقوميذية،٣٣ فكان لتزعمهم أثر في نفوس جمهور المؤمنين في هذه المنطقة؛ فاتسعت حركتهم حتى أصبحت في السنة ٣٨١ موضوعَ بحث رئيسي في المجمع المسكوني الثاني، كما سنرى في حينه.

الأرثوذكسيون لسان واحد

وشغلت القبائل القوطية والنس الإمبراطور عن الدين والعقيدة، وتخالف أتباعه أصحاب القول بالدستور المؤرخ، وتعارضت أهواؤهم فانتظمت صفوف الأرثوذكسيين، ولا سيما في قبذوقية، فجهر أثناسيوس أنقيرة بالعقيدة النيقاوية الأرثوذكسية،٣٤ وحذا حذوه أفسابيوس قيصرية، واتخذ لنفسه مستشارًا ومعاونًا باسيليوس الكبير،٣٥ وعاد غريغوريوس النزينزي أبو غريغوريوس اللاهوتي عن الدستور المؤرخ، وصارح زملاءه بالعقيدة الأرثوذكسية.٣٦ وقال آخرون من آباء كنيسة أنطاكية في أرمينية والبونط قول هؤلاء الأساقفة الكبار، وصرح الجميع بالأقانيم الثلاثة وبوحدة الجوهر، فمهدوا بذلك لتوحيد الصفوف والانضواء تحت لواء الأرثوذكسية.

الاضطهاد الوالنسي

وعاد والنس إلى القسطنطينية في أواخر السنة ٣٦٩، وتوفي أفذوكسيوس بعد ذلك بقليل، فخسرت الكنيسة بوفاته أبًا معتدلًا حكيمًا، واختلف أبناء كنيسة القسطنطينية في أمر الأسقف الجديد خليفة أفذوكسيوس، فأسرع الأرثوذكسيون إلى تأييد إفاغريوس Evagrios، ونادى أصحاب القول بالدستور المؤرخ بذيموفيلوس، فاحتج الأرثوذكسيون وأرسلوا وفدًا إلى والنس الإمبراطور مؤلفًا من أربعة وثمانين إكليريكيًّا، يطالبون بالاعتراف بإيفاغريوس، فغضب والنس وأمر بإعدام الوفد، فألقي القبض على هؤلاء الإكليريكيين وأُبعِدوا على قوارب في مياه البوسفور وأُحرِقوا٣٧ أو أُحرِق بعضهم،٣٨ ودخلت الكنيسة في دورٍ من الاضطهاد دام طويلًا، فطُرِد الأرثوذكسيون من الكنائس، وسُلمت كنائسهم إلى أصحاب القول بالدستور المؤرخ، وأُكْرِهَ الآباء إكراهًا على القول بهذا الدستور، وصُودِرت الأملاك والأوقاف، ونُفِي الأساقفة المؤمنون، وكف الجيش عن محاربة الفرس والبرابرة، ودنَّسَ الكنائس والمذابح،٣٩ وعمَّ اضطهاد والنس جميعَ الولايات الخاضعة له.
وأطل والنس في ربيع السنة ٣٧٢ على سورية، وأقام فيها حتى وفاته، فنفى ملاتيوس الجليل،٤٠ وبيلاجيوس اللاذقية،٤١ وبرسا الرها، وإبراهيم بنس (تل بتنان)، وسجن أفسابيوس سميساط.٤٢ ونشط الكاهنان الأنطاكيان: أفلوغيوس وبروتوجنس لرعاية الأرثوذكسيين في مدينة أنطاكية، فأمر الإمبراطور بنفيهما إلى صعيد مصر،٤٣ وطرد الأرثوذكسيين من كنائسهم وسلمها لإفظويوس وأتباعه، فاضطر المؤمنون أن ينطلقوا إلى الحقول للصلاة والعبادة،٤٤ ويؤكد ثيودوريطس المؤرخ أن الإمبراطور أمر بإغراق عدد من المؤمنين في العاصي.٤٥

باسيليوس الكبير (٣٢٩–٣٧٩)

ولمع في فضاء الكنيسة في هذه الفترة من محنتها كوكب براق، أنار سبيلها وبهر خصومها فزادها قوة وثباتًا، هو باسيليوس القبدوقي أسقف قيصرية الجديدة ذو القداسة والطهارة والحكمة.٤٦ وُلِدَ باسيليوس في السنة ٣٢٩ في قيصرية الجديدة في بلاد البونط من أبوين مسيحيين تقيين، ونشأ في جو مشبع بالإيمان القويم والتضحية في سبيله، فإن جدته مكرينة كانت لا تزال حية تحضنه لتُسمِعه أخبارَ الاضطهاد الذي عمَّ البونط في عهد ديوقليتيانوس، يومَ فرَّتْ مع جده إلى الغابات المجاورة ليتخلصَا من شر الحكام واضطهادهم.

