الفصل الثاني

السينما

بعد الراديو تحتل السينما المكانة الثانية بين أجهزة الثقافة من حيث اتساع انتشارها وإقبال الجماهير عليها.

الآلة والإنسان

والسينما كغيرها من المُكتشفات الآليَّة الحديثة، يمكن أن تنفع الإنسان كما يمكن أن تضرَّه؛ وذلك لأن الآلة لا عقل لها بطبيعتها ولا قلب ولا ضمير، حتى قال المفكِّرون: «إنَّ العلم من الممكن دائمًا أن تسترقه أسلابُه.» فبالرغم من أنَّ العلم يصدر عن أسمى مَلَكة يملكها الإنسان وهي العقل، إلَّا أننا كثيرًا ما نرى مكتشفاته تُستخدَم ضد الإنسان، بدلًا من أن تُستخدَم في خدمته وتسخير قوى الطبيعة ونزواتها لمصالحه؛ ويرجع ذلك إلى عدَّة أسباب، منها: أنَّ العالم الحديث في صراعه العنيف من أجل وسائل الحياة الماديَّة قد أخذ يوجِّه للعلم ووسائلِه اهتمامًا أكبر، ويخصِّص له اعتمادات أوفر، حتى رأينا العلم يسبق بكثير في تقدُّمه وانتصاراته الدراسات والأبحاث الإنسانيَّة التي تهذِّب ذلك الإنسان الذي سيستخدم مُكتشَفات العلم. وربما كانت الأزمة التي يمر بها العالم اليوم راجعة قبل كل شيء إلى اتساع الهوَّة بين تقدُّم العلوم وتقدُّم الإنسانيَّات، وها نحن أولاء نشهد اليوم جهودًا ضخمة تُبذَل للحَيْلولة دون استخدام مكتشفات العلم ضد حياة الإنسان ووسائل تلك الحياة. ولعلَّ في الصراع الناشب حول قصر القوة الذريَّة على أغراض السلام، وعدم استخدامها في الحروب أكبر إيضاح لهذه الحقيقة المُفزِعة.

وإنه لمن المُفزِع أن نلاحظَ أنَّ الأجهزة الآلية التي اختُرِعت أول الأمر لخدمة الإنسانيَّات كالسينما لم تلبث أن استحالت إلى أداة للتجارة وكسب المال الحرام أو الحلال، ولو كان هذا الكسب يعتمد أحيانًا على بيع سموم للناس لا تقل تدميرًا عن المخدرات.

والسينما كفنٍّ أو صناعة آلية تيسِّر الاتِّجار بالمجهود البشري؛ وذلك لأنه إذا كان المسرح يتطلَّب من الممثِّلين بذل نفس المجهود في كلِّ مرة يعرِضون فيها مسرحية على الجمهور، فإن هذا المجهود لا يُبذَل في السينما غير مرة واحدة، ثم يطبع من الفيلم أي عدد من النسخ التي تَعرِض هذا المجهود في دُور مختلفة بل في بلاد مُتبايِنة أي عددٍ من المرات، وفي نفس الوقت أو في أوقات مُتفاوِتة. وإذا كان الفيلم يتطلَّب عادةً لإخراجه من المال أكثر مما تتطلَّب المسرحية؛ لشدة اعتماد السينما على المناظر، وجمعها بين فنونٍ مختلفة كالموسيقى والرقص والغناء، فضلًا عن التمثيل والغلاء الباهظ الذي وصلت إليه أجور نجوم السينما، فإنَّ آلية هذا الإنتاج وإمكان تعدُّد نُسَخه وانتشارها في بقاع الأرض لا يستطيع أن يعوِّض هذه النفقات الباهظة فحسب، بل يمكِّنها من ترخيص ثمن مشاهدتها ترخيصًا يجعل منها منافسًا شديدًا لدور المسرح بل دور الأوبرا أيضًا، حتى ليرى كثير من المفكرين أن اكتشاف السينما واتساع إمكانياتها وتحوُّلها إلى تجارةٍ مربحة قد كان من الأسباب الأساسيَّة التي أدَّت إلى تقهقُر المسارح ودور الأوبرا، لعجزها عن المنافسة.

