الفصل الخامس

الكتاب

وأخيرًا ننتهي إلى أهمِّ جهاز من أجهزة الثقافة وأعمقها أثرًا، وهو الكتاب الذي وإن كانت الأجهزة الأخرى — وبخاصةٍ الأجهزة الآلية كالإذاعة والسينما، ثم الصحف — آخذة في منافسته منافسة شديدة، إلَّا أنَّ تطوُّر العالم الحديث يُنبِئ بأن الكتاب لن يستردَّ مكانته فحسب، بل سيعود إلى الصدارة بين أجهزة الثقافة المختلفة؛ وذلك لعدة أسباب:
  • (١)

    أنَّ شعوب العالم كلها قد تنبهت إلى خطر الأمية، واتخذت من محاربتها أساسًا لكلِّ نهوض ماديٍّ وصحيٍّ واجتماعيٍّ؛ فالمال ككل شيء آخر يمكن أن يُساء استخدامه، أو أن تضيع فائدته إذا وُضِع بين أيدي الجهلاء، بحيث يمكن القول إنَّنا لسنا على ثقةٍ من أنَّ العامل الجاهل سوف يستفيد الفائدة الحقَّة من رفْع أجره. ونحن نلاحظ لسوء الحظِّ في الأوساط الجاهلة كيف أنَّ العامل لا يكاد يرتفع أجْرُه حتى يفكِّرَ بجهله في الزواج من زوجةٍ أخرى أو أكثر. وبدلًا من أن يُنفِق ما أصابه من دخلٍ أكبر في الانتقال إلى مسكنٍ صحيٍّ، وتناول غذاء أحسن، كثيرًا ما نراه يستخدم هذا المال الفائض في تناوُل المخدرات التي تقوِّض حياته وحياة أسرته، وتؤدِّي إلى حرمان هذه الأسرة من الغذاء الكافي. والذي لا شكَّ فيه أنَّ الجهل من أهم أسباب هذه الكوارث التي يجهل الأميُّون مدى خطورتها، كما أنَّ الجهل خليقٌ بأن يعوق جميع مشروعات الصحة الوقائية والعلاجية عن أن تُؤتِي ثمارها؛ وذلك لأن كلَّ هذه المشروعات لا بدَّ من معاونة الشعب في تنفيذها، وهو لن يُعاون إلَّا إذا أدرك أهميتها وجدواها على حياته وآمن بها. وهذا الإدراك لا يستطيعه جاهل.

  • (٢)

    أنَّ الخط الفاصل بين العمل العقلي والعمل الجسمي قد أخذ في الزوال؛ فالعلم الآن يغزو كافَّة الميادين حتى ليتوقَّع العالم أن تنمحي في المستقبل القريب كلُّ ضرورة للمجهود العضلي الذي ستحلُّ محله الآلات، التي لا تحتاج في إدارتها إلَّا إلى مجهود ذهني وعصبي، وهذا المجهود يحتاج إلى معرفة سابقة وتدريب وثقافة علمية كافية، وكلُّ هذا لن يقدِّمه إلَّا الكتاب، حتى رأينا منظَّمة اليونسكو ترصد جائزةً كبيرةً هي جائزة كالينجا التي تُمنَح سنويًّا لأحسن كاتبٍ يؤدِّي خدمةً ممتازة في نشر الثقافة العلمية بين الجماهير. وقد أُعطِيت جائزة سنة ١٩٥٧ للعالم الفيلسوف برتراند رسل الذي كتب بهذه المناسبة مقالًا قال فيه: «إنَّ العلوم الحديثة والاكتشافات والاختراعات وضعت بين أيدي الحكَّام والمحكومين قوَّة هائلة يمكن استخدامها للخير، كما يمكن استخدامها للشر. فإذا كان الرجال القابضون على زمام هذه القوة لا يعرفون ما تنطوي عليه من عناصر الخير أو الشر ولو معرفة محدودة، فإنَّهم لن يتمكَّنوا من استخدامها بحكمة ودراية. وفي البلاد الديمقراطية لا بدَّ من تلقين الثقافة العلمية لرجال الحكم، ولعامة الناس في وقت واحد، وكان العلماء من قبلُ ينظرون باستخفاف واستنكار إلى الكُتَّاب الذين يبذلون نشاطهم في الكتب والصحف لنشر العلوم، وجعلها في مستوى القارئ العادي بحيث تعمُّ فائدتها الطبقات الشعبية، ولكن هذه النظرية تغيَّرت الآن، وأصبح من الواجب العناية بنشر الثقافة العلمية حتى نمحو الأمية العلمية بين الجماهير. وكم من الناس يعرفون الآن ما يجب أن يعرفوه عن الطاقة الذريَّة، وما يترتَّب على استخدامها وكيفية هذا الاستخدام. إنَّ الثقافة العلمية التي ندعو إليها هي إدخال العلوم كفرعٍ في نشر الثقافة، والاهتمام بالعلوم بقدر الاهتمام بالأدب والشعر والموسيقى، هي تنوير الجماهير لكي تدرك كلَّ ما يجب أن تُدرِكَه من حقائق، وتعرف ما يجب أن تعرفه من خفايا العلوم، حتى تكون لها قوتها وأثرها في توجيه العلماء والساسة إلى استخدامها في سعادة البشرية دون استخدامها في التدمير والفناء.»

