الفصل الثامن والعشرون

فوقاس وهرقل

٦٠٢–٦٤١

وصول فوقاس إلى الحكم

وتمرَّدَ الجند في خريف السنة ٦٠٢، وعبروا الدانوب بإمرة فوقاس أحد ضباطهم، واتجهوا نحو عاصمة الدولة، وكانت القسطنطينية خالية من الجند، فحشد موريقيوس متطوعة من سكان العاصمة ودفع بهم إلى الأسوار، وكان قسم كبير من السكان قد سئم كبرياء الإمبراطور وأساليبه الأرستقراطية، وجشع أصحاب الأملاك الكبيرة والأموال الوافرة الذين عززهم الإمبراطور، فلما اقترب فوقاس والجند من العاصمة شعر موريقيوس بتذمر الجمهور، وخشي ممالأة ابنه ثيودوسيوس ونسيبه جرمانوس للجند، فأمر بإلقاء القبض على جرمانوس، فنفر الشعب وأخلى المتطوعة مراكزهم على الأسوار، ففر الإمبراطور بعائلته عبر البوسفور إلى نيقوميذية، فنادى الشيوخ والشعب في الثالث والعشرين من تشرين الثاني سنة ٦٠٢ بفوقاس إمبراطورًا، فدخل هذا في اليوم التالي ناثرًا الذهب نثرًا، ثم وجَّهَ إلى نيقوميذية مَن ذبح موريقيوس وعائلته ذبحًا.

هجوم الفرس

وكان موريقيوس قد كتب إلى أبرويز شاه الفرس يستنجده، وسمع أبرويز أيضًا بالثورة التي أعلنها نرسيس القائد في السنة ٦٠٣ في الرها، فرأى أن يستغل فرصة مناسبة، فزحف بنفسه إلى الرها وحاصرها، ثم تغلب على الروم بين الرها ونصيبين في السنة ٦٠٤، وفي السنة ٦٠٥ سقطت دارا بيده، فاتجه أبرويز نحو سورية وأرمينية، واحتل قائده شاهين أرضروم Theodosiopolis، وأرمينية الصغرى في السنة ٦٠٥-٦٠٦، وغزا الأناضول فوصلت طلائع جيشه إلى خلقيدونية في السنة ٦١٠، وقام قائد آخر اسمه شهربراز فاحتل ماردين وآمد والرها والرقة، وفي السنة ٦١٠ أمسى الفرات الحد الفاصل بين الدولتين.١

فوقاس وكنيسة أنطاكية

واتخذ فوقاس موقفًا حازمًا من الشقاق، الذي كان قد حل بكنيسة أنطاكية بين المنوفيسيين اليعاقبة والأرثوذكسيين أبناء الكنيسة الجامعة، فأيَّدَ هؤلاء تأييدًا تامًّا، ومنع اجتماعات اليعاقبة وضيِّق على بطريركهم أثناسيوس الجمال في مقره في القبة بين حلب ومنبج،٢ ولكن اليعاقبة تذامروا وتشجعوا، فعقدوا اجتماعاتهم وتشاوروا، وتوافد رؤساؤهم على أنطاكية، واجتمعوا في إحدى كنائسها؛ فاضطرت السلطات أن تفرقهم بالقوة، فامتنعوا فأُكرِهوا إكراهًا وكثرت ضحاياهم.٣
ووصل إلى أنطاكية في السنة ٦٠٨ أنسطاسيوس بطريرك الأقباط المنوفيسيين، واجتمع بزميله أثناسيوس الجمال، فخالف بعمله هذا أوامر الإمبراطور واستهدف جزاءه، فنهض القائد بونوسيوس إلى أنطاكية وأمر بفض الاجتماع، فثار اليعاقبة في وجهه فأخضعهم بالقوة، وتناولت سيوف جنوده عددًا كبيرًا منهم فكانت مجزرةً مؤلمةً.٤
ويقول ثيوفانس المؤرخ إن فوقاس رغب في تنصير اليهود، فأمر بتعميدهم فثاروا في أنطاكية، فجرد بونوسيوس قوة عليهم فذبحهم تذبيحًا،٥ ولكن كولاكوفسكي المؤرخ الروسي، الذي بحث هذا الأمر بحثًا دقيقًا يرى أن ثيوفانس يخلط في أمر تعميد اليهود بين فوقاس وهرقل، ويؤكد أن الذين ثاروا على فوقاس هم اليعاقبة لا اليهود، ويأخذ كولاكوفسكي برواية أنطيوخوس القائد،٦ فيرى أن اليهود استغلوا الموقف فأيدوا السلطات في نزاع سياسي بينها وبين الخضر، فأوقعوا باليعاقبة خسائر في الأرواح كبيرة.٧

مصرع البطريرك الأنطاكي

وتقدم الفرس، واحتلوا في السنة ٦٠٨-٦٠٩ منبج وخلقيس وحلب، وكان فوقاس لا يزال منهمكًا في توطيد سلطته، فلم يعطِ الخضر شيئًا مما وعد، فقاموا عليه وأهانوه علانية في الهيبودروم، فاشتد النزاع بينهم وبين الزرق، وعَمَّ معظم المدن الكبرى، وحدث مثل هذا في أنطاكية، فاستغل اليهود الظرفين الداخلي والخارجي، وتدخلوا في مشادة الأحزاب في أنطاكية، فأوقعوا بالمسيحيين خسائر في الأرواح جسيمة.٨
وكان أنسطاسيوس الأول قد توفي في أواخر السنة ٥٩٨، فخلفه على كرسي الرسولين أنسطاسيوس الثاني (٥٩٩–٦١٠) الراهب السيناوي المحامي، الذي نقل إلى اليونانية مصنف البابا غريغوريوس Regula Pastoralis، القوانين الرعوية، فلما دخل الفرس الشهباء، واشتد الضجيج في أنطاكية، استغلَّ اليهود الظرف فيها، وحاكموا أنسطاسيوس الثاني محاكمة اعتباطية، وتفنَّنوا في تعذيبه وإعدامه.٩ ويقول برنيقيوس إن اليعاقبة دبَّروا المكيدة، ولكنه قول ضعيف،١٠ ودبَّر اليهود تدبيرًا مماثلًا في صور، ولكن مطرانها أفسد عليهم الخطة، فخسروا بدورهم خسارة كبيرة.١١

اللقب بطريرك المسكونة

وعظم قدر لاوون بابا رومة في منتصف القرن الخامس، وارتفعت منزلة زميله ديوسقوروس بابا الإسكندرية، واستوكف برهما، فعظما باللقب «المسكوني»، ولعل أوليمبوس أسقف إفازة Evaza هو أول مَن استعمل هذا اللقب، فإنه خص ديوسقوروس به في مجمع التلصص في أفسس سنة ٤٤٩،١٢ وحذا حذوه ثيودورس الشماس الإسكندري عندما خاطب لاوون لمناسبة المجمع الخلقيدوني في السنة ٤٥١،١٣ وجاء مثل هذا أيضًا في الرسالة التي وجهها رؤساء الأديار في القسطنطينية إلى البابا أغابيتوس في السنة ٥٣٥.١٤
وأعلن زينون كتابه الأينوتيكون، فأيَّدَه فيه أكاكيوس بطريرك العاصمة (٤٧٢–٤٨٨)، واعترض سمبليكيوس بابا رومة، فحلَّ الشقاق بين الحبرين فاتخذ بطريرك القسطنطينية لقب بطريرك المسكونة وتبعه في ذلك خلفاؤه، وفي السنة ٥١٨ وجهت الأوساط الإكليريكية الأنطاكية رسالةً إلى البطريرك القسطنطيني يوحنا الثاني (٥١٨–٥٢٠) فاعتبرته بطريركًا مسكونيًّا،١٥ وكتب هذا البطريرك إلى زميله الأوروشليمي ووقع متخذًا اللقب «البطريرك المسكوني».١٦
وجاء يوستنيانوس بقوانينه وشرائعه، فاعتبر كل بطريرك قسطنطيني بطريركًا مسكونيًّا، وأشار إلى حبر رومة بما يجوز تعريبه هكذا: صاحب القداسة رئيس أساقفة المدينة الأولى رومة وبطريركها Sanctissimos Archispiscapus Almae Urbis Romae et Patriarcha.١٧ وفي أعمال المجمع المسكوني الخامس ما يؤيِّد هذا كله، فالإشارة إلى بطريرك القسطنطينية مقرونة باللقب بطريرك المسكونة.١٨

