الفصل الثاني

١

ولم تكن محاسن أول من عرف محمودٌ أو أحب أو كاد يتزوج، أو خاب له فيها أمل؛ فقد سبقت له علاقة بفتاة مُدَنَّرَة مُدَرْهَمَة، ولم يكن يعرف حين عرفها أن لها مالًا، أو يعبأ بذلك. وننصف محمودًا فنقول: إنه يؤمن بشيئين: أن من المهانة أن يكون الزوج فقيرًا وامرأته غنية، وليس معني هذا أن على المرأة الغنية أن تنزل عن مالها لبعلها حتى يعتدل الميزان في رأي محمود، وإنما معناه أنه ليس مما يحفظ مروءة الرجل ويصون كرامته أن يتزوج امرأة لمالها، وقد يكون هذا رأيًا عتيقًا، ولكنه رأيه الذي يذهب إليه بدافع من إدراكه الخاص لمعني الكرامة، والثاني: أنه كان — على كونه مهندسًا — يؤثر أن يكون «صحافيًّا»، ويظن ذلك خيرًا له وأجدى عليه من تطبيق العلم على العمل، وأبى أبوه له هذا كل الإباء، وأنكر أن ينفق على تعليمه ما أنفق ليكون شيئًا محسوبًا في الدنيا فيصير «جورنالجيًّا»، ووفَّق محمود بين هواه وهوى أبيه، واتفق مع صحيفة على أن يكون مراسلها من ميدان السباق، وفاز بفضل ذلك ببطاقة تخوِّله دخول الميدان من غير أن يؤدي الرسم المفروض، والآن نجيء إلى ما صار يؤمن به؛ وهو أن الصحافي — فقد أصبح صحافيًّا بشهادة بطاقة السباق — لا يجوز له أن يتزوج؛ ولو كان أمر التشريع إليه في ذلك الوقت لجعل الصحافة من موجبات العزوبة كبعض الأمراض.

ولم يكن يعرف عن الخيل شيئًا، ولا كان مطالَبًا بهذا العلم، وكان حسبه وحسب الصحيفة أن أندية السباق معارض جمال وأزياء وملتقى كل من هب ودب، ولم يكن عليه إلا أن يجعل باله إلى مناظر الناس لا إلى الخيل وإلى ما يكون منهن، وكفى بهذا تعليقًا على السباق.

وقد لقي مرةً واحدًا من الأجلاف الذين تراهم في كل مكان يَحسن أن يخلو منهم، فسأله — أي الجلف — بلا سلام أو تحية: أشِر عليَّ؛ على أي حصان ألعب؟

قال محمود: وهل أنا أعرف؟!

وكان صادقًا في نفي العلم بالجياد وقيمتها في السباق؛ نعم كان يراهن، ولكنه لم يكن له في الاختيار فضل؛ فقد كان له صديق من المدرِّبين لا يزال يتحفه بأسماء الجياد التي يتوقع لها الفوز، فيراهن بما شاء على ما شاء، ويجعل عينيه كما أسلفنا، لا على الجياد، بل على الناس؛ لأن القول فيهم هو العمل الذي يؤديه للصحيفة التي منحته البطاقة — أو الكارنيه — ويربح أو يخسر — يربح في الأغلب — بفضل هذا المدرب، وهو غير فاهم لماذا ربح أو خسر.

فقال — أي الجلف أيضًا — بابتسامة ثقيلة: سَمِّ أي حصان، ولو بثلاث أرجل، يكفي أن تختاره ليكسب.

قال محمود: ماذا تعني؟

قال الجلف — وهو يضحك: إنه يسأل ماذا أعني! أعني أنك وُلدت وفي فمك ملعقة من فضة.

ومضى عنه وهو يَطْرِف ويغمز بعينه، فلو استطاع محمود أن يخنقه وهو آمِن لفعل.

٢

ولم يكن محمود في ذلك الوقت قد فاز بوظيفته في الحكومة، فإن أباه كان لا يزال يسعى، فوسعه — أي محمود — أن يعد نفسه صحافيًّا محترفًا لا هاويًا، ولما انتقلت الخيل إلى الإسكندرية انتقل معها.

واتفق يومًا أنه كان يستريح على رمال الشاطئ في جليم بعد أن سبح حوالي ساعة، وكاد النعاس يغلبه، وهو مستلقٍ على ظهره وذراعه على عينه، وإذا بصوت ناعم موسيقي النبرات يقول: والله عال، كأنه في بيته، وفي غرفة نومه، وعلى سريره! ترى بأي شيء يحلم؟

ولم يخطر له أنه هو المقصود، فإن الناس كُثر، ولكنه تنبه ونحَّى يده عن عينه ورفع رأسه قليلًا لينظر، ثم استوى جالسًا، فقد رأى فتاة عليها برنس جاثية على ركبتيها وعاكفة عليه تتأمله كأنه حيوان غريب قذف به الموج.

وقال: معذرة، من أنت؟ هل أعرفك؟

قالت وهي ترد الضحك وتغالبه: كلا، ولكن المظلة تعرفني.

فصعَّد طرفه إلى فوق، فإذا هو تحت مظلة كبيرة مخططة لم يفطن إلى وجودها، ولم يشعر بها حين ارتمى على الأرض وقد تحلل به الإعياء وأنهكه جهد السباحة، ولم يسعه إلا أن يعتذر للفتاة ويرجو منها الصفح، وهمَّ بالنهوض فردَّته بإشارة وقالت: لا تذهب، ولكن تنحَّ قليلًا فإن الشمس حامية.

فوسَّع لها، فدخلت تحت المظلة وقالت: كلا، لا تذهب فإن لك فائدة؛ إن ها هنا شبانًا يلاحقونني ويضيِّقون عليَّ.

قال: مجانين.

فرمت إليه بنظرة فيها بعض الحدَّة، ولكنها لم تخلُ من ابتسام، ومضت في كلامها فقالت: وقد خطر لي حين رأيتك ممددًا تحت المظلة أن أتخذ منك مِجَنًّا يقيني تطفُّل هؤلاء اﻟ …

فقال على سبيل التلقين: المجانين.

فابتسمت وأطرقت، وجعلت أصابعها تعبث بالرمل.