  • (٣)

    وهذه الملاحظة الأخيرة لبرتراند رسل توضِّح سببًا آخر من الأسباب التي تدعونا إلى التفاؤل فيما يختص بمستقبل الكتاب، حامل الثقافة الأول. فالشعوب سوف تُقبِل بلا ريب على التزوُّد بالمعرفة العلمية لكي تستطيع فرض رقابتها الضرورية على مكتشفات العلم، وكيفية استخدام تلك المكتشفات والبعد بها عن الانحراف؛ فالمكتشفات العلمية كما أثبتت أبحاث الذرة يمكن أن تُستخدَم في خدمة الإنسان ورفاهيته، كما يمكن أن تُستخدَم في فنائه وتدمير ثرواته، وإدراك الشعوب لخطورتها هي التي ستنبِّهها إلى ضرورة فرض رقابتها على الحكام الحمقى الذين قد يفكِّرون في استخدامها في الفناء والتدمير، وصرفها عن خدمة الحياة. كما أنَّ معرفة الجماهير بالكفاية الإنتاجية الضخمة للآلات، وإمكان حلولها محل الأيدي العاملة هي التي ستمكن الجماهير من الاحتفاظ بحقها في الحياة، ومنع الآلات من أن تحرمهم من قوتهم. ومن المؤكَّد أنَّ وعيَ الجماهير المتزايد هو الذي حال، وسوف يحول، دون فقدانهم فرص العمل، وكسب قوتهم أو انتزاعه من بين براثن الرأسماليين الذين يريدون أن تستغلوا الآلات في محاربتهم. وفي بلاد العالم أجمع لا نجد اليوم غير نظامين: نظام أمَّمت فيه الدولة الآلات والمصانع، وسلَّمت بحقِّ كلِّ فرد في العمل، وكسْب قوت حياته من هذا العمل، بحيث نراها تهيِّئ فرص العمل لكلِّ فرد، فتعترف بمسئوليتها عن خلْق هذه الفرص، وتحديد أجر عادل للعامل؛ ونظام تقوم فيه النقابات بالدفاع عن حقوق العمَّال لدى أصحاب رءوس الأموال، فتطالب مثلًا بتخفيض ساعات العمل حتى تتيح لأكبر عددٍ من العمال فرصة العمل بواسطة نظام الدوريات، مع الاحتفاظ بمستوى الأجور بحيث لا تتأثر بخفض ساعات العمل، بل المطالبة بزيادتها كلما ازدادت الكفاية الإنتاجية للآلات والمصانع. كل ذلك فضلًا عن المحاولات الاضطرارية التي يلجأ إليها أصحاب المصانع لإشراك العمَّال في أرباح المصانع عن طريق بيع بعض الأسهم لهم بالتقسيط، أو تحديد نسبة من الربح للعمال، وإشراكهم في إدارة المصانع، حتى رأينا أمريكا تخترع ما تسميه اليوم بالرأسمالية الشعبية. وكلُّ هذه التطوُّرات والمشروعات والنظم تتطلَّب معرفةً وثقافةً فنيةً واقتصاديةً وعلميةً، لا بدَّ للعمال أن يُحصِّلوها ليستطيعوا الدفاع عن حقِّهم في الحياة، ومن البديهيِّ أنَّ الكِتَاب سيظل الوسيلة الأولى لكلِّ هذه المعلومات والثقافات.

