الفصل الأول

عصر الفراعنة

إذا استثنينا ما ذكره مؤلفو العرب عن هذا العصر، نجد أن التاريخ لا يذكر لنا — كما هو الحال في قسم الإيرادات — أيَّ رقم نهتدي منه إلى معرفة ما كان مفروضًا على مصر من الخراج في هذا العهد، ولا إلى معرفة المساحة المفروض عليها، ومع كلٍّ فسنحاول استخراج ذلك مما أورده المؤلفون في هذا الصدد:

قال هيرودوت في المجلد الثاني الفقرة ١٠٩ عند الكلام على توزيع عموم الأراضي في عهد سيزوستريس:١

وقص عليَّ الكهنة أيضًا أن هذا الملك قسَّم القُطْر بين جميع الأهالي، فأعطى كلًّا منهم بالتساوي مربعًا من الأرض، واتخذ هذه القسمة أساسًا لتقدير دخله، وتحديد ما يصيب كل واحد من الممولين من الخراج سنويًّا، فإذا جرف النيل جانبًا من أرض أحد الأهالي ذهب هذا ورفع أمره إلى الملك، وعندئذٍ يرسل سيزوستريس مفتشين لقياس الأرض، ومعرفة ما نقص منها حتى يمكن تخفيض الخراج وجعله مناسبًا لما بقي منها، ويظهر أن فن الهندسة اختُرِع في ذاك الوقت، وانتقل من مصر إلى بلاد اليونان. ا.ﻫ.

ومما يُؤسَف له أن هيرودوت لم يذكر مساحة المربع الذي خُصَّ به كل شخص من الأهالي، كما فعل مع رجال الجندية، ولم يذكر كذلك قيمة الخراج الذي كانوا يؤدونه. أما رجال الجندية فقد قال بصددهم في المجلد الثاني الفقرة ١٦٨:

ومنح رجال الحرب الامتيازات الآتية، ولم يمنح غيرهم من المصريين نظريها، اللهم إلا الكهنة.

خصَّ كل واحد من أولئك بملكية اثني عشر أربانًا arpent من الأراضي الخصبة معفاة من الضرائب، والأربان المصري عبارة عن مربع ضلعه مائة ذراع، وهذا الذراع هو نفس الذراع المستعمَل في ساموس. ا.ﻫ.
أما استرابون فقد تناول في الجزء السابع عشر من مؤلَّفه الفقرة ٢ الكلام على القُطْر المصري من حيث نظامه البديع ويُسْره، فقال:

كان المصريون المقيمون في بلادهم الشهيرة للغاية يكوِّنون حكومة نظامية متمدينة لدرجة أن معاهدها العلمية كانت مضربًا للأمثال وأنموذجًا يُنسَج على منواله، ولقد يُسَرُّ المرء حينما يعلم أن هؤلاء القوم استطاعوا بتقسيم الأرض والسكان تقسيمًا مبنيًّا على الفطنة والذكاء، وبإدارتهم المقامة على اليقظة والحذر؛ أن يحصلوا على أوفر نصيب يمكن الحصول عليه من الكنوز الطبيعية للأرض التي يعيشون عليها.

ومن المعلوم أن المصريين بعد أن نصبوا عليهم ملكًا انقسموا إلى ثلاث طبقات: طبقة الجندية، وطبقة المزارعين والصناع، وطبقة الكهنة. وقد اختُصَّت هذه الطبقة الأخيرة بكل ما يتعلق بالأمور الدينية، وانحصرت مهمة الطبقتين الأُخْرَيين في المحافظة على المصالح الدنيوية المحضة؛ فطبقة الجند كانت تحافظ على هذه المصالح في زمن الحرب، والطبقة الثانية كانت تحافظ عليها في زمن السِّلْم بعكوفها على الأعمال الزراعية والصناعات الأخرى، وكانت هاتان الطبقتان مكلَّفتين فوق ذلك بأن تدفعا للملوك بطُرُق منظَّمة إيرادات بصفة ضرائب. أما الكهنة فكانوا لا يعملون شيئًا أكثر من اختصاصات وظائفهم، اللهم إلا دراسة الفلسفة وعلم الفلك ومسامرة الملوك.

وقُسِّمت مصر أولًا إلى أقسام إدارية، عشرة بمصر العليا، وعشرة بمصر السفلى (الدلتا)، وستة عشر بمصر الوسطى. ويزعم بعض المؤلفين أن عدد هذه الأقسام كان مساويًا لعدد قاعات قصر التيه (لابرنتا)، لكن فاتهم أن عدد قاعاته كان أقل بكثير من عدد هذه الأقسام وهو ٣٦، ثم جُزِّئت الأقسام تجزئات مختلفة جُزِّئ معظهما إلى نواحٍ toparchis، وجُزِّئت هذه النواحي بدورها إلى جهات صغيرة، وهكذا دواليك إلى الأرور aroure (١٨ سهمًا ١٥ قيراطًا)، ورُبَّ سائلٍ يسأل ما الذي أوجب هذا التقسيم المُحْكَم الدقيق؟

فالجواب على ذلك هو أن فيضانات النيل كانت تُحدِث باستمرار حيرة وارتباكًا في حدود الأملاك بجرفها لها تارة، وبزيادة مساحتها تارة أخرى، وطورًا بتغييرها أوضاع أرض هذا، وإزالتها معالم أرض ذاك، مما كان يستدعي دوامًا إعادة قياس الحقول ومسحها، حتى إنه ليقال إن هذا العمل هو الذي أنشأ عند المصريين فن الهندسة، كما أنشأت الضرورة عند الفينيقيين علم الحساب لاحتياجهم إليه في تجارتهم البحرية.

وتقسيم السكان إلى ثلاث طبقات سرى بطبيعته إلى كل مركز، كما هو الحال في كل قسم من أقسام المملكة.

وإليك بيان التدابير العجيبة التي كانت تُتَّخَذ حيال النيل، ومنها يستطيع الإنسان أن يحكم بأن المصريين تغلبوا بقوة الفن على الطبيعة؛ ذلك أن زيادة المحصول ترتبط بزيادة الفيضان ارتباطًا مباشرًا، فكلما ارتفع منسوب الفيضان زاد مسطح الأراضي التي يعلوها الماء، ومع ذلك فقد حدث أكثر من مرة أن الفن سد نقص الطبيعة، وتوصَّلَ بواسطة حفر الترع وعمل الجسور أن يجعل المياه تغمر في أقل الفيضانات وأردئها نفس المسطحات التي كانت تغمرها في أكبر الفيضانات وأحسنها. ا.ﻫ.

وقال ماسبيرو Maspero في المجلد الأول من «تاريخ شعوب الشرق القديم» (ص٣٢٧):
إن حالة الفلاح الذي لا يملك أطيانًا في الزمن القديم تُماثِل حالته في عصرنا الحاضر، فبعضهم كان لا يمتلك من حطام الدنيا سوى كوخ من الطين لا يَسَع غير الرجل وزوجه، وكان يعمل في المزرعة باليومية أو السنوية، والبعض كان يندفع فيستأجر أطيان عين من الأعيان أو جندي من جيرانه، ومَن اشتروا أرضًا لم ينتفعوا بغير ريعها، وهؤلاء هم أسعد الجميع حظًّا، أما ملكية أراضيهم فتبقى بأسرها في يد فرعون في البداية، ثم تنتقل منها إلى أيدي الملتزمين المدنيين أو الكهنوتيين، وكان في إمكان هؤلاء أن يتصرفوا فيها بطريق الوصاية أو الهبة أو البيع، وشراء غيرها بلا معارضة، وكانوا يؤدون غير العوائد الشخصية ضريبة عقارية بنسبة مساحة أراضيهم ونوع تربتها، ولم ينسب الأقدمون بجمعهم اختراع علم الهندسة إلى المصريين عفوًا، فمداومة النيل على جرف الأراضي وتنقُّل مجراه وسهولة محوه لعلامات حدود الحقول، وتغييره أوضاع بعض نواحٍ برمتها في مدى فصل صيف واحد؛ كل ذلك اضطرهم منذ بزغت شمس العصور القديمة أن يدقِّقوا ويتحرَّوا مساحة الأرض التي تطعمهم خيراتها، فكانوا يقيسون أراضي كل مدينة وكل قسم مرارًا وتكرارًا، ثم تضم الإدارة الملكية عمليات القياس هذه إلى بعضها وتنسقها، وبذلك يتمكن فرعون من أن يعرف بالتدقيق مساحة ولاياته. والوحدة التي كانت مستعملة في المقاس هي الأرور، وهو عبارة عن مربع طول أحد أضلاعه مائة ذراع، ويعادل ثمانية وعشرين آرًا٢ تقريبًا، وكان يشتغل عدد عديد من الكَتَبَة والمساحين بلا انقطاع في مراجعة المساحة القديمة وإعادتها، وتقييد كل تغيير يطرأ في سجلات الحكومة، وكان يقام عند حدود كل عقار خط من القوائم يُكتَب عليه في أغلب الأوقات اسم المالك الأخير وتاريخ آخِر تحديد عمل. ومتى تَمَّ كلُّ ذلك يُطلَق على العقار اسم علم حتى لكأنه شخص حي مستقل، وكان هذا الاسم ينمُّ إما عن طبيعة الأرض أو موقعها، أو إحدى العوارض الطبيعية التي تميِّزها، مثل بحيرة الجنوب أو المرج الشرقي أو الجزيرة الخضراء أو بركة الصيادين أو غابة الصفصاف أو الكروم أو عريش العنب أو أرض الجميز. وهذه الأسماء تبقى علمًا على مسمياتها أجيالًا، فلا البيع ولا القسمة ولا الثورات ولا تغيُّر الأُسَر المالكة تستطيع أن تصيِّر هذه الأسماء نسيًا منسيًّا.

