الفصل الأول

الإذاعة

ما من شكٍّ في أن الإذاعة قد أصبحت اليوم أقوى جهازٍ تملكه الإنسانية لنشر الثقافة والفن وتوجيه الشعوب؛ فنحن قد نجد الآن في العالم العربي قرية ليست بها مدرسة أو مكتبة أو لا تَصِلها الصحف والمجلات فضلًا عن الكتب، وليس بها طبعًا مسرحٌ أو دارٌ للسينما، ولكنني أشك أكبر الشك في وجود قرية ليس بها جهاز للراديو. ومن المؤكَّد أن حرمان القرى من وسائل الترويح والتثقيف وانعزالها عن الحياة الحضَرية قد كانت من العوامل الفعَّالة في انتشار أجهزة الراديو بالقرى، وبخاصَّةٍ بعد أن أخذت عدَّة أنواع من الفنون والآداب الشعبية في التراجع والانقراض، مثل: مُنشدِي الملاحم الشعبية على الربابة، وخيال الظل، والقراقوز، وصندوق الدنيا، والمغنين الشعبيين، والسامر، والبرجاس وما إليها، بل إنه قد حدث أن رأينا الفنانين والمغنيين الريفيين يأخذون في العدول عن فنونهم وأغانيهم الشعبية كالمواويل وغيرها إلى الأغاني والطقاطيق التي يُذِيعها الراديو؛ وذلك بحكمِ ما لكلِّ شيء وافد من المدن من جاذبية لأهل الريف، حتى لنراهم يجنحون إلى محاكاة أو ترديد كلِّ ما هو مدني، ولو كان أقلَّ جمالًا من أغانيهم ومواويلهم الشعبية. والذين لا يملكون أجهزة راديو من أهل الريف من السهل أن يسترقوا السمع من جهاز يملكه العمدة، أو أحد أعيان البلدة، أو مقهى أو بقَّال في القرية، بحيث يمكن التأكيد بأن جهاز الراديو لم يعد ينافس جميع أجهزة الثقافة الأخرى من كتب وصحف ومسرح وسينما فحسب، بل أصبح ينافس أيضًا منافسةً قوية الآدابَ والفنون الشعبية المُتوارَث منها والتلقائي المُبتكَر على حدٍّ سواء.

الأمية والتخلُّف

ويزيد الراديو انتشارًا وتأثيرًا في العالم العربي ما تركه التخلُّف من أمية وفساد في مناهج التربية والتعليم وأهدافها؛ ففي معظم بلاد العالم العربي لا تتجاوز حتى الآن نسبةُ ما يعرفون القراءة والكتابة الثلاثين في المائة، بل إنَّ من هذا العدد نسبةً كبيرة لم تستطع أن تستخدم ما تعلَّمته من مبادئ القراءة والكتابة كوسيلة لمواصلة تحصيل الثقافة وتهذيب النفس ومتابعة انتصارات الإنسانية في ميادين العلم والثقافة والفن؛ وذلك لعدة أسباب، منها:
  • (١)

    أن بعض الحكومات كان ينظر إلى التعليم نظرةً مُرِيبة؛ وذلك لعلمها أنَّ الشعب إذا استنار لا يمكن أن يظلَّ خاضعًا لها وما تنزله به من بؤس، فهي تعلم حقَّ العلم أنَّ البؤس لا يحرِّك الشعوب، وإنَّما يحرِّكها الوعي به. والعلم والثقافة هما اللذان يمنحان الشعوب هذا الوعي؛ ولذلك حرصت تلك الحكومات على أن يُحصَر التعليم في أضيق الحدود، وأن يقصر مهمته على إعداد العدد الضروري من الموظفين اللازمين لإدارة أجهزة الدولة.

  • (٢)