وتلقى باسيليوس العلوم في قيصرية أولًا، ثم في القسطنطينية على يد ليبانيوس الفيلسوف الأنطاكي، فأثينة حيث رافق غريغوريوس النزينزي، فأضاف إلى شدة إيمانه قوة الحجة وفصاحة الكلام، وفي السنة ٣٥٧ عاد إلى مسقط رأسه، فأشار عليه رئيسه الروحي الأسقف أفستاثيوس أن يرحل إلى سورية ومصر وما بين النهرين؛ ليتفقد شئون الرهبان والنساك فيها، فلما عاد إلى آسية الصغرى وكانت السنة ٣٦٠، أنشأ على نهر إيريس بالقرب من قيصرية الجديدة ديرًا للترهب على طريقة باخوميوس، أصر فيه على الطاعة زيادةً على الفقر والعفة.

وأصبح باسيليوس منذ السنة ٣٦٠ قارئًا، وفي السنة ٣٦٢ سامه أفسابيوس القيصري كاهنًا، ولدى وفاة أفسابيوس سنة ٣٧٠ أجمع المؤمنون في قيصرية على قداسة باسيليوس وثقافته وفصاحته وحنكته؛ فأقامه القديس ملاتيوس الأنطاكي أسقفًا عليهم، فخضعوا لرئاسته مختارين غير مكرهين،٤٧ وفي شتاء السنة ٣٧١-٣٧٢ وصل والنس الإمبراطور إلى قبدوقية في طريقه إلى أنطاكية، فأقام فيها مدة يسيرة حاول في أثنائها تطبيق سياسته الدينية الجديدة، ولكنه لمس في شخص باسيليوس من القداسة والثبات والجرأة والحنكة ما اضطره أن يعفَّ عن كنيسة قيصرية ورئيسها.٤٨
ومما يُرْوَى عن شجاعة هذا القديس وتفانيه في سبيل الإيمان القويم، ما حفظه لنا القديس غريغوريوس النزينزي في عظاته، فقد جاء في العظة العشرين أن مودستوس برايفكتوس الشرق قال لباسيليوس: «وأنت لا تخشى سطوتي؟» فأجابه القديس: «وأي شيء ينتظرني عندك؟ فإن لجأت إلى المصادرة، فإنك لن تجد عندي سوى بعض الكتب، وإن قلت بالنفي فإني غريب في هذا العالم، غريب أينما حللت، وإن أمرت بالتعذيب فإن هذا الجسد النحيل لن يلقى منك سوى ضربة واحدة، أما الموت فإنه سيعجِّل لقائي بالرب إلهي الذي من أجله أحيا وأتحرك، ولأجله أصبحت نصف ميت، وللقائه أتلهَّف منذ أمد بعيد.»٤٩ ومما قاله القديس غريغوريوس أيضًا أن والنس نفسه توجه يوم عيد العنصرة إلى كنيسة قيصرية، وتقدم إلى المذبح بهدية، فلم يتناولها منه أحد، فارتعد وارتعش، ثم قبلها الأسقف فلانت صلابة الإمبراطور وعامل باسيليوس معاملة طيبة، ثم أراد نفيه فمرض ابنه الوحيد وأشرف على الموت، فطلب الإمبراطور إلى باسيليوس أن يصلي عليه فقبل الأسقف شرط أن يُعمَّد الولد عمادة أرثوذكسية، فتعافى الولد، ثم عمَّده أسقف آريوسي فمات حالًا، فغضب الإمبراطور وأخذ القلم ليأمر بنفي باسيليوس فانكسر، فبراه فانكسر، وهكذا للمرة الثالثة، فارتجف الإمبراطور ومزق الصك.٥٠

