الثقافة وأجهزتها

في اعتقادي أنَّ نشر الثقافة وحسن استخدام أجهزتها، يُعتبَر من العوامل الفعَّالة في إصلاح ما نشكو منه أحيانًا من فسادٍ في الخلق، أو ضعفٍ في الشخصية أو عجزٍ عن تحمُّل المسئولية وحلِّ المشاكل التي قد تواجه كلامنا في الحياة؛ وذلك لأنَّ الثقافة لم تُعَدَّ ترَفًا عقليًّا، بل وسيلة حياة نستطيع أن ندرك قيمتها لو تصوَّرنا انتشار وباء في الورق يأتي على ما جمعت الإنسانيَّة في خزائنها من كتب. والكتب ليست خزائن للمعرفة فحسب، بل هي أيضًا وسائل للتفكير وشحذ الذكاء وتدريبه، حتى قيل: إنَّ جودة أي كتاب تتوقف على مدى قدرته على أن يصبح بالنسبة لقارئه وسيلة للتفكير. وإذا كانت المعرفة هي وسيلة السيطرة على الطبيعة وعلى الحياة وتسخيرهما لخير الإنسان، فإن تدريب الذكاء هو خير وسيلة لتذليل الحياة بين يدي الإنسان؛ وذلك لأن الذكاء في رأي معظم المفكِّرين هو القدرة على حل المشاكل التي تُعرَض لأول مرة، وفي رأي البعض الآخر هو القدرة على ملابسة الواقع والتكيُّف معه، ومن الواضح أنَّ الذكاء لا يستطيع أن يقوم بهاتين الوظيفتين الخطيرتين ما لم يُدرَّب ويُغذَّى بالثقافة.

والثقافة التي أريدُ أن أتحدَّث عنها هنا ليست التعليم الذي يتلقَّاه بعضُنا في المدارس أو المعاهد أو الجامعات، فهذا التعليم ما هو إلا الأساس أو الوسيلة للثقافة التي نبغيها لمواطنينا كعلاجٍ ناجعٍ للكثير من مواضع الضعف المتفشِّية بينهم، وقد أصبح العالم الحاضر يملك اليوم بفضل التقدم العلمي عدَّة أجهزة جديدة للثقافة نود أن ننظر في جَدْواها على نشر هذه الثقافة، وكيفية استخدامها على خير وجهٍ لهذا الغرض، وهذه الأجهزة هي الكتاب المطبوع والصحف والمسرح والسينما والإذاعة.

الكتب المطبوعة

لقد اخترع الإنسان الكتابة منذ آلاف السنين، وكان هذا الاختراع من أكبر الانتصارات الإنسانية إن لم يكن أكبرها؛ حتى ليُجمِع مؤرِّخو العالم كلِّه على أن اختراع الكتابة هو الحدُّ الفاصلُ بين التاريخِ وما قبل التاريخ، فالعصور التاريخيَّة للإنسانية لا تبتدئ إلَّا بابتداء الوثائق التاريخيَّة المكتوبة على الحجارة أو غيرها، وما قبل ذلك يُطلِقون عليه اصطلاح ما قبل التاريخ.

ولكن إذا كان اختراعُ الكتابةِ قد حفِظ لنا تاريخَ الإنسانيةِ أو تراثها الثقافي، فإنَّه بلا ريب لم يستطع في العصور الخالية أن يعمل على نشر الثقافة في نطاق واسع؛ وذلك بحكم أن الكِتاب المخطوط كان شيئًا نادرًا باهظ الثمن يتطلب جهدًا كبيرًا في إعداد كميَّة كبيرة من نسخه حتى يمكن القول إنَّ الكتابة لم تصبح عاملًا هامًّا في نشر الثقافة إلَّا منذ القرن الخامس عشر الميلادي عندما أدخل العالم الألماني جوتنبرج (١٣٩٨–١٤٦٨) على الحروف المتحرِّكة تلك الإصلاحات الهامَّة التي وُلِدت بفضلها الطباعة الحديثة، فأصبح من السهل أن نطبع آليًّا من الكتاب الواحد آلاف النسخ، كما أصبح من السهل أن تظهر الصحف والمجلات اليوميَّة وغير اليوميَّة الواسعة الانتشار.