    ولمَّا كان الاستغلال الخارجي والداخلي يستنزف الجانب الأكبر من ثروات البلاد، ويستنزف الإقطاع جانبًا آخر من تلك الثروات، فقد كان من الطبيعي أن تعجز ميزانية الدولة عن نشر التعليم على نطاق واسع لِما يتطلَّبه ذلك من نفقات كبيرة لبناء المدارس وإعداد المدرِّسين وكفالة حياتهم وتجهيز الكتب والأدوات المدرسية. كما أنَّ تلك الأوضاع الظالمة قد أدَّت إلى انخفاضٍ شديد في دخل الأفراد؛ بحيث أصبح المتعلمون منهم، كالموظفين بنوعٍ خاص، عاجزين عن تخصيص أي مبلغ من هذا الدخل الصغير المحدود لشراء كتاب أو مجلة أو أسطوانة موسيقية، وبذلك حُرِم المتعلِّمون أنفسهم من مواصلة تثقيف عقولهم وتهذيب أرواحهم؛ لعدم قدرتهم على تملُّك أجهزة الثقافة الأساسية. ومن الواضح أنه من العبث أن نطالبَ مَن لا يملك رغيفًا بأن يشتري كتابًا؛ لأنَّ ألم الجوع الجسمي أوضح وأكثر فتكًا بحياة الناس من الجوع الروحي. ومن البديهيِّ أنَّ الدولة العاجزة عن إنشاء المدارس كانت أشد عجزًا عن إنشاء المكاتب العامة ومراكز الثقافة وتعميمها في قرى البلاد فضلًا عن مدنها، ولا يمكن لحكومة رجعيَّة أن تنظر إلى وسائل الثقافة العامة نظرتها إلى مرافق الحياة الأخرى، بحيث تُمكِّن جميعَ المواطنين منها على نحو ما تمكِّنهم مثلًا من وسائل المواصلات أو ماء الشرب وغيرها.

  • (٣)

    أن مناهج التعليم العام في عهود الرجعيَّة كان يَعْتَوِرها فسادٌ خبيث؛ هو النظر إلى تعليم القراءة والكتابة كغاية في ذاتها، حتى كان الأطفال يُلقَّنون مبادئها دون أن يعلموا أنها وسيلة لتحصيل المعرفة. ومن المعلوم أنَّ القراءة بغير فهم ولا محاولة للفهم لا يمكن أن تُجدي فتيلًا، ومَثَلها كَمَثل السمع بدون فهم، والنظر بدون رؤية في نحو قولنا: سمعت ففهمت كذا، أو نظرت فرأيت كذا، فمن المؤكَّد أنَّ السمع غير الفهم، وأنَّ النظر غير الرؤية، وأن القراءة غير الإدراك وتحصيل الثقافة. وكذلك الأمر في الحفظ بدون فهم على نحو ما كان مواطنونا يحفظون القرآن دون فهم، والاستفادة مما يتضمن من قِيَم روحيَّة وأخلاقيَّة واجتماعيَّة.

وبسبب كل هذه العوامل لم تؤدِّ الرجعيَّة إلى انتشار الأميَّة الأبجديَّة في البلاد العربيَّة على هذا النحو الواسع المدمِّر فحسب، بل أدَّت أيضًا إلى انتشار الأميَّة العقليَّة التي تكاد تشمل الأغلبية الساحقة من المواطنين المتعلِّمين وغير المتعلِّمين، وإلى أن نتداركَ هذا التخلُّف المُمِيت لا بدَّ لنا من أن ننظر إلى الراديو الذي يعتمد على الكلمة المنطوقة والمسموعة كجهازنا الثقافي الأول.

أقل الجهود

ويزيد من أهمية الراديو وشدَّة إقبال الإنسان المعاصر عليه، أنه يمثِّل أقل الجهود في تحصيل الثقافة هو والسينما والمسرح، إذا قِيست هذه الأجهزة بالقراءة التي تتطلَّب مجهودًا عقليًّا وعصبيًّا لا يتطلبه الراديو.

ومن المعلوم أنَّ النظم القانونية والاجتماعية التي توفِّر للطبقات العاملة في الريف، بل في المدن أيضًا، شيئًا من الجهد وأوقات الفراغ لم تأخذ في التسرُّب إلينا إلَّا بعدما أخذ يتقلَّص عنَّا ظلُّ الرجعيَّة والاستغلال؛ فلم يكن هناك تحديدٌ لساعات العمل ولا للأجور، ولا تنظيم لأوقات الفراغ، بل كان العنصر البشري يُستغلُّ في الإنتاج المادي أقبح استغلال وأكثره استهلاكًا لطاقته الإنسانيَّة، بحيث كان من المستحيل أن يجد الفلَّاح أو العامل بعد الفراغ من عمله المُهلِك أيَّ قدرٍ على بذل المجهود اللازم للقراءة والفهم، وكل ما يستطيع هو الاسترخاء أو النوم، وبخاصةٍ أنَّ كل الأعمال الشاقة كانت ولا تزال إلى حدٍّ بعيد تُؤدَّى بالمجهود العضلي بحكم تخلُّفنا في استخدام آلات الإنتاج الحديثة في الزراعة وغيرها من مِهَن الريف والحَضَر.

