فعالية هذه الأجهزة

والآن وقد فرغنا من استعراض أجهزة الثقافة المختلفة من إذاعة وسينما ومسرح وصحف ومجلات وكتب، نستطيع أن نَنظُر في فعاليَّة كلٍّ من هذه الأجهزة، وفي وسائل الاستفادة منها في الاتصال بالجماهير لتثقيفها وتهذيبها وتوجيهها والترويح عنها.

وعند النظر في فعاليَّة هذه الأجهزة نستطيع أن نعود إلى التقسيم الذي أشرنا إليه في المحاضرة الأولى من هذه السلسلة، وهو تقسيمها إلى أجهزة آلية وأجهزة غير آلية، وذلك على أن نُلحق المسرح تجوُّزًا بالقسم الأول، باعتبار أنه يعتمد على الكلمة المسموعة، وعلى المنظر المشاهد، وهما الوسيلتان اللتان تعتمد عليهما الإذاعة والسينما.

وأجهزة القسم الأول تستند كما قلنا إلى قانونٍ بشريٍّ خطير يقوَى نفوذُه في الحياة العصرية المُرهِقة للأعصاب، وهو قانون «أقل الجهود»، فمُشاهِد السينما أو المسرح أو التلفزيون والمستمع إلى الراديو لا يبذل من الجهد العصبي مثل ما يبذله قارئ الكتاب أو المجلَّة، وذلك فضلًا عن أنَّ هذه الأجهزة كثيرًا ما تلجأ إلى عدَّة وسائل مساعدة للترويح عن روَّادها وتسْلِيتهم كالموسيقى والغناء وغيرهما، وبذلك تُنافِس القراءة منافسةً شديدةً. وكلُّ ذلك فضلًا عن أنَّ هذه الأجهزة لا تتطلَّب معرفة بالقراءة؛ ولذلك نرى تأثيرها يمتد إلى البلاد التي تتفشَّى فيها الأمِّية، كالعالم العربي الذي لا تزال نسبة الأمية فيه بالغة الارتفاع، بل نسبة الإقبال على القراءة بين المتعلِّمين فيه بالغة الانحطاط للأسباب الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية التي سبق أن أشرنا إليها في المحاضرات السابقة.

ولكن هل معنى هذا أن نستسلمَ لهذا الوضع؟ وأن لا نعمل على تغييره وبخاصةٍ بعد ما أوضحناه من أنَّ هذه الأجهزة الآلية أو شبه الآلية لا يمكن أن تكفي كوسائل للتثقيف الحق، ولا يمكن أن تسدَّ الفراغ الذي يمكن أن يُخلِّفَه اختفاء الكتاب والمجلة من عالمنا العربي، أو بقاؤهما محدودي الانتشار والتأثير؟

من الواضح أنَّ الجواب لا يمكن إلَّا أن يكون بالنفي، وأنَّ الكلمة المكتوبة ستظل دائمًا أقوى عامل في تثقيف الجماهير وتهذيبها وتوجيهها والتأثير فيها. ومن المؤكَّد أيضًا أنَّ الإنسان المعاصر لن يستطيع التخلُّص ممَّا كان يعتقده أجدادُه البدائيُّون من قوَّةٍ سحريَّة للكلمة المكتوبة حتى ولو تخلَّص نهائيًّا من الإيمان بالتعاويذ والأحجبة والتمائم. وكلُّ ذلك فضلًا عن أنَّ الكلمة المكتوبة لا تحمل لقارئها معرفةً أو تثقيفًا أو توجيهًا فحسب، بل تُعتبَر محكًّا يشحذ عليه تفكيره وتأمله الخاصَّين، حتى قيل: إنَّ المقياس الحقيقي للكتاب الجيد هو مدى قدرته على أن يصبحَ بالنسبة للقارئ وسيلة للتفكير، وليس مقياس الجودة مقدار ما يضم الكتاب بين دفتيه من معرفة مكدَّسة أو مجموعة من هنا وهناك. ولذلك تُعتبَر الكتب، وستظل أبدًا، مناجم المعرفة والثقافة التي منها تَمتَح كافَّة الأجهزة الأخرى، بل نستطيع أن نُلحِقَ الصحف والمجلات — أي كل ما هو مكتوب — بالكتب في هذا الصدد. ونحن نرى الإذاعة مثلًا تستمد الكثير من برامجها مما هو مكتوب في الكتب أو الصحف أو المجلات، تنقُل عنها المعارف والأخبار والتعليقات بل المقالات أحيانًا كثيرة، وما ينبغي أن تظلَّ الشعوب محرومة من منابع المعرفة والثقافة الأصلية.