بل إننا لنستطيع أن نزعم أن معرفة مصر والبلاد العربية كلها لفن الطباعة في القرن الماضي قد كان أقوى عاملٍ في نهضتنا الحديثة التي قامت على أساسي؛ أولهما: بعث الثقافة العربية القديمة، وثانيهما: الترجمة والنقل عن الثقافة الغربية. ومن المؤكَّد أنه لولا معرفتنا بفن الطباعة، ولولا تأسيسنا لمطبعة بولاق لما استطعنا أن نبعث التراث القديم، ولا أن نستفيدَ من الثقافة الغربيَّة المتقدِّمة، ولظللنا غارقين في التفاهات والزخارف اللفظية التي كانت قد صرفتنا عن كلِّ تفكيرٍ أصيل أو إحساس إنساني حيٍّ.

والكتاب المطبوع لا يزال يُعتبَر في العالم كله الوسيلة الأولى للتثقيف الحق؛ وذلك لأن الكتاب هو مستودع الثقافة الجديَّة العميقة، كما أنَّه الوسيلة المواتية للتثقيف بمعناه الصحيح؛ لأنه بفضل عمقه وقوة إيحائه يصبح وسيلةً يستعين بها القارئ على التفكير الأصيل. والثقافة الحقَّة ليست في النهاية إلَّا تحقيق القدرة على فهم الناس والأشياء فهمًا صحيحًا والحكم عليها حكمًا سليمًا. وهذا الفهم وذلك الحكم لا يمكن الوصول إليهما إلَّا إذا جمع الفرد بين وسيلتين هامتين: هما الدراسة من ناحية، والتفكير من ناحية أخرى، فالدراسة بغير تفكير لا يمكن أن تنتهي إلى فهمٍ صحيح. والاكتفاء بالتفكير الذاتي دون دراسته لا يمكن أن يُؤمَن معه الضلال عن الفهم الصحيح، والكتاب الجاد هو الذي يجمع بين الدراسة وتقديم المعرفة من جهة، وإثارة التفكير أو الإيحاء به من جهة أخرى.

ولكنه بالرغم من كل هذه الحقائق، وبالرغم من ازدياد حاجة العالم إلى الثقافة باعتبارها وسائل حياة في هذا العالم الذي يزداد كلَّ يوم تعقيدًا، إلَّا أننا نلاحظ أن الكتاب المطبوع قد أخذ يتعرَّض لمنافسين خطرين يجب أن ننظر في مدى قدرتهم على تحقيق مثل ما يحققه الكتاب في تثقيف الناس، وتمكينهم من وسائل الحياة التي تزداد حاجتهم إليها، وكانت الصحف والمجلات أول منافسٍ ظهر للكِتاب في تاريخ الإنسانيَّة الحديث.

الصحف والمجلات

لقد كانت الصحف عند أول ظهورها صحفًا إخباريَّة بحتة يَنشُر بواسطتها الحكام والأمراء على رعاياهم ما يُصدِرون من قوانين وقرارات، ثم أخذ مجالها الإخباري يتسع شيئًا فشيئًا ليشمل كافَّة الأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة. وكانت في أول أمرها مرتفعة الثمن نسبيًّا، وبالتالي قليلة الانتشار، إلى أن اهتدى صحفيٌّ فرنسيٌّ إلى فكرة نشر الإعلانات التجارية في الصحف، فكان هذا أكبر انقلاب حدث في تاريخ الصحافة؛ إذ إنه مكَّنها بفضل ما يدرُّ من كسب من تخفيض ثمن بيعها، وبالتالي زيادة انتشارها، كما مكَّنها من أن توسِّع من مجال نشاطها، وأن تُضِيف إلى مهمَّة نشر الأخبار مهامَّ أخرى خطيرة مثل نشر الثقافة، وتوجيه الرأي العام، وبخاصةٍ بعد أن تمكَّنت الثورات السياسية المتتابعة من توسيع مجالات حرية الرأي والنقد للحكام، ورفع الصوت بمطالب الشعوب. ومنذ أن تحقَّق هذا الانقلاب الكبير دخلت الصحافة في منافسة خطيرة للكِتاب كوسيلة للتثقيف العام. وبفضل رخص ثمنِها وضخامة إمكانيَّاتها ازدادت قدرتها على المنافسة حتى تغلَّبت أو كادت تتغلَّب على الكتاب، على تفاوُت في النِّسَب في بلاد العالم المختلفة.