إنَّ التطور العالمي يوحي بأنَّ الشعوب سوف تتغلَّب إن عاجلًا وإن آجلًا على كافَّة العقبات التي تعوق انتشار الكتب والإقبال على قراءتها؛ فجميع شعوب العالم اشتراكيةً كانت أم رأسمالية، تتطوَّر نحو تخفيض ساعات العمل اليومي والإقلال من المجهود العضلي أو العصبي أو الذهني الذي يبذله العمال على نحوٍ منهكٍ لقواهم مستغرقٍ لطاقتهم. وليس من شكٍّ في أنَّ العامل والفلاح الذي سيجد في نفسه فضلًا من الطاقة ومتَّسعًا من الفراغ سوف يُقدِم على قراءة الكتب والاستفادة منها، وبخاصةٍ عندما يكمُل وعيُه وإحساسه بأنَّ الثقافة التي سيحصِّلها من الكتب قد أصبحت ضرورةَ حياة، ووسيلة عيش، ودفاعًا عن حقوقه، ولم تَعُد ترفًا يمكن الاستغناء عنه. كذلك الأمر في العائق الاقتصادي، فإنَّ تطور العالم نحو رفع مستوى الأجور، وربط هذا المستوى بقوَّة الشراء الفعليَّة للنقود لا بدَّ أن يؤدِّي إلى تمكين العمَّال والفلاحين من شراء الكتب على نحو ما يشترون الخبز، وبخاصةٍ إذا نظَّمت الدولة على نحوٍ أو آخر طريقة طبْع الكتب ونشْرِها وتوزيعها وبيْعها على نحوٍ يضمن رخص ثمنها، أو على الأقل عدم المغالاة في هذا الثمن، باعتبار أنَّ الكتب لم تَعُد سلعةً عاديَّة من سلع التجارة، بل أصبحت مرفقًا عامًّا ووسيلة حياة.

خطط التنظيم

على أنَّ هذا التطور الذي نتوقَّعه لا يمكن أن يتحقَّق كله آليًّا، وإنما ذكرنا مبرِّراته لندلَّ على أن المجهود الذي يمكن أن يُبذَل في هذا السبيل لن يضيع سدًى ما دامت له مُذْكياتُه النابعة من حقائق واقعنا الإنساني الراهن.

ولكن ما هي المجهودات التي يجب أن تُبذَل؟ وكيف نستطيع تنظيمها؟ وأُحبُّ هنا أن أقصر الحديث على عالمنا العربي؛ لأنَّ مشكلاته لا تتضمَّن المشكلات الإنسانية العامة فحسب، بل تُضاف إليها مشكلات أخرى محلية، وفضلًا عن أنَّ واجبنا الأول يقتضي أن نعالج مشاكلنا قبل أن نعالج مشاكل الغير أو مشاكل الإنسانية العامة.

والذي لا شك فيه أن من واجبنا أن ننظر في عالمنا العربي إلى مشكلة القراءة وضرورة حلِّها نظر البلاد المتطورة التي أصبحت تنظر إلى القراءة والتزوُّد بالمعرفة نظرَها إلى الغذاء المادي سواء بسواء، بحيث تستمر عملية القراءة والتثقيف باستمرار الحياة، ولا تتوقَّف إلَّا بالموت الذي تتوقَّف به أيضًا عملية التغذية البدنية. والمشكلة على هذا الوضع تتطلَّب تنظيمًا وتخطيطًا لمراحل هذه التغذية الروحيَّة المتتابعة.