بيلاجيوس الثاني يحتج

وعلمت رومة بهذا كله، فتغاضت عنه ولم تُعِرْه اهتمامًا، ثم نشبت مشادة بين غريغوريوس الأول بطريرك أنطاكية، وبين أستيريوس والي الشرق، فعقد بسبب هذه المشادة مجمع في القسطنطينية في السنة ٥٨٧، وتألف هذا المجمع من أساقفة ومطارنة وبطاركة وقضاة، وترأس جلساته يوحنا الصوام بطريرك القسطنطينية، وخرج غريغوريوس نقي الثوب بريئًا،١٩ ولكن بيلاجيوس الثاني بابا رومة (٥٧٩–٥٩٠) اعترض على عقد المجمع بدون علمه، وعلى اللقب «بطريرك المسكونة» الذي ورد في أعمال المجمع مقرونًا باسم بطريرك القسطنطينية،٢٠ وشدد بيلاجيوس على وكيله في عاصمة الدولة ألَّا يشترك مع يوحنا ما دام مستمسكًا بلقبه، أما الصوام فإنه لم يكترث لهذا كله، ولم يعبأ بتهديدات بيلاجيوس، فاكتفى بيلاجيوس بأن شكا أمره إلى زميلَيْه الآخَرين بطريركَيِ الإسكندرية وأنطاكية.٢١

غريغوريوس يشدِّد النكير

وخلف بيلاجيوس على سدة رومة غريغوريوس الكبير (٥٩٠–٦٠٤)، وكان ورعًا تقيًّا فرأى في إقدام زملائه القسطنطينيين على التلقُّب بالمسكوني خطرًا يهدد وحدة الكنيسة، فكتب إلى يوحنا في السنة ٥٩٥ رسالةً جاء فيها:
أذكر أن سلام الكنيسة يشوش بترفعك الأحمق، فيا أيها الأخ الحبيب أحب من كل قلبك التواضع الذي يحفظ اتفاق جميع الإخوة ووحدة الكنيسة المقدسة الجامعة، فإن بولس لما سمع بعضًا يقولون: أنا لبولس وأنا لابولس اضطرب من تجزئة جسم المسيح فصرخ: ألعل بولس صُلِب لأجلكم أو باسم بولس اعتمدتم!٢٢
وتوفي الصوام في الثاني من أيلول من هذه السنة نفسها ٥٩٥، متميزًا بالصوم والتقوى والعلم والتصنيف، محرزًا «بالتواضع رفعة وبالمسكنة غنًى»،٢٣ وتبوأ السدة القسطنطينية بعده كيرياكوس، فكتب رسائل السلام إلى الكنائس، وفي طليعتها كنيسة رومة القديمة، فأجابه غريغوريوس عنها مهنئًا، ثم كتب له أن يترك لقب «البطريرك المسكوني» إذا كان يرغب في السلام، وكتب إلى وكيله سبنيانوس ألا يخدم القداس معه ما لم يترك اللقب.
وكان غريغوريوس قد كتب إلى أنسطاسيوس بطريرك أنطاكية في آذار السنة ٥٩٣، يهنئه بالعودة إلى السدة البطريركية بعد وفاة سلفه غريغوريوس ويهدي إليه مفاتيح الرسول،٢٤ فلما بدأت المشادة بينه وبين يوحنا الصوام وجَّه رسالتين: إحداهما إلى أنسطاسيوس، والأخرى إلى بطريرك الإسكندرية، موجبًا الابتعاد عن تلقيب أحد بلقب رئيس كهنة مسكوني، مؤكدًا أن الإمبراطور يخاف الله، وأنه لا يفعل شيئًا ضد الإنجيل والقوانين، متأسفًا أن يصبح يوحنا المتواضع متكبرًا، راجيًا إبقاءَ الكنائس على ما كانت عليه، وحفْظَ الأساقفة الخاضعين لهما من الفساد، مختتمًا بالعبارة: «فصلُّوا من أجلي لكي توافق أعمالي أقوالي.»٢٥ وعلم موريقيوس بما تمكن من ألفة بين أنسطاسيوس الأنطاكي وبين غريغوريوس، فطلب إلى الحبر الأنطاكي في السنة ٥٩٧ أن يبرد غيظ حبر رومة ويسكن غضبه، فكتب أنسطاسيوس كتابًا لطيفًا إلى صديقه غريغوريوس، ورجاه ألا يفسح المجال للشر، وأن يعود إلى اللطف والملاينة، فلامه غريغوريوس على تهاونه، وأطلعه على مضمون الرسائل التي تبودلت بينه وبين كيرياكوس.٢٦

فوقاس واللقب المسكوني

وتمرَّد فوقاس وذبح موريقيوس وأولاده، فالتجأت أمهم قسطندية وبناتها الثلاث إلى ديرٍ أقمن فيه، فطلب فوقاس إلى البطريرك المسكوني تسليم البنات وأمهن، فأبى كيرياكوس ووبَّخ فوقاس على ظلمه،٢٧ وكتب غريغوريوس إلى فوقاس مهنئًا متملقًا، ثم توفي في السنة ٦٠٤، فخلفه سبنيانوس فمات بعد بضعة أشهر، فتولى بونيفاتيوس الثالث. وتابَعَ بونيفاتيوس سياسةَ التملُّق، فأمر فوقاس في التاسع عشر من كانون الثاني سنة ٦٠٧ بأن تعتبر كنيسة رومة زعيمة جميع الكنائس Caput omnium ecclesiarum،٢٨ ثم منع كيرياكوس من استعمال اللقب المسكوني.٢٩

الفتح الفارسي (٦١١–٦١٤)

وركل هرقلُ فوقاسَ برجله، ونادى الشيوخ بهرقل إمبراطورًا، فكتب هرقل إلى أبرويز يُعلِمه بالقصاص الذي أنزله بفوقاس، ويؤكد له أن إعادة السلم بين الدولتين أصبح ميسورًا، ولكن أبرويز لم يُجِب، وكانت جيوشه قد قطعت الفرات، واحتلت قرقيسية عند مصب الخابور والرقة إلى شماليها، ثم تقدَّمَ شهربراز وتوغَّل في سورية الشمال، فاحتل أبامية وأنطاكية في ربيع السنة ٦١١، ثم زحف على حمص فاستولى عليها، ودخل دمشق في السنة ٦١٣، وعاد هرقل إلى المفاوضة فلم يفلح، فرأى أن يجابه الفرس في جبهتين في آنٍ واحد، فأنفذ فيليبيقوس بجيش إلى أرمينية، وقام هو وأخوه ثيودوروس إلى سورية الشمالية؛ ليصدَّا أبرويز عن لبنان وفلسطين ومصر، فالتقى الجيشان واشتبكا في السنة ٦١٣ حول أسوار أنطاكية، فدحر الروم وتراجعوا إلى مداخل قيليقية، فغلبوا فيها أيضًا، واحتل الفرس طرطوس وقيليقية بأكملها،٣٠ وفي السنة ٦١٤ تابع الفرس زحفهم إلى الجنوب بقيادة شهربراز، وزحفوا من قيصرية فلسطين إلى أوروشليم، وهي البلد المقدس عند أعدائهم، فحاصروها عشرين يومًا ثم دخلوها عنوةً، فقتلوا جموعًا غفيرة من النصارى؛ سبعة وخمسين ألفًا، وأسروا خمسة وثلاثين ألفًا، وأحرقوا الكنائس، وألقوا القبض على البطريرك زخريا، واستولوا على عود الصليب وأرسلوه إلى فارس،٣١ ولكنهم أبقوا على كنيسة المهد لما شاهدوا في فسيفسائها من تكريم للمجوس،٣٢ وكان شهربراز قد حالف اليهود على النصارى، فلما تم له ما أراد نفى من المدينة المقدسة جميعَ اليهود، ثم أمر بترميم الكنائس، وفي ربيع السنة ٦١٧ عاد شهربراز إلى الفتح، فزحف على مصر وأدخلها في طاعة الشاه.