وسألها: أليس معك هنا أحد؟

قالت: أمي، ولكنها لا تفارق الكابين؛ يمكنك أن تراها من هنا (وأشارت إلى صف الكابينات) وبالها طويل، وصدرها واسع وصبرها لا ينفد …

قال مقاطعًا: مسكينة.

قالت: من؟

قال: أمك.

قالت مستغربة: وما الذي يجعلك تظن أنها مسكينة؟!

قال: يظهر أنها احتاجت أن تروض نفسها على الصبر.

قالت: آه.

ثم كأنها تنبهت إلى معني فاتها فسألته: إيه؟ ماذا تعني؟

قال: لا شيء. لا شيء. استمري، فقد أعرناك أذننا. قالت بابتسام: أشكرك. ما اسمك؟ ومعذرة فلست أستطيع أن أظل أدعوك: يا حضرة.

قال: هل تصدقينني إذا قلت لك إن اسمي محمود؟

قالت (ورفعت حاجبيها المرسومين بالقلم، مقدار ملليمتر): ولم لا أصدق؟! محمود ماذا؟

قال: ألا يكفي اسم واحد؟! أقسم لك أني لست هاربًا من البوليس، ولا من هؤلاء اﻟ …

وأشار بيده إشارة عامة شملت كل من على الشاطئ، أو في الماء، فقالت: المجانين. هه؟

فلم يفته مرادها، ولكنه تجاهله وتغابى وقال: على كل حال اسمي ليس سرًّا، وإن كنت لا أرى أن أكتبه على لوح وأرفعه على سارية، وما أظنه ينفعك العلم به، فما هو أكثر من بطاقة أعرف نفسي بها، فتفضلي، محمود فهمي.

قالت: وأنا اسمي سميرة.

قال: اسمعي، إن خير وقاية لك من هؤلاء اﻟ … اﻟ …

قالت: المجانين.

قال: أشكرك، المجانين، هي أن تنزلي إلى الماء وتسبحي.

قالت: هذا هو الذي يجمع الذئاب على الحمل؛ فإني لم أتعلم السباحة، وكل ما أستطيعه هو أن أقف أو أقعد في مكان غير عميق وأخبط الماء بيدي، فيجيء هؤلاء ويحتاطون بي، ويعرض بعضهم عليَّ أن يعلمني السباحة.

فقال محمود: أنت أخيب الخياب، أعوذ بالله!

فقهقهت ثم قالت: لماذا؟ هل السباحة ضرورية جدًّا؟

قال: أظنك لا تستطيعين أيضًا حتى ولا أن تقلي بيضًا؟

قالت: اسمع يا محمود! سأسميك محمودًا بلا كلفة، فإن حديثك يعجبني، وأكبر ما يعجبني منك أني لا أعجبك، هذا واضح …

قال مقاطعًا: إن قوامك جميل.

قالت وهي تفحص قوامها بعينها: ألا تظن أني أنحف مما يجب؟

قال وهو يدير عينه فيها: نعم، قليلًا. لقد كان لي زميل في المدرسة له مثل قوامك، وكنت أضربه علقة كل بضعة أيام، ولكن ساقيك أجمل، لا محل للمقارنة في الحقيقة، وصدقيني إذا قلت لك إنه ما من فتاة في هذا الزمن تستطيع أن تصل إلى شيء بغير ساقين جميلتين.

قالت: هذا ما أقول لأمي كلما قالت لي إن ثيابي قصيرة؛ يظهر أننا سنتفق.

قال: لا تتسرعي.

قالت: لا تخيب أملي من فضلك، بماذا تشتغل؟

قال: صحافي، وإذا أردت الدقة فإن كل عملي هو أن أذهب إلى نادي السباق وأصف لصحيفتي جماعة الإنسان لا جماعة الخيل المحتشدة هناك.

قالت لا يبدو عليك ذلك؛ هل تعلم أن الصحافيين ثقلاء؟ ولكن الحق على أمي، فإنها لا تزال تدعوهم إلى حفلاتها — لا أدري لماذا؟ أظنها تتوهم أن ما يكتبونه عن حفلاتها يساعد على تزويجي بسرعة؟ ولكن المسألة هي أنني لا أريد أن أتزوج، هل تعرف ماذا أتمنى أن أصنع اليوم؟ أذهب إلى السينما مع واحد مثلك لا أعجبه فلا يغازلني، ثم أتعشى بسندوتش فول مدمس.

قال: ولم لا؟! إني غير مشغول في هذا المساء.

قالت: لا أستطيع، مع الأسف، لقد دبرت لي ماما عشاء مع عمدة من معارفنا، وابنه، يا حفيظ! له أسنان بارزة وعين حولاء وتمتمة، وإني لأخشى أن أضطر إلى التزوج بواحد كهذا لأستريح من هذه المحاورات والمداورات.

قال: وهل تريدين أن تكوني عمدة؟

فضحكت ثم قالت: إنما أريد ألَّا أقابل أحدًا يريد أن يتزوجني.

قال: لا بدَّ أن هناك كثيرين لا يريدون، فلا تيأسي.

قالت: ولكن كثيرين يا محمود يعدونني جميلة.

قال: لا تصدقيهم، فإنهم يخدعونك، وربما كانوا يجاملونك، ولعلهم يظنونك غنية، فهم يطمعون في مالك.

قالت: ولكني غنية.

قال: آه، انحلَّ اللغز.

فسألته: ألا تراني على شيء من الجمال؟

قال: لا أدري، على كل حال لست أحب اللون الأسمر.

كانت هذه هي البداية.

وقد التقيا بعد ذلك مرات على الشاطئ، في جليم أيضًا، فإنه حيث يكون الكابين يكون صاحبه أو صاحبته والذين يحومون حولها.

وفي إحدى المرات استبقته، وجاءت بحقيبة كالتي يتخذها التلاميذ سوى أنها من جلد نفيس، وأخرجت منها طائفة من السندوتش ودعته إلى مؤاكلتها وقالت له وهي تقضم: اسمع.

قال: كلِّي أذن، هاتي.

قالت: خطرت لي فكرة، إنك تريد أن تقضي بقية الصيف في لبنان، هه؟

قال: أتمنى.

قالت: ولكنك لا تستطيع.

قال: صدقت، العين بصيرة، واليد قصيرة، وأبي يهيئ لي وظيفة لأكسب رزقي بعرق هذا الجبين العريض.

قالت: تستطيع.

قال: ماذا؟

قالت: أن تترك لي السندوتش بالبطارخ فإني أحبه.