بل إننا نستطيع أن نؤكِّد أنه إذا كان استخدام أو البدء في استخدام الآلات في الإنتاج قد أخذ يوفِّر من مجهود الإنسان العضلي، فإنه قد استبدل بهذا المجهود مجهودًا آخر لا يقلُّ قسوةً واستهلاكًا للإنسان، وهو المجهود العصبي؛ فسائق السيارة أو الجزَّار مثلًا قد يظل جالسًا ست ساعات أو أكثر دون أن يبذل أيَّ مجهود عضلي، ولكن مع ذلك يبذل مجهودًا عصبيًّا قاسيًا بيقظته المُستمِرة وانتباهه المُتصِل. ومن المؤكَّد أنَّ الجسم أكثر عجزًا عن تجديد النشاط العصبي منه عن تجديد النشاط العضلي، بل إنَّ علم التشريح الحديث قد أثبت أن الخلايا العصبيَّة التي تُستهلَك لا يَسهُل تجديدها كما يسهل تجديد الخلايا العضليَّة؛ ولذلك يسمُّون الخلايا العصبيَّة بالأنسجة النبيلة؛ وذلك بحكم أن تجديدها أمرٌ عزيز المنال.

ولو أننا أضفنا إلى كل ذلك مشقَّات الحياة العصرية التي تزداد تعقيدًا بالقياس إلى الحياة البدائيَّة، لأدركنا مدى عجز الإنسان المعاصر عن توفير ما يلزم من جهد وطاقة للقراءة، بحيث يتضح لنا الأساس العضوي والنفسي الذي يستند إليه الراديو وغيره من أجهزة السمع والبصر في منافستها للقراءة، التي كانت ولا تزال أهمَّ وسيلة وأجداها وأعمقها في تثقيف الجماهير. فالراديو يستمد قوته من قانونٍ إنسانيٍّ عام هو قانون أقل الجهود، وجاذبيَّة هذا القانون للإنسان المجهد في عصرنا الحاضر.

•••

وإذا كنا نخلُص من كلِّ ما تقدَّم إلى أن الراديو قد أصبح من أكثر أجهزة الثقافة انتشارًا وقوةً وإقبالًا من الناس، فقد بقي علينا أن ننظر في مدى قدرة هذا الجهاز على تثقيف الناس وإعدادهم للحياة الحقَّة. وللقيام بهذه الدراسة يجب أن ننظر على حدَة في كلِّ مادة من المواد التي تقدِّمها الإذاعة، وهذه المواد لا تخرج في مجموعها عن موادَّ ثقافية، وأخرى أدبيَّة وثالثة فنيَّة.

المواد الثقافيَّة

يقدِّم الراديو موادَّ ثقافية في صورة أحاديث أو محاضرات أو ندوات، ومن الواجب أن تتصفَ كافَّة المواد الثقافية التي تُقدَّم للجمهور بالبساطة والتبسيط وهنا كثيرًا ما يقع المشرفون على الإذاعة في خطأ كبير هو ظنهم أنَّ تقديمَ مثل هذه المواد لا يحتاج إلى كِبار الأساتذة والعلماء والمفكِّرين، بل قد يكفي لذلك أوساطهم أو المبتدئون منهم. وذلك مع أن تبسيط المعرفة لا يستطيعه إلَّا أكبر الأساتذة والمفكرين؛ لأن التبسيط يتطلَّب ممن يقوم به أن يكون قد تمثَّل المادة وهضمها هضمًا تامًّا، كما أنَّه يتعرض لخطرَيْنِ كبيرين؛ أولهما: الإسهاب الضار الذي تتميَّع فيه المادة، وتختلط التفصيلات بالحقائق الكبرى التي يجب التركيز عليها وإيضاحها كمساميرَ أساسية للثقافة، وثانيهما الغموض الذي يأتي من غموضٍ في عقل المتحدِّث نتيجة لعدم سيطرته على المادة التي يتحدث عنها أو نتيجة لإيجاز مخلٍّ يقع فيه، وإحالة على مجاهيل بالنسبة للسامعين. ومن المعلوم أن السامع يطلب سهولة ووضوحًا وتشويقًا يجذبه إلى متابعة الحديث واستيعابه في سرعة، وبخاصةٍ أنه لا يستطيع توقُّفًا للفهم، أو مراجعة لما يسمع، أو استيضاحًا للمتحدث على نحوِ ما يفعل عندما يقرأ كتابًا، أو يستمع إلى أستاذ يحاضر في قاعة الدرس.