والذي لا شكَّ فيه أنَّ تحوُّل السينما إلى عملٍ تجاريٍّ قد دفعها إلى أن تَنسَى كلَّ ما كان يُنتظَر منها كجهاز للثقافة والتهذيب، وكأداة للسموِّ بالبشرية لا للانحطاط بها، وذلك بينما نلاحظ أن المسرح قد نشأ أصلًا وفي أقدم العصور سواء في مصر الفرعونيَّة، أو في بلاد الإغريق القديمة في كنف الديانات، وفي دور المعابد، وتجدَّدت نفس الظاهرة في العالم المسيحي خلال القرون الوسطى عندما اندثر المسرح الوثني القديم، فنشأ مكانه مسرحٌ دينيٌّ مسيحيٌّ جديد كان يعرض في ساحات الكنائس، ويُقبِل عليه المؤمنون بالدين، فاكتسب المسرح بحكم هذه النشأة نظرة جديَّة، واعتُبر حامل رسالة، بينما نشأت السينما في عصرٍ كان فنُّ التمثيل قد انفصل فيه نهائيًّا عن رسالته الروحية القديمة، ولم يعد يحتفظ منها بأي أثر أو راسب. فكان من السهل أن تنقلبَ السينما إلى تجارةٍ على نحو ما هو مُشاهَد اليوم في كثير من البلاد التي تُطلِق العنانَ لكلِّ تجارة حتى ولو مسَّت هذه التجارة مقدَّسات البشر. وفي هذا التطور المفزِع أقوى تبرير لتأميم بعض الدول لهذه الصناعة، أو لهذا الجهاز الثقافي على نحو ما أُمِّمت غيرها من الصناعات الحيويَّة، أو من أجهزة الثقافة الأساسيَّة الفعَّالة كالجامعات ودور العلم، أو على الأقل الإشراف عليها وفرض الرقابة عليها باسم المجتمع؛ حمايةً له وخوفًا من أن يُستخدَم هذا الجهاز الخطير في تدمير مقوِّمات الحياة الاجتماعيَّة، وأسسها الأخلاقيَّة الضروريَّة.

ونحن نلاحظ أنه حتى قبل انتشار السينما كانت هناك أنواع من المسارح المسفَّة والكباريهات وعلب الليل، ولكننا نلاحظ أيضًا أنَّ تلك المسارح والدور كانت مقصورة على المُترفِين المنحلِّين الذين يرتادونها، ويستطيعون تحمُّل ما تتطلَّبه من إنفاقٍ باهظ، بينما رأينا السينما تنقل مشاهد تلك الدور المُغلَقة إلى الشاشة، وتمليها على عامَّة الجمهور بثمنٍ زهيد، وبذلك تُعمِّم الفساد الذي كان قاصرًا على بعض الأفراد، بل بعيدًا عن متناوُل الجماهير، حتى ولو رغبت فيه، كالرقص الخليع وغيره من الفنون المكشوفة أو على الأصح الفنون العارية.

السينما والمسرح

وننتقل من الحديث عن السينما التجارية المسفَّة إلى السينما التي يمكن أن تكون جادَّة مفيدة، بحيث تصبح جهاز ثقافة فعليَّة، لننظرَ إلى أيِّ حدٍّ يمكن للسينما أن تنافِس المسرح كجهاز ثقافة وتهذيب، بل أن تُغني عنه أحيانًا.