قال: الضيف مفضَّل يا آنسة سميرة.

قالت: اسمع. اذهب إلى لبنان.

قال متمثلًا: ملَّنا أم بَنا بِنا، أم جفانا وقلانا واعتاض منا سوانا؟ ألم أقل لك أن العين بصيرة …

قالت: ولكنك تستطيع، ألا تفهم؟!

قال: أتراك تعرضين عليَّ قرضًا حسنًا أو هبة؟

قالت: بل أعرض عليك الزواج.

قال: هذه هي التي لا تريد أن تتزوج؟! الاقتراح مرفوض، والرفض مقرون بنصيحة؛ أن تذهبي إلى الطبيب حالًا.

قالت: اسمع لا تكن متعجلًا.

قال: أنا؟! أنا المتعجل؟!

قالت نعم، اسمع، تتزوجني وأتزوجك.

قال: مفهوم، زواج متبادل، لا من ناحية واحدة فقط! مرة أخرى أقول: يفتح الله.

قالت: ولكن ماما موافقة.

قال: شيء جميل، إذن فلتتزوجك هي.

قالت: أنت أناني، وقاسٍ، وقلبك كالحجر.

فلم يسعه إلا أن يضحك فقالت: إني أعرف أنك لا … لا … إني لا أعجبك، ولكني لا أطالبك بشيء، ستكون بعد الزواج حرًّا، تحيا وحدك، وتذهب إلى حيث تشاء، وتصنع ما يحلو لك، وكل ما أبتغيه هو أن أستريح من الذئاب التي تحوم حولي وتلوب، ومن المداورات التي لا تنتهي، وإذا شاء الله ووجدت الرجل الصالح، دعوتك أن تطلقني لأتزوجه، فأي بأس في هذا؟! ألا تحب أن تساعدني؟ ألا تريد …

فقاطعها قائلًا: إن كل ما أريده الآن — حالًا — هو جرعة من الكونياك لو كان إليها هنا سبيل.

ولم يتزوجها؛ لأنه لم يستطع أن يُقنع نفسه بهذا التمثيل الجنوني، ورأى بعد ذلك أن ينأى عنها ويتقي لقاءها؛ واتقاء الفتنة خير من التعرض لها.

وذهب الصيف، وجاء الشتاء، وانتقل ميدان السباق إلى الجزيرة ومصر الجديدة، وهناك كان يلقاها برغمه، وكان يرافقها شاب لا يعرفه ولا يستخفُّ ظله، ودعته مرة إلى الشاي في منزلها، فاعتذر، فألحت، وقالت إنها تريد أن تعرفه بخطيبها، وإنها حدَّثت خطيبها عنه كثيرًا فسألها: من عسى أن يكون؟

فأشارت إلى الشاب.

فقال محمود مستغربًا: هذا المخلوق؟!

قالت: ليس بمخلوق، إنه حمدي، ثم إنه يحبني ويعبد التراب الذي أمشي عليه.

قال: ظاهر، ظاهر، فهل تريدين أن أهنئك؟!

قالت: ولم لا؟! ألا يمكن أن تقول لي كلمة ظريفة؟

قال: على عيني ورأسي، ما أرخص الكلام، مبروك، مبروك، وهنيئًا له.

قالت: لا تتهكم.

قال: وماذا أصنع إذا كنت ترمين نفسك على هذا القوَّاد؟!

قالت: إنه ليس قوَّادًا، إنه موظف، ثم إني لم أرمِ نفسي عليه، هو الذي …

قال: هذا ألعن، يضحك عليك هذا البراد؟

قالت ودبت برجلها: ليس برادًا فلا تكن فظًّا، ثم إنه يحبني.

قال: وأنت؟

قالت: خطيبته. ولم تزد.

وذهب إلى بيتها إجابة لدعوتها، ولم يكن خطيبها هناك، فاستغرب محمود رغم أنه سرَّه أن لم يجده، واستقبلته أمها، وشرعا يتكلمان الكلام المألوف، ويتبادلان الملاحظات المعتادة عن الجو وما إليه، ثم استطردا — بطريقةٍ ما، والحديث ذو شجون — إلى سميرة وخطيبها، فغاظه وأحنقه أن يسمع من هذه السيدة التي كان يظنها عاقلة حصيفة، ثناءً على الخطيب، ولا ندري ماذا كان يتوقع غير هذا؟ ولكن الذي ندريه أن الأم نظرت إليه نظرة لم يفهمها وقالت له: إن سميرة في الحديقة، فاذهب إليها، وقبل أن تذهب أحب أن أقول لك إني لم أرَ في حياتي أغبى ولا أعمى ولا أطرى ولا أضعف منك، ويُخيَّل إليَّ أن جسمك مصنوع من الجبن الحالوم لا من اللحم والعظم، والآن اذهب.

فخرج إلى الحديقة وقد فتحت له هذه النعوت الجميلة بابًا من التفكير كان موصدًا.

وألفى سميرة مسندة ظهرها إلى جذع شجرة، وساعداها مطويان على صدرها، تحت ثدييها الناهدين، وهي شاخصة لا تطرف، فوقف إلى جانبها يتأملها وهي كأنها لا تشعر به، ولا تدرك أنه موجود، فتعجب، وكأن في وقفتها من السحر، وفي خطوط قوامها من الجمال والفتنة ما لم يفطن إليه إلا الساعة، كأنه ما رآها قطُّ من قبل.

وتمثل له، وهو واقف حيالها، شخصان: جدُّه الأعلى الذي كان يسكن الكهوف ويعمل بالفأس، ولا يرتدي إلا جلد الحيوان، وشخص آخر منتزَع من ثقافة الزمن وحضارة العصر، عرف فيه نفسه.

وكان الأول يقول له وهو يحرك الفأس: أقدم يا شيخ، ما هذا الجبن؟! ألم أنصح لك من قبل مرات أن تعامل هذه الفتاة بالطريقة التي جُربت واختُبرت ملايين المرات ونجحت في كل مرة؟ ولكنك لم تسمع ولم تُطع، ولهذا فقدتها.