ومن الواضح أنَّ تبسيط المعرفة لا يعني اختزالها، وذلك لما هو معلوم من أنَّ المعرفة المختزلة المُبتسَرة قد تكون أكثر ضررًا من الجهل. فنقص المعرفة بالأمراض المختلفة مثلًا ووسائل علاجها، قد يقود المُستمعِين إلى أوهام وكوارث صحيَّة. وهكذا الأمر في علوم وفنون التخصص الأخرى التي يجب ألَّا يعمل الراديو بإيهام الناس على أنَّهم يعلمون عنها شيئًا ذا غَنَاء مع أنَّ الجهل أسلم عاقبة من هذه النُّتَف الضارَّة؛ ولذلك ربما كان من الخير أن يقتصر الراديو في نشر الثقافة على العلوم الإنسانية العامة. وأما علوم التخصص فلا ينبغي أن يُقدَّم منها إلَّا ما تتطلبه ضرورات الحياة العاديَّة، ووسائل الوقاية وحسن التوجيه في محاربة الأمراض، ووسائل تشخيصها وعلاجها بواسطة المتخصصين، وحسن تنفيذ العلاج والسعي إليه ومواصلته.

وأما العلوم الإنسانيَّة العامة كمبادئ السياسة والاجتماع وفلسفة النفس والأخلاق، فهي المجال الذي يستطيع فيه الراديو أن يؤدِّي خدمةً واسعة في تثقيف الجماهير. وهذه الثقافة الإنسانيَّة العامة قد أصبحت في عالمنا الحديث وسائل حياة؛ لأن فهم الإنسان لنفسه وللغير وللمجتمع الذي يعيش فيه ونظمه وضروراته كفيلٌ بأن ينمِّي قدرةَ الفرد على التكيُّف مع الحياة والسيطرة عليها، وحسن تسخيرها لمصالحه المشروعة الوثيقة الارتباط بمصالح غيره من أفراد مجتمعه الصغير والكبير.

وإن يكن من المؤكَّد أن الراديو لا يستطيع أن يصل في تثقيف الجماهير هذه الثقافة الإنسانيَّة الضروريَّة إلى ما تستطيع أن تصل إليه القراءة الدقيقة المتأنِّية التي يستطيع معها القارئ أن يراجع النص مرَّة ومرَّة، بل أن يستعينَ بغيره أحيانًا حتى يحسن الفهم والاستفادة، أو الاستماع إلى أستاذ في قاعات الدرس؛ وذلك لأن حضور الأستاذ وحركته ونبرة إلقائه الحيَّة، والسلطة الروحية التي تشعها شخصيته الماثلة، وفرصة مراجعته والاستفسار منه، كل هذا خليقٌ بأن يعمِّق الفهم والتأثُّر والإقناع على نحوٍ لا يستطيعه الصوت المنبعث من آلة، والمتدفِّق في غير مهل ولا توقُّف كصنبور الماء.

المواد الأدبيَّة

والإذاعة تقدِّم اليوم كميةً كبيرةً من المسرحيات والقصص والأشعار وندوات النقد، وعما قريب سيجمع التلفزيون بين المشاهدة والسمع، بحيث يستطيع الإنسان أن يشاهد الممثِّلين وأن يسمعهم في نفس الوقت، فهل معنى ذلك أنَّ التلفزيون سوف يقضي على المسارح ودور الأوبرا بل دور السينما أيضًا؟

يقول المفكِّرون والباحثون: إن هذا الفرض لن يتحقَّق؛ وذلك لأن الراديو والتلفزيون سيظلَّان عاجزَيْنِ عن توفير ما يتوفَّر لمشاهد المسرح أو شاشات السينما الواسعة من متعة وتأثُّر وانفعال. وحتى اليوم لا يزال هناك مغنون كبار يرفضون أن يغنُّوا أمام حديدة الراديو، بل يعلنون عجزهم عن ذلك، ويقولون إنَّ الغناء تجاوبٌ بشريٌّ حيٌّ بين المغنِّي والمستمعين؛ ولذلك لا تستطيع الإذاعات تسجيل أغانيهم إلَّا في حفلات عامَّة يجتمع فيها الناس للاستماع والتجاوُب. وكما أنَّ السينما لم تستطع أن تقضي على المسرح، فإنَّ الراديو والتلفزيون هما الآخران لن يستطيعا القضاء على المسرح أو دور الأوبرا أو السينما، التي تخلُق فيها الاجتماعات البشرية جوًّا خاصًّا ومتعة جماعيَّة وتعميقًا للتأثُّر والانفعال، وإن كنا نلاحظ أن الراديو بتقديمه للمسرحيات يعزِّز أهمية النص الأدبي للمسرحية، ولا يدع حركات التمثيل أو المناظر تطغى على ذلك النص، بحيث يمكن القول إن الراديو يؤدِّي إلى تعزيز الأدب التمثيلي وتقريبه من اهتمام عامَّة الناس؛ وذلك لأنه بفضل حسن الإلقاء والتنغيم وحسن استخدام المؤثِّرات الصوتية يزيد من قوة تأثير النص الأدبي بما ينفث فيه من حياةٍ دون أن تطغى الحركة التمثيليَّة والمناظر — كما قلنا — على النص الأدبي، ذلك الطغيان الذي أدَّى إلى ظهور فنِّ التمثيل في العالم العربي منذ سنة ١٨٤٨، دون أن يستطيع هذا الفن الحركي البحت أن يؤدِّي إلى خَلْقِ أدبٍ تمثيليٍّ في العالم العربي إلَّا منذ ربع القرن الأخير.