كنيسة أنطاكية أعظم الكنائس

وهال باسيليوس أمر الانشقاق في كنيسة أنطاكية، وإبعاد ملاتيوس رئيسها الشرعي، وخروج بفلينوس الأرثوذكسي على هذا الراعي الجليل، واعتراف أثناسيوس الإسكندري بأسقفية بفلينوس وتعاونه معه، ورأى في انشقاق أم الكنائس علة العلل، فقال قوله المأثور: «وهل هنالك أعظم من أنطاكية بين كنائس المسكونة! فإذا ما ساد التفاهم فيها عاد الوفق والوئام إلى غيرها.»٥١ وأخذ باسيليوس يسعى لحل المشكلة الأنطاكية منذ بداءة عهده في الأسقفية، فكتب إلى أثناسيوس يستحثه على مفاوضة دماسوس أسقف رومة؛ ليرسل إلى الشرق من يتحلى بدماثة الخلق والمقدرة على المفاوضة والإقناع، فينقل جميع القرارات التي اتخذت في الغرب بعد مجمع ريميني، فمحت أثر العنف وتغلبت على الشقاق فأعادت الوفاق والوئام، وأضاف باسيليوس راجيًا أن يتيسر لدى الزملاء الغربيين أمر الاعتراف بشرعية انتخاب ملاتيوس والحكم على ماركلوس أسقف أنقيرة،٥٢ فرحَّب أثناسيوس باقتراح باسيليوس وأفاده بذلك، فهبَّ باسيليوس لساعته يفاوض ملاتيوس في الأمر، ثم كتب إلى دماسوس أسقف رومة يرجو تدخله في الشرق بإيفاد من يتمكن من جمع الشمل وإحياء المحبة بين كنائس الله، أو كشف اللثام عن المفسدين، فيعرف من يستحق الدخول في الشركة.٥٣ ووكل باسيليوس أمر القيام بنقل هذه الرسالة وتوضيحها إلى دوروثاوس أحد شمامسة ملاتيوس الأنطاكي، ووافق وصول دوروثاوس إلى الإسكندرية مجيء سبينوس شماس ميلان، حاملًا رسالة سلامية من المجمع المحلي الذي عُقِد في رومة سنة ٣٦٨ تجدد القول بدستور نيقية، فاطلع أثناسيوس على هذه الرسالة السلامية، ونصح إلى سبينوس أن يقوم بها إلى قيصرية الجديدة، فسُرَّ باسيليوس بقدوم الرسول الروماني، وكتب رسائل إلى «الغربيين» عمومًا، ثم حرر بالاشتراك مع ملاتيوس الأنطاكي وأفسابيوس السميساطي، وغريغوريوس النزينزي (الأب)، وأفستاثيوس السبسطي وغيرهم من أساقفة الشرق؛ رسالة أساقفة إيطالية وغالية، يوضح فيها حالة الكنائس الشرقية المحزنة، ويرجو تدخل أساقفة الغرب لإنقاذ الموقف، وعاد سبينوس إلى رومة حاملًا هذه الرسائل، وتوفي أثناسيوس الإسكندري وخلفه أخوه بطرس، وقضت ظروف مصر بقيام بطرس إلى رومة، فلما وصل إليها بحث الوضع الراهن في أنطاكية، فاعتبر ملاتيوس خارجًا عن الإيمان القويم مغتصبًا، وأوصى ببفلينوس أسقفًا شرعيًّا على أنطاكية.٥٤
وفي صيف السنة ٣٧٤ أمَّ قيصرية إفاغريوس الكاهن الأنطاكي عائدًا من رومة، حاملًا نصًّا معينًا موجبًا توقيعه بحروفه دون أي تغيير، مصرًّا على قيام وفد من كبار الأساقفة إلى رومة للمفاوضة،٥٥ فأحجم باسيليوس وزملاؤه عن القبول، وأوضحوا السبب في ذلك، فقام إفاغريوس إلى أنطاكية، واشترك في الذبيحة الإلهية مع بفلينوس رافضًا الاعتراف بملاتيوس،٥٦ وقضت الظروف أن يُحمل باسيليوس على أكثر من هذا، فإن والنس عاد إلى التشديد والتضييق، فأمر بخلع عدد من الأساقفة الأرثوذكسيين ونفيهم، ولكنَّ باسيليوس وطَّنَ نفسه على الصبر، فتلقى هذه الأمور جميعها بسعة صدر وثبات جنان، وعاد إلى مفاوضة الغرب، فكتب ثانية في السنة ٣٧٥ إلى أساقفة إيطالية وغالية كتابًا مؤثرًا، مبينًا ما قاساه الشرق من تصلف الآريوسيين واستئثارهم بالسلطة، مؤكدًا صعوبة انتقال الأساقفة الشرقيين إلى الغرب، راجيًا الإصغاء إلى دوروثاوس لفهم الموقف في الشرق،٥٧ ولكن التفاهم بين نصفي الكنيسة كان قد بدأ يبدو صعبًا لاختلاف التعبير وكثرة الهموم وتنوعها.٥٨ وما كاد باسيليوس ينتهي من وضع رسالته هذه ودفعها إلى دوروثاوس، حتى علم باعتراف دماسوس أسقف رومة ببفلينوس أسقفًا على أنطاكية، وعاد دوروثاوس حاملًا جواب دماسوس، وفيه يستنكر أسقف رومة أخطاء ماركلوس وأبوليناريوس، ويوضح دستور الإيمان الواجب القبول والاتباع، ولكنه يتجنب الكلام في وحدة الجوهر، فاستأنس باسيليوس بهذا الجواب، وكتب في ربيع السنة ٣٧٧ يشكر لأساقفة الغرب اهتمامهم، ويرجو زيارة كنائس الشرق لتعزية المضطهدين وتقوية الضعفاء، ثم يشير إلى خطر جديد مداهم، فيرى في أفستاثيوس سبسطية وأبوليناريوس اللاذقية وأتباعهما ذئابًا بلباس الحملان تندس بين الصفوف لتمزق الكنيسة تمزيقًا، ويتهم بفلينوس بهرطقة ماركلوس وبالتسرع في القبول بالشركة.٥٩ وحمل دوروثاوس هذه الرسالة وأسرع إلى رومة، فصادف اجتماع الأساقفة في مجمع محلي، فتُليت الرسالة على الأساقفة، فتهجَّمَ بطرس الإسكندري على ملاتيوس الأنطاكي وعلى أفسابيوس السميساطي؛ فاضطر دوروثاوس أن يرد على هذا التهجم ردًّا شديدًا، ثم حمل جواب الأساقفة إلى باسيليوس وفيه شيء من التعزية، ولكن رومة ظلَّت تعترف ببفلينوس.

