أندريه شينييه١

واسطة عقد شعراء زمانه، ولد سنة ١٧٦٢ بالآستانة من أم يونانية وأب فرنسي، كان سفيرًا لدولته بالقسطنطينية، فعلمته أمه في صغره اللغة اليونانية، حتى إنه حصل على نصيب وافر منها وطالع في الرابعة عشرة من عمره دواوين شعراء اليونان، وفي السادسة عشرة ابتدأ يترجم الشعر اليوناني إلى الشعر الفرنسي؛ فتشبعت قريحته من روح النظم القديم، فكان شعره يماثل المقيد في الشكل، ولكنه جديد الفكر عصري الخيال.

أُتِيَ به إلى فرنسا وهو في حوله الثاني، وأتم دراسته بمدرسة «نافار»، وعالج قرض الشعر مبكرًا في شرخ شبابه وهو في السادسة عشرة من عمره، وبعدما قضى بضعة شهور في ستراسبورج وهو ضابط برتبة ملازم ثان أقام طويلًا بباريس، ثم اتصل بالسفارة الفرنسية في إنكلترا، ولبث فيها ثلاث سنين ثم آب إلى فرنسا سنة ١٧٩٠.

كان محبًّا للفِكَر الجديدة ومن نصرائها، شديد العارضة ببلاغة ملؤها الحماسة نحو الهيئة الثورية المسماة «لا تيرور La Terreur»، وقد قبضت هذه الفئة الطاغية على زمام الملك في ٣١ مايو سنة ١٧٩٣، وكان رائدها الظلم العسف؛ فأهلكت الحرث والنسل، وضربت أعناق آلاف مؤلفة من نصراء الحرية، الذين انبروا للدفاع عنها في ظرف الثلاثة عشر شهرًا، التي مكثتها هذه الطغمة العاتية، وانقشعت بقتل رئيسها «روبيسبيير Robespierre» في ٨ يوليو سنة ١٧٩٤.
طفق يحارب هؤلاء الجبابرة بنفثات أقلامة في الجرائد تارة وفي الخطابة طورًا، مدافعًا عن الحرية، معددًا مساويهم وعسفهم إلى أن قبضوا عليه في مارس سنة ١٧٩٤، وسجن في «سان لازار»، ثم ضربت عنقه هو و«روشيه Roucher» الشاعر في آن واحد، وذهبا كمن سبقهما من الألوف المؤلفة شهيدين للحرية والوطنية في ٢٥ يونيو سنة ١٧٩٤.

وكان موته خسرانًا لفرنسا؛ إذ فقدت به البلاغة والشعر نابغة في عنفوان شبابه، ولم يكد يبلغ الثانية والثلاثين، ولو عاش لأتى بمعجزات البلاغة ومدهشات القريض، وجرَّ ذَيْل النسيان على أغلب شعراء قومه من السلف والخلف.

ولم يُطبع ديوانه إلا في سنة ١٨١٩، وهو يشمل: الغزل، والرثاء، والهجاء، والأناشيد الوطنية، والرسائل، وعدة مقاطيع شعرية من الأهمية بمكان، لا سيما «هرمس Hermés»، وهي ملحمة فلسفية شائقة.
وكان شينييه أعظم شعراء القرن الثامن عشر، وفلسفته تشابه فلسفة «بوفون Buffon»٢ أو «كابانيس Cabanis»٣ وكان جاحدًا لا يتدين بدين.
وقد مهر في الشعر وأتى فيه بآيات بينات، ولم يتفرد بمذهب الشعر المقيد، الذي كان يقلده تقليدًا تزينه الرقة والانسجام، وكان له ذوق سليم في الميتولوجيا٤ والتعبير عن الكلمات بالجمل؛ لتسع ما يبثه فيها من نفثات البلاغة، ولم يستعمل في كتابته غير الألفاظ الفخمة الفصيحة.

وقد أعاد هذا الشاعر المجيد للقريض الفرنسي شبابه بعدما كاد يودي به الضعف وملأه حمية وحماسة، فجدد الشعر الخلوي بعواطف صادقة تمثل الطبيعة تمثيلًا حقيقيًّا، وأحيا الرثاء بما تمليه إليه نفس أضنتها الآلام، وأصلح الهجاء بنفحات روحه المتوقدة، وهو أول من أنشأ الشعر المطلق وآخر شعراء المذهب المقيد وأعظمهم.

الفتاة الأسيرة La Jeune Captive

«يحترم المنجل السنبلة قبل نضجها غاضًّا أمامها الطرف، ويرشف جديد الغصون من الكروم ما يهديه إليه الفجر في أيام الصيف من الندى البليل غير خائف من ألم العصر، وإني لجميلة فتية مثلها أكره الموت ولو أني الآن هدف لقلق البال والسأم.