وكان الآخر يقول: مهلًا، مهلًا؛ قد تكون هذه طريقة صالحة في عصور الاستيحاش والهمجية، ولكنَّا اليوم في القرن العشرين، والفتاة على كل حال مخطوبة، فكيف تشير عليه بأن …

فيقاطعه الجد الأعلى ويصيح به: مخطوبة أو غير مخطوبة، هذا لا قيمة له، إني أقدم له نصيحة ثمينة، وأشير عليه بالخطة المثلى.

فيقول الآخر: لا يسعني إلا أن أحتج وأعترض على هذه النصيحة وتلك الخطة، وإن على صاحبنا هذا أن يتقبل حظه بالصبر والرضى.

فيصيح الجد الأعلى: كلام فارغ، إن الذي عليه أن يفعله هو أن يجذب هذه الفتاة إليه ويطوقها — ولو كان لها ألف خطيب وخطيب — ولو كنت في زمني، وفي سني ومبعثي، لما رأيتني أتردد، فاسمع مني يا هذا، وأطعني فلن تندم.

وفي هذه اللحظة تنبهت سميرة إلى وجوده، أو أظهرت أنها تنبهت، وجعلت تتمتم: محمود! محمود!

ولا يدري محمود كيف حصل هذا، ولكنه شعر أن الحديقة رقصت، فأما الأشجار فكانت تطول وتقصر، وأما بساط الروض فكان يدور، ويدور، ولكنه هو كان ثابتًا — لا يدور ولا يضطرب — وبين ذراعيه سميرة.

وسمع نفسه يسألها: وحمدي هذا ما الرأي فيه؟ ماذا عسى أن تقولي له؟

قالت: ألم تقل لك ماما؟

قال: نعم، قالت لي إني غبي وأعمى ومصنوع من الجبن الطري.

قالت وهي تضحك: إنها ظريفة، أليست كذلك؟!

فسألها: أهذا رأيك في الظرف، ما هو؟

فضحكت وقالت: لقد كادت تجن لأنك أعمى، وغبي، و…

قال متممًا: ومصنوع من الجبن الطري.

قالت: حمدي هذا ناظر الزراعة، وقد استقدمته ماما لتفتح لك عينيك به، ولكنه كان لا بدَّ من استعمال السكين على ما يظهر لشق جفونك.

فصاح محمود: هل تعنين …

قالت: أعني أني أعددت لك سندوتشًا بالبطارخ، تعالَ.

وجرَّته من يده.

وتنهد ممثل الثقافة والحضارة في القرن العشرين، وغاب، أما الجد الأعلى فكان يهز رأسه مسرورًا، ويحيي محمودًا بالفأس.

٣

ودارت الحياة بعد ذلك دورتها المألوفة؛ بضعة أيام وأفضى محمود إلى أهله بخطبته، فأما أمه فسرَّها أن ابنها يوشك أن يكون زوجًا ورب أسرة، وإن كان قد أقلقها غنى الفتاة، وتحسرت على ما كان لبعلها من مال ضيَّعه، وكانت قبل ذلك قانعة راضية قريرة العين، لا تأسف على ما فات، ولا تتبرم بحاضر، ولا يعنيها إلا أن ابنها أتم تحصيله وأنه سيكون موظفًا ويعيش في دعة وخفض، ويرتقي، ثم يرتقي، ويفخر بالمال والسعة والأهل، وإذا به ينبئها أنه خطب فتاة ذات ضِياع عظيمة، قبل أن ينال الوظيفة المشتهاة ويضع قدمه على أولى درجات السلم الذهبي، وإنه لجدير بالسعادة وأهل لكل خير، وقد يكون صحيحًا ما خبَّرها به من أن الفتاة تحبه. المحقق أن هذا هو الصحيح، وإلا لما اختارته وآثرته على عشرات من الشبان كلهم أحسن منه حالًا، غير أنها مع ذلك خشيت أن يصغر أهله في عيون أهلها إذا لم يصغروا في عين الفتاة؛ من جرَّاء هذا التفاوت في الرزق.

وأما أبوه فلم يسره أن فتاه ذهب فأحبَّ فخطب من غير أن يشاوره، وصحيح أنه لم يكن يملك أن يرجئ الحب حتى يسأله، ولكنه كان خليقًا أن يدرك أن له أبًا يراجَع في مثل هذه الشئون الكبيرة، وألَّا يغيب عنه أنه ما زال مكفيًا — ولا يقول عاطلًا — لا مال له يعيش منه، أفلا انتظر حتى تَسلَّمَ الوظيفة ثم فكر في اختيار الزوجة؟ وما سرُّ جعل فتاة واسعة الثراء تؤثر فتًى لا عمل له ولا مال وليس ينقصها المعجبون ولا الطامعون؟ ولو أن أرض الرجل كانت قد بقيت له لما عبأ شيئًا بضِياع الفتاة، ولا اكترث لما بين الثروتين من التفاوت؛ فإن شيئًا ولو قليلًا خير من لا شيء، والعبرة بالاستغناء، وبأن المرء يَحُور إلى شيء فيه كفاية وعليه اعتماد، وبهذا يسعه أن يحتفظ بكرامته ويكفل الاحترام لنفسه، فيواجه الفتاة وهو ثابت على قدميه، ويقول لها بلسان الحال: إني لا أبالي كثرة مالك وإرباءه على مالي؛ فإن ما جاوز مقدار الحاجة — حتى مع التوسع — زيادة لا انتفاع بها، وبحسبي ما عندي؛ فنحن كفؤان في ذلك النصيب من المال الذي إليه الحاجة وبه يطيب العيش، ولو كان لك فوق ذلك مال قارون لما فضُلتني به.

أما الآن …

وهز الرجل رأسه آسفًا متحسرًا منكرًا على ابنه أن يزج به بغتة في هذا المأزق الحرج.

ولم يعجبه مما قصه عليه محمود وهو يضحك، ما توهمه ائتمارًا به من سميرة وأمها، أوَهكذا تصنع البنات الطيبات، وأمهاتهن الصالحات؟!