فيجب أن ننظر أولًا في كيفيَّة إنتاج الكتب التي نحتاجها لهذه التغذية العامة، كما يجب أن ننظرَ في كيفية توزيع هذا الغذاء، وتمكين عامَّة الشعب منه، وتسهيل وسائل الاستفادة به.

وإنتاج كتب العلم والأدب والفن والثقافة المبسَّطة يتطلَّب أولًا وجود العلم والأدب والفن والثقافة في لغتنا العربية. وليس بخافٍ أن نهضتنا الثقافية والعلمية والأدبية والفنية الحديثة التي أخذت تظهر في عالمنا العربي منذ أوائل القرن التاسع عشر، قد بدأت متأخِّرة عنها في العالم الغربي بثلاثة قرون على الأقل؛ إذ إنَّ النهضة الأوروبية الحديثة قد أخذت تظهر ابتداءً من القرن السادس عشر في البلاد الأوروبية. ولا يجوز أن يتصوَّر أحدٌ أنَّنا سنحتاج إلى ثلاثة قرون أخرى لكي نعوِّض ما فات، وذلك بشرط أن نعتبرَ الحضارة والثقافة والعلم الأوروبي وغير الأوروبي ملكًا لنا كما هو ملكٌ للأوروبيين والأمريكيين والروس، فهو ليس من إنتاجهم وحدهم، بل هو إنتاج استند إلى تراثٍ بشريٍّ كبير تجمع في العصور القديمة والوسطى التي ساهم فيها عالمنا العربي والشرقي مساهمةً كبرى في خلق هذا التراث.

وعلى أساس هذه النظرة الواعية يجب أن يبدأ عالمُنا العربي والشرقي بحركة ترجمة ونقل واسعة النطاق، تنقُل إلى لغتنا العربية كنوز العلم والمعرفة التي يمتلكها العالم المُتحضِّر المعاصر، وإلا فكيف نريد مثلًا أن نؤلِّف كتبًا مبسَّطة لعامة الشعب في العلوم والآداب والفنون والفلسفة والاجتماع والسياسة، ونحن لم ننقل بعدُ كلَّ هذا إلى لغتنا، بل لا تزال جامعاتنا تُدرِّس الكثير من العلوم كالطب والكيمياء والطبيعة، وبعض فروع الهندسة باللغات الأجنبية وبخاصةٍ اللغة الإنجليزية، وإذا كانت لغتنا الفصحى نفسها لم تُستخدَم حتى اليوم في تدريس هذه العلوم في الجامعات، فكيف نريد أن نؤلِّف فيها كتبًا مبسَّطة باللغة الدارجة أو العامية لجمهور الشعب؟ وإذا ذكرنا أنَّ اللغة العامية أو اللغة الدارجة قد ظلَّ استعمالها مقصورًا بسبب جهل مَن يستخدمونها، وضيق أفقهم الثقافي على ضرورات الحياة المادية، وفي حدود المعاني والقِيَم المختصرة التي تقتضيها حياة الأمِّيين، فكيف يمكن أن تتَّسع هذه اللغة للتعبير عن العلوم والثقافات الواسعة التي تتسع لها لغات المتحضِّرين الواسعة الآفاق؟