أما مصلحة المساحة فتقيِّد في سجلاتها اسم العقار واسم مالكه وأسماء الملاك الواقعة أطيانهم على حدوده، ومحتويات ذلك العقار وطبيعة أرضه، وتُكتَب المساحة التقريبية بالأذرع للأراضي الرملية والمستنقعات والبرك والترع، وغابات النخيل والحدائق والبساتين والكروم، والأراضي الصالحة لزراعة القمح، وتقسم هذه الأراضي الأخيرة أيضًا إلى جملة أنواع، ويُراعى في قسمتها الأرض التي يغمرها ماء النيل بانتظام سنويًّا، والتي لا تغمرها المياه حتى في أكبر الفيضانات، فتروى ريًّا صناعيًّا بواسطة آلاتٍ قد تتكلَّف كثيرًا أو قليلًا، وهذه كلها مستندات يعتمد عليها الكَتَبَة ويتخذونها أُسُسًا في تقدير الخراج بالعشر، وكل الأحوال تحمل على الظن بأنه كان يُؤخَذ من المحصول قبل حصيده.

ولكن هذا المحصول كان لا يستقر على حالة واحدة، فكان يزيد وينقص حسب الفيضان السنوي، وكانت تطوراته تتبع بدقة حسابية سواء زاد هذا الفيضان عن الحد اللازم أم قَلَّ عنه، وعلى ذلك كان ينقص الخراج بغتة، وقد يتلاشى بالمرة عندما يبلغ الفيضان الحد الأدنى. وبلغ من الاهتمام بالنيل أن أقام الملك في عاصمة ملكه والأعيان في قطائعهم مقاييسَ يتبيَّنون منها يوميًّا ارتفاعه وانخفاضه، خصوصًا في أسابيع التحاريق، وكان يحمل الرُّسُل أنباءه في أرجاء القطر المصري، فكان الشعب دوامًا على عِلْم بمجرى الأمور بطريقة منظَّمة، وكان يأخذ احتياطاته في الحال، ويعلم ما سيئول إليه أمره في نهاية العام، ويتمكَّن من معرفة ما يجب عليه دفعه بوجه التقريب.

ومن الوجهة النظرية كانت تربط جباية العشور على الأراضي التي تغمرها المياه بالفعل، وهذه محصولها لا يكون دوامًا على حالة واحدة، أما عمليًّا فكان هذا الخراج يُؤدَّى بحسب متوسط السنين السالفة، بعد أن يُستبعَد من هذا المتوسط قدر معين لا يحيدون عنه إلا في الظروف الشاذة. ويشترط للخروج عن هذه القاعدة وتخفيض الخراج أن يكون المحصول بلغ الغاية في الانحطاط، وكانت تستوي الحكومة القديمة والمعاصرة في النفور من التنازل عن أي شيء من الخراج مهما صغر، فتحتم دفع هذه الضريبة من محاصيل الأطيان إما قمحًا أو ذرة أو فولًا أو غير ذلك، وكانت هذه المحاصيل تكدس أكداسًا في المستودعات. والظاهر أن خصم العشر ليس بالشيء الكثير بالنسبة إلى مجموع المحصول، وأن أفقر فلاح كانت حالته تسمح له بأن يدفع ما عليه بلا عناء. ا.ﻫ.

ويُستنتَج مما ذكره هؤلاء المؤلفون أنه كان يوجد في مصر في عهد الفراعنة مصلحة مساحة بلغت الغاية في النظام، إلا أننا مع الأسف لم تصلنا تفاصيل ترتيبها، أما ما رووه لنا عن المنازعات التي كانت تقع بين الأهالي بشأن الأرض، فهي هي بعينها الحاصلة الآن، ولم يغيِّر من طبيعتها شيئًا مرورُ أربعة أو خمسة آلاف سنة.

أما المربع الذي وزَّعه سيزوستريس على كل ساكن من ساكني ديار مصر، حسبما روى هيرودوت (والأقرب إلى الصواب أنه وزَّعه على كل أسرة لا على كل ساكن)، فكان الأرور على رأي ماسبيرو، وهو عبارة عن مربع طول كل ضلع منه مائة ذراع. ولما كان الذراع يساوي ٥٢٥ مليمترًا، فيكون مسطح الأرور ٢٧٥٦٫٢٥ مترًا مربعًا، أيْ ١٨ سهمًا و١٥ قيراطًا.

وأما ضريبة الخراج بنسبة العشر كما روى ماسبيرو، فيلوح أن هذه النسبة نسبة معقولة، وهذا هو رأي لمبروزو بعينه (راجع كتاب مباحث في الاقتصاد السياسي بمصر في عهد اللاجيديين ص٣٩٣)؛ إذ حدَّد هذه الضريبة بنفس هذه النسبة أيضًا، ثم قال في ص٢٨٩:

وفوق ذلك فقد تغيَّرت الضريبة على ممر الدهور وتبدُّل الأحوال، ولكن الذي بقي ثابتًا على حاله ولم يتغيَّر هي قواعد ترتيب ضريبة الخراج، وقد اتبع البطالسة نفس هذه القواعد إلا أنهم نظموها. ا.ﻫ.

واستدل على صحة روايته بأن ذكَرَ في ص٢٩٣ نقلًا عن لترون Letronne (المجموعة الأولى ص٢٩٥) أن كتابة حجر رشيد (عام ١٩٦ق.م) تنبئ بأن الحكومة كانت تأخذ إرتبًّا عن كل مساحة قدرها «أرور» من الأطيان المخصصة للزراعة، وحدَّدت هذه النسبة بجزء واحد من خمسة عشر جزءًا من محصول الأطيان الجيدة، واستخلص من ذلك أن الأراضي التي لم تبلغ مبلغًا كبيرًا في الجودة كانت تدفع العشر.
ولما كانت ضريبة العشر معقولة، فللوقوف الآن على مبلغ الخراج يتعيَّن علينا أن نحدِّد ما يأتي:
  • (١)

    مساحة الأرض المزروعة.

  • (٢)

    المحصول.

  • (٣)

    عدد السكان.

المبحث الأول

إن المساحة المزروعة في مصر كانت في الزمن القديم كما هي الآن محصورة بين صحراء العرب من الشرق وصحراء لوبية من الغرب، فهي هي لم يطرأ عليها تغيير منذ تكوينها، أما الذي طرأ عليه التغيير فهو السطح المزروع فعلًا، وقوة الإنتاج فيه، فكلا هذين كثر أو قل، وقوي أو اضمحل تبعًا للعناية أو الاهمال في أمر إنشاء الترع وصيانتها، وبالتبعية أيضًا للسكان من حيث زيادتهم أو قلتهم.