أفلو كانت لنا بنت كسميرة أكانت أم محمود تطاوعها هذه المطاوعة، وتُملي لها هذا الإملاء، وتُرخي لها الحبل على هذا النحو، وتشجعها على التحبب إلى الفتى الذي عليه العين، وتزيد فتدعو إليها ناظر الزراعة أو الضيعة وتأمره أن يمثل دور الخطيب المنافس لمحمود، وتتركهما معًا؟ ومن يدري؟! ألا يمكن أن يكون هذا الناظر قد قبلها وعانقها نزولًا على مقتضيات التمثيل وما يتطلبه إتقان الدور؟! ألا يمكن أن ينقلب التمثيل حقيقة، والهزل جدًّا؟! سبحان الله العظيم! وأي فتاة تكون هذه التي تأمر الرجل أن يقبلها؟! بل التي تجيء بموظف من عندها وخادم لها وتقول له: هذا فمي فقبِّله، وهذا صدري ضمَّه إلى صدرك، وأحطني بذراعيك وشد على خصري؟! أعوذ بالله! وأي أدب هذا الذي أدبتها أمها؟! وبأي عقل تسمح بهذه المهزلة التي لا يبعد ولا يُستغرب أن تنقلب فاجعة؟!

ولكن أبا محمود لم يصارح محمودًا بما ساوره من الهواجس، وحاك في صدره من الشكوك، ودار في نفسه من بواعث القلق، واكتفى بأن يعاتبه ويلومه في رفق على هذه المباغتة، وينصح له بالتريث والأناة زمنًا كافيًا حتى يفوز بوظيفة من جهة، ويدرس أخلاق الفتاة وسيرتها درسًا أوفى من جهة أخرى، ثم دعا له بخير.

ولكن الشباب هو الشباب، فلم يتريث محمود ولم يتأنَّ، ولسنا نعني أنه عقد العقد، وإنما نعني أنه صار لا يفارق سميرة في ليل أو نهار أو في معظمهما، وكان لا بدَّ أن تتعارف الأسرتان، وتتزاوران؛ فأما أسرة سميرة فرحبت بالأمر، ولم يخطر لها أن غناها مبعث قلق لأسرة محمود، فلعل الذي حبب محمودًا إليها أنه كان بادي الزهادة في مالها، قليل الاحتفال به، وأما أسرة محمود فاضطربت للقاء الأول والزيارة الأولى.

وقال محمود لأمه ذات مساء: لماذا لا تجيئين معي إلى بيت سميرة؟!

قالت: كلا. اذهب وحدك، وخذ معك المعطف؛ فإن الليلة باردة.

قال: سأفعل.

فسألته: ماذا تصنع هناك كل ليلة؟

قال: أجلس معها، أو نخرج معًا إلى سينما أو غير ذلك.

قالت: من يؤدي النفقات؟

قال: ماذا تعنين؟!

قالت: أعني أنه لا يليق أن تؤديها هي عنك.

قال: من قال لك إنها تؤدي عني شيئًا؟! وهل أحتاج إلى مالها لأدخل معها دارًا للسينما؟!

قالت: لا تغضب، فإنما كنت أخشى …

قال: إنك لا تحبينها؟

قالت: إنك مخطئ، فليس الذي بي لها أني لا أحبها، وكل ما في الأمر أني لا أراها تصلح زوجة لك.

فنهض مستاءً، وخطف المعطف، وقال بحدة وهو يخرج: لا فائدة من هذا الكلام، سأتزوجها والسلام.

ولم يطلع محمود سميرة على شيء من هذا، وما عسى أن يقول لها؟! أيقول لها إن أبويه لا يرضيان بها زوجة له؟! وإذا تشجع وفعل؟ ولكن هذا مستحيل.

ووطَّن نفسه على الصبر حتى ينال الوظيفة فيسعه حينئذٍ أن يكون حرًّا فيما يفعل ويترك.

وسألته سميرة مرةً في أعقاب سهرة طويلة: ماذا عساك تقول لماما حين تدخل عليها في مطلع الفجر؟

قال: إننا كنا نتحدث.

قالت وهي تضحك: ولكن هذا لم يكن كل ما نفعل.

وتعانقا، وكانت تضحك وهي تدني فمها من فمه، وكان جسمها كله ينتفض، وإذا به يجمد ويتخشب، ويقصيها عنه ويحدق في عينيها ويسألها: ماذا تعنين؟

فتعجبت، وهزت رأسها مستفسرة، فقال وهو يدع ساعديها يُهويان: يظهر أنك مللت صحبتي، وإلا فما سؤالك عمَّا أقول لأهلي حين أعود إليهم من عندك؟! ماذا يدعو أن أقول أنا شيئًا أو أن يسألوا هم عن شيء؟!

فاعتذرت، وأسفت لأنها قالت ما يمكن أن يُحمل على هذا المحمل.

وألفاها بعد ذلك أكثر جدًّا وتحرزًا في الكلام، وقل ضحكها، وبدت كأنما يدور في نفسها شيء، وصارت تصمت، وتنطوي على نفسها، فتزداد جمالًا وفتنة، وبعدًا أيضًا.

وأحس محمود أن هذا جانب لم يكن يتكشف له من قبل، وأشفق أن تظل ناحية من نفسها محجوبة عنه مزوية عن عينه، لا يطلِّع عليها ولا يستطيع أن ينفذ إليها.

ورافقها ذات ليلة إلى البيت بعد أن شهدا معًا رواية سينمائية وكانت يدها في يده، لم تتخلَّ عنها وهي تفتح الباب، كأنما تدعوه بذلك إلى الدخول فقال: أخشى أن نزعج ماما (يعني أمها).

فقالت: لا تخف، ولا تُخافت بكلامك، فإن نومها ثقيل.

ودخلا، فقالت وهي تخلع معطفها: لقد قابلت ماما (تعني أمه هو) اليوم في متجر.

فسبقه لسانه وسألها: ماذا كان منها؟ ألم تكن لطيفة معك؟

قالت نعم؛ فإنها سيدة مهذبة، ولكنها يا محمود لا تحبني، ولا ترضى عني، لا أدري لماذا؟ ولا أعرف كيف أفوز برضاها وأكسب حبها؟ مشكلة!

ونحَّت وجهها كأنها تستحي أن تنظر إليه، أو تخشى أن تقرأ في وجهه مصداق كلامها، وهي تقول ذلك.

فجذبها من ذراعها، وطوقها، فلم تلن له، وانثنى رأسها على صدرها، ورأى عينيها مغرورقتين، فلثم جفونها وخديها وشفتيها وجبينها، وجعل يهمس: إن أمي لا يسعها إلا أن تحبك، لا مفر من ذلك، إنما يخيفها غناك وفقرنا، ولكن هذا لا قيمة له، فما لنا بمالك شأن، ولن أتخلى عنك أبدًا.