وإذا كانت الصحافة قد مرَّت في مصر أول الأمر بنفس المرحلة الإخباريَّة الخالصة التي مرت بها الصحافة العالميَّة؛ وذلك عندما كانت الوقائع الرسميَّة — وهي صحيفة الحكومة — تكاد تنفرد في بلادنا بمهمة الصحافة، وتقتصر أو تكاد على نشر القوانين والقرارات الحكومية، بل نشرها باللغة التركية لغة الحاكم في الأعداد الأولى التي أصدرتها، إلا أن هذا الوضع لم يلبث أن تغيَّر بنهضة الشعب المصري وبعثه واستيقاظه حتى قام بالثورة العرابيَّة الخالدة التي إذا كانت قد فشلت فإن فشلها لم يلق اليأس في نفوس الشعب المصري الذي ظلَّت ثوراته تتلاحق وتتجدَّد حتى كانت ثورته الأخيرة العاتية في ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢، وهي الثورة التي أطاحت بالملكية والفساد، وحقَّقت للبلاد كامل الاستقلال.

والذي لا شكَّ فيه أنَّ الصحافة المصرية قد لعبت في هذا التاريخ الثوري الحافل دورًا بالغ الخطورة منذ الثورة العرابيَّة حتى اليوم، ولاقت من الشعب إقبالًا منقطع النظير حتى رأيناها تكاد تَصْرِف الشعب عن قراءة الكتب ذاتها؛ وذلك بفضل تحوُّلها إلى صحافة رأيٍ ووعيٍ سياسي، ثم ثقافة إنسانيَّة عامة، وبفضل هذا النجاح الشعبي الواسع قَوِيت صحافتنا وازدادت إمكانيَّاتها، واستطاعت بحكم اتساع مجالاتها الثقافية ورخص ثمنها أن تنافس الكتاب منافسة خطيرة.

وظلَّت صحافة الرأي هي الرائجة المسيطرة الواسعة الانتشار، حتى وفدت إلينا في عشرات السنين الأخيرة نزعة إخباريَّة رخيصة طغت على بعض صحفنا الكبيرة، ونحن بالبداهة لا اعتراض لنا على الوظيفة الإخباريَّة للصحافة في عالمنا الحديث، ولكنَّنا نرفض أن تستحيلَ وظيفةُ الإعلام إلى وظيفةِ استثارةٍ رخيصة بالأنباء التافهة أو المخترعة أو الضارَّة، مثل مانشيت «سيدة تعض كلبًا» أو كل تلك الأخبار المُسرِفة المُثِيرة عن الجرائم والمجرمين، والتفنُّن في عرض وسائل الإجرام وحِيَل المجرمين؛ مما يُخشَى معه أن يُصِيب عددًا كبيرًا من القراء، وبخاصةٍ اليافعين بأضرار فادحة في السلوك الفردي والاجتماعي، وكل ذلك مجاراة لبعض التيارات الصحفيَّة السيئة التي تهتم بإبراز أنباء تفوُّق المجرمين العتاة على رجال الأمن وحماة الأخلاق وسخريتهم منهم، مع أنَّه من المؤكَّد أنَّه حتى لو حرصت الصحف على أن تؤكِّد وقوع المجرمين في يد العدالة، فإن الضرر لن ينمحي كله؛ وذلك لأنَّ حِيَل المجرمين ومغامراتهم الجريئة قد تعلق بأذهان اليافعين دون أن يمحوَها نبأُ وقوعِ أولئك المجرمين في يد العدالة، على نحو ما يؤكِّد رجال التربية أنَّ ذكر أخطاء تلاميذ الفصل الواحد كلهم قد يكون سببًا في انتشار تلك الأخطاء بين الجميع، وعلوقها بأذهانهم حتى ولو أردفها المعلِّم بتصويباتها.

وقد فطِنت الصحافةُ في بعض الدول المتقدمة، سواء في الشرق أو في الغرب إلى مسئوليتها نحو الجماهير، فهي تأنَف من أن تُقدِّم إليهم مثل هذا الغذاء الرخيص الذي ما هو — في أصدق تشخيص له — إلَّا أعراض لأمراض نفسية واجتماعية يعمل المجتمع على التخلُّص منها لا على زيادة سمومها أو عَدْواها انتشارًا أو تدميرًا.