والمساحة المعدَّة للزراعة بالفعل الآن هي ٥٦١٥٧٠٠ فدان، وجميع هذه المساحة — وهي بلا مراء أخصب أراضي مصر — كانت مزروعة في الأزمان القديمة، بل كان المزروع في تلك الأزمان أكثر من هذه المساحة، وينبغي ألَّا يخامرنا أقل شك في ذلك، وأنصع برهان عليه الأكوام الكثيرة في شمال الدلتا التي هي أطلال مدن كانت في العصور الغابرة منتشرة في تلك الناحية، وهذه المنطقة كانت أقل خصبًا في الزمن السالف من الأرض المعدة للزرع الآن بلا ريب، والبرهان على قلة خصبها هو أن سكانها جلوا عنها في مقدمة المناطق التي نزح عنها أهلها. فوجود هذه التلال فيها برهان قاطع على أنها كانت مزروعة، وإلا ما استطاع ديَّار أن يقطنها، ولكانت كما هي الآن غير مسكونة، فهذا الجزء القاحل والخالي الآن من الزرع والضرع كان إذن في العصور الماضية مزروعًا، وكان بالضرورة ينتج ما يفي بحاجات عدد كبير من السكان.

ومما يجب ألَّا يغيب عن الأذهان وأن يوضع نصب الأعين، وجود كثير من المناطق في القطر المصري الآن عدد سكانها أقل مما يجب أن يكون، حتى يصبح في حيز الاستطاعة القيامُ بزرعها بصفة مرضية. فلو لم يكن السكان في العصور المنصرمة كانوا أكثر عددًا منهم الآن لما كان هنالك حاجة لفلاحة المنطقعة القاحلة السالف ذكرها، وفوق ذلك كان هؤلاء السكان لقلتهم يعجزون عن تهيئة هذه المنطقة وزرعها، وهذا البرهان الذي سقناه على أن عدد السكان في تلك الأزمان كان أكثر منهم في عصرنا هذا غير قابل للجدل.

أما عدد الأفدنة التي كانت تُزرع في الأيام الخالية فلا نظن أننا مبالغون إذا قدرناه بستة ملايين فدان، بضم ٣٨٤٣٠٠ فدان إلى اﻟ ٥٦١٥٧٠٠ فدان المزروعة الآن، لتكون الستة ملايين عددًا إجماليًّا بصرف النظر عن الكسور التي لا يخلو منها الحال عادة.

هذا هو مقدار كمية الأفدنة التي كانت تُزرَع في الأزمنة الفرعونية.

أما جملة مسطح الأراضي الصالحة للزراعة في القطر المصري فهي ٧٣٠٠٠٠٠ فدان، يُحذَف منها مسطح البحيرات الآتية:

الجملة ٧٠٠٠٠٠ فدان
بحيرة مريوط ٩٠٠٠٠ فدان
بحيرة أبي قير ٣٥٠٠٠ فدان
بحيرة إدكو ٣٥٠٠٠ فدان
بحيرة البرلس ١٤٠٠٠٠ فدان
بحيرة المنزلة ٤٠٠٠٠٠ فدان
وهذه البحيرات كلها في شمال الدلتا، وكانت على ممر العصور والدهور بحيرات، فبحيرة مريوط روى لنا وصفها استرابون (المجلد السابع عشر، الفقرة السابعة) باسم مريوطس، وبحيرتا أبي قير وإدكو وُجِدتا كما هما على الدوام، وبحيرة البرلس تكلَّمَ عنها هيرودوت (الجزء الثاني، الفقرة ١٥٦) فقال إنها بحيرة واسعة الأرجاء عميقة القاع، ويوجد في وسطها معبد أبلون Appollon في جزيرةٍ قُرْب مدينة بوتو (أبتوا الحالية)، وبحيرة المنزلة قص لنا عنها استرابون (المجلد ١٧، الفقرة ٢٠) فقال إنها بحيرة كبيرة فوق مصبي فرعي النيل المنديزي والتانيتي، ثم ذكر في «الفقرة ٢١» أنه يوجد سلسلة بحيرات ومستنقعات بين مصبي الفرعين التانيتي والبيلوزي.

فجميع هذه الأوصاف تنطبق الآن على القسم الشمالي من الدلتا انطباقًا تامًّا، وتذهب بنا إلى القول بضعف النظرية القائلة بخسف هذا القسم.

وعلى ذلك نحذف مسطح هذه البحيرات، وهو ٧٠٠٠٠٠ فدان من الأرض الصالحة للزرع، وهي ٧٣٠٠٠٠٠ فدان، فيكون الباقي ٦٦٠٠٠٠٠ فدان، ومن ثَمَّ فالعدد ٦٠٠٠٠٠٠ يجب اعتباره الحد الأدنى لا الأعلى.

المبحث الثاني

إن الشرطين الأساسيين اللازمين لإنجاح الزراعة وعدم ضياع ما يُبذَل فيها من الجهود سدى؛ هما كثرة السكان وخصب الأرض، وهذان الشرطان كانا متوافرين في مصر في عصر الفراعنة؛ إذ إنه كان يوجد بها من السكان ما لا يقل عن ثمانية عشر مليون نسمة، كما سنبيِّن ذلك فيما بعدُ، ومن الأفدنة المزروعة ما مساحته ستة ملايين، وهذا القدر كان ضروريًّا لإعالتهم وتغذيتهم.

أما من حيث خصب الأرض، فنبرهن عليه بالحاصلات الآتية:

ذكر لمبروزو في كتابه ص٩٧ أن الحبة من الحنطة كانت تأتي بمائة، وهذا القول فيه مبالغة كبيرة؛ لأن الفدان الواحد يلزمه من البذر نصف إردب من الحب، فعلى الحساب المتقدم تكون غلته خمسين إردبًّا، وهذا أمر يصعب تصديقه.

وقال أميان مرسيلان Ammien Marcellin (المجلد ٢٢، الفصل ١٥) وقد زار القطر قبيل نصف القرن الرابع بعد الميلاد ورأى الشيء عيانًا: إنه ليس من الأمور النادرة إذا زُرِعت الأرض زرعًا جيدًا أن تأتي البذرة الواحدة بسبعين مثلها، يعني أن الفدان يغل على هذا خمسة وثلاثين إردبًّا.
وقال ابن مماتي في كتابه «قوانين الدواوين» (ص٢٩):

كانت قطعية خراج القمح إلى آخِر سنة ٥٦٧ﻫ/١١٧٢م عن كل فدانٍ واحدٍ ثلاثةُ أرادب، ولما أصبحت الديار المصرية في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة (١١٧٦م) تقرِّر الخراج إردبين ونصف إردب، ومقدار ما يتحصل فيه من إردبين إلى خمسة إلى عشرة إلى عشرين إردبًّا على ما يقدره الله تعالى، وبذره من أربع ويبات إلى ما حلولها، وأما الشعير فالأمر فيه على ما شرح في القمح، وربما كان المتحصل منه أكثر بمقتضى جودة الأرض. ا.ﻫ.

ولنفرض أن متوسط غلة الفدان عشرة أرادب مع مراعاة أن مسطح الفدان في ذلك الوقت كان ٥٩٢٩ مترًا مربعًا، وبتحويله إلى فدان مسطحه ٤٢٠٠ متر مربع، فهذا المتوسط يهبط إلى سبعة أرادب وكيلة، وهذا المحصول المتوسط الذي لا يمكن الحصول عليه في هذه الأيام كانت تنتجه الأرض في عصرٍ كانت فيه مصر منحدرة في سلم الهبوط باعتراف مؤلفي العرب أنفسهم، وهاك ما قاله القاضي أبو الحسن المخزومي حوالي سنة ٥٨٠ﻫ/١١٨٤م، نعني بالتدقيق في عصر ابن مماتي، في كتابه «المنهاج في الخراج»، ونقل عنه المقريزي في خططه ج١ ص١٧١:

بين مشارق الفرما من ناحية جرجير وفاقوس، وبين آخر ما يشرب من خليج الإسكندرية مسيرة شهر؛ كان عامرًا كله في محلول ومعقود إلى ما بعد الخمسين وثلاثمائة من سِنِي الهجرة (٩٦١م)، وقد خرب معظم ذلك. ا.ﻫ.

وهذه المنطقة هي على التحقيق المنطقة التي سبق بيانها؛ نعني إقليم شمال الدلتا برمته.

وهاك ما ذكره ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور» (ص٢٥) قبيل سنة ٩٢٠ﻫ/١٥١٤م قال:

وقد تغيَّرت أحوال مصر في دولة الإسلام إلى الغاية، وخرب غالب قراها وانحطت قراها، واستمرت إلى الآن في كل سنة يتلاشى أمرها إلى الخراب. ا.ﻫ.