هجوم القوط (٣٧٢–٣٧٨)

وعبر الهون الفولكة في السنة ٣٧٢ أو قبيلها، متدفقين كالسيل الجارف في سهول روسية الجنوبية، فاحتلوا مراعي الآلاني والقوط والشرقيين، ولم يبقَ حائلًا بينهم وبين مصب الدانوب سوى القوط الغربيين، واشتد ضغط الهون ففر جماعة من القوط الغربيين، وخذلوا قومهم واتجهوا غربًا، وجاءوا يفاوضون الإمبراطور والنس في الانتقال إلى داخل الحدود الرومانية والإقامة في تراقية، ورأى والنس في هؤلاء عنصرًا طيبًا وأداة فعالة لتقوية الجيش ولا سيما فِرَق الخيالة، فقبل مطلبهم فعبروا الدانوب خمسين ألفًا، وما إن فعلوا وألقوا سلاحهم حتى شعروا بالفاقة وقلة المأكل، فاستعادوا سلاحهم بالرشوة وجالوا في البلقان ينالون قوتهم بالقوة. وفي السنة ٣٧٧ اندلعت نيران الحرب بين الفريقين، ولم يقوَ الجيش الروماني المرابط في البلقان على ضبط الموقف، فاستقدم والنس نجدات من الشرق وأمده غراتيانوس ابن أخيه إمبراطور الغرب ببعض الكتائب، ثم قام هو بنفسه على رأس الجيش الغربي لإعانة عمه، ولكن والنس تسرَّع فنازل القوط وحده، فخَرَّ في ساحة القتال صريعًا في الثامن من آب سنة ٣٧٨.

ثيودوسيوس الكبير (٣٧٩–٣٩٥)

وعظم الأمر على غراتيانوس وهاله، فاستدعى إليه ثيودوسيوس أشهر القادة وأمهرهم في الحرب، وفاوضه في أمر القوط، ورفعه إلى منصة الحكم، ونادى به إمبراطورًا على الشرق، وهب ثيودوسيوس يعالج الموقف العسكري، فأوقع بالقوط ضربات أولية متتالية، ثم رأى أن لا بدَّ من الاستيلاء على تسالونيكية لتأمين الزاد والعتاد الواردين من مصر والشرق، فاشتق طريقه إليها، ووصلها في أوائل حزيران سنة ٣٧٩ واستقر بها، وفي شباط السنة ٣٨٠ انتابه مرض عضال أشرف به على الموت، فطلب الاعتماد ليغسل به ذنوبه قبل ملاقاة ربه، ولكنه تساءل قبل اعتماده عن إيمان الأسقف المعمد، ولما تثبت من أرثوذكسيته اعتمد،٦٠ وكان والنس قد عدل عن اضطهاد الأرثوذكسيين مذ أن بدأ يعدُّ العدة لمنازلة القوط، وكان غراتيانوس قد أيده في ذلك في خريف السنة ٣٧٨،٦١ فلما استتب الأمر لثيودوسيوس، عاد فأكد وجوب توقيف الاضطهاد والسماح للآباء المنفيين بالعودة إلى أوطانهم.٦٢

مجمع أنطاكي محلي (٣٧٩)

وعاد ملاتيوس إلى مدينة الله مركز أبرشيته في صيف السنة ٣٧٨،٦٣ وعاد أيضًا كيرللس إلى أوروشليم، وأفسابيوس إلى سميساط، وإفلاليوس إلى أماسية البونط،٦٤ ووجد ملاتيوس الرعية ممزقة مشتتة، فقسم وافر منها كان يتبع دوروثيوس الآريوسي أسقف هرقلية، الذي خلف إفظويوس في أنطاكية في السنة ٣٧٦،٦٥ وقال بعضهم قول أبوليناريوس فاعتبروا ويتاليوس Vitalis أسقفًا عليهم، وكان بفلينوس الأرثوذكسي لا يزال يرعى قطيعًا صغيرًا من الرعية، فاتصل ملاتيوس لدى عودته ببفلينوس أولًا، وحاول إزالة الشقاق بين أصحاب الإيمان الواحد بالتفاهم والرضى، ولكن بفلينوس تشامخ وتناسى كلام السيد الفادي واستغنى مكتفيًا باعتراف أسقفي رومة والإسكندرية. ولا صحة فيما يظهر لما ورد في بعض المراجع٦٦ من أن ملاتيوس عرض على زميله بفلينوس رئاسة مزدوجة على كنيسة أنطاكية طوال حياتهما، تتبعها رئاسة موحدة بعد وفاة أحدهما.٦٧
وأخفق ملاتيوس الجليل في القديسين في مفاوضة بفلينوس، فدعا إلى مجمع أنطاكي محلي في خريف السنة ٣٧٩، ولبى الدعوة مائة وثلاثة وخمسون أسقفًا، بينهم: أفسابيوس سميساط، وبلاجيوس اللاذقية، وزينون صور، وإفلوغيوس الرها، وبيماتيوس ملَّة، وديودوروس طرسوس، أما باسيليوس الكبير فإنه كان قد توفي في مطلع هذه السنة نفسها، وقد ضاعت أعمال هذا المجمع، ولم يبقَ منها شيء سوى بعض إشارات غامضة متقطعة، وردت في مجموعة الشماس ثيودوسيوس، وقد أدى هذا الغموض والتقطع إلى اختلاف في الرأي بين العلماء المؤرخين؛ فالعلامة الألماني شوارتز يذكر إشارة إلى دستور إيمان أنطاكي جاءت في القانون الخامس الصادر عن المجمع المسكوني الثاني (٣٨٢)، فيتوقع احتجاجًا في قرارات هذا المجمع على موقف دماسوس رومة وبطرس الإسكندرية من بفلينوس،٦٨ والعلَّامتان دوشان وبتيفول يذكران تعلق الإمبراطور ثيودوسيوس بالعقيدة الأرثوذكسية، «كما قال بها دماسوس رومة وبطرس الإسكندرية»، ومحاولات باسيليوس وملاتيوس السابقة للاتصال برومة وإقناعها بوجوب تأييدهما، فيتوقعان انقياد الآباء المجتمعين في أنطاكية إلى القول بما قالت به رومة والإسكندرية، وطلب إدخالهم في الشركة المقدسة.٦٩ ولعل أفضل ما يُقال في مثل هذا الظرف من الاجتهاد أن المجمع الأنطاكي اعتبر ملاتيوس خليفة الرسولين الشرعي، وأعلن استمساكه بالإيمان القويم، وحرر بذلك رسالة سلامية إلى أسقف رومة وغيره.٧٠