المواد الفنيَّة

والراديو كما هو معلوم يقدِّم عدَّة ألوان من الفن كالموسيقى والغناء، وقد يقدِّم التلفزيون الرقص أيضًا عمَّا قريب. وفي هذا المجال تثور عدَّة مناقشات حول نوع الفنون التي يجب أن يقدمها الراديو، وعن مصادر تلك الفنون، فهل من الواجب أن يقدِّم الراديو الفنون الشعبيَّة المأخوذة عن الشعب نفسِه؛ أي الفنون المحليَّة، أم يقدِّم الفنون الحضاريَّة العالميَّة؟ وأيهما أجدى على الشعب؟ وما مدى تلك الجدوى أو إمكان حمله عليها؟ وقد سبق أن أوضحنا كيف أنَّ الراديو قد أصبح يصرف الشعب عن فنونه المحلية، ويَحمِل فنانين على محاكاة ما يسمعون من أغانٍ وطقاطيق بدلًا من أن يستمروا في إنتاج المواويل والتغنِّي بها، أو إنشاد ملاحم عنترة وأبي زيد، أو قصص ألف ليلة وليلة. وإذا كانت بعض اتجاهات شعبِنا الفنيَّة تُعتبَر رواسب من عهود مُظلِمة نرجو أن نعفي على آثارها، وما تركته في النفوس من شكوى يائسة أو استسلام ذليل أو تواكُل ضار، فهل من المصلحة أن نستخدم الراديو في القضاء على هذه الفنون واتجاهاتها بتعويد الشعب على ألوان أخرى من الفنون الصادرة عن روحٍ أكثر قوة وصلابة؟ وإلى أي مدًى يجب أن نَحمِل شعبنا على تذوُّق الفنون الحضاريَّة العالميَّة التي لم تعد قاصرة على شعب دون آخر، بل يشترك فيها الجميع كالموسيقى العالميَّة؟ وأخيرًا إلى أيِّ حدٍّ نستطيع أن نجمع بين الفنون الفولكلورية والفنون الحضاريَّة؟ كل هذه أسئلة تتطلَّب أبحاثًا طويلة عميقة يجب أن تُتخَذ أساسًا لرسم السياسة التي يجب أن يسير عليها جهازٌ ضخم قوي كجهاز الإذاعة، وبخاصةٍ في بلد كمصر وغيرها من البلاد العربية التي تحتكر فيها الدولة هذا الجهاز، ولا تتعدَّد فيها تلك الأجهزة، وإن كنَّا نلاحظ أن إذاعة القاهرة قد أَنشأت حديثًا البرنامج الثاني، وجعلت من مهامِّه الأساسية تقديم الموسيقى الحضاريَّة للشعب العربي.

اعتراضات أساسيَّة

والمحافظون من أنصار الثقافة العميقة والتربية الفردية يعترضون على الإذاعة واستفحال نفوذها بعدَّة اعتراضات هامَّة، منها: أن الإذاعة لا يمكن أن تصبح وسيلةً ناجحة للثقافة الحقَّة بحكم أن الناس لا ينظرون إليها إلَّا نظرتهم إلى جهاز للتسلية والترفيه. والثقافة تتطلَّب حالة نفسية جادَّة وتأهُّبًا إراديًّا لتحصيلها، ثم مجهودًا حقيقيًّا يجب أن يُبذَل في سبيلها، وهم أخيرًا يرون أن كلَّ ثقافة تتطلَّب اختيارًا للنوع الذي يريده الإنسان منها. والراديو لا يكاد يترك مجالًا لمثل هذا الاختيار؛ لأنه يتدفَّق كما يحلو له، وكما يريد المشرفون عليه، ولا حيلة للسامع في ذلك بينما هو يستطيع أن يتخيَّر ما يريد من كتب أو مجلَّات.