وينتج من الوصفين السالفين أننا إذا قارنَّا بين عصر الفراعنة وعصر ابن مماتي الذي كان فيه الفدان متوسط غلته سبعة أرادب وكيلة، مع كون هذا المتوسط لا يمكن الحصول عليه الآن، نجد عصر الفراعنة أوفر غلة من عصر ابن مماتي.

ومن رأينا أنه يمكن الاقتناع والتسليم بعد هذه البيانات بأن الفرق في الخصب بين العصرين هو الفرق بين محصول فدان مساحته ٥٩٢٩ مترًا مربعًا، وآخَر مساحته ٤٢٠٠ متر مربع، وأن هذه المساحة الأخيرة يُقدَّر محصولها بعشرة أرادب في عصر الفراعنة بدون مبالغة.

ونحن نورد هنا محصولًا شاذًّا لم نعهد مثله، ذكره المقريزي في خططه ج١ ص١٠١ قال:

ولما كان في سنة ست وثمانمائة (١٤٠٤م) انحسر الماء عن قطعة أرض من بركة الفيوم التي يقال لها اليوم بحر يوسف، فزُرِعت وجاء زرعها عجيبًا، رمى الفدان منها أحدًا وسبعين إردبًّا من شعير بكيل الفيوم، وإردبها تسع ويبات. ا.ﻫ.

وهذا الإردب الذي يبلغ مقداره تسع ويبات يعادل إردبًّا ونصف إردب بمكيالنا الحالي، ويكون محصول الفدان الذي مساحته ٥٩٢٩ مترًا مربعًا من الأرادب بمكيالنا، ومحصول الفدان الذي مساحته ٤٢٠٠ متر مربع من الأرادب، ويظهر أن هذا المحصول خارق جدًّا للعادة حتى إني لم أذكره إلا لأنه مستغرب.
ويلزمنا الآن بعد أن حدَّدنا هذا المحصول أن نعرف مساحة الأراضي التي كانت مزروعة حتى نعيِّن ضريبة العشر، غير أن هناك أمرًا وهو أنه كان يوجد بمصر أنواع كثيرة من المزروعات يتم نضجها في أوقات مختلفة على طول السنة، وهذا ما أثبتته الآنسة رويارد في كتاب «إدارة مصر المدنية في عصر البيزانطيين» (ص٨٦)؛ إذ قالت:
كان النظام الذي وضعه الإمبراطور أنستاس Anastase لم يزل باقيًا معمولًا به في القرن السادس، ومن مقتضى هذا النظام دفع جميع الضرائب على ثلاثة أقساط (قانون جوستنيان ١٠، ١٦، ١٣)، فيُدفَع أول قسط في أوائل يناير، والثاني في أوائل مايو، والثالث في أوائل سبتمبر. وكان هذا النظام معمولًا به في مصر بإحكام ودقة دون أن تُراعَى فيه العادات المحلية. ا.ﻫ.

ومن الواضح أنه لا معنى لتعيين دفع الأقساط في الآجال التي ذُكِرت، إلا إذا نظر بعين الاعتبار إلى وقت جني المحاصيل في مصر.

ولقد سبق لنا القول بأن المساحة المزروعة كانت ستة ملايين من الأفدنة، ومن رأيي أن المساحة التي كانت تُزرَع حبوبًا في الشتاء من هذه الكمية هي أربعة ملايين من الأفدنة، أيْ يُزرَع مقدار من هذه المساحة الأخيرة قمحًا وشعيرًا، ويُزرَع الباقي برسيمًا أو أي مادة أخرى لتغذية المواشي، أما الفول فما كان يُزرَع منه شيء، والشاهد على ذلك ما رواه هيرودوت في المجلد الثاني الفقرة ٣٧؛ إذ قال:

لا يُزرَع الفول قَطُّ في سائر أنحاء مصر، وإذا زُرِع لا يُؤكَل نيئًا ولا ناضجًا، والكهنة لا يستطيعون أن يروه؛ لأنهم يعتبرونه نجسًا. ا.ﻫ.

أما الذرة فكان بلا جدال يُزرَع فيها، والدليل على ذلك ما رواه هيرودوت في الكتاب الثاني الفقرة ٧٧؛ إذ قال:
إن المصريين كانوا يقتاتون من الخبز المصنوع من الذرة، وكانوا يسمونه سيلستيس Cyllestis. ا.ﻫ.
وهذا القول يبيِّن لنا أن زراعة الذرة كانت كثيرة الانتشار، غير أنها لم تبلغ في انتشارها الدرجة التي بلغتها في عهدنا هذا، والسبب في ذلك هو عدم وجود آلات رافعة قوية في الزمن القديم؛ لأن هذا النوع ما كان يُزرَع إلا في زمن التحاريق، ومن ثَمَّ كان من الضروري إيجاد الآلات الرافعة لرَيِّه، وكانت هذه الآلات في ذلك العهد الساقية والشادوف المستعمَلَيْن في وقتنا الحاضر، وكانت زراعة هذا الصنف محصورة في ضفاف النهر وحوافِّ الترع التي كانت كثيرة في ذلك الوقت، كما روى هيرودوت في الكتاب الثاني الفقرة ١٠٨، قال:

لما رجع سيزوستريس إلى مصر من البلاد التي غزاها، عاقب أخاه، واستخدم جموع الأسرى الذين أحضرهم معه في جر الأحجار التي نُقِلت إلى معبد فولكان، وبعد ذلك أمر هؤلاء الأسرى أن يحفروا جميع الترع المنبثة في نواحي القطر والباقية إلى الآن. وهذا العمل الذي قاموا به طوعًا أو كرهًا جعل السير بالخيل والعربات غير مستطاع فيه، وكان قبل ذلك ممكنًا في كل وجهة منه، فأمست مصر مع كونها مستوية السطح لا خيل لديها ولا عجل، والسبب في ذلك كثرة عدد ترعها ومساقيها وتعاريجهما، وإليك السبب الذي من أجله قرَّر الملك تقطيع أوصال مملكته بهذه الكيفية:

كان المصريون الذين يسكنون مدائن في داخل الأرض بعيدة عن النهر يضطرون لعدم استطاعتهم الارتواء بماء النيل إلى شرب ماء الآبار، فَلِدَفْعِ هذا الشر وتدارُك هذه الحالة أُنشِئ كثير من الترع والمساقي، فكانت عائقًا في سبيل المواصلات بين النواحي. ا.ﻫ.

وأرى أن مساحة الأرض التي كانت تُزرَع ذرة تُقدَّر بمليون فدان تقريبًا، حتى يمكن أن تنتج المقدار الكافي لصنع خبز الأهالي الذي ذكره هيرودوت، وأما محصوله فمن المسَلَّم به في مصر على وجه العموم أن الفدان الذي يُزرَع ذرة ينتج ٥٠٪ زيادة على ما ينتجه نفس هذا الفدان من القمح، وهذه النتيجة وصلت إليها أيضًا مصلحة الإحصاء بوزارة الزراعة.

وبما أننا سلَّمنا بأن محصول الفدان من القمح هو عشرة أرادب؛ فعلى ذلك يكون محصول الفدان من الذرة ١٥ إردبًّا، وبضرب مليون الفدان في ١٥ ينتج ١٥٠٠٠٠٠٠ إردب، وهذا المقدار هو محصول الذرة جميعه.

ومن رأيي وجود زراعة الأرز في ذلك العهد حتمًا، وهذا الرأي وإنْ اختلَفَ فيه بعض المؤرخين فإني أقره وأرى أن أقدر لزراعته خمسمائة ألف فدان.

أما محصوله في عصرنا الحالي فقد قدَّرت مصلحة الإحصاء بوزارة الزراعة أن ما ينتجه الفدان الواحد في زمننا هذا تسعة أرادب باعتبار الإردب ١٢ كيلة.

فإذا سلمنا بأن الفدان كان لا ينتج في العهد الماضي سوى عشرة أرادب، وضربنا هذا المقدار في ٥٠٠٠٠٠ فدانٍ المساحة التي رأينا تقديرها لهذه الزراعة، نتج لنا محصول قدره ٥٠٠٠٠٠٠ إردب أرز.