الفرس والكنيسة

واستعان أبرويز بالكنيسة الفارسية، فاذخر عددًا من أساقفتها وقساوستها النساطرة والمونوفيسيين، وألحقهم بجيشه الفاتح، وأحلهم محل الأرثوذكسيين حيثما حل، فخلت جميع الأبرشيات الأنطاكية الشرقية من إكليروس الكنيسة الجامعة، وشغر الكرسي الأنطاكي بعد مقتل أنسطاسيوس الثاني مدة من الزمن، وجاء في تاريخ ميخائيل السرياني أن هذا الكرسي ظل شاغرًا ثمانية وثلاثين عامًا،٣٣ ولكن جاء أيضًا في لائحة قسطنديوس البطريرك المسكوني أن غريغوريوس الثاني تولى من السنة ٦١٠ حتى السنة ٦٢٠، وأن أثناسيوس الثالث خلفه حتى السنة ٦٢٨، ثم مقدونيوس حتى السنة ٦٤٠، فجاورجيوس حتى السنة ٦٥٦،٣٤ ويوافق هذا الترتيب درج الأسماء نفسها في لائحة الأرج الزكي (بعبدا ١٨٩٩).

مجمع طيسفون (٦١٤)

وشقَّت على أبرويز علة النصارى، وكانوا دخلوا في طاعته ألوفًا ألوفًا، فتعهدهم برعايته الشخصية، ودعا رؤساءهم إلى الاجتماع في قصره في طيسفون في السنة ٦١٤ للتداول والتشاور والاتفاق،٣٥ فتوافدوا على العاصمة أساقفة و«فلاسفة» أي رهبانًا، وكان بينهم فيما يظهر زخريا بطريرك أوروشليم الذي سيق إلى طيسفون أسيرًا، وترأس اجتماعهم بأمر الشاه كلٌّ من سمباد البغرتوني الأرمني وطبيب الشاه، واشترك أبرويز في أعمال هذا المجمع بشخصه، وبحث المجتمعون قرارات مجامع نيقية والقسطنطينية وأفسس وخلقيدونية، ويُستدَل من نص المؤرخ سيبيوس أن أبرويز تكلم في الطبيعة والطبيعتين، وأنه لم يوافق على موقف النساطرة، فأمر بإخراجهم من المجمع، ثم أقر الأرمن في موقفهم، وأصبح القول بالطبيعة الواحدة في نظر السلطات الفارسية قولًا مشروعًا.٣٦

هرقل الصليبي الأول

وكان هرقل قد استشفع إلى العذراء في السنة ٦٠٩ عندما بدأ يستعد للحملة على القسطنطينية، فعاد إليها مستشفعًا في شتاء السنة ٦٢١، واعتزل الرياضة الروحية تأهبًا للقيام بواجب مقدس؛ واجب الدفاع عن الدولة والكنيسة والدين. وفي الرابع من نيسان من السنة ٦٢٢ تقدَّم من المائدة المقدسة متناولًا جسد الرب ودمه، وفي الخامس من الشهر نفسه دعا إليه كلًّا من البطريرك المسكوني سرجيوس والحاكم بونوس والشيوخ وكبار الموظفين والوجهاء والأعيان، والتفت إلى البطريرك وقال: «إني أعهد إلى الله وإلى والدته وإليك بهذه المدينة وبابني من بعدي.» وبعد الصلاة في كنيسة الحكمة الإلهية والابتهال والتوسُّل، تسلَّم أيقونة السيد المخلص وأقلع بجنوده إلى خليج نيقوميذية، ثم إلى غلاطية وقبدوقية لإكمال التعبئة والتموين، ومن هنا القول إن هرقل أول الصليبيين.

وقام هرقل بحركة التفاف واسعة النطاق واتجه بجيشه شرقًا مهددًا مواصلات العدو في آسية الصغرى وطرق تموينه، فحاول شهربراز أن يصرف هرقل عن خطته فغزا قيليقية، ولكن هرقل لم يُعِرْه انتباهًا، فاضطر القائد الفارسي أن ينقلب إلى الشرق ليحول بين هرقل وهدفه، وتواقع الخصمان في أرمينية في السنة ٦٢٢، فدارت الدائرة على الفرس وسجَّلَ هرقل نصرًا مبينًا، وانسحب الفرس من قبدوقية والبونط، وعاد هرقل إلى القسطنطينية لينظر في أمر الآفار، وفي ربيع السنة ٦٢٣ استأنف الهجوم في الشرق، فقطع أرمينية واحتلَّ دوخان ونشقفان، ثم توغَّل في أذربيجان واتجه نحو تبريز (كنزاكه) ليفاجئ أبرويز في قصره فيها؛ ففرَّ أبرويز من المدينة ودخلها الروم فأحرقوا معبدها الكبير وتعقبوا الفرس الهاربين وهم ينهبون ويدمرون، ثم رجع هرقل خوفًا من حركةٍ التفافية خشي أن يقوم بها شهربراز أو شاهين أو الاثنان معًا، وبانتصاراته هذه تسنَّى لهرقل أن يستمد من شعوب القوقاس المسيحية ما عبَّأ به الصفوف، وكرَّ كرة أخرى إلى الميدان في السنتين ٦٢٤ و٦٢٥، فضرب شهربراز عند بحيرة وان، ثم ضربه في قيليقية عند نهر ساروس، فاضطر القائد الفارسي أن يتراجع إلى الشرق، وعدل هرقل إلى البونط لتمضية فصل الشتاء، ثم نوى أن يتحرك من البونط بجيش عظيم في السنة ٦٢٦ ليستأنف انتصاره على الفرس، ولكن تقدُّم الآفار في البلقان وحصارهم القسطنطينية، اضطرَّاه أن يؤجل قصده هذا حتى السنة ٦٢٧. وفي صيف السنة ٦٢٧ قام الخزر حلفاء هرقل بحصار تفليس، وهبَّ هو إلى محاربة أبرويز، فانحدر إلى وادي الزاب ونازل خصمه في الثاني عشر من كانون الأول عند أطلال نينوى، فأوقع به هزيمة شنعاء، ثم عبر الزاب متجهًا شطر طيسفون عاصمة الفرس، فاحتل المقر الملوكي في دستجرد، وانتزع منه ثلاثمائة لواء رومي كان الفرس قد استحوذوا عليها في انتصارات سابقة، وأطلق سراح ألوف من الأسرى، ولما كان جيش شهربراز لا يزال كاملًا سالمًا، وكانت خطوط الدفاع عن طيسفون قوية منيعة، آثَرَ هرقل التربص لعدوه في تبريز، فقطع جبال الزاغروس في إبَّان الشتاء وبلغ إلى تبريز سالمًا في الحادي عشر من آذار سنة ٦٢٨.

وكان شيرويه بن أبرويز قد تمرد على والده وتسنم العرش في الثامن والعشرين من شباط من السنة ٦٢٨، فكتب إلى هرقل يطلب الصلح، فصالحه الإمبراطور على شروط أهمها: العودة إلى الحدود القديمة، وإطلاق الأسرى، وإرجاع الصليب المقدس. وقبل شيرويه بهذه الشروط فاتصل هرقل بشهربراز لتنفيذها، وكان هذا القائد لا يزال مستوليًا على شطر وافر من أملاك الروم في آسية، وبعد مفاوضات طويلة اجتمع هرقل وشهربراز في أرابيسوس في آسية الصغرى في حزيران من السنة ٦٢٩، وعرف هرقل كيف يحدث شهربراز بما كان يراود نفس هذا القائد، وكان شهربراز يطمع بعرش الفرس فعلَّله هرقل بالأمل، فأسرع القائد إلى تنفيذ المعاهدة وأجلى جيوشه عما كان يحتله من أراضي الروم.