وأخيرًا يعترض هذا النفر من المفكِّرين والساسة على الراديو بأنه يقتل الفرديَّة، ويعمل على نشر روح القطيع بين الجماهير؛ أي على نشر ما يسمونه بالكونفورميزم؛ أي «الطابعيَّة» التي تدمغ جميع الناس بطابع واحد، وتصبُّ أرواحهم وعقولهم في قالب واحد؛ مما يقضي على الأصالة الفرديَّة وحريَّة الرأي والاختيار، حتى لكأنَّه يعصب بصائر الناس، ويسيطر على تفكيرهم.

وكل هذه الاعتراضات منها ما يمكن ردُّه، ومنها ما يمكن علاجه.

فالراديو إذا كان لا يمكن أن يُغنِي عن قراءة الكتب والمجلات، فإنه يستطيع أن يشوِّق الناس إلى مثل هذه القراءة ويُثِير حبَّ استطلاعهم، كما أنَّه من الممكن أن يعوِّض ما يفوت على الأميين وأشباه الأميين والعاجزين عن اقتناء الكتب والمجلات، أو العثور عليها في المكتبات ومراكز الثقافة، وذلك إلى أن ننجح في القضاء على الأميَّة الأبجديَّة والعقليَّة معًا.

والاختيار يمكن أن يتحقق بفضل ما درجت عليه الإذاعة من نشر برامجها مقدَّمًا على الجمهور، كما أنَّه من الممكن أن تتعدَّد دور الإذاعة إذا سمحت الدولة بذلك، بل من الممكن أن تَعُولَ تلك الدورُ نفسَها بواسطة الإعلانات التجارية إذا سُمِح لها بإذاعتها؛ لأنها ستجني منها دخلًا وفيرًا على نحو ما تفعل دور الإذاعة الأهلية المُنتشِرة الآن في بلد كفرنسا أو إيطاليا.

ويبقى الاعتراض الخاص ﺑ «الطابعيَّة» أو روح القطيع، وفي رأيي أن البلاد العربيَّة لا تزال بعيدة عن أن تخشى مثل هذا الخطر؛ لأننا لا نزال في حاجة ماسَّة إلى التقريب بين الثقافات والعقول في بلادنا المختلفة، بل بين الأفراد داخل الإقليم الواحد، حتى يستطيع خِرِّيج السربون أو أكسفورد أن يلتقي على فهم مشترك مع خِرِّيج الأزهر أو دار العلوم. وكل ذلك فضلًا عمَّا لا نزال نسعى إليه من تقريبٍ بين العقول في النظرة إلى الحياة وإلى المجتمع، وتنمية التقارُب في التفكير السياسي والاجتماعي والقومي.

خاتمة

وفي حدود الحقائق السابقة يمكن بلا ريبٍ الاعتماد على الإذاعة إلى حدٍّ كبير في محاربة الأميَّة بين الشعوب العربيَّة، وبخاصةٍ إذا ذكرنا أن سياسةَ دور الإذاعة الموجَّهة توجيهًا سليمًا قد أخذت تفطِن إلى الحاجات الثقافيَّة والعلميَّة لطبقات الشعب المختلفة، فأخذت تُفرِد لكلِّ طائفة ركنًا إذاعيًّا خاصًّا بها كركن العمال وركن الريف وركن الأطفال وركن المرأة. كل ذلك فضلًا عن المواد الثقافيَّة والفنيَّة العامة التي تصلح للجميع على اختلافٍ في النسب. وكلُّ ما أحرص على تأكيده هو أن يَذْكُر رجال التربية عندنا دائمًا أن الاعتماد على الراديو لا يجوز أن يُنظَر إليه إلَّا باعتباره ضرورة مؤقتة، وأنَّ هدف التربية النهائي يجب أن يكون محو الأمية الأبجدية، ثم الترغيب في القراءة حتى نستطيع بواسطتها أن نقضي حقًّا على الأمية العقلية، وبذلك تستطيع شعوبُنا العربية أن تُسايِر ركْبَ الإنسانية العام، وأن تساهِم في التقدُّم دائمًا إلى الأمام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