وبناءً على ما تقدَّمَ تكون المحاصيل الزراعية للقطر كما يأتي:

الجملة ٦٠٠٠٠٠٠٠ إردب
قمح وشعير ٤٠٠٠٠٠٠٠ إردب
ذرة ١٥٠٠٠٠٠٠ إردب
أرز ٥٠٠٠٠٠٠ إردب

وهذه الكمية كانت بالطبع تختلف حسب ارتفاع النيل وانخفاضه، فالفيضان الذي يتجاوز الحدود والفيضان الذي يقل عن الحد اللازم كلاهما جالب للضرر، وأرى أن هذا المحصول ينبغي اعتباره محصولًا معتدلًا، بل الأقرب إلى الصواب اعتباره محصولًا جيدًا.

ومما يدل على أن هذا التقدير غير مبالَغ فيه الروايةُ الآتية: نقل علي مبارك باشا عن المسعودي في كتابه «الخطط التوفيقية» (ج١٨ ص٥):

إن عمرو بن العاص بنى مقياسًا بحلوان، وسبب بنائه لهذا المقياس أنه لما فتح مصر اتصل إلى علم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ما يَلْقَى أهلُها من الغلاء عند وقوف النيل عن الحد الذي في مقياس لهم، وأن الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، ويدعو الاحتكار إلى تصاعد الأسعار بغير قحط، فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص يسأله عن شرح الحال، فأجابه عمرو أني وجدت ما تُروَى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعًا، والحد الذي يُروَى منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعًا، والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان وهما الظمأ والاستبحار اثنا عشر ذراعًا في النقصان وثمانية عشر ذراعًا في الزيادة. ا.ﻫ.

ولا بد أن يكون عمرو قد بنى حسابه في حالة الفيضان البالغ ستة عشر ذراعًا على سكانٍ يبلغ عددهم ١٨ مليونًا، وعلى محصول قدره ٧٢ مليون إردب.

وإليك جدول بالمحاصيل الحالية من الحبوب ومساحة الأراضي التي تنتج هذه المحاصيل، نقلًا عن تقدير وزارة الزراعة في سنة ١٩٢١م:

نوع المحصول مقداره بالأرادب مساحة أرضه بالأفدنة
الجملة ٢٦٧٣٢٥٢٤ ٤٥٩٩٢٦٦
قمح ٦٧١٥١٢٢ ١٤٠٤٧٩٨
شعير ٢١٦٤٥٩٣ ٣٧٩٥٤٠
فول ٢١٩٩٠٨٠ ٤٩٣٥٦٤
ذرة صيفي ٩٣٨١٩ ١٥٦٤٩
ذرة نيلي ١٢٩٢٣٧١٣ ١٩٩٣٥٦٣
أرز صيفي ٢٥١٦٨٧١ ٢٩٠٧٢٩
أرز نيلي ١١٩٣٢٦ ٢١٤٢٣

المبحث الثالث

يمكن تعيين عدد سكان مصر قديمًا بطرق أربع هي:
  • (أ)

    عدد الأفدنة المزروعة.

  • (ب)

    عدد البلاد الآهلة.

  • (جـ)

    عدد الأنفس التي دفعت الجزية عند فتح العرب لمصر.

  • (د)

    ما يستهلكه أهل مصر من الغلال.

  • (أ)

    لقد سبق لنا القول بأن عدد الأفدنة المزروعة الآن هو ٥٦١٥٧٠٠، وعدد السكان ١٢٧١٨٢٥٥ نسمة، أيْ باشتراك رجلين وربع رجل في الفدان الواحد تقريبًا. غير أن عدد السكان في الأزمان الغابرة كان يفوق بلا ريب عددهم في زمننا هذا، والدليل على ذلك أن عدد البلاد في الوقت الحاضر هو ٣٨١٨، بينما كان في الزمن القديم ١٠٠٠٠، وقد ذكر قدماء المؤرخين هذا العدد باعتباره الحد الأدنى، ولدينا أيضًا دليلان آخَران على زيادة كثافة السكان في تلك الأزمان، وهما إنتاج القطر واستهلاكه كما سنبيِّن ذلك فيما بعدُ.

    وبناءً على ما تقدَّمَ نرى أننا نكون قد أصبنا كبد الحقيقة إذا قدَّرنا للفدان الواحد ثلاثة أشخاص، وبضرب هذا العدد في ٦ ملايين عدد الأفدنة ينتج ١٨٠٠٠٠٠٠ نسمة، وهو عدد سكان القطر في ذلك العهد.

  • (ب)

    إن عدد البلاد الذي أورده قدماء المؤرخين تغيَّر كثيرًا، وهذا أمر يمكن إدراكه بسهولة، وهاك ما قاله هؤلاء المؤرخون:

    روى هيرودوت في الكتاب الثاني الفقرة ١٧٧ أنه في مدة حكم أمازيس كان بمصر عشرون ألف بلد آهِل بالسكان.

    ومن رأينا أن هذا العدد مبالَغ فيه ولا يتصوره عاقل، لا سيما أن مصر لم تكن عند زيارة هيرودوت لها بهذه الحال التي وصفها، وإنما يروي روايته هذه عن حالتها في زمن سابق لعصره بآماد طويلة، وقد تناقلت أخبارها الأجيال جيلًا فجيلًا إلى أن اتصلت به، ومن المعتاد أن الروايات التي تُنقَل بهذه الكيفية لا تخلو من المغالاة.

    وقال ديودور في الكتاب الأول الفقرة ٣١:

    كانت مصر في العهد القديم كثيرة السكان، وهي من هذه الوجهة كانت متفوِّقة كثيرًا على جميع الأمم المعروفة في ذلك العهد، ولا يظهر حتى في أيامنا هذه أنها تقل عن الأمم الأخرى من جهة كثرة السكان، ففي الأزمان الخالية كان يوجد بها أكثر من ثمانية عشر ألف بلد، عدا كثير من البلدان الكبيرة، ويمكن الاطِّلَاع على البيان الخاص بذلك المودع في السجلات المصرية بدار المحفوظات (الدفترخانة). وفي عهد بطليموس لاغوس كان يوجد أكثر من ثلاثين ألف بلد، وهذا العدد الكبير لا يزال باقيًا إلى الآن، ومجموع عدد السكان كان يبلغ في العصور القديمة سبعة ملايين نسمة، وفي أيامنا هذه لا يقل عن ثلاثة ملايين، وبواسطة هذا العدد الكبير من الرجال تمَكَّنَ ملوك مصر القدماء من القيام بهذه الأعمال العظيمة المدهشة؛ لكثرة الأيدي التي اشتغلت في ذلك، وتركوا لذرياتهم من بعدهم تلك الآثار الدالة على قوتهم وجبروتهم. ا.ﻫ.

    وهذا القول أيضًا ينبذه العقل، بل أبعد احتمالًا من القول الذي ذكره هيرودوت، لا سيما فيما يختص بالثلاثين ألف بلد؛ لأنه عندما يكون عدد السكان سبعة ملايين كما ذكر ديودور يكون في كل بلد ٢٣٣ نسمة، وهو عدد قليل جدًّا.

    وأما رواية الثمانية عشر ألف بلد، فهي وإن كان فيها شيء من المبالغة إلا أنها تقرب من الحقيقة. أما عدد الثلاثة الملايين نسمة الذي قال ديودور إنه كان عدة سكان مصر في عصره، فيظهر لي أنه قليل جدًّا، خصوصًا إذا قابلناه بعدة سكانها في عصر العرب الذي كان أقل عمارًا من عهد البطالسة.

    قال ابن عبد الحكم في كتاب «فتوح مصر» ص١٥٦:

    حدثنا عثمان بن صالح وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد، قال: لما ولي ابن رفاعة مصر خرج ليحصي عدة أهلها، وينظر في تعديل الخراج عليهم، فأقام في ذلك ستة أشهر بالصعيد حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الأعوان والكُتَّاب يكفونه ذلك بجد وتشمير، وثلاثة أشهر بأسفل الأرض، فأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحص فيها في أصغر قرية منها أقل من خمسمائة جمجمة من الرجال الذين يُفرَض عليهم الجزية. ا.ﻫ.