الصليب المقدس

وجاء في تاريخ أنطيوخوس القائد أن أبرويز أودع الصليبَ زوجته المسيحية، فحفظته في مكان أمين في طيسفون،٣٧ وجاء لميخائيل المؤرخ السرياني أن الفرس سلَّموا الصليب المقدس إلى الروم في منبج، وأنه نقل منها إلى حلب فحمص فدمشق فطبرية، وأن هرقل نفسه تسلمه في طبرية، وقام به إلى أوروشليم،٣٨ وجاء لسيبيوس أن هرقل أدخل الصليب إلى المدينة المقدسة في موكب باهر الجلالة ظاهر الأبهة، ملأت هيبته الصدور وتخشعت أمامه العيون.٣٩ ويضيف ثيوفانس أن هرقل أمر بإخراج اليهود من المدينة قبل وصوله إليها، وأن البطريرك زخريا اشترك في هذا الموكب المهيب،٤٠ وتدل القرائن والنصوص أن وصول هرقل إلى أوروشليم تمَّ في الحادي والعشرين من آذار سنة ٦٣٠، وأن الاحتفال برفع الصليب إلى مكانه جرى في يوم الأحد التالي.٤١

الأكاثيسطون (٦٢٦)

وفي السنة ٦١٧ عبَرَ الدانوبَ جمْعٌ غفير من الصقالبة، ناقلين معهم عيالهم وأمتعتهم، فانتشروا في البلقان وجزر إيجة وشواطئ آسية، وعاثوا في البلاد فسادًا، وطوقوا تسالونيكية وحاصروها شهرًا كاملًا، ولم تكد تنجلي المحنة وينقضي عامان، حتى كرَّ الصقالبة كرةً أخرى جارين وراءهم الآفار، وما زالوا حتى بلغوا إلى ضواحي القسطنطينية، فنهبوا ودمروا وأحرقوا وسبوا، ولم يتراجعوا إلا بعد أن زاد لهم هرقل الإتاوة.

وقضت الحرب الفارسية بتغيب الإمبراطور عن العاصمة ثلاث سنوات متتالية، فعاد الآفار إلى سابق سيرتهم، وأرادوا هذه المرة اقتحام العاصمة نفسها في السنة ٦٢٦، وتقدم الفرس في الحرب حتى خلقيدونية، فنكث خاقان الآفار بعهده واندفع بجموعه إلى أسوار العاصمة، وكان الإمبراطور قد أقام البطريرك المسكوني سرجيوس وصيًّا على ابنه ونائبه في الحكم، فهبَّ البطريرك بفصاحته وشجاعته يثير الهمم ويشدد العزائم، فيطوف العاصمة بالشعائر الدينية، ويعلو بنفسه الأسوار ومعه أيقونة المخلص وأيقونة العذراء، فأصبح على تعبير أحد المعاصرين خوذةَ العاصمة ودرعها وسيفها، ويقول معاصر آخر: «إن البطريرك ما فتئ يواجه قوات الظلمة والفساد بأيقونتَيِ المخلص والعذراء حتى أدب في قلوبهم الرعب والخوف، فكانوا كلما عرض البطريرك من الأسوار أيقونة الشفيعة حامية العاصمة، أعرضوا هم عن النظر إليها.»٤٢

وجمع الفرس أسطولًا، وحاولوا الوصول إلى الشاطئ الأوروبي عبر البوسفور، ولكنهم أخفقوا؛ لأن مراكب الروم بدَّدت شملهم عند القرن الذهبي، «فصبغت المياه بدمهم وغطت البحر بجثثهم»، وانقض خاقان الآفار بجموعه على الأسوار لآخر مرة في العاشر من تموز، فارتد خائبًا وهو يقول: «إني رأيت امرأة متوشحة بأثمن الأثواب تطوف الأسوار من أولها إلى آخرها!»

وهكذا نجت العاصمة من هذا الخطر المداهم، فعزا سكانها انتصارهم على الفرس والآفار إلى السيدة العذراء حامية المدينة وشفيعتها، ونظم البطريرك سرجيوس تسبيحته الشهيرة الأكاثسطون، التي لا نزال نرددها ونرنمها باللحن الرابع حتى يومنا هذا مساء كل جمعة من الأسابيع الخمسة الأولى من الصوم الكبير:

إني أنا مدينتك يا والدة الإله،
أكتب لك رايات الغلبة يا جندية محامية،
وأقدم لك الشكر كمنقذة من الشدائد،
لكن بما أن لك العزة التي لا تحارب،
أعتقيني من صنوف الشدائد
حتى أصرخ إليك.
افرحي يا عروسًا لا عروس لها.٤٣
والأكاثيسطون لفظ يوناني معناه «الذي لا يجلس فيه»، أي إنه لا يجوز الجلوس عند تلاوته، وقد اختلف العلماء رجال الاختصاص اختلافًا كبيرًا في الناظم وتاريخ النظم؛ فقال بعضهم ما قلناه أعلاه،٤٤ وقال آخرون غير ذلك، فأرجئوا النظم حتى أيام لاوون الثالث (٧١٧–٧٤١) ولم يعينوا الناظم،٤٥ ولمس غير هؤلاء تشابهًا شديدًا بين هذا المديح وبين بعض ما ورد للقديس أفرام السرياني، فقدموا النظم حتى القرن الرابع، وقالوا بإضافة أبيات إليه تعبِّر عن النصر عند القسطنطينية.٤٦

تنصُّر اليهود

وكانت قلوب اليهود قد دمنت على رومة منذ خراب أوروشليم وتشتيت الشمل، فجاشت صدورهم عليها بالغل، فلما تنصرت الدولة الرومانية، وأصبحت النصرانية دينها الرسمي، أضمر اليهود العداوة للدولة وخاتلوا،٤٧ وكان ما كان من أمر الفوضى في عهد فوقاس، فنصب اليهود الحبائل الخفية، وضربوا النصارى ضربات مؤلمة، وعاونوا الفرس على الفتح.٤٨
وقد سبقت الإشارة إلى موقف يوستنينوس من اليهود فَلْتراجع في محلها. وإذا جاز لنا اعتماد روايةٍ انفرَدَ بها راوٍ واحد، قلنا مع أغابيوس المنبجي إن موريقيوس طرد اليهود من أنطاكية،٤٩ ولا يجوز القول مع ثيوفانس، كما سبق وأوضحنا، إن فوقاس أمر بتعميد اليهود.٥٠
وبدا لهرقل من اليهود ما دعا إلى التحذر من كيدهم، وأوجب التيقظ من مكرهم، ولكنه لم ينكر عليهم أفعالهم ولم يظهر لهم سوء صنيعهم إلا بعد انتهاء الحرب الفارسية؛ فقد جاء في تاريخ سيبيوس الأرمني أنه عند انتهاء الحرب الفارسية جاء ثيودوروس أخو هرقل بجيشه إلى الرها، وحاول الدخول إليها فمنعه يهودها، فحاصرها وكاد يفتك بهم لولا تدخُّل هرقل، وأن الإمبراطور أمر بخروجهم من المدينة، ففروا من وجهه والتجئوا إلى عرب البادية،٥١ وقام هرقل إلى فلسطين معيدًا الصليب المقدس، ووصل إلى طبرية فحلَّ ضيفًا على بنيامين اليهودي أحد وجوه البلدة، ثم استنكف لما علم أن هذا اليهودي الكبير اشترك في اضطهاد النصارى، فخرج من بيته، واستقر عند أفستاثيوس النابلسي المسيحي، وأكره بنيامين على التنصُّر ففعل.٥٢
وجاء في حوليات أفتيخيوس أن يهود الجليل أوفدوا إلى طبرية مَن رحب بالإمبراطور المنتصر، وقدَّموا له الهدايا وطلبوا الأمان، فأمنهم ببراءة رسمية حملت الخاتم الإمبراطوري،٥٣ ولكنه بعد أن دخل المدينة المقدسة أبعد اليهود عنها إلى مسافة ثلاثة أميال احترامًا للصليب المقدس،٥٤ وجاء في حوليات أفتيخيوس أيضًا أن نصارى أوروشليم رووا لهرقل ما أنزله بهم يهود المدينة من تعذيب وتقتيل، وأن رهبان المدينة المقدسة حضوا الإمبراطور على التنكيل باليهود؛ جزاء ما فعلوا، فأمر بهم فذبحوه، ولكنه قول ضعيف لا يجوز الأخذ به.٥٥
وظل الإمبراطور آخذًا بقانون يوستنيانوس في معاملة اليهود حتى السنة ٦٣٤، وفيها زحفت القبائل العربية على فلسطين، فلم يقوَ سرجيوس على الصمود في وجهها فتراجع أمامها، وما كاد يبدأ بالانسحاب حتى تطوَّع اليهود لخدمة العرب، فتجسسوا لحسابهم ونقلوا إليهم المعلومات الضرورية، وسمسروا لهم فاشتروا منهم ما غنموا من مال ومتاع وأسرى.٥٦ ومما يُرْوَى من هذا القبيل أنه عندما استولى العرب على جزيرة رودوس أسقطوا صنمها المشهور، إحدى العجائب السبع، فتقدَّمَ اليهود منهم وابتاعوا نحاس الصنم.٥٧
فامتلأ هرقل غيظًا وثار ثائره، فأصدر في السنة ٦٣٤ أمرًا عامًّا بوجوب تنصير اليهود أينما كانوا وحيثما حلوا،٥٨ وأرسل الرسل إلى ملوك الإفرنج والقوط مبيِّنًا الضرر من بقاء اليهود على دينهم، موجبًا تنصيرهم بالقوة.٥٩