ليطر إلى الموت الزؤام من عصى دمعه من الصبر والجلد وعدم المبالاة، ولكني أنوح والأمل ملء فؤادي، وحينما تهب الشمأل أخفض رأسي حرصًا، ثم أرفعها إذا مرت، وإن كان لبعض الأيام مرارة فلغيرها حلاوة تنسي نكدها وتُبرئ أوصابها. وهل رأيت شهدًا شهيًّا لا تعافه النفس إن واظبت عليه وبحرًا خلوًا من الأنواء والأعاصير؟

تبيض وتفرخ بقلبي الأماني والآمال في سجن تكاد جدرانه تنيخ عليَّ لئلا أفلت منها، ولكن ساء زعمها؛ فإني راكبة جناحي الأمل، كالعندليب تسرب من قفص بائع الطيور القاسي، طائرًا منتعشًا متهللًا في فسيح الخلاء ومزهر الرياض، وقد اكتنفه الهناء من كل صوب، يغرد ثملًا بنشوة الحرية والسعادة.

أيموت مثلي؟ مَنْ تنام والدعة غطاؤها، وتسهر والسكون أنيسها، ولم يخالجها توبيخ الضمير في اليقظة ولا في النوم.

وكان حسن لقائي نهارًا باديًا في العيون، وكأنه يبسم لي ظاهرًا على الجباه التي اكفهرت من البؤس والعناء، وقد أنعش مرآيَ الجميع في هذه الأماكن، وهللهم بشرًا وسرورًا.

إنني في مبدأ رحلتي الشائقة مسافرة تحت ظلال الأشجار الجميلة، التي تحف طريقي من الجانبين، ولم أكد أمر على أولاها وقد مُدَّت أمامي مائدة الحياة، وما أوشكت أن افتتحها ممسكة كأسًا ما فتئت مفعمة إذ لم تكد تنضم عليها شفتاي، ولست إلا في الربيع، وأشتهي أن أدرك الحصاد أو كالشمس تنتقل من فصل لآخر لتتم سنتها.

إني لزهرة متلألئة فوق غصني، مزرية بما حولي من الأزهار في بستان دولة الجمال، ولم تتمتع بأشعة الغزالة إلا عند شروقها، وأبغي أن أحظى بها لغاية غروبها.

أيها الموت! إنك لتستطيع أن تُنظرني٥ فاغرب عني، واذهب لتريح القلوب التي يفترسها الخزي والرعب ويميتها اليأس، فإن «باليس»٦ يعد لي النضر من ملاجئه الخضر، و«أمور»٧ المنعش من قُبله الحلوة، و«موز»٨ الشجي من حفلاتها الموسيقية، ولست أبغي الموت قبل التمتع بهذه الاحتفاءات الهنيئة.

•••

كنت مشاطرًا لها في الحزن والأسى، فاستيقظت مني مخيلة الشعر، وأصغيت لهذا الصوت الشاكي وهذا الاعتراف الذي تبوح به هذه الكاعب الأسيرة، ثم هززت أثقال الحياة المضنية، ونظمت ما تناثر من فمها اللطيف المحبوب من غرر الدرر في سلك عقود القريض؛ فأصبحت أناشيد تشجي العشاق وسلوانًا ولهوًا لهم يقتلون بها أوقات فراغهم.

ولقد تساءل مَنْ معها مِنْ المسجونين من تكون هذه الحسناء التي زانت الرشاقة جبينها وحديثها؟ وإنا لمشفقون أن تنقضي أيامنا، وحبذا لو طال علينا الأبد فما نحن بجانبها إلا في السعادة والهناء لا في السجن والعناء.»

١  André Chénier.
٢  من أعاظم كُتَّاب فرنسا، وطار صيته في علم التاريخ الطبيعي ١٧٠٧–١٧٨٨.
٣  من مشاهير الأطباء والفلاسفة الفرنسيين سنة ١٧٥٧–١٨٠٨.
٤  لما كان المؤلف مسجونًا سمع بجواره فتاة تندب حالها، وتشكو زمانها، وترثي شبابها الغض؛ خائفة من الموت، وهي «مدام دوكواني» سنة ١٧٦٩–١٨٢٠، وكانت آية في الجمال، والفضل في شهرتها راجع إلى هذا الشاعر؛ لكونه نظم لأجلها هذه القصيدة.
٥  تؤخرني.
٦  إله الماشية والرعاة في «الميتولوجيا» الرومانية.
٧  إله الحب.
٨  إلهة الموسيقى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