موقف الإمبراطور

ولا نعلم بالضبط ماذا كان موقف الإمبراطور ثيودوسيوس من هذا النزاع بين ملاتيوس الجليل في القديسين وبين بفلينوس مرشح دماسوس رومة وبطرس الإسكندرية، ونجهل أيضًا درجة اهتمامه لهذا الاختلاف المحلي، وجل ما يجوز قوله هو أن هذا الإمبراطور المسيحي أهمل ذكر كنيسة أنطاكية ورئيسها عندما أصدر رأيه الرسمي في الثامن والعشرين من شباط سنة ٣٨٠،٧١ فإنه حَضَّ جميع المؤمنين بهذه البراءة على القول بما قال به أسقف رومة وأسقف الإسكندرية، ولكن نص هذا الحض جاء في صالح بفلينوس؛ لأن أسقف رومة وأسقف الإسكندرية كانا قد اعترفا به وحده،٧٢ ثم أدرك ثيودوسيوس بعد اطلاعه على الوضع الراهن في الشرق أن الأرثوذكسية لن تسيطر في الشرق إلا بواسطة الأرثوذكسيين أنفسهم وبتعاونهم مع السلطة الزمنية، فجاءت براءة العاشر من كانون الثاني سنة ٣٨١ خاليةً من أية إشارة إلى أسقف رومة أو أسقف الإسكندرية، وحرمت جميع الذين لا يقولون قول «نيقية» من الاجتماع في المدن، وقضت بتسليم جميع الكنائس لأبناء الكنيسة «الجامعة».٧٣

المجمع المسكوني الثاني (٣٨١)

وكان غراتيانوس وثيودوسيوس قد رغبا في عقد مجمع مسكوني منذ السنة ٣٧٨، ولكن ظروف الحرب وقلة الثقة بين أساقفة الشرق وأساقفة الغرب حالت دون ذلك، فلما جاءت السنة ٣٨١ دعا ثيودوسيوس إلى مجمع مسكوني في القسطنطينية، فأمَّ العاصمة الشرقية مائة وثمانية وأربعون أسقفًا وأبًا من أعاظم رجال الكنيسة، بينهم: ملاتيوس الأنطاكي وغريغوريوس النزينزي، وييموثاوس الإسكندري، وكيرلس الأوروشليمي، وشمل الوفد الأنطاكي خمسة وستين أسقفًا من أساقفة فلسطين، وفينيقية، وسورية، والعربية، والرها، وما بين النهرين، والفرات، وقيليقية، وأسورية.٧٤ ووفد على الآباء الأرثوذكسيين المجتمعين في القسطنطينية ستة وثلاثون أسقفًا من أنصاف الآريوسيين بزعامة الوسيوس أسقف كيزيكة، فامتنعوا عن الاشتراك في أعمال هذا المجمع؛ لأنهم لم يرضوا عن القول بدستور نيقية،٧٥ وتكلم غريغوريوس النزينزي يوم عيد العنصرة عن الروح القدس، فحثَّ أتباع مقدونيوس على الألفة والاتحاد، ولكن دون جدوى،٧٦ فلم يَبْقَ للاشتراك في أعمال المجمع إلا كل أرثوذكسي مستقيم الإيمان.

وتولى ملاتيوس الجليل في القديسين رئاسة هذا المجمع المسكوني، وتوفي قبل انتهاء الأعمال، فتولى الرئاسة بعده غريغوريوس النزينزي أسقف القسطنطينية، ثم استعفى هذا الثيوغولوس من أسقفية القسطنطينية ومن رئاسة المجمع، فجلس في كرسي الرئاسة خلَفُه في أسقفية القسطنطينية نكتاريوس الشهير.