فعل واحد ومشيئة واحدة

وأدَّى استيلاء الفرس على أرمينية وسورية ولبنان وفلسطين ومصر وبقاؤهم فيها خمس عشرة سنة، إلى اضطهاد أبناء الكنيسة الجامعة لعلاقتهم بالقسطنطينية وتمسكهم بعقائد الكنيسة الجامعة، كما كان طبيعيًّا أن يؤدي ذلك إلى تنشيط اليعاقبة وكلِّ مَن قال بالطبيعة الواحدة. والواقع أنه لما عاد هرقل إلى هذه الأقطار، وجد أن جميع البطاركة هم من أتباع الطبيعة الواحدة، فعاد إلى معالجة هذا الانشقاق في الكنيسة لتوحيد الكلمة وجمع الصفوف خصوصًا لأن الأخطار كانت لا تزال تحيط بالإمبراطورية وتهدد كيانها.

وكان طبيعيًّا أيضًا أن يشعر البطريرك سرجيوس صديق هرقل الأمين بالضعف الذي نجم عن هذا الاختلاف في العقيدة؛ ذلك بأن البطريرك كان سوري المولد يعقوبي النشأة،٦٠ وأنه كان يمارس الحكم ويطلع على خفايا الأمور في أثناء الحرب الفارسية.
ويرى بعض الباحثين أن القول بفعل Energeia واحد، كان قد بدأ في مصر في بعض الأوساط القبطية منذ أوائل القرن السابع، وأن القول بالطبيعة الواحدة جرَّ هؤلاء إلى القول بالفعل الواحد. وكان أفلوغيوس بطريرك الإسكندرية الأرثوذكسي قد حارب هذا القول بشدة وحزم.٦١
فلما تسلَّمَ هرقل أزمة الحكم، وبدأ التعاون بينه وبين سرجيوس البطريرك المسكوني، تراءى لهذا أنه بإمكانه أن يجد مخرجًا سليمًا من الأزمة اللاهوتية المستحكمة، ووسيلةً لتوحيد الصفوف، فقال بالطبيعتين مع آباء المجمع الخلقيدوني، ولكنه خرج من القول بأقنوم واحد إلى القول بفعل واحد، وادَّعى أن سلفه ميناس قال قوله من قبلُ في رسالةٍ وجَّهَها إلى زميله فيجيليوس بابا رومة.٦٢

ولا يخفى على أي أرثوذكسي أن هذا القول لا يتفق والعقيدة الصحيحة، فالمسيح في نظرنا إله كامل وإنسان كامل، وطبيعته البشرية لا يمكن أن تكون كاملة وهي ناقصة الإرادة والفعل؛ وبالتالي فالقول بالطبيعتين يلزمه الاعتقاد بالفعلين والمشيئتين باتحاد وبلا انفصال، فيسوع لم يرد ولم يفعل شيئًا من حيث هو إله فقط، ولا من حيث هو إنسان فقط، بل كإله وإنسان معًا بدون اختلاط أو انقسام.

وهام سرجيوس في أودية الضلال، وجرَّه القول بالفعل الواحد إلى القول بالمشيئة الواحدة، وليَّنَ ومهد في مصر أولًا، فاتصل في بادئ عهده بفرقها الضعيفة الصغيرة بالهرمسيين والأكيفاليين وبثَّ الدعاية بينهم، فوافقه بعضهم فاضطر الراهب أنسطاسيوس السيناوي أن يرد عليه بين السنة ٦١٥ والسنة ٦٣٠ مبيِّنًا ضلاله، وذلك في كتابه «المرشد» Hodegos،٦٣ واتصل سرجيوس في السنة ٦١٥ بثيودوروس أسقف فارانة Pharan سيناء، وأوضح له رأيه فقال ثيودورس قول البطريرك المسكوني، وأمَّ القسطنطينية لزيادة البحث والتنقيب.٦٤ وفي السنة ٦١٧ قبل الدعوة الجديدة جاورجيوس أرساس رئيس فرقة البولسيين، وأراد البطريرك الإسكندري يوحنا الرحوم أن يعاقب جاورجيوس على ضلاله، فلم يَرَ إلى ذلك سبيلًا لدخول مصر في طاعة الفرس.٦٥
ولما كانت السنة ٦٢٣ التقى هرقل في أرمينية ببولس أسقف الأرمن في قبرص، فتحدث إليه في رأي سرجيوس، وأرسل سرجيوس إلى بولس نصَّ رسالة ميناس إلى فيجيليوس، وكتب هرقل إلى أركاديوس متروبوليت قبرص محذرًا التعليم بالمشيئتين،٦٦ وفي السنة ٦٢٦ انتهز هرقل فرصة إقامته في لازقة ففاوض كيروس Cyrus أسقف فاسيس في بلاد الأكراد، ونصح إليه أن يكتب إلى سرجيوس، فقبل كيروس وكتب إلى سرجيوس٦٧ فأجابه هذا٦٨ بأنه وجد بين رسائل أحد أسلافه ميناس رسالةً وجَّهها إلى فيجيليوس بابا رومة، أشار فيها إلى فعل واحد ومشيئة واحدة،٦٩ وأضاف أنه لا يعرف أحدًا من الآباء يؤيد القول بالمشيئتين؛ وهكذا قال كيروس بالمشيئة الواحدة.

مؤتمر منبج

وسرَّ هرقل بكيروس وازداد شجاعة، ودخل الرها في السنة ٦٣٠، وأخرج النساطرة من كتدرائيتها وحوَّلها إلى اليعاقبة، وفي يوم الميلاد أمَّ هذه الكنيسة للصلاة، وتقدم من المائدة المقدسة، فامتنع الأسقف أشعيا عن مناولة الإمبراطور، مشترطًا رفض طومس لاوون وقرارات المجمع الخلقيدوني، فغضب هرقل وطرد الأسقف واستعاض عنه بغيره،٧٠ وفي أثناء وجوده في الرها فاوض هرقل أثناسيوس الجمال بطريرك اليعاقبة في أمر المشيئة الواحدة،٧١ وأشار على سرجيوس أن يكتب إليه أيضًا.٧٢
ثم رأى الإمبراطور أن يتصل بالجمال، فالتقيا في منبج في أثناء السنة ٦٣١، واصطحب الجمال اثني عشر أسقفًا بينهم أشعيا بطل رواية الرها، وتفاوض الكبيران فاعترف الإمبراطور ببطريركية أثناسيوس على أنطاكية مقابل اعتراف البطريرك بالمجمع الخلقيدوني، فقبل الجمال، ثم استدعى الإمبراطور كيروس، وطلب إليه أن يوضح قضية المشيئة الواحدة ففعل، فقال البطريرك قول كيروس، وتبعه في ذلك عدد من الأساقفة والرهبان، وظل أثناسيوس بطريركًا على أنطاكية وحده حتى وفاته في السادس والعشرين من تموز سنة ٦٣١.٧٣
وروى ابن العبري اليعقوبي عن ديونيسيوس التلمحري ما ترجمته: وإذ بلغ الملك «هرقل» إلى منبج مثل لديه البطريرك أثناسيوس ومعه اثنا عشر أسقفًا، وطلبهم منهم جميعًا صورة إيمانهم، وإذ تلاها أوسعها مدحًا، ولكنه لم يغفل عن تكليفهم بقبول المجمع الخلقيدوني، وإذ أبوا غضب الملك عليهم، وكتب إلى كل المملكة أن مَن لا يسلم بالمجمع الخلقيدني يُجدع أنفه وتُصلم أذناه ويُؤخذ بيته.٧٤ وهو قول ضعيف لا يقبله الثقاة.٧٥
وجاء إلى الجزيرة كاثوليكوس الأرمن أزر، فقابل الإمبراطور فيها، وبحث معه أمر المشيئة الواحدة فقال بها، ثم تناولا معًا وعاد الكاثوليكوس إلى أسز يبشر بالعقيدة الجديدة.٧٦