    وابن رفاعة هذا كان عاملًا على مصر في خلافة الوليد وأخيه سليمان بن عبد الملك سابع خلفاء بني أمية بدمشق، وكان قد تولَّى عمل هذا التعداد حوالي سنة ٩٦ﻫ/٧١٥م، أيْ في القرن الأول للفتح العربي. وبما أن الأعداد السابق ذكرها هي نتيجة إحصاء فيجب اعتبارها صحيحة، وحيث إنه كان يوجد في أصغر ناحية ٥٠٠ نفس من الذين يجب عليهم دفع الجزية، فإذا جعل متوسط عدد الذين فُرِضت عليهم الجزية في كل قرية ستمائة نسمة، كان ذلك تقديرًا مقبولًا، وإذا فرضنا أن هذا العدد هو ثلث سكان كل قرية، كما سنبيِّن ذلك في الطريقة (جـ)، يكون مجموع سكان كل قرية ١٨٠٠ نسمة، وبضرب هذا العدد في ١٠٠٠٠ عدد القرى، ينتج ١٨٠٠٠٠٠٠ نسمة، وهو عدد سكان القطر المصري قديمًا.

  • (جـ)

    إن عدد الأنفس المفروض عليهم الجزية وقت الفتح العربي كان ٦٠٠٠٠٠٠ نسمة، كما ذكرنا في القسم الخاص بالإيرادات، وهذه الجزية لم تكن مفروضة إلا على الذكور الذين بلغوا الحلم، ومَن جاوزت أعمارهم خمس عشرة سنة، أما النساء والأطفال والشيوخ فكانوا معفين منها.

    وفي الإحصاء الذي عُمِل بمصر في سنة ١٩١٧م كان عدد الرجال الذين أعمارهم من خمس عشرة إلى ستين سنة ٣٤٣٥٧١٠، ومجموع السكان ١٢٧١٨٢٥٥ نسمة، أيْ إن نسبة العدد الأول إلى الثاني بين الثلث والربع. ولما كان الإحصاء الذي عُمِل عند الفتح الإسلامي لغرض مالي فلا يستطيع إنسان أن يزعم أنه رُوِعيت فيه الرأفة أو التساهل، ومن هنا يكون من المؤكد أنه قد أدخل في عداد دافعيها أشخاص تقل أعمارهم عن الخمس عشرة سنة أو تزيد على الستين، وإننا بناءً على ذلك لا نكون مغالين إذا قدَّرنا أن الستة ملايين نسمة المفروض عليهم الجزية هم ثلث سكان مصر في ذلك العهد، وبذلك يكون عدد السكان ثمانية عشر مليون نسمة على أقل تقدير.

    ولو اتبعنا نفس النسبة التي وجدناها في الإحصاء الأخير، لجاوز عدد السكان ٢٠٠٠٠٠٠٠ نسمة.

    ولزيادة الإقناع نذكر هنا ما رواه ابن عبد الحكم في كتابه ص٨٧ قال:

    حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يحيى بن ميمون الحضرمي قال: لما فتح عمرو بن العاص مصر صولح على جميع مَن فيها من الرجال من القبط ممَّن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا صبي ولا شيخ على دينارين دينارين، فأحصوا لذلك فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف. ا.ﻫ.

    ويُرَى من هذا القول أن العدد «١٨٠٠٠٠٠٠» ليس فيه شيء من المبالغة.

  • (د)

    إن كمية الحبوب التي تلزم كل شخص من السكان هي كما ذكرنا آنفًا إردبان، ودليلنا على ذلك استهلاك الوقت الحاضر عن سنة ١٩٢١م؛ إذ كان هذا الاستهلاك كما يأتي:

فيكون المجموع ٢٧٧٣٥٦٨١ إردبًّا صافي محصول القطر
محصول القطر من الغلال ٢٦٧٣٢٥٢٤ إردبًّا
يُستبعَد منه الصادر وهو ٤٧٨٣٦٣ إردبًّا
فيكون الباقي ٢٦٢٥٤١٦١ إردبًّا
يُضاف إلى ذلك الكمية الواردة من الخارج من حب ودقيق محوَّل إلى أرادب بعد استبعاد المعاد تصديره ١٤٨١٥٢٠ إردبًّا

وبما أن عدد سكان مصر حسب الإحصاء الأخير هو ١٢٧١٨٢٥٥، فبضرب هذا في ٢ (إردبين) ما يستهلكه الشخص الواحد في السنة من الحبوب، يكون الناتج ٢٥٤٣٦٥١٠ أرادب، وباستبعاد هذه الكمية من الكمية التي سبق ذكرها، تكون الزيادة ٢٢٩٩١٧١ إردبًّا، وهذه الزيادة استهلكتها المواشي حتمًا، وكذلك الأشخاص الذين زادوا على عدد السكان ما بين عام ١٩١٧م الذي عُمِل فيه الإحصاء وعام ١٩٢١م الذي اتخذناه مقياسًا لكمية الاستهلاك، وتُقدَّر زيادة الأنفس في هذه المدة ﺑ ٦٣٧٤٢٩ نسمة.

ويُرى مما تقدَّمَ أن مصر كان يلزمها كمية من الحبوب لا تقل عن ٣٦ مليون إردب؛ لتغذية عدد من الأنفس لا ينقص عن ثمانية عشر مليون نسمة غير ما تستهلكه المواشي، وما يُدَّخَر للسنين المجدبة؛ إذ إننا نعرف أن هذا كان جاريًا في الأزمنة القديمة لعدم التعويل على ما يرد من البلاد الأجنبية، لقلة وسائل النقل وحصره في دائرة ضيقة، كما كان ذلك حاصلًا حتى عصر حكم العرب، وهو عصر متأخر كثيرًا عن العصر الذي نتكلم الآن بصدده، والدليل على ذلك ما رواه المقريزي في خططه ج١ ص٩٩؛ إذ قال ما معناه: إنه في عهد حكم خمارويه بن أحمد بن طولون المتوفى سنة ٢٨٢ﻫ/٨٩٥م كانت تباع العشرة أرادب من القمح بدينار واحد (٦٠ قرشًا)، أيْ الإردب بستة قروش.

بينما يقول ابن إياس في كتابه «نشق الأزهار» (ص٧٨ و٧٩): إنه في سنة ٤٥١ﻫ/١٠٥٩م في دولة الخليفة المستنصر بالله الفاطمي بيع إردب القمح بمائة دينار (٦٠٠٠ قرش).

ومن الواضح أنه لو كانت هنالك صادرات وواردات تُذكَر لكان الثمن ارتفع في الحالة الأولى وانخفض في الحالة الثانية.

ويُؤخَذ مما سبق إيضاحه أنه يلزم لاستهلاك المحصول الذي قُدِّر بستين مليون إردب، شعبٌ لا يقل عدده عن ثمانية عشر مليون نسمة.

ويتلخص جميع ما ذُكِر فيما يأتي:
  • أولًا: أن مساحة الأرض التي كانت مزروعة في عهد الفراعنة لا بد أن تكون ستة ملايين من الأفدنة على أقل تقدير؛ حتى تنتج ما يقوم بتغذية القوم الذين كانوا يسكنونها، ودليلنا على ذلك أطلال القرى الباقية إلى الآن.
  • ثانيًا: أن محصول هذه المساحة لا بد أن يكون ستين مليون إردب من الحبوب حتى يكفي تغذية سكانها، ويمكن ادخار مقدار منه احتياطًا لوقت الحاجة.
  • ثالثًا: أن عدد السكان لا بد أن يكون ثمانية عشر مليون نسمة، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إن الأقرب إلى الصواب أنه كان عشرين مليون نسمة. والذي يرجح لدينا كفة هذا التقدير الأخير هو ذلك المحصول الكبير والمساحة الشاسعة اللذان أقمنا عليهما الدليل في الموضعين السابقين.

ولقد أفضى بحث ج. بالوش في مؤلَّفه «سكان العالم اليوناني» (ص٢٥٤) إلى أن الثلاثين ألف بلد التي ذكرها ديودور يجب اعتبارها ثلاثة آلاف فقط، وأن عدد سكان ديار مصر كان يبلغ على أكثر تقدير في عهد الرومان خمسة ملايين نسمة، أيْ إن لكل مائة وثمانين ساكنًا كيلومترًا مربعًا واحدًا.

أما من جهة عدد البلاد فنحن نشاطر «بالوش» في ذلك رأيه ونوافقه تمام الموافقة، ولقد قلنا فيما سبق إننا نرى أن العدد ٣٠ ألفًا هو عدد فيه مبالغة، أما العدد ٣٠٠٠ ففيه تناسق مع العدد الذي وُجِد دوامًا في القطر.