ولقد يقال إن جهازًا آليًّا كالراديو يُبسِّط المعرفة ويقدِّمها للجماهير بلغةٍ دارجة أو عامية لا يزال المؤلِّفون يستنكفون أن يكتبوا بها مؤلفاتهم، ولكنَّ هذا أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة، فاللغة الدارجة أو اللغة العامية في البلاد العربية لا تزال أضيق من أن تتسع للتعبير عن حقائق العلم والثقافة التي وصل إليها العالم المتحضِّر، والتي أصبح إلمام الشعوب بها ضرورةَ حياة واقتصاد وسياسة واجتماع؛ وذلك بحكم أنَّ هذه اللهجات العامية لم تستخدمها الشعوب العربية إلَّا للتعبير عن حاجات ومعاني حياتها الفقيرة المحدودة الآفاق التي زادها الجهل والتخلُّف خلال قرونٍ طويلة ضيقًا وفقرًا. وإذا كنَّا اليوم ما زلنا نُحسُّ أن لغتنا الفصحى عاجزة عن أن تستوعب العلوم والثقافات الحديثة، حتى لنرى بعض كلياتنا الجامعية كَكُلِّيات الطب والهندسة والعلوم لا تزال تُدرس فيها بعض العلوم باللغة الإنجليزية مثلًا، فكيف يتوهَّم أحدٌ أنَّ الإذاعة مثلًا تستطيع أن تقدِّم العلم مبسَّطًا في اللغة الدارجة أو العامية لعامة الشعب الأمِّي؟ ولنفكِّر مثلًا في بعض الحقائق العلمية الكبرى، مثل قانون الجاذبية، أو قانون النسبية، أو قانون وحدة الطاقة، أو قانون التطور، ولنبحث عن كيفية التعبير عنها بالعامية على نحوٍ دقيقٍ مُحدَّد، أو كما يقول المناطقة: «جامع مانع»، وإذا كانت اللغات الأوروبية لا تزال مضطرة حتى اليوم إلى أن تعودَ إلى اللغتين اليونانية واللاتينية القديمتين لاستنباط اصطلاحات العلم الحديث، فكيف نتصوَّر إمكان استخدامنا اللهجات العامية لشعوبٍ توقَّفت عن مسايرة رَكْب التقدُّم، كالشعوب العربية في تبسيط العلم وتقديمه للأمِّيين على نحوٍ يستطيعون فهمه والإفادة منه؟

والسينما والمسرح يقرُب الحُكْمُ عليهما من حُكْمنا على الإذاعة، فالقصة أو المسرحية المكتوبة ستظل الوسيلةَ الأولى لتثقيف المثقفين والقرَّاء العاديين على السواء؛ وذلك لأن النص المكتوب هو الذي يسمح بالتمهُّل عنده وفهمه الفهم الكامل، وتحليله واستيعابه ومناقشته ونقده واتخاذه وسيلةً للإيحاء. وما أظن أديبًا أو مفكِّرًا استطاع أو يستطيع أن يكتفي في تثقيف ملكاته الأدبية بالتردُّد على المسارح أو دور السينما. وإذا كان الرجل المثقف ذو الموهبة لا يستطيع أن يصقل ملكاته، وأن يغذِّيَها وأن يحصِّل جديدًا ويستوعب ويفيد بمشاهدة المسرحيات أو أفلام السينما، فكيف يُرجَى للأمِّي أن يتثقَّف أو يتعلم التفكير أو يستفيد فائدة حقَّة مما يعجز الأدباء والموهوبون أنفسهم عن الإفادة منه فائدة حقَّة؟

