كلمة
إن نبض الحياة في أمة من الأمم يشبه نبض الحياة في جسم من الأجسام؛ وهو الإحساس بالخير، والوعي للصواب والخطأ. ولما كان مركز الإحساس والوعي في الجسم هو المخ، فإن هذا المركز في الأمة هو المخ أيضًا، ومخ الأمة هو الفكر وأهل الفكر.
وعلى ذلك فلا حياة لأمة إلا بإحساسها ووعيها لما يحدث لها. ولقد كان إحساس مصر ووعيها في مطلع هذا القرن وقبله هو حاجتها إلى أن يكون لها صوت وإرادة في حكم نفسها. على الأقل في المجال الداخلي — ما دام الاحتلال البريطاني يشلها في المجال الخارجي — فكان أن ارتفع صوتها بمطالبة الخديو بالدستور. وكان شباب الأمة وقتذاك كلما مرَّ بهم موكب الخديو هتفوا: «الدستور يا أفندينا.» فلما قامت ثورة ١٩١٩م وأدَّت إلى تطبيق دستور يكفل نوعًا من الديموقراطية سُمِع فيه رأي الشعب، وتجلَّت فيه صور من التعبير عن وعيه لشئونه ومشكلاته؛ بدأت تتضح معالم حياته، وتتشكل ملامح شخصيته. ولكن هذه الديموقراطية ما لبثت أن انحرفت عن مجراها الطبيعي؛ بالانقسامات الحزبية التي كانت تديرها وتثيرها الأيدي الخفية للسراي والسياسة البريطانية؛ لإيجاد الفُرقة بين الأقلية والأغلبية، وفطن أهل الفكر الحر إلى ذلك الانحراف، وبدأَت الكتابة فيه، وكتبتُ أنا — بالفعل — «شجرة الحكم»؛ تصويرًا لانحراف الديموقراطية وتزييفها.
وجاءت الحرب العالمية الثانية، وظهر نوع من الأثرياء الجدد، أُطلِق عليهم يومئذٍ «أثرياء الحرب»، كما ظهرت في بلادنا أعراض الرأسمالية المستغِلة التي كنا نسمع عن أمراضها في الغرب، وأخذت موازين المجتمع تختلُّ؛ إلى حدٍّ شعرنا معه بضرورة التفكير في الاشتراكية، وتوزيع الملْكية والثروات توزيعًا عادلًا. واقترح — بالفعل — أحد أعضاء مجلس النواب في ذلك العهد تحديد الملكية الزراعية بمائة فدان، كما عرض أحد وزراء حزب الأغلبية على البرلمان مشروعًا برفع ضريبة الأطيان على كبار الملاك، ومشروعًا للضمان الاجتماعي، كما نشرت جريدة «المصري» لأحد هؤلاء الوزراء خطبة جاء فيها تحبيذ للاشتراكية، مما جعل خصوم هذا الحزب يدسُّون له عند الملك فاروق بقولهم إنها دعوة للشيوعية.
وظهر جليًّا أن وعي الأمة الحي النابض لا بد أن يهبَّ؛ ليدفع البلاد في اتجاه اشتراكي داخل إطار النظام الديموقراطي؛ إذ كان من المستبعد أن يتم ذلك عن طريق انقلاب عسكرى؛ لأن الجيش هو القوة التي كان الملك فاروق يعتمد عليها باعتباره الرئيس الأعلى للجيش.
فلما قام الجيش بهذا الانقلاب كانت دهشة للجميع، خاصة أن جيش الاحتلال البريطاني كان مرابطًا على مقربة من القاهرة، وكان من الممكن لدباباته وطائراته إجهاض حركة الجيش في دقائق، وعُلِم بعدئذٍ أن أمريكا تدخلت لتأييد حركة الجيش المصري ضد فاروق، وشلَّت يد بريطانيا، واختلفت الأسباب في موقف أمريكا؛ وفُسِّر — فيما فُسِّر — بأنه خوفها من الاتجاه الاشتراكي عن طريق شعبي لا يمكن السيطرة عليه فيؤدي إلى الشيوعية، ولا بأس عندها من اشتراكية محكومة بقبضة جيش.
مهما يكن من أمر؛ فقد قامت حركة الجيش بعد طرد فاروق بإصدار القرارات لتحقيق الأماني التي سبق للأمة أن فكرت فيها وعملت لها، ورحبنا جميعًا بهذه الحركة، وأسميناها الحركة المباركة، ثم أُطلق عليها وصف الثورة. وتعلقت الآمال بثورة يوليو ١٩٥٢م. ونشطت هذه الثورة لمحاسبة العهد السابق ومحاكمة رجاله؛ فأنشأت محاكم الثورة ولجان التطهير ونحو ذلك. ولم تسفر هذه المحاكمات عن مخالفات جسيمة عرَّضت البلاد بالفعل لخسائر ماحقة أو هزائم قاصمة، إلا أننا كنا — نحن — قبل الثورة قد اعتبرنا ما كان يحدث من انحراف وتزييف للديموقراطية أمرًا لا يمكن السكوت عليه طويلًا، ولا بد له من التصحيح والتوجيه إلى الطريق الاشتراكي.