وعلى هذا النحو يتضح كيف أنَّ الخطوة الأولى يجب أن تكون نقْلَ العلوم والثقافة أولًا إلى اللغة العربية الفصحى، ولكن إلى أن تتمَّ هذه العملية الجبَّارة، هل نظل ساكنين ساكتين، ونترك الشعب محرومًا من المعرفة والثقافة في عالم امَّحي فيه، كما قلنا، الخطُّ الفاصل بين العمل العقلي وبين العمل الجسمي؛ أي بين العلم وبين الإنتاج المادي؟ والجواب هو: بالطبع لا. فمن الواجب أن نشرع فورًا في تأليف كتب المعرفة والثقافة المبسَّطة. وهنا نتساءل أيضًا: هل يجب أن نعْتمِد في هذا الصدد على الكتب الأجنبية المبسَّطة نقوم بترجمتها إلى اللغة العربية أو اللغة الدارجة؟ أم نحاول نحن تكليف علمائنا ومثقَّفينا تأليف هذه الكتب؟ ونحن إذا راجعنا كتب العلم والثقافة الأوروبية أو الأمريكية المبسَّطة لن نلبث أن نتبيَّن أن هذا التبسيط لا يزال أعلى من مستوى البيئات المتخلِّفة كبيئتنا العربية، وإلَّا فهل يحسب أحدٌ أن كتابات برتراند رسل التي بسَّط فيها العلم والثقافة، ونال بفضلها جائزة كالينجا لسنة ١٩٥٧ يمكن أن يقرأها ويستفيد منها عامَّة شعبنا ممَّن تعلموا فك الخط، بل متوسطو التعليم من أفراد هذا الشعب؟ ولهذا سُرِرت أيَّما سرور بمجموعة الكُتَيبات التي أعدَّها هذا المركز ضمن السلسلة التي يُسمِّيها سلسلة المتابعة؛ أي متابعة تعليم وتثقيف مَن يفرغون من مرحلة التعليم العام الإجباري في بلادنا، ويا حبَّذا لو توفَّرت الجهود لتوسيع هذه السلسلة وتكميلها بحيث تشمل أوسع ما يمكن أن تشمله من نواحي العلم والثقافة، وحبَّذا أيضًا لو أقبلت دِوَلنا على نشر هذه السلسلة، ووضعها في متناول ملايين العرب الذين يفتقرون إليها وإلى أمثالها أكبر الافتقار، وبَحثَتْ عن وسائل لتشجيع قراءتها والإقبال عليها.

ولو أننا تركنا مشكلةَ الإنتاج لِنواجه مشكلة التوزيع للاقينا عدَّة مشاكل أخرى؛ ففي البلاد العربية لم تصل أجور العمَّال والفلاحين بعدُ إلى مستوًى يسمح لهم بشراء الكتب، كما أنَّ تشريعات العمل لم تتقدَّم بعدُ، بحيث تُوفِّر لهم فيضًا من الطاقة ومتسعًا من الفراغ يتمكَّنان بهما من الإقبال على القراءة بفرض أنهم تعلَّموها. كما أن عمليات التصنيع واستخدام الآلات في الإنتاج لم تتسع بعدُ على النحو الذي يوفِّر من طاقة البشر، ويسمح في الوقت نفسه برفع مستوى أجورهم. وفي مثل هذه البيئة تزداد مسئولية الدولة، ويزداد واجبها في تمكين المواطنين من الحصول على الكتب وقراءتها؛ وذلك بتعميم نظام المكاتب العامة وفروعها، بحيث تنشأ في كلِّ قرية أو في كلِّ مدرسة أوليَّة أو ابتدائية أو وحدة مجمَّعة مكتبةٌ تزوِّدها الدولة بعدَّة نسخ من كلِّ كتاب يصلح للقراءة العامة، وأن يُوضَع لنظام الإعارة قواعد سمحة تستند إلى اعتبار الكتب سلعة استهلاكية غير خالدة، بحيث لا يستحوذ الرعب على أُمَناء تلك المكاتب عندما يضيع كتاب أو يتمزَّق أو يبلى، ويحاسبون عليه حسابًا عسيرًا، مما يشمل حركة الإعارة في المكتبة. وإذا كانت الدولة تنفق الملايين لتوفير الرغيف الرخيص للمواطنين، فلماذا لا تنفق مثلها أو بعضها لتوفير الغذاء الروحي وهو الكُتُب؟ وإذا كنا لا نريد تأميم طبع الكتب ونشرها، ومجازاة المؤلِّفين عن مجهودهم؛ وذلك حرصًا على حرية الفكر وعلى انطلاق دوافع الإبداع عند المواطنين، فلا أقلَّ من أن تصبح الدولة ناشرًا كبيرًا، وأن تؤسِّس هيئة خاصة لمباشرة هذه المهمة الإنتاجية الكبرى؛ وذلك لكي تقوم هذه الهيئة أولًا بنشر كتب الثقافة والعلم العميقة التي لا تُعتبَر سلعة تجارية تُقبِل عليها دُور النشر التجارية الهدف، ثم نشر كتب العلم والثقافة المبسَّطة التي يكتبها علماؤنا وكبار أدبائنا ومثقَّفينا للقراءة العامة. ومن الواجب أن تُخفَّض أثمان هذه الكتب إلى أدنى حدٍّ ممكن، ولو تحمَّلت الدولة في سبيل ذلك بعض النفقات على نحو ما تتحمَّل فرق ثمن الرغيف مثلًا بين قيمته السوقيَّة الفعليَّة وثمن بيعه للمُستهلِكين.