وأول ما نلاحظه هو أن المسرح يعتمد أولًا وقبل كلِّ شيء على السمع، بينما تعتمد السينما أولًا وقبل كل شيء على البصر، ومن الواجب أن ننظر في قدرة هاتين الحاستين لنرى أيهما أجدى في تثقيف الجماهير وإثارة خيالها ومشاعرها وانفعالاتها. وأنا أخشى أن لا ينتهي بنا هذا النظر إلى حكمٍ عام ينطبق على جميع الناس، وفي مستوياتهم الذهنية والعاطفية المختلفة، وربما كان هذا التفاوُت والاختلاف هو مصدرُ ما ثار ولا يزال يثور بين المفكِّرين والنقَّاد حول هذه المشكلة.

فأديبٌ كبيرٌ واسع الثقافة كجورج ديهامل يؤكِّد في كتابه «دفاع عن الأدب» أن الكلمة المسموعة كثيرًا ما تكون أقدر على الإثارة من المشهد المرئي، فيقول مثلًا: «قد يتفق أن يتكرَّم صديق فيقص عليَّ فيلمًا أعجبه، وإذا باهتمامي يستيقظ لأنَّ هذا الصديق ممن يُجِيدون القصص، حتى لقد يبلغ بي الأمر أحيانًا أن أذهبَ لأشاهد ذلك الفيلم، ولكنني أكاد أعود دائمًا من مشاهدته خائب الأمل خيبةً قاسية، فقصص الصديق قد جعلني أحلم، وأمَّا الفيلم فقد جعلني أنام!» ولا يقف ديهامل عند هذا الحدِّ، بل يعود إلى بعض ذكرياته كطبيب اشترك في الحرب العالميَّة الأولى، وعاد منها بذخيرة كبيرة من الملاحظات والتجارب التي استغلَّها أذكى استغلال في قصصه ومؤلفاته الثقافيَّة. فيروي في تأييد وجهة نظره في المفاضلة بين الكلمة المسموعة أو المقروءة والمشهد المرئي قصة صغيرة معبِّرة يقول فيها: «لقد لاقيت أثناء الحرب رجلًا في منتهى القسوة جافي القلب، كان طبيبًا وكان يلوِّح أنَّ مناظر البؤس والآلام والجراح لم تعد تؤثر فيه، وكان يحتفظ في أداء واجبه المخيف ببرود أرستقراطي تلوِّنه السخرية في بعض الأحيان، ولكن حدث يومًا أن دخلْت على هذا الرجل، فدُهِشت إذ وجدته وقد أغرقت الدموعُ وجهه، وهو يقرأ كتابًا عن الحرب، كتابًا يقص عليه نفس ما كان يرى كل يوم وكل دقيقة، ولو أنني كنت أجهل قدرة الألفاظ لاستطعت أن أدركها في تلك الساعة.»

وهذا الخلاف لا يقف عند المقابلة بين السينما من جهة والمسرح والكتاب من جهة أخرى، بل نشهده في الخلاف بين مذاهب الأدب والفكر في التأليف المسرحي ذاته. فالمذهب الكلاسيكي يرفض أن يعرض على المسرح مشاهدَ العنف المثيرة كالأشلاء والدماء، ويؤثِر الرواية على المشاهدة، ويؤمن أنه لا يفقد بذلك شيئًا من قدرته على الإثارة، بل قد يبزُّ الأديب القوي بالرواية المشاهدة البصرية ما دام يجيد الوصف والتصوير، بل إنَّ الكاتب الكلاسيكي الجيِّد ليؤمن أنَّ إثارة المشاهدين عن طريق الرواية لا تصل إلى هدفها فحسب، بل تُجنِّب المشاهدين مشاعر الألم والاشمئزاز التي لا بدَّ أن تثيرها في نفوسهم مشاهدُ الأشلاء والدماء، وذلك بينما يرى الرومانسيون أن الإثارة التي تستحوذ على المشاهدين وتهز كيانهم حتى تنسيهم ما يلتمسون في المسرح من تحريكٍ لركود حياتهم ونسيانٍ لتفصيلات مشاغلهم وهموم حياتهم اليومية، لا يمكن أن تتحقق إلَّا عن طريق المشاهدة، وأنَّ أي وصف أو تصوير لا يمكن أن يُغنِي عن تلك المشاهدة، وأن الناس في حاجة إلى رؤية المشاهد العنيفة؛ لكي يهتزوا أو ينسوا.