الأجهزة الحركية

على أنه إذا كانت الصحف والمجلات قد أخذت تنافِس الكِتاب في مهمَّة نشر الثقافة، وكانت منافستُها قد اشتدَّت في بلادنا بنوعٍ خاص حتى أصبحت منافسةً خطرة غير متكافئة؛ فإن هذه المنافسة لم تقف عند الصحف، بل ظهرت إلى جوارها أجهزةٌ آلية بالغة القوة والإغراء، وهي السينما والإذاعة اللتين نستطيع أن نضيفهما إلى فنٍّ آخر قديم هو فن المسرح لتجتمع لدينا الأجهزة الحركيَّة الثلاثة التي تُغنِي عن القراءة والمراجعة والتمهُّل، وقلَّما تُتِيح فرصةً للجمع بين الدراسة والتفكير اللذين قُلْنا عنهما إنَّهما الوسيلتان الأساسيَّتان لكلِّ تثقيف صحيح.

وهذه الوسائل الثلاثة يجمع بينها كلها أنَّ الجماهير لم تستطع حتى الآن أن تنظر إليها تلك النظرة الجديَّة التي تستطيع أن تجعلَ منها أجهزةً أكيدة للثقافة. وإذا كان المفكِّرون والنقَّاد الواعون بمسئوليتهم إزاء شعوبهم يحاولون أن يجعلوا من هذه الأجهزة تلك الأدوات الثقافيَّة الحقَّة، فإن هذا المجهود الضخم لا يستطيع وحده أن يؤتي ثماره، وبخاصةٍ بعد أن تحوَّلت تلك الأجهزة في كثيرٍ من الحالات إلى صناعةٍ وتجارةٍ، يَبْغي منها بعض الناس مجرَّد الربح، حلالًا كان أم حرامًا. وهؤلاء الأفراد قد تستطيع الدولة أن تكفَّ أذاهم عن الشعوب بقوة الحديد والنار.

ولكنني شخصيًّا لا أحب مثل هذه الوسيلة العنيفة، ولا يمكن أن أدعوَ إليها، وأُفضِّل أن لو اكتمل للشعوب ذلك الوعي الذي يمكِّنها من معرفة مصالحها الحقيقيَّة، والتمييز بين ما ينفعها وما يضرُّها، وعندئذٍ ستستطيع أن تُملِي على هذه الأجهزة ما يجب أن تسْلُكَه من خطةٍ في أداء وظيفتها الاجتماعية. ومن المؤكَّد أنه لو انتشر هذا الوعي بين الجماهير لأصبحت بإقبالها أو بإعراضها الصامتَيْنِ أكبرَ ناقدٍ وموجِّه بل رادع. ولكن إلى أن تَستكمِل الجماهير هذا الوعي — أي إلى أن تبلغ سن الرشد — لا بدَّ للنقَّاد والمفكرين وقادة الرأي من حماية الجماهير من هذه الأجهزة الخطيرة دون أن يستطيع أحدٌ أن يحتجَّ على هؤلاء الروَّاد المخلصين بما يسمونه الإقبال الجماهيري أو إيراد الشباك.

ثم إننا حتى بافتراض استقامة القصد عند محترفي المسرح والسينما والراديو، واستقامة منهجهم في نشر الثقافة الحقَّة، لا نزال في حاجة إلى مناقشة قدرة هذه الأجهزة على أداء هذه المهمة، وهي مناقشةٌ طويلةٌ شاقَّة تعتمد على أسس نفسيَّة وثقافيَّة وتربويَّة، تبتدئ بتحديد الحالة النفسية التي يتلقَّى بها الأفراد ما تقدِّمه هذه الأجهزة من ثقافة، ويمتد حتى يصلَ إلى طبيعة ما يمكن أن تقدِّمه ووسيلة الاستفادة منه، وتكليف أساتذةٍ ثِقات بتقديمه. كما أنَّها مناقشة لا بدَّ أن تختلف باختلاف كلِّ جهازٍ منها؛ ولذلك لا بدَّ أن نُفرِد لكلٍّ منها — أي لكلٍّ من أجهزة الثقافة الخمسة وهي: الكِتاب، والصحف، والمسرح، والسينما، والإذاعة — حديثًا خاصًّا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