وأما عدد السكان، فنحن وهو فيه على طرفي نقيض، وعلاوة على الأدلة التي قدَّمناها فيما سلف لتقدير سكان مصر في العصر الفرعوني نقول: بما أن انحدار الأرض الزراعية في مصر يتجه من الجنوب إلى الشمال، ومعلوم أنه كلما كانت الأرض مرتفعة كانت أجود، فعلى هذا يكون سطح الدلتا الشمالي الذي كان مأهولًا جميعه ومزروعًا في قديم الزمان على خلاف ما هو عليه الآن، أكثر انخفاضًا من جميع سطح أراضي مصر، وبذلك يكون أردأ أراضيها من الوجهة الزراعية.

ومما لا جدال فيه أن ازدياد عدد السكان في إقليم خصب لا يدفع مَن يزيدون فيه إلى تركه والرحيل إلى منطقة أخرى أقل منه خصبًا، إلا إذا زاد عددهم عن القدر اللازم وتعذَّرت عليهم المعيشة فيه، وبغير ذلك لا ينزحون عنه قَطُّ.

ولما كان عدد سكان مصر حسب الإحصاء الأخير الذي تم في سنة ١٩١٧ هو ١٢٧١٨٢٥٥، أيْ بنسبة اشتراك من السكان في كل فدان مزروع، أو بعبارة أخرى باشتراك كل ٥٣٥ شخصًا في كيلومتر واحد مربع أو ٢٣٨ فدانًا.

والمديرية التي تفوق في كثافة سكانها باقي المديريات الأخرى هي مديرية المنوفية، ففيها يشترك كل ثلاثة أشخاص في فدان واحد، أو بعبارة أخرى كل ٧١٤ نفسًا في كيلومتر واحد مربع.

والآن يوجد — كما سبق ذِكْر ذلك — مناطق مأهولة بسكان يقل عددهم عن العدد اللازم لزراعتها زراعة مرضية، لما كان الأمر كما ذُكِر، فكيف استطاع سكان يكون عددهم في الزمن القديم أقل منه اليوم زراعة الأراضي المزروعة وغير المزروعة الآن؟

إننا لا يمكننا القول بضعف التربة وقلة المحصول في ذلك الحين، والزعم أنهما هما اللذان استوجبا تشتت الأهالي ونزوحهم عن الأراضي التي كانوا يزرعونها إلى أخرى حتى يستطيعوا استغلالها؛ لأننا لو ذهبنا إلى ذلك لاعترضتنا المحاصيل التي ذكرها مؤلفو العرب في عصرهم الذي وصفوه لنا بأنه كان عصر انحطاط بالقياس إلى العصر السابق، وقد أيَّدَ ذلك أميان مارسلان الذي يُعتبَر شاهد عيان تأييدًا تامًّا، مع أن محاصيل ذلك العصر الذي سموه عصر انحطاط لم نحصل نحن على مثيلها أو ما يقرب منها في أيامنا هذه. ومما يبرهن على أن قوة الإنتاج كانت في الزمن الغابر أعظم مما هي عليه الآن، استطاعة القُطْر أن يمير ويسع عددًا من السكان إن لم يكن أزيد منهم في وقتنا الحاضر، فلا ينبغي أن يكون أقل منهم.

ولَرُبَّ معترضٍ يعترض علينا بأن الزراعة المتكررة في الوقت الحاضر (الصيفية والشتوية) تستلزم من الأيدي العاملة أكثر مما كانت تستلزمه الزراعة القديمة، أيْ زراعة الحياض، فنقول: إن هذا لَحَقٌّ، ولكن إلى حد محدود، وعلى أي حال فذلك لا يمنع من أن المنطقة التي تُروَى بواسطة الحياض تسع وتمير سكانًا لا يقلون في كثافتهم عن سكان المنطقة التي تُروَى أكثر من مرة، ونضرب لذلك مثلًا بما هو جارٍ في وقتنا الحاضر في مديريتَيْ جرجا وقنا اللتين تُروَيان بواسطة الحياض، ولا تختلفان الآن من حيث الري والزراعة عما كانتا عليه منذ ستة آلاف من السنين؛ فقد أظهر الإحصاء الأخير الذي عُمِل في سنة ١٩١٧م أن متوسط عدد الأشخاص الذين يشتركون في الفدان الواحد فيهما هو ، أو بعبارة أخرى أن الكيلومتر المربع الواحد يشترك فيه ٦٣٥ نفسًا، وهذا المتوسط يزيد على متوسط جميع القطر، وهو اشتراك من الأشخاص في فدان أو ٥٣٥ نفسًا في كيلومتر مربع واحد، وهو يكاد يدنو منه في مديرية المنوفية التي يشترك في كل فدان منها ٣ أشخاص، أيْ في الكيلومتر المربع الواحد ٧١٤ نفسًا. هذا وإن جميع أطيان هذه المديرية يُزرَع صيفًا وشتاء ويُروَى ريًّا متكررًا، وهي تفوق في كثافة سكانها مديريات القُطْر جميعها.

وبناءً على ما تقدَّمَ لو اتخذنا حتى متوسط هاتين المديريتين والستة ملايين فدان أساسًا لتقديرنا؛ لَوجدنا أن عدد سكان القطر يبلغ ستة عشر مليون نسمة.

ولكن ماذا يُقال عن الجزية التي جباها العرب عند فتحهم مصر من ستة ملايين من الأشخاص الذكور الذين يبلغون الحلم، وجاوزت سنهم الخمسة عشر عامًا إلى الستين، ولم يدخل في هذا الإحصاء الشيوخ الذين جاوزوا هذه السن الأخيرة، ولا النساء ولا الأولاد المعفون من دفع هذه الجزية؟ فهذا العدد المفروض عليه هذه الجزية لا بد أن يبلغ ثلث السكان، على أن بعض المؤرخين قد ذكر أن عدد الأشخاص الذين فُرِضت عليهم الجزية بلغ ثمانية ملايين نسمة.

ولدينا غير ذلك، الإحصاءُ الذي عمله ابن رفاعة بعد الفتح العربي ﺑ ٧٥ سنة، ويستخلص منه أنه كان بالقطر المصري عشرة آلاف قرية، تحتوي أصغرها على خمسمائة نسمة من أولئك الذين تجب عليهم الجزية.

فإذا فرضنا أن هذا العدد هو متوسط ثلث السكان، كان عدد سكان القطر المصري في ذلك العهد خمسة عشر مليون نسمة.

وخير ما نستطيع ذكره هنا ما ذكره أبو الحسن المخزومي من أن المنطقة الواقعة بين الفرما ونهاية ترعة الإسكندرية كانت تكسوها المزروعات إلى ما بعد سنة ٣٥٠ﻫ/٩٦١م، غير أنه في الوقت الذي كان يكتب فيه وهو عام ٥٨٠ﻫ/١١٨٤م كان القسم الأكبر منها قد أدركه العفاء وخربت مزارعه، وهذه الناحية هي بالدقة إقليم الدلتا الشمالي، أيْ المنطقة التي تربتها أقل جودة من سواها، وهذا الذي حدث هو أمر طبيعي، وقد كان يحدث عكس ذلك لو زاد عدد السكان، أيْ إنه عندما نقص عدد السكان في عهد العرب نقصًا كبيرًا، وقل عددهم في المناطق الجيدة التربة، ترَكَ أولئك الذين كانوا يعيشون في مناطق أراضيها أقلُّ جودةً أطيانَهم، ونزحوا إلى المناطق التي تربتها جيدة لاستغلالها.

ونختتم هذا الفصل مقررين أن الفتح العربي أتى في نهاية العصر البيزانطي الذي كان عصر تأخُّر واضمحلال وأقل يسارًا من عصر الرومان، فمن غير المعقول كما يلوح لنا أن يكون عدد سكان مصر في عهد الرومان أقل منه عندما فتحها العرب.

ولم يَبْقَ علينا بعد ذلك إلا أن نُقدِّر قيمة الخراج في عهد الفراعنة، فإذا روعي أنه عندما فتحت العرب مصر لم يكن الخراج يُفرَض إلا على الحبوب، وأن ذلك لم يكن بدعة ابتدعوها، بل كان شيئًا مقرَّرًا وجدوه فأقروه كما ذكر ذلك ابن عبد الحكم في كتابه «فتوح مصر» (ص١٥٣)؛ يمكننا أن نقول: إن الخراج في عهد الفراعنة كان لا يُفرَض إلا على الحبوب أيضًا.