رهبان بيت مارون

وانتقل هرقل من الجزيرة إلى سورية الشمالية، فزار أنطاكية ولم يعين خلفًا لأثناسيوس الجمال،٧٧ ثم قصد المدن والأديار، فاستُقبِل فيها استقبالًا حسنًا حافلًا، ولدى وصوله إلى حمص هرع رهبان بيت مارون إلى الترحيب بقدومه، فأكرم وفادتهم وأقطعهم أراضي واسعة،٧٨ وقبلوا دعوته فيما يظهر وأيدوه، وكيف لا يؤيدونه وهو الملك وهم الملكيون، «ولو شاءوا لجابهوا المبتدعين (اليعاقبة) بالشدة لا باللين، ولكن بما أن الملك أخذ باللين، فهل على الملكيين إلا السير على الخطة عينها!»٧٩ ومن هنا قول ميخائيل السرياني: «أما رهبان الموارنة في منبج وحمص وفي البلدان القبلية فقد أظهروا كيدهم، وقبل المجمع عدد كبير منهم، واستولوا على أكثر الكنائس والأديار.»٨٠ والمجمع المشار إليه في هذا النص هو المجمع الخلقيدوني، عقدة العقد في نظر ميخائيل واليعاقبة، والمعنى المقصود هو أن رهبان دير القديس مارون قبلوا الحل الذي حمله هرقل؛ أيْ قبلوا القول بالطبيعتين مع المجمع الخلقيدوني، وبالمشيئة الواحدة مع سرجيوس وهرقل،٨١ فأظهروا كيدهم واستولوا على أكثر الكنائس والأديار، ولا يخفى أن رهبان القديس مارون كانوا قد قبلوا قرار المجمع الخلقيدوني منذ ظهوره، وأنهم كانوا قد ضحوا في سبيل هذا القبول بثلاثمائة وخمسين راهبًا شهيدًا،٨٢ فإذا كان ميخائيل يعني بنصه هذا أن رهبان القديس مارون قبلوا القول بالطبيعتين فقط؛ يصبح ترحيبهم بهرقل في حمص ضربًا من المجاملة لا يستحق «إقطاع الأراضي الواسعة»، ولا يخولهم «الاستيلاء على أكثر الكنائس والأديار»، فهرقل أراد تسوية واسعة وتوحيد الصفوف، فعرض القول بمشيئة واحدة وبطبيعتين لاسترضاء اليعاقبة والأرمن والأقباط.

ولا يجوز الجزم في شيء مما تقدَّم ذكره؛ لأن جميع مراجعنا متأخرة؛ فديونيسيوس التلمحري الذي أخذ عنه ميخائيل السرياني، من أعيان القرن التاسع (٨١٥–٨٤٥)، وقد ضاع مصنفه ولم يبقَ منه سوى ما اختصره ميخائيل السرياني وغيره، وميخائيل هذا وُلِدَ في ملاطية سنة ١١٢٦، وترهَّبَ في دير مار برصوم، وسيم بطريركًا على اليعاقبة في السنة ١١٦٦، وتوفي في خريف السنة ١١٩٩. وأفتيخيوس هو سعيد ابن البطريق بطريرك الإسكندرية منذ السنة ٩٣٣ حتى السنة ٩٤٠، وإذا كان لا يجوز الجزم في صحة هذه الروايات «المستلقة المتآلفة»، فإنه لا يجوز أيضًا إغفالها جميعها أو بعضها كما فعل بعض الآباء الأحبار وغيرهم ممَّن عُنِيَ بتاريخ الموارنة، وسنعود إلى هذا عند الكلام عن ظهور بطريركية مارونية مستقلة.

فارس وأرمينية ومصر

وليس من العلم بعد هذا كله أن نقول مع المطران يوسف دريان (١٣٧) «أنه لم يكن للمونوثيلية أثر بشكلها المعروف في كل سورية قبل الفتح العربي، وأنه لم يبقَ مجال لدخولها بعد الفتح»، وقد يفيد هنا أن نذكر اندفاع أحد أساقفة دمشق في سبيل هذه المونوثيلية نفسها، وذهابه إلى فارس قبل الفتح العربي للتبشير فيها بالحل الجديد،٨٣ فإنه بينما كان هرقل لا يزال في حلب مثل أمامه وفد فارسي مؤلف من الكاثوليكوس وبعض الأساقفة، وبيَّن للإمبراطور أسس الإيمان في فارس فرضي الإمبراطور، واشترك مع الوفد في الصلاة والمناولة،٨٤ وأكمل هرقل جولته في سورية، وعاد إلى جزيرة فعلم في الرها أن الأوساط الأرمنية لا تجمع على تأييد الكاثوليكوس في موقفه الجديد من المجمع الخلقيدوني، فأوعز الإمبراطور إلى الكاثوليكوس أن يدعو الأساقفة إلى مجمع جديد يبتُّ في الأمر، فاجتمع الأساقفة في كارين (أرض روم) في السنة ٦٣٣ وكرروا تأييدهم لرئيس كنيستهم.٨٥
واستغل المونوفيسيون في مصر الظرف الفارسي، فاستأثروا بقيصرية الإسكندرية وجلس بطريركهم فيها، وسيم جاورجيوس بطريركًا على الإسكندرية في السنة ٦٢١، ولكنه لم يتمكن من الوصول، فبقي في القسطنطينية وتوفي فيها في السنة ٦٣١، وأعجب هرقل بمواهب كيروس وباندفاعه في سبيل الفعل الواحد والمشيئة الواحدة، فجعله بطريركًا وواليًا على مصر،٨٦ وما كاد يصل إليها في خريف السنة ٦٣١ حتى فرَّ بنيامين بطريرك المونوفيسيين واختبأ،٨٧ فخلا الجو لكيروس، فكتب اعترافًا بإيمانه بالمشيئة الواحدة، ودعا المونوفيسيين للموافقة عليه، فقبله السويريون فورًا فلاينهم البطريرك، ورفضه اليوليانيون فضيَّق البطريرك عليهم، ففروا واستشرفوا في حركة الفتح الإسلامي نوعًا من الإنقاذ.٨٨

البطريرك صفرونيوس

وكانت كنيسة دمشق قد أنجبت شابًّا غيورًا مؤمنًا مندفعًا هو صفرونيوس العظيم، وكان صفرونيوس قد تعلَّمَ البيان وعلمه، واتخذ لنفسه لقب الحكيم، ثم قدم النذر في الإسكندرية ولبس الأسكيم فيها والتحق بإحدى رهبانياتها، ووضع مواهبه بعد ذلك تحت تصرُّف بطاركتها المستقيمي الرأي، فعاون كلًّا من أفلوغيوس وثيودوروس ويوحنا الرحوم في سعيهم لهدي المونوفيسيين، ولدى وصول الفرس إلى مصر خرج صفرونيوس منها، واتجه نحو قرطاجة ورومة، ثم عاد الصليب إلى أوروشليم فعاد صفرونيوس إلى الشرق، إلى فلسطين نفسها، وانعكف متأملًا في دير القديس ثيودوسيوس بالقرب من بيت لحم.