فبحث المجمع أمر العقيدة فثبَّت الدستور النيقاوي، وأضاف إليه فيما يظهر الفصول التاسع حتى الثاني عشر،٧٧ ويلاحظ هنا أن أعمال هذا المجمع ضاعت، وأنه لم يَبْقَ منها شيء سوى ما أعيد ذكره للتثبيت في أعمال المجمع الخلقيدوني. ويرى هرنك العلامة الألماني أن هذه الفصول التي أُضِيفت إلى دستور نيقية، اتخذت شكلها الحالي بعيد مجمع الإسكندرية (٣٦٢)؛ لأن أبيفانيوس السلَميني يشير إليها في الأنكوراتوس Anocratus سنة ٣٧٤.٧٨

وسنَّ المجمع أربعة قوانين، بحث الأول والرابع منها أمر الهرطقات وأسقفية مكسيموس القسطنطيني، وحَرَّمَ الثاني تدخُّل الأساقفة في شئون الكنائس خارج أبرشياتهم، فجعل لأسقف الإسكندرية أن يسوس أمور مصر فقط، ولأساقفة الشرق أن يسوسوا الشرق فقط مع المحافظة على التقدم الذي في قوانين نيقية لكنيسة الأنطاكيين، وجعل هذا القانون الثاني لأساقفة آسية أن يسوسوا أمور آسية فقط، وللذين في البونط أمور البونط فقط، وللذين في تراقية أمور تراقية فقط، وأما كنائس الله التي بين الأمم البربرية، فيجب أن تُساس حسب عادة الآباء. وجاء في القانون الثالث: «أما أسقف القسطنطينية، فليكن له التقدم في الكرامة بعد أسقف رومة؛ لأن القسطنطينية رومة جديدة.»

ويلاحظ هنا أن كتاب المجامع اليوناني يضيف إلى هذه القوانين الأربعة ثلاثة قوانين أخرى، ولكنَّ الخامس والسادس من هذه القوانين المضافة هما من أعمال مجمع السنة ٣٨٢ لا ٣٨١، وأما السابع فإنه في الأرجح نبذة من رسالة وجهتها كنيسة القسطنطينية في منتصف القرن الخامس إلى مرتيريوس أسقف أنطاكية.٧٩
وختم الأساقفة أعمال المجمع المسكوني الثاني في التاسع من تموز سنة ٣٨١، وحرروا بذلك رسالة إلى ثيودوسيوس الإمبراطور، وشكروا له دفاعه عن الإيمان القويم وسعيه لتوطيد السلم بين الكنائس، فأصدر الإمبراطور في الثلاثين من تموز سنة ٣٨١ براءة جديدة أوجب بها إعادة الكنائس إلى الكاثوليكيين الأرثوذكسيين، واعتبر أرثوذكسيين أولئك الذين شاركوا نكتاريوس القسطنطينية، وتيموثاوس الإسكندرية، وبيلاجيوس اللاذقية، وديودوروس طرسوس وغيرهم،٨٠ وكانت أسقفية أنطاكية لا تزال شاغرة بعد وفاة ملاتيوس.

فلافيانوس أسقف أنطاكية (٣٨١–٤٠٤)