وبما أن محصول الحبوب كان ٦٠ مليون إردب فيكون عُشْره حسبما روى ماسبيرو ولمبروزو ٦ ملايين إردب، وبضرب هذا العدد في ٣٥ قرشًا ثمن الإردب، يكون الناتج ٢١٠٠٠٠٠ج.م وهو قيمة خراج الحبوب، ويكون على الفدان الواحد ٣٥ قرشًا.

وقالت الآنسة هارتمان Ms. Hartmann في كتاب «الزراعة في مصر في الزمن القديم» (ص١٤٢): إنه جاء في سفر التكوين بالتوراة (٦١–٥٦) أن خُمْس المحصول في عهد الإمبراطورية الوسطى كان يُؤخَذ فورًا عن ضريبة الخراج.

ويُفهَم من هذا أن ضريبة الخراج في ذاك الوقت كانت ضعف الضريبة السابقة، أيْ إنها تساوي ٢٠٪، وبضرب ١٢٠٠٠٠٠٠ إردب في ٣٥ قرشًا ثمن الإردب، تكون جملة الخراج السنوي لهذا العهد هي ٤٢٠٠٠٠٠ج.م باعتبار أن ضريبة الفدان الواحد ٧٠ قرشًا.

أما مؤلفو العرب فقد نهجوا في هذا القسم ما نهجوه في قسم الإيرادات، ودوَّنوا لمبالغه أرقامًا هي إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة، وإليك ما قاله هؤلاء:

قال ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» (ص٨٣):

كان خراج مصر في أيام فرعون ستة وتسعين ألف ألف دينار (٥٦٠٠٠٠٠٠ج.م). ا.ﻫ.

وقال أبو صالح الأرمني في تاريخه «الكنائس» (ص٣٠):

بلغ خراج مصر على يد يوسف بن يعقوب بعد عمارتها بعزمه أربعة وعشرين ألف ألف وستمائة ألف دينار (١٤٧٦٠٠٠٠ج.م). ا.ﻫ.

وقال ابن وصيف شاه كما جاء في كتاب «الخطط المقريزية» (ج١ ص٧٥):

كان منقاوس قسَّمَ خراج البلاد أرباعًا، فرُبْع للملك خاصة يعمل فيه ما يريد، ورُبْع يُنفَق في مصالح الأرض وما تحتاج إليه من عمل الجسور وحفر الخلج وتقوية أهلها على العمارة، ورُبْع يُدفَن لحادثة تحدث أو نازلة تنزل، ورُبْع للجند. وكان خراج البلد ذلك الوقت مائة ألف ألف وثلاثة آلاف ألف دينار (٦١٨٠٠٠٠٠ج.م) وقسمها على مائة وثلاث كور بعدة الآلاف، ويقال إن كل دينار عشرة مثاقيل من مثاقيلنا الإسلامية، وهي اليوم خمس وثمانون كورة، أسفل الأرض خمس وأربعون كورة، والصعيد أربعون كورة، وفي كل كورة كاهن يدبرها وصاحب حرب. ا.ﻫ.

وقال ابن وصيف شاه أيضًا كما جاء في كتاب «بدائع الزهور» لابن إياس (ص١٧):

إن خراج مصر كان في زمن فرعون موسى يجبى في كل سنة اثنين وسبعين ألف ألف دينار (٤٣٢٠٠٠٠٠ج.م). ا.ﻫ.

وقال المقريزي في خططه ج١ ص٧٥:

بلغ خراج مصر في أيام الريان بن الوليد وهو فرعون يوسف عليه السلام سبعة وتسعين ألف ألف دينار (٥٨٢٠٠٠٠٠ج.م)، فأحب أن يتمه مائة ألف ألف دينار (٦٠٠٠٠٠٠٠ج.م)، فأمر بوجوه العمارات وإصلاح جسور البلد، والزيادة في استنباط الأرض حتى بلغ ذلك وزاد عليه. ا.ﻫ.

وقال أبو المحاسن في كتابه «النجوم الزاهرة» (ص٤٩):

أما خراج مصر قديمًا فقيل: إن كيقاوس أحد ملوك القبط الأول جبى خراجها، فجاء مائة ألف ألف وثلاثين ألف دينار (٦٠٠١٨٠٠٠ج.م). ا.ﻫ.

وأما من حيث الأراضي المزروعة ومساحتها فقد ذكر العرب أرقامًا عنها تضاهي التي ذكروها عن الخراج، فهي أيضًا أقرب إلى الخيال بلا ريب، وإليك ما ذكره هؤلاء بهذا الصدد:

قال المسعودي كما جاء في كتاب «نشق الأزهار» لابن إياس ص٣٨:

آخِر ما اعتبر من أحوال أراضي مصر، فوجد حرثها ستين يومًا ومساحة أرضها مائة ألف ألف وثمانين ألف ألف فدان، وأنه لا يتم خراجها حتى يكون فيها أربعمائة ألف وثمانون ألف حراث يلزمون العمل دائمًا، فإذا أقيم بها ما ذكرنا تمت عمارتها وكمل خراجها. ا.ﻫ.

وهذا النص لم نعثر عليه في أي كتاب من كتب المسعودي التي نُشِرت.

وقال ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور» (ج٣ ص٢٦٦):

كانت مساحة أراضي مصر في زمن الفراعنة مائة ألف ألف فدان وثمانين ألف ألف فدان تُزرَع غير البور. ا.ﻫ.

ملخص

ونلخص لك في هذا الجدول مبالغ الخراج في هذا العصر مقدَّرَة بالجنيهات المصرية.

الخراج المساحة المزروعة متوسط خراج الفدان
جنيهات مصرية أفدنة قروش
ماسبيرو ولمبروزو تقدير ١٠٪ ٢١٠٠٠٠٠ ٦٠٠٠٠٠٠ ٣٥
الآنسة هارتمان تقدير ٢٠٪ ٤٢٠٠٠٠٠ ٦٠٠٠٠٠٠ ٧٠
ابن خرداذبه
الفراعنة ٥٦٠٠٠٠٠٠ ٦٠٠٠٠٠٠
أبو صالح الأرمني
يوسف بن يعقوب ١٤٧٦٠٠٠٠ ٦٠٠٠٠٠٠
ابن وصيف شاه
منقاوس ٦١٨٠٠٠٠٠ ٦٠٠٠٠٠٠
فرعون موسى ٤٣٢٠٠٠٠٠ ٦٠٠٠٠٠٠
المقريزي
الريان بن الوليد ٥٨٢٠٠٠٠٠ ٦٠٠٠٠٠٠
الريان بن الوليد ٦٠٠٠٠٠٠٠ ٦٠٠٠٠٠٠
أبو المحاسن
كيقاوس ٦٠٠١٨٠٠٠ ٦٠٠٠٠٠٠
المسعودي ١٨٠٠٠٠٠٠٠
ابن إياس ١٨٠٠٠٠٠٠٠

حاشية

بعدما أتممنا هذا الكتاب كتَبَ مسيو براتشيا مدير المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية — وقد اطَّلَع عليه قبل نشره — إلى الأستاذ بلوخ ليستعلم منه عما إذا كانت آراؤه في تقدير سكان مصر قديمًا ما زالت الآراء التي جاهر بها في مؤلَّفه المطبوع عام ١٨٨٦م.

وقد أخبرني مسيو براتشيا مع المسرة أن ذلك المؤلِّف النابغة رد عليه بأن استكشافات أوراق البردي اليونانية الرومانية تدعو إلى الاعتقاد بأن عدد سكان مصر كان أوفر مما أُخِذ عن كتب الأدب، وهو العدد المعوَّل عليه إلى الآن.

وها هو الأستاذ بلوخ قد أظهر في الباب الثالث من مؤلَّفه الذي طُبِع عام ١٩٠٤م أنه يميل إلى تقدير عدد لا يقل كثيرًا عن عشرة ملايين (والمؤلِّف وِلكن يعتبر السكان ٧ ملايين تقريبًا في عصر البطالسة).

والآن يرى الأستاذ بلوخ أن هذه المسألة يجب دارستها على أُسُس جديدة بالتعويل على جميع الأدلة التي في أوراق البردي، مع عدم إغفال محاصيل الحبوب.

١  ويقال له أيضًا رمسيس الثاني، خلف والده سيتي الأول في الحكم حوالي عام ١٣٣٠ق.م ومات ما بين سنة ١٢٧٠ و١٢٦٠ق.م.
٢  الآر يساوي مائة متر مربع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١