والمسرح الكلاسيكي يلجأ إلى كثير من الحيَل الأدبيَّة؛ لكي يستعيضَ بالرواية عن المشاهدة، فأحيانًا يجعل الممثِّلين يصف بعضهم لبعض ما يشاهدونه — عن بعد وخلف المسرح — من مشاهد العنف كمشاهد الحرب والتقتيل وتمزيق الأشلاء، فممثل يقول لآخر مثلًا: «انظر ها هو بطلنا فلان يحز رأس أحد الأعداء، وها هو آخر يبقر بطن ثالث وهكذا …» أو يستخدم راوية يدخل إلى المسرح ليقص على الممثِّلين ما حدث لشريكٍ لهم في أحداث المسرحية على نحو ما فعل الشاعر الفرنسي الكلاسيكي الكبير راسين مثلًا في مسرحيته العاتية «فدر»، حيث لا يعرض المشهد الذي تمزَّقت فيه أوصال بطلها «هيبوليت» بل يجعل راوية، هو صديق البطل، يقص ذلك المشهد المُفزِع الذي رأى فيه صديقه تتمزَّق أوصاله عندما جمحت خيلُ عربته بوحيٍ من الآلهة، فسقط من فوق العربة وتمزَّق إربًا. وقد علَّق جورج ديهامل على هذه الحيلة بقوله: «ولا يظنَّنَّ أحدٌ أن وسائل الإخراج في المسرح في عهد راسين كانت عاجزة عن أن تُرِيَنا رجلًا على عربة، فقد كانت تلك الوسائل غنية في بذخ، قادرة في مهارة، والشاعر لم يُرِنا بالفعل منظر موت هيبوليت؛ لأنه كان يعلم حقَّ العلم أن أيَّ منظر لا يمكن أن يصل إلى ما يمكن أن يصل إليه الخيال في عمله المدهش عندما يحرِّكه قصصٌ جميل مؤثِّر.»

ونحن عندما ننظر في طبيعة الفن المسرحي، وطبيعة الفن السينمائي لا يمكن أن نُقرِّر أنَّ الفنَّ السينمائي يستطيع أن يستخدم هذا المذهب أو ذاك على نحو ما يستطيع الفنُّ المسرحي؛ وذلك لأنَّ الفن السينمائي يقوم أصلًا على المشاهدة البصرية، ولا يمكن أن يعتمدَ على الرواية السمعية؛ لأن طبيعته نفسها لا تسمح بمثل تلك الرواية التي يقف فيها ممثل ليقص على الجمهور مثلًا حدثًا شاهده، بل إنَّ الحوار المنطوق كله يقضي الفنُّ السينمائي بأن يُوجَز أكبر إيجاز ممكن، وبهذا الإيجاز يتميَّز السيناريو قبل كل شيء عن الحوار المسرحي حتى يظلَّ فنُّ السينما فنَّ مشاهدةٍ بصرية فحسب. وعلى هذا الأساس يصبح حتمًا على السينما الجادَّة ذاتها أن تعرض أبشع المشاهد إذا كانت القصة السينمائية تتضمنها في تأليفها ذاته. ونحن نلاحظ أنَّ إنتاج هوليود، وهو الإنتاج القوي الطاغي الآن في الكثير من بقاع الأرض، يُسرِف أيَّما إسراف في عَرْض أمثال تلك المشاهد، بل يحرص — في الغالب — على أن تتضمَّن القصص التي يختارها لأفلامه مثل تلك المشاهد التي لا تؤذي الإحساس السليم عند عامَّة الأصحاء من الناس فحسب، بل نخشى أن يؤدِّي تكرارها وإلحاحها على إحساس الجماهير إلى تبلُّد ذلك الإحساس، وإلْف الناس لها بحيث ينثلم ذلك الإحساس، وتتبلَّد الطبائع وتنهار إنسانيَّتها.