وتوفي ملاتيوس في أواخر أيار السنة ٣٨١، فبكاه الإمبراطور والأساقفة وأبَّنه أفصح الخطباء، ومما قاله أبو الآباء غريغوريوس النيصي أحد أعضاء المجمع المسكوني الثاني: «كيف اضطر لساني على حبك الكلام، وقد قيدته الطامة كالسلسلة؟ كيف أفتح فمي وقد أطبقته الدهشة؟ كيف أحدق بعين النفس وأنا مغلَّف بحلك الأهوال؟ أين شراعنا المجيد الذي كان يسير بهدي الروح القدس؟ أين ثبات العقيدة الذي كنا نفزع إليه واثقين؟ أين النوتي الحكيم الذي كان يقود السفينة إلى الهدف الأسمى؟ فافقهوا أي رجل هذا: جليل من مشارق الشمس، صدِّيق بلا لوم تقي متنكب عن كل أمر رديء.»٨١
وبحث الآباء المجتمعون في القسطنطينية أمر خلافة الرسولين في أنطاكية، فارتأى غريغوريوس الثيولوغوس الاعتراف برئاسة بفلينوس الذي كان لا يزال في قيد الحياة، ولا سيما وأن أسقفي رومة والإسكندرية كانا لا يزالان يعترفان بسلطته على أنطاكية وتوابعها، ولكن الأساقفة الأعضاء الصغار «ضجوا ودندنوا»، والكبار أعرضوا ولم يوبخوا، فاضطر الثيولوغوس أن يقول قوله المأثور: «إذا كان السيد له المجد ولد في الشرق، فإنه صلب فيه أيضًا.»٨٢ واستقال الثيولوغوس من رئاسة المجمع ومن أسقفية القسطنطينية، وأجمع الأعضاء على نكتاريوس خلفًا له، وعلى فلافيانوس الكاهن خلفًا لملاتيوس.
ونفَّذ شابور الحاكم العسكري إرادة ثيودوسيوس في أنطاكية، فطرد دوروثيوس وأتباعه الآريوسيين، ولم يعترف برئاسة بفلينوس،٨٣ فأجمع الأساقفة في أنطاكية وانتخبوا فلافيانوس أسقفًا وسلموه عكاز الرعاية،٨٤ وزهت الكنيسة في عهد فلافيانوس، وعاد إليها نشاطها السابق، ولكن رومة ثابرت في تأييد بفلينوس! وكبر بفلينوس وبلغ المائة، وكان لا يزال مكابرًا فخرج على مقررات المجمع المسكوني الأول، وسام هو نفسه إفاغريوس خلفًا له، ثم توفي في السنة ٣٨٨، فعاد النشاط إلى صفوف الأفستاثيين في أنطاكية، فاتهموا فلافيانوس بالاستبداد والظلم والجور واستغاثوا بالغرب، ولا سيما بأسقف ميلان إمبروسيوس، وانتهزوا فرصة وجود ثيودوسيوس في رومة في صيف السنة ٣٨٩، فحاولوا تقويض أسس المحبة والاحترام بين الإمبراطور وخليفة الرسولين في أنطاكية،٨٥ ودعا إمبروسيوس أسقف أنطاكية إلى كابوا في إيطالية في أواخر السنة ٣٩١ لمقابلة إفاغريوس فيها، ولكن فلافيانوس أبى أن يعاد النظر في أمر انتخابه،٨٦ فلجأ إمبروسيوس إلى أسقف رومة، وألحَّ عليه بوجوب تدخل ثيوفيلوس أسقف الإسكندرية في الأمر، فكتب سيريقيوس أسقف رومة إلى ثيوفيلوس في ذلك، فالتأم مجمع محلي في قيصرية فلسطين في السنة ٣٩٢ للنظر في الخلاف القائم بين إفاغريوس وفلافيانوس، فاعترف الأساقفة المجتمعون بأسقف واحد على أنطاكية هو «فلافيانوس التقي الورع»، وعلى الرغم من هذا كله، فإن رومة تباطأت فلم تعترف بأسقفية فلافيانوس إلا بعد ذلك ببضع سنوات!٨٧
١  Bidez, J., La Vie de l’Empereur Julien, Paris, 1930; Labriolle, P. de, La Réaction Païenne, Paris, 1935.
٢  Devresse, R., Patriarcat d’Antioche, 17.
٣  Wright, W. C., The Works of the Empreror Julian, Camb., 1913.
٤  Bruennow-Domaszewski, Die Provincia Arabia, I, 42-43, II, 230–233, 237.
٥  Mélanges de la Faculté Orientale, 1907, 266; “Reparatori Orbis Romani et Restilutori Omnium Rerum et Tolius Felicitatis Recreatori Sacrorum et Exlinctori Superstitionis”.
٦  Julianus, Opera, II, 167; Wright, W. C., Works of Emp. Julian, II, 487–489.
٧  Negri, G., Julian II, 430–470.
٨  Allard, P., Julien l’Apostat, III, 9 ff.
٩  Abel, F. M., Hist. Palest. II, 280.
١٠  Philostorge, Hist. Ecc., VII., 8–14; Marcellin, XXIII, 1; Vogt, J., Kaiser Julian und das Judentum, 1939.
١١  Socrates, Hist. Ecc., III, 6; Sozomène, Hist. Ecc., V, 12.
١٢  Théodoret, Hist. Ecc., III, 2; Socrates Hist. Ecc., III, 6; Cavallera, F., Schisme d’Antioche, 89-90.
١٣  Philostorge, Hist. Ecc., V, 1; Bardy, G., Declin de l’Arianisme, Fliche et Martin, op. cit., III, 240-241.
١٤  Saint Athanase, Epist. ad Rufinian., Actes, Second Concile de Nicée.
١٥  Bardy, G., Déclin, op. cit., III, 242, n. 1.
١٦  Saint Athanase, Tomus ad Antiochenos, P. G., Vol. 26.
١٧  Bardy, G., op. cit., III, 243.
١٨  Saint JérÔme., Chron., a. 362.
١٩  Socrates, Hist. Ecc., III, 9; Théodoret, Hist. Ecc., III, 2.
٢٠  Saint Basile, Epist. 138.