فتفلتت من عناقه بلطف، وقالت بصوت هادئ متزن النبرات: ليس يطيب لي أن أفسد ما بينك وبين أمك.

ليس يطيب لي أن أفسد ما بينك وبين أبيك.

قال: ولكن هذا لن يكون، فلماذا تتوهمين أن هذا يمكن أن يقع؟! ألست سأتزوج يومًا ما؟! وكيف يعنيهما أن تكون زوجتي غنية أو فقيرة؟! إنها حياتي لا حياتهما، وقد كاد يتم أمر الوظيفة، فلا حاجة بي إلى معونة منهما.

وكأنما جرى ببالها شيء فضحكت وقالت: لن تتخلى عني يا محمود؟ أيُّنا الذي قنص صاحبه؟

فضمها إليه ضمة قوية، وأهوى على شفتيها بالقبلات الحرار، وكانت تضحك وتعالج أن تفلت وهو يأبى أن يدعها؛ فقد كانت كالخائف من مجهول لا يدري ما يهجم عليه منه، ثم أفرج عنها وخلَّاها، فخيل إليه أنها تُخفي عنه شيئًا؛ ذلك الجانب المستتر الذي لا يتبدَّى ولا ينكشف، فعاد يجذبها ويضمها، وهو يشعر أن بينهما حاجزًا على الرغم من هذا التداني، وكانت تبادله قبلاته، وتلتقم فاه كأنما كانت هي الرجل، وتقرُّ له وهو يهصرها، وتتمتم بما لا يتبين، ولكنه كان يشعر أن بها الليلة غموضًا واعتياصًا وبُعدًا.

ثم قالت له وهي تسوي شعرها: يحسن بك أن تذهب الآن.

وكان يفرك عينيه، كأنما يستيقظ من سِنة، وإن كان تامَّ الإدراك لقربها والشعور بحرارتها، وفتنة صباها، وهمَّ بتقبيلها مرة أخرى، ولكنها أسرعت فنهضت قبل أن يلف ذراعه على خصرها، وقالت: أرجو، أرجو أن تذهب، لقد كاد الليل أن ينتصف.

فقال: إني آسف يا سميرة، كان ينبغي أن أخرج قبل ذلك.

قالت: لا تقل هذا، ولكن يحسن أن تعود إلى … إلى البيت، فقد أصبحت أخشى أن تظن أمك الظنون بنا لطول ما نقضي من الليل معًا.

فأقبل عليها بلهفة يقول: وماذا يعنينا ظنها خيرًا أو شرًّا؟! ألسنا سنتزوج؟!

قالت: أرجو أن تذهب الآن.

ولثمت بنانها له وهي تودعه عند الباب، وأحس أن على صدره حجرًا وهو يخرج، وخُيِّل إليه أنها لم تكن مصغية حين قال: ألسنا سنتزوج؟! وجعل يردد وهو يمشي: أترانا سنتزوج؟! ثم صارت عبارة السؤال: هل نتزوج؟! وصار خطوُه على مقاطعها، كأنها لحن موسيقي.

وزارها في الضحى فلم يجدها، فترك لها رسالة.

وفي المساء كانت أمها جالسة إلى المائدة وحدها تتعشى، فأشارت إليه أن اقعد.

فأراح كفيه على المائدة وسألها: أين سميرة؟

فتمهلت شيئًا قبل أن تجيب: سافرت.

وكانت هادئة ساكنة، لا يبدو على وجهها شيء، كأنه درهمٌ مسيحٌ.

قال: سافرت؟! إلى أين؟ ومتى؟ ولماذا؟

فاعتمدت على المائدة بكوعيها، وقالت: ألا تجلس؟! ما هذه الوقفة المزعجة؟!

قال: أريد أن أعلم وأطمئن.

قالت: تطمئن؟! هه، أي رجل أنت! وحركت رأسها يَمْنَةً وَيَسْرَةً.

فانحطَّ على الكرسي، وهمَّ بكلام، ولكنها سبقته إليه، فقالت: هذا أحسن. أستطيع على الأقل أن أريح عنقي.

فسألها: ألا تريحيني أنا أيضًا؟!

قالت: أما متى سافرت ففي بكرة الصباح، عرفت هذا من الخدم، وأما إلى أين، فلا أدري، وأما لماذا فعلمه عند الله، فهل استرحت؟

قال: كيف أستريح وأنا لا أعلم أين هي ولا …

قالت: إيه، افعل ما بدا لك، الدنيا واسعة، اذهب فابحث عنها فيها.

فصاح بها: كيف تقولين هذا؟!

فقاطعته قائلة: يا حبيبي ماذا تريد أن أصنع؟! إنه لا سلطان لي عليها، وإن كنت أمها. وقد كنت أنت القادر على أن تمسكها، ولكنك تركتها تطير، بل حضضتها على الطيران، هل تستطيع أن تقول لي لماذا يعارض أهلك في الزواج منها؟! ولماذا ينفرون منها هذا النفور؟! ودَع أهلك وقل لي أنت لماذا كنت تأبى كل هذا الإباء السخيف أن تدعها تنفق مليمًا وهي معك؟! أمِن أجل أنك لست كفؤًا لها في الثروة يجب أن تنزل هي عن كل ما ألِفت، وأن تروض نفسها على حياة الضنوكة إرضاءً لك؟! أليست هذه أنانية صارخة حمقاء؟! كيف يمكن أن تعيشا معًا راضيين ناعمين إذا كنت تستكبر هذا الاستكبار المرَّ المتعِب؟! أيَّ حياة تكون حياتها معك؟! ما خير مالها إذن؟! ماذا تفيد منه؟! وتجيء وتسألني: أين هي؟ ولماذا سافرت؟ ضجرت يا سيدي، طقَّت، انفلقت، أيقنت أن حياتها معك ستكون جحيمًا لها ولك، ولأمك، ولأبيك. هل استرحت الآن؟ هل فهمت يا غبي، يا أعمى؟ لشدَّ ما خيبت أملي فيك! أنا التي لم أزل أحتال حتى حسِبْتُني ظفرتُ بك لها. لا حول ولا قوة إلا بالله!

فأطرق برهة ثم رفع رأسه وسألها: وبماذا تشيرين عليَّ؟ أرجو أن تظلي حليفة لي.