وقُدِّرَ لكيروس أن ينجح في مصر، كما سبق وأشرنا، فذاع خبر نجاحه في فلسطين، وعم الأوساط الرهبانية وطرق مسامع صفرونيوس فأقضَّ مضجعه، فعول على القيام بذاته إلى مصر للاتصال بكيروس وإنقاذه من الضلال، ولم يعبأ صفرونيوس بمشاق السفر، وكان قد بلغ الرابعة والثمانين، فقام إلى مصر وذهب توًّا إلى الإسكندرية، وارتمى على أقدام بطريركها راجيًا العدول عن القول بالفعل الواحد والمشيئة الواحدة،٨٩ ولكن كيروس لم يَرَ رأيه، فأعلن الراهب الشيخ عزمه على السفر إلى القسطنطينية لمناقشة سرجيوس نفسه في الأمر، فزوَّده كيروس بنسخة عمَّا وزع في موضوع الاتحاد، ورجاه عرضها على زميله القسطنطيني.
ووصل صفرونيوس إلى العاصمة واتصل ببطريركها وناقشه، فاتفق الاثنان على تدوين ما يقولان حصرًا للمعنى، وعرضه على المجمع الدائم في القسطنطينية، ونظر المجمع فيما دُوِّنَ، فقال بوجوب الابتعاد عن المشاحنات الكلامية والاستمساك بقرارات المجامع، فوعد سرجيوس أنه سيكتب لكيروس أن يكف عن البحث في الموضوع،٩٠ وعاد صفرونيوس إلى ديره في بيت لحم.
ولدى عودة الشيخ الوقور إلى مقره في بيت لحم أثيرت قضية خلافة يعقوب أخي الرب، وكان الكرسي لا يزال شاغرًا منذ وفاة موذيستوس في أواخر السنة ٦٣٠، فلما لمع صفرونيوس في دفاعه عن الإيمان القويم انتُخِب بطريركًا على أوروشليم، وقد اختلف العلماء في تاريخ هذا الانتخاب، فقال العلامة الأب فان سان الدومينيكي بأنه تمَّ في السنة ٦٣٦،٩١ وخالفه آخرون فحددوا السنة ٦٣٤ تاريخًا لهذا الانتخاب؛٩٢ ومما جاء عن هذا الموعد أن تسليم العكاز تم قبيل عيد الميلاد، وأن البطريرك الجديد لم يتمكن من قيادة المؤمنين إلى بيت لحم لظهور العرب في ضواحيها وقلة الأمن.٩٣
وقضى العرف والتقليد بأن يوجه البطريرك الجديد ومجمعه رسائل سلامية إلى سائر البطاركة تنبئ بالانتخاب الجديد، وتنقل بيانًا بإيمان البطريرك المنتخب، فدعا صفرونيوس المجمع الأوروشليمي، وأطلع أعضاءه على نص إيمانه، ثم وجَّه الرسائل إلى البطاركة، وجاء في رسالته السلامية إلى سرجيوس كلام واضح في الثالوث والتجسد، وقول ناصع بالمشيئتين والطبيعتين، ورجاء بإيفاد أبوكريساريوس يحمل الجواب ويمثل البطريرك في أوروشليم.٩٤

سرجيوس وأونوريوس

ونادى مكسيموس القسطنطيني بمثل ما نادى به صفرونيوس، فخاف سرجيوس واضطرب، ومنع جماعته عن المذاكرة في الموضوع، وكتب للبابا أونوريوس يستوضح رأيه، فأجابه البابا أنه من حيث المشيئة يعترف بمشيئة واحدة في المسيح — Unde et unam voluntatem fatemur٩٥ — ومن حيث الفعل لا يسمح أن يذكر أحد لا فعلًا ولا فعلين،٩٦ وعقد صفرونيوس المجمع الأوروشليمي، ودفع برسائله السلامية إلى البطاركة، فاضطرب البابا أونوريوس، وكتب له والبطاركة بمعنى رسالته الأولى،٩٧ فأيَّدَ هرقل موقف أونوريوس وسرجيوس وكيروس من قضية الفعلين، فأصدر إرادة سنية في السنة ٦٣٤-٦٣٥ حرَّمَ فيها البحث في الفعل الواحد والفعلين.٩٨

الإكثيسيس (٦٣٨)

واستهال هرقل أمر العرب وغزواتهم وكاد ينشق صدره، ورغب رغبة أكيدة في توحيد الصفوف، وظن أن مثل هذا التوحيد يتم بمجرد صدور إرادة ملكية، وتوفي صفرونيوس في السنة ٦٣٨ سنة دخول العرب إلى المدينة المقدسة، فأصدر الإمبراطور بيانًا Ekthesis بالإيمان الصحيح في أواخر السنة ٦٣٨، وأوجب قبوله والعمل بموجبه.٩٩

وأهم ما جاء في الإكثيسيس قول المجمع الخلقيدوني بالثالوث والتجسد الإلهي، وتحريم البحث في الفعل أو الفعلين، ووجوب القول بمشيئة واحدة وبطبيعتين بدون اختلاط أو انفصال.