٢١  Pat. Graeca, Vol. 26.
٢٢  Sozomène, Hist. Ecc., VI, 4.
٢٣  Socrates, Hist. Ecc., III, 24; Sozomène, Hist. Ecc., VI, 4.
٢٤  Pat. Gr., Vol. 28, Col. 85; Cavallera, F., Schisme d’Antioche, 125–126.
٢٥  Saint Basile, Epist., 89, 214, 258.
٢٦  Duchesne, L., Hist. Anc. de l’Eglise, II, 363-364; Bardy, G., Déclin, op. cit., III, 248-249.
٢٧  Philostorge, Hist. Ecc., IV, 4.
٢٨  Gwatkin, H. M., Studies of Arianism, 238.
٢٩  Socrates, Hist. Ecc., VI, 2; Sozomène, Hist. Ecc., VI, 7.
٣٠  Bardy, G., Déclin, op. cit., III, 248, n. 3.
٣١  Sozomène, Hist. Ecc., VI, 12.
٣٢  Saint Athanase, Tom. ad Antioch., III.
٣٣  Bardy, G., Déclin, op. cit, III, 251–255.
٣٤  Philostorge, Hist. Ecc., V, 1.
٣٥  Bardy, G., Déclin, op. cit., III, 257; Tillemont, Mémoires, IX, 63 f.
٣٦  Saint Grégoire de Nazianze, Orat., 19.
٣٧  Socrates, Hist. Ecc., IV, 16; Sozomène, Hist. Ecc., VI, 14; Théodoret, Hist. Ecc., IV, 24.
٣٨  Gwatkin, H. M, Studies, 276 ff.
٣٩  Saint Grégoire, Orat. 20, 25.
٤٠  Saint Basile, Epist. 68.
٤١  Théodoret, Hist. Ecc., IV, 12.
٤٢  Ibid.
٤٣  Théodoret, H. E., IV, 15.
٤٤  Saint Jérome, Epist., 15, 16.
٤٥  Théodoret, Hist. Ecc., IV, 24; Socrates, Hist., Ecc. IV, 17.
٤٦  Clarke, W. K. L., Saint Basil the Great.
٤٧  Duchesne, L., Hist. Anc. de l’Eglise, II, 387.
٤٨  Tillemont, Mem., VI, 561.
٤٩  Saint Grégoire de Nazianze, Orat. XX, 49-50.
٥٠  الكنيسة السريانية الأنطاكية لسويريوس يعقوب مطران بيروت ودمشق وتوابعهما، ج١ ص٢٤٨: Bardy, G., Déclin, op. cit., III, 260-261.
٥١  Saint Basile, Epist. 67.
٥٢  Saint Basile, Epist. 69.
٥٣  Saint Basile, Epist. 70.
٥٤  Saint Basile, Epist. 92.
٥٥  Saint Basile, Epist. 138.
٥٦  Saint Basile, Epist. 156.
٥٧  Saint Basile, Epist. 239.
٥٨  Bardy, G., Déclin, op. cit., III, 273-274.
٥٩  Saint Basile, Epist. 263.
٦٠  Socrates, Hist. Ecc., V, 6.
٦١  Socrates, Hist. Ecc., V, 2; Sozomène, Hist. Ecc., VII, 1; Rauschen, G., Jahrbucher der Christlichen Kirche unter dem Kaiser Theodosius dem Grossen, 30.
٦٢  Thèodoret, Hist. Ecc., V, 2.
٦٣  Socrates, Hist. Ecc., V, 5.
٦٤  Sozomène, Hist. Ecc., VII, 2; Theodoret, Hist. Ecc. V, 4.
٦٥  Socrates, Hist. Ecc., IV, 35.
٦٦  Socrates, Hist. Ecc., V, 5; Sozomène, Hist. Ecc., VII, 2; Théodoret, Hist. Ecc., V, 2-3.
٦٧  Cavallera, F., Schisme d’Antioche, 232–243.
٦٨  Schwartz, P., Zur Gesch. des Athanasius, Nachrichten, 1904, 375.
٦٩  Duschéne, L., Hist. Anc. de l’Eglise, II, 421; Batiffol, Siège Apost., 109.
٧٠  Bardy, G., Concile d’Antioche, (379), Rev. Bénédictine, 1933, 196–213.
٧١  Cod. Theod., XVI, 1.
٧٢  Harnack, A., Dogmengeschichte, II, 272; Rade, Damasus, 71.
٧٣  Cod. Theod., XVI, 5.
٧٤  Turner, C. H., Canons Attributed to the Council of Constantinople, Journ. Theol. Studies, 1913-1914, 161–178; Mansi, III, 568–572; Michel le Syrien, VII, 313–316; Devresse, R., Patriarcat d’Antioche, 129–316.
٧٥  Socrates, Hist. Ecc., V, 8; Sozomène, Hist. Ecc., VII, 9.
٧٦  Grégoire de Nazianze, Orat., 41.
٧٧  Schwartz, P., Zeitschrift fur Neutestament, 1926, 38–88.
٧٨  Harnack, A., Dogmengeschichte, 276–278; Bardy-Palanque, Victoire de l’Orthodoxie, Fliche et Martin, op. cit., III, 287, n. 5.
٧٩  Luebeck, K., Reichseinteilung und Kirchliche Hierarchie des Orients, 172–191; Grumel, V., Régestes des Actes du Patriarcat de Constantinople, I, 1-2.
٨٠  Cod. Theod., XVI, 3.
٨١  الكنيسة السريانية الأنطاكية لسويريوس يعقوب مطران بيروت ودمشق وتوابعهما، ج١، ص٢٦٢–٢٧٧؛ Grégoire de Nazianze, Carmen de Vita Sua, 1573.
٨٢  Grégoire de Nazianze, op. cit., 1690–1693.
٨٣  Théodoret, Hist. Ecc., V, 23.
٨٤  Socrates, Hist. Ecc., V, 9; Sozomène, Hist. Ecc., VII, 11; Cavallera, F., Schisme, 254-255.
٨٥  Théodoret, Hist. Ecc., V, 23.
٨٦  Ambroise, Epist., 56.
٨٧  Cavallera, F., Schisme, 286.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