وكلُّ هذا فضلًا عما لن نملَّ تكراره من أنَّ عملية التثقيف الذاتي لا بدَّ أن تكون عملية إراديَّة جادَّة تتهيَّأ لها النفس التهيُّؤ الواجب، وتَبذُل في سبيلها ما تتطلَّب من جهدٍ شاقٍّ مستمر، وإنها لخرافة كبيرة أن نظنَّ أن مُشاهِد المسرح أو السينما الذي لا يذهب إلى دارهما إلَّا لمجرد التسلية وتزجية الفراغ، من الممكن أن يخرج منهما بفائدةٍ ثقافيةٍ حقَّة، وإنَّما كلُّ ما يُرجَى مِن تَردُّده عليهما رجاءً مستندًا إلى يقين هو أن نستخدِم هذين الجهازين في تربية الشعب تربيةً غير مباشرة تتمُّ إما بالترويح عنه والتسرية عن همومه وتخليصه من بعض مكبوتاته النفسية، أو مساعدته على فهم بعض حقائق الحياة إذا نجحنا في حمله على أن يتأمَّل ما رآه وأن يعكسَه على حياته الخاصة وحياة مجتمعه الصغير في الأسرة أو القرية أو الحارة، أو على حياة مجتمعه الكبير؛ أي شعبه ووطنه. وأمَّا تحصيل الثقافة الإيجابية وهضمها واستيعابها بعد تقليب البصر فيها ومناقشتها ونقدها على مهل، ثم اتخاذها وسيلة للتفكير الخاص، واستيحائها معاني جديدة، فأكبر الظن أنَّ كلَّ هذه المكاسب لا يمكن أن تتحقَّق على نحوٍ أكيدٍ إلَّا بالقراءة المتمهِّلة الواعية.

ونحن بالبداهة لا نستطيع أن نسوِّي بين كلِّ هذه الأجهزة في فعاليتها الثقافية، فالمسرح مثلًا يُعتبَر بلا ريب جهازًا أقوى من السينما والإذاعة في تثقيف الجماهير وتهذيبها وتوجيهها؛ وذلك لأنَّه لا يضحِّي بالنص الأدبي في سبيل المنظر أو الحركة كما تفعل السينما، كما أنَّه لا يضحِّي بالحركة المرئية والحياة النابضة المتحركة أمام الأبصار، كما يفعل الراديو في التمثيلية الإذاعية، بل إنَّ التلفزيون نفسه لن يُغنِي عن مشاهدة الحياة النابضة على خشبة المسرح، كما أنَّه لن يعوِّض ما يحدث في دار المسرح من تجاوُب بعض المشاهدين والممثِّلين، وما يجري في الصالة من روح جماعية ينصهر فيها الأفراد وتُفَكُّ عقدهم، ويندمج ما في بعضهم من شذوذ أو تمرُّد على النهج الإنساني العادي السليم.

•••

والأجهزة التي تعتمد على القراءة ليست هي الأخرى متساوية في فعاليتها؛ فالصحف اليومية مثلًا قلَّما تُقدِّم معوفة أو ثقافة عميقة مجدية؛ وذلك لأنَّ طابع الإخبار لا يزال طابعها الأصلي. والكثير من هذه الأخبار تافِه أو جزئي أو موقوت، فضلًا عن أن يكون كاذبًا مضلِّلًا؛ ولذلك قد تكون الصحافة مصدر ضرر كما قد تكون مصدر نفع، وهي على أيَّة حال تتطلَّب من القارئ الحديث درجةً من الوعي والثقافة، بل الروح النقدية قلَّما تتوفَّر لأفراد الشعب العاديين؛ ولذلك لا نراهم قادرين على أن يميِّزوا الطيِّب من الخبيث، والنافع من الضار، ولذلك يلوح لنا أنه كلَّما انحطَّت ثقافة الشعب ودرجة وعْيِه وبالتالي روحه النقدية، كلَّما ازدادت حاجة هذا الشعب إلى حمايته من التأثير المدمِّر الذي قد تُحدِثه الصحف، وبخاصةٍ الصحف التجارية التي لا تحس بأنها تنهض برسالة وتتحمل مسئولية أو تدافع عن مبدأ، وكلُّ ذلك فضلًا عن أنَّ الصحافة اليوميَّة لا تزال مُعتبَرة من السلع الاستهلاكية السريعة الفناء، بحيث لا ينقضي يومها حتى تأخذ سبيلها إلى سلَّة المهملات. وفي هذه الحقيقة ما يحول دون اعتبارها جهاز ثقافة يعود إليه القارئ كلَّما حَزَبه أمرٌ أو أحسَّ بحاجةٍ إلى بصيص من المعرفة، فضلًا عن استمرار وجودها في متناوله يرجع إليها لالتماس الثقافة كلَّما أحس برغبة في ذلك، أو وجد لديه متَّسعًا من الفراغ.