صورة المعرفة

والصورة التي يحسُن أن تتخذها كتب المعرفة والثقافة المبسَّطة تحتاج إلى شيءٍ من النظر والدراسة، فهل تتخذ هذه الكتب صورة العرض التقريري أم تتخذ إحدى الصور الأدبية أو الفنية التي تغري بالقراءة، وتُنشِّط الإقبال عليها، وتعتمد على الحِيَل الأدبية المختلفة كالإشارة والتشويق في صورتي القصة والدراما؟

وهنا نواجه أيضًا نظريتين تربويتين مختلفتين: إحداهما تقول بأن الثقافة والمعرفة لا يمكن تحصيلهما تحصيلًا صحيحًا مفيدًا إلَّا في حالة نفسية جادَّة، وإرادة صادقة، واستعداد لبَذْل المجهود المطلوب والصبر عليه. وهذه الحالة النفسية الخاصة لا تتوفَّر إلَّا لقارئ الكتاب المؤمِن بهدف ما يبذل من جهد، والمُستعِد لبذل هذا الجهد والصبر عليه. وهذا هو قارئ كتاب العرض التقريري، وأما قارئ القصة والدراما التي تحتال بصور الأدب والفن لنشر الثقافة والمعرفة، فقارئ غير مؤهَّل نفسيًّا لتحصيل هذه المعرفة وتلك الثقافة، ولا جدوى من الاحتيال عليه لتلقينه تلك المعرفة أو الثقافة. ولا وجه للمقارنة هنا بين مثل هذا القارئ والمريض الذي نحتال عليه لتجريعه الدواء بتغليفه في برشامة يسهل ابتلاعها؛ وذلك لأنَّ القراءة لا يمكن أن تكون مُجدِية إلَّا إذا أصبحت عملًا إراديًّا مستمرًّا.

وفي رأينا أنَّه من الممكن التوفيق بين النظريتين والجمع بينهما في عملية التثقيف الشعبي الواسعة التي نريدها؛ وذلك بأن يهدف المُشرِفون على هذه العملية إلى تأليف سلسلتين من هذه الكتب لا سلسلة واحدة، وأن تتخذ السلسلة الأولى الأكثر تبسيطًا صورة القصة أو الحوار، فمن أمثال تلك الكتب يمكن أن يبتدئ القارئ في تذوُّق طرف من تلك المعرفة أو الثقافة والإحساس بجدواها على حياته، وبذلك نستثيره لطَلَب المزيد من هذه المعرفة أو الثقافة، ونشجِّعه على بذل الجهد والصبر عليه في مطالعة السلسلة الثانية التي تتخذ طابع العرض التقريري، وتتوسَّع في تقديم المعرفة أو الثقافة وتثبيتهما في نفس القارئ في هذه المرحلة الثانية من مراحل تثقيفه. والعيب الوحيد الذي يَرِد على هذا الاقتراح هو طبعًا مضاعفة الجهد والنفقات في إعداد سلسلتين بدلًا من سلسلة واحدة. وإن يكن مثل هذا العيب يمكن تلافي بعضه بتبصير القرَّاء بأنهم يستطيعون اختيار هذه السلسلة، أو تلك حسب مستوى ثقافتهم ووعيهم وإرادتهم وصَبْرهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