السينما والأخلاق

ولمَّا كانت الجماهير ليست في حاجةٍ إلى التسلية أو التثقيف فحسب، بل في حاجة أيضًا إلى التربية الأخلاقية أو على الأقل إلى الحماية الأخلاقية، حيث نرى الحكمة العربية تقول: «إن الأدب خير من العلم.» وحيث نرى أحد كبار المفكرين الغربيين يقول: «إنَّ علمًا بلا ضمير خراب للنفس.» فإنه يتحتَّم علينا أن ننظر في علاقة السينما بالأخلاق وإمكان تأثيرها فيها.

ومن المؤكَّد أنَّ الأفلام البوليسية التي تفد إلينا من الخارج، وأفلام الإجرام العاتية، ثم أفلام الخلاعة الأجنبية والمحلية على السواء لا يمكن أن يبالغ أحد في مدى الأضرار التي تنزلها بالمشاهدين، وبخاصةٍ ضعاف النفوس منهم كالشبان واليافعين. وقدرة السينما على تدمير الأخلاق العامة والخاصَّة لا تُدانيها قدرة المسارح المسفَّة، أو الكباريهات أو علب الليل؛ وذلك بسبب ما تستطيعه السينما من تجسيم وتقريب للبعيد، وإيضاح أو تكبير للغامض أو الملفوف في ضباب الرؤية على نحو ما تفعل مثلًا في إظهار مغريات الأجسام العارية، أو تفاصيل وموحيات الرقص الخليع. وهذا هو ما فطِنتْ إليه بعضُ الدول ومن بينها الجمهوريَّة العربية المتحدة؛ حيث رأيناها لا تكتفي بفرض الرقابة على الأفلام الأجنبية والمحلية فحسب، بل تلجأ إلى تحريم مشاهدة بعض الأفلام على الأطفال واليافعين الذين لم يتجاوزوا السادسة عشرة من عمرهم، وإن تكن صعوبةُ تنفيذ مثل هذا القرار قد منعته من أن يحقِّق ما هدف إليه من حماية، وذلك فضلًا عن التفريق بين مَن هم أقل من السادسة عشرة ومَن هم أكبر منها لا يستند على أساس نفسيٍّ أو تربويٍّ واضح. ولا يزال الكثير من الأفلام المحليَّة والأجنبية تُحدِث أثرها المدمِّر كأفلام الإجرام وأفلام الخلاعة. ونحن نلاحظ — لسوء الحظ — أن المنافسة في إنتاج الأفلام لا تتجه إلى أعلى بل تتجه إلى أسفل، بحكم أنَّ الإسفاف يزيد من أرباحها، وبخاصةٍ في الأوساط البشرية التي لم تصل بعدُ إلى سنِّ الرشد الإنساني، ويستغل منتجو الأفلام السينمائية بعض الشعوب القُصَّر، فيُنتِجون لها ويصدِّرون إليها أحط الأنواع من هذه الأفلام.

والملاحظ أيضًا أن هذا التسابق إلى أسفل يزيد من بُعد الأدباء ذوي المسئولية عن تلك الصناعة، بل إنَّ منتجي الأفلام أنفسَهم لا يطلبون إلى أمثال هؤلاء الأدباء أن يكتبوا لهم قصصًا؛ لأنهم يحسُّون أنهم لن يقدِّموا إليهم قصصًا من النوع الذي يريدونه، ويشعرون أنَّ فيه ما يحقق أطماعهم الجشعة التي يشبعونها من كرامة الإنسانية.