فقهقهت ثم قالت: يسألني هذا المصنوع من الجبن الطري بماذا أشير؟! تزوجني أنا، عسى أن أذكرك بها. وقهقهت مرة أخرى: اسمع يا حبيبي. إما أن تأكل معي وأنت ساكت، وإلا فاذهب أنت أيضًا عني.

ولم يكن يطيق السكوت، ولا كان لسانه يقوى على الدوران، فنهض ومضى إلى الباب في صمت، فلما صارت يده عليه سمعها تقول: إذا أسرعت فقد تدركها، ولست أظنك فاعلًا.

فدار وصاح بها: إيه؟ وقد عاد الأمل ينبض.

فقالت، وهي تهز رأسها: كلا. لا أظنك مدركها، عوضي على الله.

فارتد إليها وأقبل عليها يتوسل أن تفصح، ويلثم رأسها وكفَّيها بطنًا وظهرًا.

فتنهدت واضطجعت وقالت: إذا كان لا بدَّ أن تعلم، فاستعد لصدمة، كنت أشفق عليك منها لأنك «خرع»، مصنوع من الجبن الحالوم، هذا رأيي فيك كما تعلم، ولكنك ولد طيب، شريف، عفيف، ولقد كنت أطمع أن تكون لي ابنًا، فخيبت أملي، الأمر لله، كل حياتي سلسلة آمال خابت، حتى أصبحت لا أبالي شيئًا، استوى الخير والشر عندي، والسعادة والشقاء، أظنك تقول إنها عجوز ثرثارة، الحق معك؛ فإنك لا تدري، تراني في نعمة وتسمعني أقول … أوه ما الفائدة؟! وهل مثلك يمكن أن يفهم شيئًا؟!

وأمسكت، فتحامل محمود على نفسه، وألح عليها أن تنتجيه فتبسمت، وهزت رأسها وأراحت يمناها على كتفه وقالت: الشباب قليل الصبر، إنه لا عمل لي فيما بقي لي من عمر إلا الحديث، وفي الوقت متسع؛ فلنتكلم عن سميرة، فاعلم أنها سافرت إلى الضيعة، وقد استقر عزمها على الزواج من ناظر الزراعة.

فوثب قائمًا، وجعل يهزها ويصرخ: إيه؟! ماذا تقولين؟! فانتهرته وصاحت به: أمجنون أنت؟ ألا يمكن أن تقعد كخلق الله؟! نعم ناظر الزراعة، وما له؟! إنه على الأقل رجل موثوق بعقله وحزمه، دخال في الأمور.

قال، وأمسك رأسه بيديه: ولكن ناظر الزراعة؟! كيف تقدِم على هذا وهي لا تحبه؟!

قالت: تحبه أو لا تحبه، ما قيمة هذا؟! أنا تزوجت أباها ولم أكن رأيته ولا رأيت خياله، ومع ذلك عشت معه سعيدة، إيه!

قال: لست أصدق، مستحيل.

قالت: تصدق أو لا تصدق، هذا شأنك.

فسأل: يجب أن نمنعها، ليس المهم أن تتزوجني، بل المهم ألَّا تتزوج هذا … هذا البغل.

فابتسمت وسألته: وكيف بالله تنوي أن تمنعها؟!

قال: أسافر من الغد، وأحاول أن أردَّ لها عقلها.

قالت: سافر. وهزت كتفيها.

قال: كيف تركتِها تسافر ولم تمنعيها؟!

قالت: آه. هذه هي المسألة، كيف لم أمنعها، فاعلم يا سيدي أنه لا سلطان لي عليها؛ فإن أمرها بيدها كله، وما أنا إلا … ولكن ما الفائدة؟! سافر أو لا تسافر، كما تشاء، ولكن من فضلك لا تقلب لي دماغي، حسْبي ما أُعاني.

فخرج على وجهه، واستقلَّ القطار في الصباح إلى الضيعة، ولكنه لم يكن يعلم أن القطار الذي التقى به في الطريق كان يعود بسميرة وناظر الزراعة، ليقضيا في القاهرة شهر عسل طويلًا، يعدل عمرًا مديدًا إذا قيس بما يجد القلب وما تؤديه الأعصاب ثمنًا للعسل.

وكانت تلك أول خيبة أمل له، وأول زلزلة لنفسه التي لم تكن تعرف غير الاستبشار والثقة والاطمئنان.

وهيهات أن يقتنع الشباب الغرير بأن: «لو اطلع أحدكم على الغيب لاختار الواقع»، وأن ثمار الطيش وصفة نافعة لمن يركب الحياة بجموح الشباب.

•••

عاد الأستاذ حليم فقبع في بيته، ولاذ بكتبه، وعاد بخيالاته وأحلامه، ما اطَّرد منها وما شذَّ، ولكن الأمر لم يستقم له، والحياة لم تطِب كما كان الحال من قبل، فصار كالفرس الذي يمشي في أرض ذات حجارة، فهو يجري كأنه يتَّقي، ويتردد كأنه منفلت، ويضجر فيمد رأسه كأنه يريد أن يغالب اللجام، فهو لا يزال يجتهد ولا يستقر، ولا يمر مرًّا سهلًا غير مضطرب؛ ذلك أنه خالف مألوفه ودخل في غيره، مستخفيًا محاذرًا حتى اطمأن واستطاب ما هو فيه وفضَّله على ما ترك، فانقبض، وارتدَّ متواريًا، وضرب القدَرُ الكأسَ التي رفعها إلى شفتيه وراح يمص منها، فأطارها وتركه صَدْيان يجمع ريقه تحت لسانه، ويتلهف على رشفة أخرى يبل بها لسانه، ويَصِرُّ صماخُه من الظمأ إلى عذوبة ما حسا منه، ولا يصبر على ما عرف بعد أن جرب أنه كان مَحْلًا عنه، وذاك حال كل من يأكل من شجرة المعرفة، وما زال صحيحًا أن الحياة إنما تصفو لغافل أو جاهل أو قادر على مغالطة نفسه.

ولم يتغير حاله مع عياد؛ فكان يجالسه ويسامره، ويؤاكله ويشاربه كما كانا يفعلان؛ فقد اتقى الأستاذ حليم أن ينقطع عنه أو يتخلف عن لقائه، ولم يكن يدري ماذا يخاف على وجه الدقة، وإنما كان يشعر أن عليه أن يلازمه على قدر ما يستطيع؛ لعله يحول بذلك دون كشف المستور.