فلما جاءت ثورة يوليو ١٩٥٢م، ووضعنا فيها أملنا في هذا التصحيح والتوجيه؛ وجدنا أن هذا يحدث في إطار الحكم المُطلَق، ومع ذلك رضينا بهذه الاشتراكية بديلًا عن الديموقراطية؛ أي عن الحرية الليبرالية.
ولكن مع مرور الوقت اتضح لنا شيئًا فشيئًا أن تطبيق الاشتراكية عندنا أصبح مماثلًا لتطبيق الديموقراطية، وأن ما وضعناه قبل الثورة من انحراف وزيف للديموقراطية بدأ يقابله انحراف وزيف للاشتراكية؛ إذ لا يمكن التطبيق السليم للاشتراكية مؤديًا إلى هذا المستوى الاجتماعي السيئ للشعب؛ وإلا كانت الاشتراكية نفسها مخيبة لآمال الشعوب. وإذا كانت الديموقراطية عندنا قد انحرفت إلى نوع من الانتهازية السياسية، فإن الاشتراكية عندنا قد انحرفت هي الأخرى إلى نوع من اللصوصية البيروقراطية.
لهذا كتبتُ هذه الصورة في كتاب «الحمير» التي قد تُماثل من حيث التناول الفني الكاريكاتوري تلك الصور السابقة في كتاب «شجرة الحكم».
ولعلم أولئك الذين قد يسألون: لماذا لم تظهر هذه الصور كلها من كتاب «الحمير» في عهد سابق؟ أقول لهم مؤكدًا أنها أُرسِلَت بالفعل للنشر في جريدة الأهرام في ذلك العهد السابق أمام شهود قُرِئت عليهم، ولكن رئيس التحرير المسئول للأهرام وقتذاك وجد حرجًا شديدًا في النشر، وحبس المسرحيتين الأولى والثانية؛ أي «الحمار يفكر» و«الحمار يؤلف» حبسًا طويلًا في مكتبه دون أن يرى من الممكن نشرهما على الإطلاق. إذن فالوعي قد وُجِد، والقلم قد كتب، ولكن النشر قد مُنِع. وهذا ما لم يكن يحدث في مصر من قبل؛ فلقد نُشرت صور «شجرة الحكم» بما فيها من سخرية بحكام في كراسي السلطة دون أن يجرؤ أحد منهم على منع النشر.
وبعد …
فما الذي يريده مثلي الآن من نشر هذا الكتاب؟
كل ما أريد هو أن يظل نبض الحياة في أمتنا قائمًا بوظيفته الحيوية، ولا قيمة لحياة بغير وعي، وكما أن الوعي عندنا قبل الثورة قد جعلنا نفحص الديموقراطية؛ لنتبين فيها مواضع الزيف، كذلك يجب علينا — إذا كان نبض الحياة فينا لم يقف — أن نفحص الاشتراكية لنتبين فيها مواضع الزيف.
وإذا كانت الاشتراكية عندنا قد انحرفت أو زُيِّفَت، كما انحرفت من قبلُ الديموقراطية أو زُيِّفَت، فلماذا قَبِلْنا محاكمة الديموقراطية المنحرفة، ولم نقبل فكرة المحاكمة للاشتراكية المنحرفة؟
وإذا كانت ثورة يوليو ١٩٥٢م قد حاكمت الديموقراطية المنحرفة؛ لأنها أدَّت إلى هزيمة حرب ١٩٤٨م، فلماذا لا تحاكَم الاشتراكية المنحرفة التي أدَّت إلى هزيمة حرب ١٩٦٧م؟
وشتان بين نتائج الهزيمتين وخسائر الهزيمتين!
من حسن الحظ أن جوهر شعبنا — على الدوام — سليم لم يُمَس، وأن معدنه نفيس. والجوهر الخالد والمعدن النفيس ضد الزيف. وإنه ليتعين أن نبدأ صفحة جديدة تكون فاصلة بين الزيف والصدق، وبين المرض والصحة. وكما أنه لا يمكن الدفاع عن الصحة بالتستُّر على المرض، كذلك يجب الدفاع عن سلامة المستقبل بالكشف عن كل ما قبله. والدوام لمصر.