بل إننا لنلاحظ — لسوء الحظ — أنَّ كثيرًا من الأفلام البوليسية وأفلام الإجرام خليقةٌ بأن تدمِّر الحياة الاجتماعية؛ وذلك لأنها تحرص دائمًا على أن تعرِض وسائل الإجرام العاتية، وتغلُّب المجرمين بواسطة هذه الوسائل على رجال الأمن الذين يمثِّلون المجتمع والسخرية منهم. وكلٌّ منا لا بدَّ قد شاهد تهلُّل الجمهور وصياحه وإعجابه كلما رأى لصوص البنك مثلًا يعبثون برجال الأمن و«يشكونهم مقلبًا» كما يقول شعبنا. وفي الوقت الذي يُؤمِن فيه المجرمون أو المنحرفون أو ضعفاء النفوس أن هناك احتمالًا في أن يعبثوا برجال الأمن ويغلبوهم ويفلتوا منهم، فلن تُجدِي عندئذٍ أيَّة قوانين جنائية، ولن يُجدِي فرضُ أيَّة عقوبات مهما بلغت شدتها ما دام المجرم يتوهَّم أن باستطاعته الإفلات إذا أحكم وسائل الإجرام، واستقى المعرفة بها من أصولها.

وهناك في عالمنا العربي فنٌّ خبيث يحرِص منتجو الأفلام عندنا على زجِّه في كلِّ فيلم يخرجونه للعب على الغرائز الجنسية عند اليافعين والشباب بنوعٍ خاص، وهم أكثر روَّاد السينما عددًا، ونعني به «رقص البطن» بما فيه من مجون وشطط، بل دعارة، دون أن يكون فيه أيُّ معنًى من معاني الفن السليم. ومن الواجب أن نحارب هذا الرقص، وأن نعملَ على أن يحلَّ محلَّه الرقص التوقيعي أو الرقص الشعبي أو الباليه الذي يمكن أن تُستمَد موضوعاته، بل الكثير من حركاته، من فنوننا الفولكلوريَّة السليمة.

السينما والتثقيف

والسينما في حرصها الشديد على اجتذاب الجماهير نراها تجمع بين عدَّة فنونٍ في الفيلم الواحد، حيث يضم كلُّ فيلمٍ تقريبًا موسيقى ورقصًا وغناءً وتمثيلًا ومناظر. وقد يظن البعض أنَّ في هذا غنًى وثراءً واستخدامًا لعدَّة فنون مجتمعة في التثقيف والتهذيب والتسلية، ولكن هذا الرأي لا يمكن قبوله على علاته؛ وذلك لأنَّ الجمع بين كلِّ هذه الفنون قد لا ينتُج عنه غنًى وثراء، بل تنتُج عنه بلبلةٌ وخلطٌ وتشتيتٌ للانتباه والتركيز، بل تناقُض أو تضارُب بين التأثيرات التي يمكن أن يُحدِثَها كلٌّ من هذه الفنون منفردًا.

وعندما نصل إلى مهمة التثقيف الخالصة لا بدَّ أن نواجهَ الروح التي تحدو الجمهور إلى التردُّد على السينما، فهذه الروح نراها في الغالب أبعد ما تكون عن الرغبة في التثقيف، وهي — في الغالب الأعم — مجرد رغبة في أيسر أنواع التسلية والترويح، وهي حتى في هذه الناحية أبعد عن الجدية من الروح التي يذهب بها الناشئ إلى المسرح حتى لنرى معظم أفراد الجمهور يرون في السينما ترويحًا وتسلية أكثر مما ينتظرون من المسرح، وفي الفارق بين الروحين ما يُرجِّح كفَّةَ المسرح كجهازٍ للتثقيف.