وحرص أيضًا على لقاء محاسن، فقد صار بينهما سر ينتجيان به ويتسارَّان، ولا يزالان يتساقيان تذكر فجعته، ونعمة الله عليهما إذ سترهما ولم يفضحهما، وكان يشعر أنه يعطف عليها ويرثي لها، وأنه يخافها، ويبغضها أيضًا، فلم يسعه إلا أن يظل على اتصال بها؛ ليجنِّبها الطيش ويقيها مغبة الخفة، ويدفع عنها عوامل اليأس، ويمنع أن يقع هو في بلية جديدة.

ولم تكن محاسن خيرًا منه حالًا أو أقل حيرة واضطرابًا، وكانت قبل الذي وقع لها، تجترئ على أبيها ولا يجترئ عليها، فأصبحت تغض الطرف حين تراه، وتتلعثم إذ تخاطبه، فرضي هو عن هذا الأدب الجديد ولم يكلف نفسه عناء التفكير فيما فاء بها إليه.

ولم تكن تحب محمودًا، ولكنها كانت لا تنفر منه، وارتضت ما ارتضاه لها أبوها، ووطَّنت نفسها على حياة زوجية معه، كانت هي تزعم أنها ستكون مملة لا محالة، وكان الأستاذ حليم يزيِّنها لها ولا ينفكُّ يقول لها فيما يقول: إن المرأة قد تحب الرجل قبل أن تصبح زوجة له، ولكن هذا حب لا يكون إلا مشكوكًا فيه؛ لأن مرجعه إلى الخيال، وإنما العبرة بما تلقى نفسها تحنُّ له بعد الزواج وتجربة حياته وتلقِّي أثره، وما أكثر النساء اللواتي فترَ حبهن، بعد أن يبني بهن بعولتهن! بل انقلب كراهية صريحة؛ لأنهن لم يجدن ما كن يتطلعن إليه ويطمعن فيه ويتخيلنه، فخاب أملهن وثقلت وطأة الاحتمال على أعصابهن التي لا تفتأ تتنبه ولا تسكن. ويا رُبَّ امرأة لم تكن تعرف الرجل ولا رأته، أو كانت تعرفه وتراه ولكنها لا تصفو إليه بودٍّ، فلما عرفته زوجًا لها أرضاها منه ما يرضى، فأحبته، وصار مُنية النفس كلها وهوى القلب جميعًا؛ ذلك أن الزواج هو الامتحان الصحيح، والمرأة في هذا على خلاف الرجل؛ فالرجل الذي لا يشبع من المرأة يُقبل ولا يُعرض، أما المرأة فإنها إذا ألح عليها هذا السَّغَب تتلف أعصابها وتصب غضبها على من كان علة حرمانها الشبع.

كذلك كان يقول لها الأستاذ حليم، فتصدقه؛ أليس أسنَّ منها وأخبر؟ أليس مشهورًا بالعلم والتبحر في المعرفة؟

فلما كان ما كان، صار يحدث لها رعبًا أن تتصور أن تكون يومًا ما زوجة محمود، وساورها الشعور بأنها خانته، وإن بقي عقلها مدركًا أن هذا شطط في التهمة وإسراف على نفسها في الظلم، وخُيل إليها أنها لم تعد أهلًا له أو جديرة به، وإن كانت لا ترى له مزية تفرده بين أنداده، وكانت كلما ألحت على نفسها بالاتهام والتحقير تثور وتتمرد وتتساءل عن محمود هذا، ما الذي يجعلها تتوهم أنه خير منها وأقوم سيرة وأنظف ذيلًا وأعف عينًا وقلبًا و… ماذا تعرف عنه سوى ما أطْرَوْه به وقالوا فيه من الخير؟! ومتى قال أحدٌ في طالب زواجٍ إلا كلَّ حسنٍ وجميلٍ؟!

وكان يثقل عليها جدًّا اضطرارها إلى كتمان سرِّها، فتحس بالحاجة إلى البثِّ، وتود لو استطاعت أن تبيح أمها صدرها، وتُطلعها على خبيئة نفسها، وكثيرًا ما همَّت بذلك متشجعة بأن قلب الأم أحنى قلب، فيتحرك لسانها، فتجبن وتفزع وتعض عليه.

وقد علمت من الطبيب أن الأثر الذي بقي مما يسهل علاجه، ووعدها خيرًا حين تشاء، أو حين تدعو الحاجة إلى الإصلاح، ولكنها مع ذلك بقيت مُرة النفس، مشمئزة من هذا التلفيق الميسور والترقيع السهل لما كانت تعتز به وتحرص عليه من آية العفة، وزادها هذا نفورًا من محمود، لا كراهة له؛ فقد كان من أغرب النقائض أن شدة تفاعل ما يدور في نفسها ويضطرب به صدرها أفضى بها إلى رقة له في قلبها، وإنما كان نفورها عن استنكاف منها لمخادعته والكذب عليه وستر الحقيقة عنه، ولما كانت لا تأنس من نفسها شجاعة كافية تعينها على مصارحته، وإن كانت تأنف من الكتمان، فقد ألْفت نفسها لا تقدر على كفِّ نفورها منه وجفوتها له، ورأى هو من تغير حالها وعسرها في عنادها ووضوح ضجرها منه وزهدها فيه ما نشر المطوي مما أورثته سميرة من سوء ظنه بالمرأة، وسرعة تقلبها، وقلة ثباتها على خلق أو عهد، وسئم أن يكون هذا حظه كل مرة، وأيقن أن في الأمر رجلًا آخر، إذا لم يكن ناظر زراعة فأكبر الظن أنه هذا الأستاذ حليم الملعون، وثار على خسة نصيبه من وفاء المرأة، فقطع زيارته لبيت عياد.

ولم يكن بال عياد إلى هذا؛ فقد كان في شاغل من صاحبته الأجنبية؛ فإذا لم يكن معها، فهو في طعام وشراب، وصياح وزعيق، وما جعل الله لامرئ إلا قلبًا واحدًا في بدنه، وقد استأثرت بقلبه وعقله صاحبته، واستبدت بلبِّه، وما بقي من ذلك — وهو أقل من القليل — استنفده الشعور بأنه ظالم لأهله، والاجتهاد في خنقه وتلطيف لذعِه بالغطرسة، والعجرفة وسوء الخلق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