والمجلة الأسبوعية أو الشهرية أو غيرها تحتل، كما سبق أن قلنا، مكانًا وسطًا بين الصحيفة اليومية والكتاب، فهي تتمتَّع بتراجُع في الزمن يمكنها من أن تُغرْبِل الأخبار، وتميِّز الحقيقيَّ منها من الزائف، وتُعطِي الحقيقيَّ قيمته ومغزاه، وتقدِّمه للقارئ كمعرفةٍ أكيدة مفيدة؛ ولذلك تُعتبَر المجلات الجيدة سجلًّا أمينًا يُغربِل أحداث العصر، سياسيةً كانت أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية، ويعطيها قيمتها بتفسيرها ونقدها ووضعها في مكانها من التطوُّر العام؛ ولذلك لا تُصاب المجلات عادةً بالفناء العاجل الذي تُصاب به الصحف اليومية، بل تلعب المجلات أحيانًا دور الطليعة في تقديم كلِّ جديد ونقده وتقويمه قبل أن يتخذ سبيله إلى الكتب ليضاف إلى التراث البشري العام إذا كان يستحق هذا الشرف. ولكلِّ هذا، كثيرًا ما تتخذ المجلات مكانها إلى جوار الكتب في مكتبات الأفراد والهيئات والمكاتب العامة، وكلُّ ذلك طبعًا إنَّما ينطبق على المجلات الجادَّة ذات المسئولية، وأما المجلات المسفَّة أو الداعرة أو التافهة، فإنَّها لا يمكن أن ترتفع حتى إلى مستوى الصحافة اليومية وبخاصةٍ الصحافة اليومية الشريفة.

وبذلك ننتهي إلى أنَّ الكتاب كان وسيظل الجهاز الأول والأقوى والأجدى في تثقيف الجماهير وتهذيبها وتوجيهها. وقد أوضحنا في المحاضرة السابقة آراءنا في كيفية إنتاج الكُتب ذات الأهداف المختلفة، وكيفية توزيعها وتمكين عامَّة الشعب من الحصول عليها، ومدى التأميم الذي يجب أن تلجأ إليه الدول العربية في إنتاج وتوزيع بعض أنواع هذه الكتب.

وتبقى في النهاية مشكلة المشاكل وهي محو الأمية؛ أي نشر تعليم القراءة بين جميع المواطنين بلا استثناء، وبين الصغار والكبار على السواء؛ لأنه لا يجوز إنسانيًّا أن تنتظر الدول الموتَ ليخلِّصها من الأمِّيين الكبار، وكلُّ ذلك على أن تُغير مناهج التعليم العام تغييرًا أساسيًّا بحيث يثبت في ضمائر المُعلِّمين والطلبة — كما قلت في محاضرتي الأولى — أنَّ تعليم القراءة لا يجب أن يُنظرَ إليه كغاية في ذاتها، بل كوسيلة لتحصيل المعرفة وتثقيف العقول، بحيث يجدُ الطالب في القراءة من اللذَّة والفائدة ما يُغرِيه بمتابعتها حتى بعد خروجه من المدرسة، بدلًا من أن يُنظرَ إليها كعملية تعذيب وتسخير يحمد الله على الخلاص من أدائها، ويكون أول نتيجة لابتهاجه هو إحراق كلِّ ما تبقَّى بين يديه من كتب، ثم لا يلبث أن يعود أمِّيًّا كما كان. وأي تربية لا تُرسِّخ في نفوس الطلاب إيمانًا عميقًا بأن القراءة غذاءٌ روحيٌّ لا يقلُّ أهمية عن غذاء البطن، ولا يجوز أن يتوقَّف إلَّا بتوقُّف الحياة، وأنَّ الكتاب لا يقلُّ أهمية وجدوى على حياة الفرد من الرغيف، تُعتبَر تربيةً فاشلة لم تُحقِّق هدفَها الأساسي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