وعقد سرجيوس مجمعًا محليًّا في السنة ٦٣٨ وصدَّق الإكثيسيس ثم مات،١٠٠ فخلفه بيروس، وكان هذا قد اشترك في إعداد نص الإكثيسيس، فوافق عليه موافقة سلفه سرجيوس.١٠١ وخلف صفرونيوس في الكرسي الأوروشليمي سرجيوس اليافاوي فقال بالمشيئة الواحدة، وكان مقدونيوس البطريرك الأنطاكي لا يزال مقيمًا في القسطنطينية؛ نظرًا لاضطراب الأحوال في سورية وسائر ولاية الشرق، فأيد الإكثيسيس وقال بالمشيئة الواحدة.١٠٢
وحمل نص الإكثيسيس إلى الإسكندرية ورابينة الماجيستروس أفستاثيوس فابتهج كيروس وهلل، وتوفي أونوريوس في خريف السنة ٦٣٨، فخلفه في الكرسي الرسولي سويرينوس، وأوفد سويرينوس أبوكريساريوسًا إلى القسطنطينية، ينبئ البلاط والبطريركية بانتخابه، ويرجو الإمبراطور تصديق الانتخاب والسماح بتسليم العكاز، فاشترط هرقل الاعتراف بمضمون الإكثيسيس قبل التصديق، وتوفي هذا البابا في السنة ٦٤٠ ولم يحرِّم القول بالمشيئة الواحدة، أما خلفه يوحنا الرابع (٦٤٠–٦٤٢) فإنه عقد مجمعًا محليًّا وحرَّم القول بالمشيئة الواحدة.١٠٣
١  Diehl, C., Le Monde Oriental, Serie Glotz, 140-141.
٢  Michel le Syrien, II, 375–377; Nau, F., Athanase, Dict. Hist, Géog. Ecc., IV, Col. 1363-1364.
٣  Jean de Nikiou, (Zotenberg), 540.
٤  Ibid; Michel le Syrien, II, 378; Saint Theodore de Sykae, Acta Sanctorum, III, 66.
٥  Theophanes, a. 6101.
٦  Antiochus le Stratege, (Trad. Russe), Vizantijski Vremennik, 1914, 8-9.
٧  Koulakovsky, Critique du Témoignage de Théophanes sur les Derntères Années du Regne de Phocas, Istoria Vizantijski Vremennik, 1914, 1–14; Brehier, L., Rome et Const., Fliche et Martin, op. cit., V, 74-75.
٨  Devresse, R., La Fin Inédite d’une Lettre de S. Maxime, Rev. Sc. Relig., 1937, 3-4.
٩  Theophanes, Chron. a. 6101.
١٠  Pernice, Eraclio, 23; Duchesne, L., l’Eglise au VI, Siècle, 372-373.
١١  Eutichios, Annales, Patr. Gr., Vol. III, Col. 1084.
١٢  Mansi, VI, Col. 855.
١٣  Mansi, VI, Col. 1005.
١٤  Mansi, VIII, Col. 895.
١٥  Mansi, VIII, Col. 1038.
١٦  Mansi, VIII, 1066-1067.
١٧  Code I, 1.
١٨  Gelzer, H., Der Streit uber den Titel des Aekumenischen Patriarchats, Iahrbucher fur Prot. Theol., XIII, 549 ff.; Vailhe, S., Le Titre de Patriarche Oecuménique, Echos d’Orient, 1908, 65–69.
١٩  Evagrius, Hist. Ecc., VI, 7; Mansi, IX, Col. 213–217.
٢٠  Saint Grégoire, Reg. Greg. V, 44.
٢١  Bréhier, L., Rome et Const., op. cit., V, 64-65.
٢٢  Jaffé-Wattenbach, 1352, 1357, 1360.
٢٣  Orologion, Sep. 2.
٢٤  Reg. Greg., I, 25.
٢٥  Reg. Greg., V, 41.
٢٦  Reg. Greg., VII, 24; Jaffé-Wattenbach, 1470.
٢٧  Patrono, Conflitti, 72.
٢٨  Doelger, Reg., XIII, 41; Jaffé-Wattenbach, 1906.
٢٩  Liber Pontificalis (Duchesne), I, 316.
٣٠  Pernice, Eraclio, 61–63.
٣١  Antiochus le Stratège, 9–15; Couret, La Prise de Jernsalem par les Perses en 614; Vincent et Abel, Jerusalem Nouvelle, II. 926–930.
٣٢  Duchesne, L., Roma 1913, 283.
٣٣  Duchesne, L., l’Eglise au VI Siècle, 371–375.
٣٤  Neale, J. M., History of the Holy Eastern Church, 167.
٣٥  Sebeos, 113–116.
٣٦  Marquart, Osteuropaeische und Ostasiatische, Streifzuge, Leipzig, 1903.
٣٧  Antiochus le Stratège dans Koulakovsky, op. cit., 38.
٣٨  Michel le Syrien, II, 427.
٣٩  Sebeos, 90-91.
٤٠  Theophanes, Chron., a. 6020.
٤١  Vincent et Abel, op. cit., 191, 205.
٤٢  Pisides, G., Bell. Acaricum, V, 371.
٤٣  Orologion.
٤٤  Diehl, C. et Marçais, G., le Monde Oriental, 148; Krumbacher, K., Gesch. der Bys. Lit., 671–673; Baumstark, Bys. Zeit, 1907, 656–658.
٤٥  Brehier, L., Vie de l’Eglise, Fliche et Martin, op. cit., V, 496-497.
٤٦  Krypiakiewicz, p. F., De Hymne Acathisti, Dyz. Zeit., 1909, 357–382.
٤٧  Chapot, La Frontière de l’Euphrate, 22-23; Pargoire, J., L’Eglise Byzantine, 172–174.
٤٨  Andreades, Les Juifs dans l’Empire Byzantin, Annuaire, de la Soc. des Etudes Byzant., 1929, 23 ff.
٤٩  Agapius de Maboug, Patr. Or., VIII, 3.
٥٠  Theophanes, Chron., a. 6101.
٥١  Sebeos, 94-95.
٥٢  Theophanes, a. 6120.
٥٣  Eutychius, Annales, Pat. Gr., Vol. 111. Col. 1089-1090.
٥٤  Theophanes, Chron. a. 6120.
٥٥  Eutychius, Annales, Pat. Gr., Vol. 111, Col. 1089-1090.
٥٦  Jean de Nikiou, op. cit., 569–575; Theophanes, Chron., a. 6135, 6145.
٥٧  Sebeos, XXX; Les Méfaits des Juifs, Trad, Macler, 102-103.
٥٨  Michel le Syrien, op. cit., II, 414–417.
٥٩  Doelger, Reg. 207; Fredegaire, IV, 95; Gesta Dagoberti, XXIV; Leclercq, H., L’Espagne Chrétienne, 342–344; Bardy. G., Trophées de Damas, Introduction, Patr. Or., XV.
٦٠  Teophanes, Chron., a. 6121.
٦١  Bardenhewer uber Trinitat und Incarnation, Theol. Quart., 1896.
٦٢  Mansi, XI, Col. 225, 528.
٦٣  Patr. Gr. Vol. 89, Maspero. J., Patriarches d’Alexandrie, 336–339.
٦٤  Eckenstein, Lina, Hist. of Sinai (1921), 131.
٦٥  Maxime le Confesseur, P. G., XCI, Col. 332.
٦٦  Hefélé-Leclercq, op. cit., III, 333-334.
٦٧  Mansi, XI, Col. 525–627.
٦٨  Mansi, XI, Col. 560.
٦٩  Jean de Nikiou, op. cit., 520-521.
٧٠  Michel le Syrien, II, 411-412.
٧١  Ibid., II, 402-403.
٧٢  Doelger, Regesta, 204.
٧٣  Chronica Minara, Scryptoirs Syri, 112.
٧٤  Michel le Syrien, II, 411-412; Bar-Hebraeus, Chron. Ecc., I, Col. 261–275.
٧٥  Duchesne, L., L’Eglise, au VI Siècle, 497; Brehier, L., La Nouvelle Crise Relig., Fliche et Martin, op. cit., V, 115-116.
٧٦  Doelger, Reg. 203; Sebeos, op. cit., 91-92; Laurent, J., L’Arménie entre Byzance et l’Islam, 137.
٧٧  Chronica Minora, op. cit., 112.
٧٨  Eutichius, Annales, Patr. Gr., Vol, 111, Col 1039.
٧٩  Doumit, Mgr. M., Les Maronites, 5.
٨٠  Michel le Syrien, op. cit., II, 412.
٨١  Brehier, L., La Nouvelle Crise, Fliche et Martin, op. cit., V, 116.
٨٢  Dib, Mgr. P., L’Eglise Maronite, 51–61.
٨٣  Bar Nebraeus, op. cit., II, 110.
٨٤  Thomas de Marr, The Book of Governors, II, II, 124–126; Labourt, Le Christianisme dans l’Empire Perce, 242-243.
٨٥  Patr. Gr., Vol. 132, Col. 1251; M., The Church of Armenia, (London, 1955), 33.
٨٦  Sévère d’Aschmounein, Vie de Beojamin, Patr. Or., I, 489–492; Theophanes, Chron., a. 6121; Butler, Arab Conqucst of Egypt, 508 ff.
٨٧  Vie de Benjamin, Catr. Or., I, 490.
٨٨  Mansi, XI, Col, 561–564.
٨٩  Patr. Gr. Vol. 91. 91, Col. 112–143; XI, Col. 532-533.
٩٠  Grumel, Recherches sur l’Histoire du Monothélisme, Echos d’Orient, 1929, 21–23.
٩١  Vincent et Abel, Jérusalem Nouvelle, II, 930.
٩٢  Brehier L., Nouvelle, Crise Relig., op. cit., V, 120-121.
٩٣  Patr. Gr. Vol. 87, Col. 3201 f.
٩٤  Patr. Gr., Ibid., Col. 3148; Mansi, XI, Col. 831–843; Grumel, op. cit., Echos d’Orient, 1929, 24 f.
٩٥  “Aussi ne reconnaissons-nous qu’une seule volonté de Notre-Seigneur Jésus-Christ, car notre nature a été évidemment Prise par la divinilé, et prise en état d’innocence, telle qu’elle était avant la chute …”: Mansi, XI. Col. 547–544; Liber Pontificalis, (Duchesne), I, 323–328.
٩٦  Hefelé-Leclercq, III, 347, n. 1, 356, n. 1.
٩٧  Brehier, L., Nouvelle Crise Relig., op. cit., V, 122-123; Duchesne, L., l’Fglise au VJ, Siècle, 407–412; Tixeront, Hist. des Dogmes, III, 166–170.
٩٨  Dolger, Reg. 205; Theophanes, Chron., a. 6121.
٩٩  Mansi, X, Col. 991–998; Hefelé-Leclercq, III, 338 ff.
١٠٠  Mansi, X, Col. 999.
١٠١  Mansi, X, Col. 1002–1004; Lheodhanes, Chron., a. 6121.
١٠٢  Hefelé-Leclercq, III, 360–391.
١٠٣  Liber Pontificalis, (Duchesne), I, 328-329; Theophanes, Chro., a. 6121; Patr. Gr., Vol. 90, Col. 125.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