وتتبقَّى في النهاية الأفلام التي تُعدُّ للتثقيف خاصة، وهي الأفلام التي تُسمَّى بالأفلام الإخباريَّة حينًا، والأفلام الثقافية حينًا آخر، وهذا النوع من الأفلام نرى إنتاجه يزداد في بعض البلاد، حيث تحس السلطات المشرفة على الإنتاج برغبة الجمهور في التسامي عن طريق الثقافة والتربية الأدبيَّة والفنيَّة؛ فتعزِّز من إنتاج هذا النوع من الأفلام، وتستخدمه استخدامًا مدهشًا في تثقيف الجماهير، وتقديم المعرفة إليهم بأسهل السبل وأدقها، وتبصيرهم بانتصارات العلم المتتالية، بل انتصارات الفن أيضًا، حيث نراهم يَعرِضون مثلًا فيلمًا للوحات هذا الفنان أو ذاك، وإذا بفنِّ السينما ينفث الحياة في تلك اللوحات، ويوضِّح الأبعاد ويُبرِز الضياء والألوان على نحوٍ لا تستطيعه العين المجردة، ولكن من الواضح أنه لا يمكن أن تصبح مثل هذه الأفلام سلعة تجارية مربحة؛ ولذلك لا ينهض بإنتاجها غير الدول ذاتها، وهي تعتبرها كجزء من مرفق التعليم العام، وتعتبرها من أهم وسائل الإيضاح التي تستخدمها في تعميق المعرفة وإيضاحها وتجسيمها، وبالتالي وسيلة لتثقيف الشعب ثقافة صحيحة.

السينما والسياسة

وهذا المبحث الأخير يقودنا بالضرورة إلى نظرة مذاهب السياسة والاجتماع المختلفة إلى السينما ووظيفتها في المجتمع.

فالمحافظون من أرستقراطية الفكر يهاجمون السينما في عنف، ويرون أنها أبعد ما تكون عن أن تَصْلُح جهازًا للثقافة والتثقيف، بينما يرفض الاشتراكيُّون الشعبيُّون مثل هذا الرأي، ويتَّهمون المحافظين الأرستقراطيين بأنهم يريدون أن يحرموا الشعوب من الاستفادة من السينما كأداة تثقيف جماهيرية قوية، ويزعمون أن الأرستقراطية الفكرية في هجومها على السينما ليست مخلصة، وأن السينما إذا كانت تعجز عن أن تصبحَ أداةً للتثقيف والتهذيب، فإنَّما يرجع ذلك إلى سيطرة أصحاب رءوس الأموال عليها، وهم الذين لا مصلحة لهم في نشر الثقافة بين الجماهير، بل مصلحتهم في أن تظلَّ تلك الجماهير جاهلةً غيرَ واعيةٍ معصوبة الأعين حتى يستطيعوا الاستمرار في استغلالها. والسينما شأنُها في ذلك شأن كافة الاكتشافات العلمية في ميدان الآلة؛ فهذه الاكتشافات قد تُستخدَم في غير مصلحة الشعوب، بل في الإضرار بتلك المصلحة، كأن تُستعمَل كأدوات للفتك والتدمير أو يُستغنَى بواسطتها عن الأيدي العاملة فيتعطَّل العمال ويموتون جوعًا، بينما يمكن أن تُسخَّر كلُّ هذه الاكتشافات في مصلحة الشعوب، وإعفاء العمال من بعض المجهودات العضليَّة المضنية أو الإرهاق العصبي المدمر، حيث يمكن إنقاصُ ساعات العمل بفضل الإنتاج الآلي على نحوٍ يمكِّن جميع العمال من العمل ولو لساعات قليلة كل يوم دون إنقاص أجرهم، بل مع زيادة هذا الأجر بفضل الطاقة الإنتاجية الضخمة التي تصل إليها الآلات. كذلك من الممكن أن توضعَ السينما في خدمة الشعب، وأن يُبتعدَ بها عن الاستغلال التجاري الجشع، وذلك بتأميمها أو إحكام رقابة الدولة عليها كجهاز حضاري قويٍّ من جهة التثقيف والتهذيب الشعبيَّيْنِ.

خاتمة

وهكذا نخلص من هذه الدراسة إلى أنَّ السينما ككلِّ الاكتشافات العلمية الحديثة لا يمكن أن تُعتبَر شرًّا في ذاتها، وإنَّما يمكن أن تُصبحَ مصدرًا للشر إذا أُسِيء استخدامها، كما أنَّه من الممكن أن تصبحَ وسيلةً خيِّرة فعَّالة في نشر الثقافة والتهذيب إذا أُحسِن استخدامها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