سوق الحمير

المنظر الأول

(المكان قرب سوق للحمير … نهيق يُسمع عن بُعد … خارج هذه السوق يجلس شخصان يبدو من ملابسهما وهيئتهما الزرية أنهما من العاطلين المتسكعين.)

العاطل الأول (لزميله) : تعرف تقول لي إيه الفرق بينا وبين الحمير؟
العاطل الثاني : الفرق أهو إنت سامعه.
العاطل الأول : النهيق؟
العاطل الثاني : بالضبط كده … النهيق.
العاطل الأول : يكونش النهيق ده هو كلام الحمير؟!
العاطل الثاني : لازم كده.
العاطل الأول : يعني هي دلوقت بتتكلم؟
العاطل الثاني : وجايز بتهتف كمان!
العاطل الأول : يا ترى بتقول إيه؟!
العاطل الثاني : أظن لازم تكون حمار علشان تعرفها.
العاطل الأول : وبتكلم بعضها بصوت عالي جدًّا؟!
العاطل الثاني : طبعًا … مش لازم تسمع بعضها.
العاطل الأول : أنا كنت فاهم الحمير بتتهامس!
العاطل الثاني : ليه؟ علشان إيه؟
العاطل الأول : زيِّنا يعني.
العاطل الثاني : لا اطمئن … الحمير مش زيِّنا!
العاطل الأول : صدقت … الحمير دي جنس متحضِّر!
العاطل الثاني : بتقول إيه؟! متحضر؟!
العاطل الأول : عمرك شفت حمير برية؟ فيه خيول برية، وجاموس بري، وحمام بري، وقطط برية … لكن الحمير طول عمرها عايشة بينا … تشتغل وهي ساكتة، وتتكلم بحُرية.
العاطل الثاني : بحُرية؟
العاطل الأول : قصدي بصوت عالي.
العاطل الثاني : بمناسبة الصوت، تقدر تقول لي إحنا مش عارفين نعيش ليه حضرتك وحضرتي؟!
العاطل الأول : علشان حضرتك وحضرتي مفلسين.
العاطل الثاني : ومفلسين ليه؟
العاطل الأول : علشان ما حدش سائل عنا … لو كان لنا سوق زي سوق الحمير ده كنا لقينا اللي يشترينا.
العاطل الثاني : وماحدش يشترينا ليه؟
العاطل الأول : لأننا بضاعة محلية.
العاطل الثاني : وما له؟!
العاطل الأول : لا … الفلوس لازم تندفع في بضاعة بلاد بره.
العاطل الثاني : ما تيجي نعلن عن نفسنا.
العاطل الأول : بإيه؟
العاطل الثاني : بصوتنا.
العاطل الأول : ما يطلعش.
العاطل الثاني : واشمعنى صوت الحمير طالع؟!
العاطل الأول : لأنها زي ما قلت لك جنس متحضر.
العاطل الثاني : أنت شوَّقتني … آه لو كنت حمار! زي اللي جاي ده … بص شوف هناك … الحمار ده اللي ساحبه الراجل وطالع به من السوق … يا ترى اشتراه بكم؟ شوف طالع به معتز كده وشامخ!
العاطل الأول : أنا جت لي فكرة.
العاطل الثاني : إيه هي؟
العاطل الأول : تحب تبقى حمار؟!
العاطل الثاني : أنا؟! … إزاي؟!
العاطل الأول : مالكش دعوة … تحب ولَّا ما تحبِّش؟
العاطل الثاني : أحب … بس ازاي؟!
العاطل الأول : أقول لك … عندك الحمار اللي جاي علينا ده … وساحبه الرجل اللي اشتراه … حاروح أنا أقابل الرجل وأشغله بالكلام … تكون أنت بتحل الحبل من رقبة الحمار بدون صاحبه ما يشعر، وتربط الحبل في رقبتك إنت.
العاطل الثاني : بس كده؟! وبعدها؟
العاطل الأول : بعدها يسحبك إنت … وأسحب أنا الحمار.
العاطل الثاني : ويسحبني على فين؟
العاطل الأول : ماعرفش بقى … إنت وحظك.
العاطل الثاني : إنت بتتكلم جد؟!
العاطل الأول : مش إنت اللي عاوز كده؟
العاطل الثاني : أربط في رقبتي حبل ويسحبني؟!
العاطل الأول : وفيها إيه؟! على الأقل تلقى واحد يضمن لك لقمة تاكلها.
العاطل الثاني : وهي حاتبقى اسمها لقمة؟ … حايبقى اسمها عليق!
العاطل الأول : زي بعضه … حاجة تتَّاكل والسلام!
العاطل الثاني : على رأيك … بدل الجوع والصياعة … بس بقى حادخل على الرجل ده بأي شكل؟
العاطل الأول : إنت وشطارتك.
العاطل الثاني : نجرَّب!
العاطل الأول : داري نفسك … مش لازم الرجل يلمحنا مع بعض.

(يفترقان … ويخلو المكان … ويظهر الرجل وهو — فيما يبدو — مُزارع … يمسك بحبل يسحب به الحمار خلفه … ويأتي العاطل الأول ويتقدم إليه.)

العاطل الأول : سلام عليكم.
المزارع : وعليكم السلام.
العاطل الأول : الله! … إنت يا عم مش عارفني ولَّا إيه؟
المزارع : إنت تبقى مين؟
العاطل الأول : أبقى مين؟! هو مش كان عيش وملح؟!
المزارع : مش واخد بالي … سبق أكلنا مع بعض عيش وملح؟!
العاطل الأول : يعني نسيت كدا بالعَجَل؟! ما ينسى المعرفة إلَّا ابن الحرام.
المزارع : أنا ابن حرام؟!
العاطل الأول : ما عاش اللي يقول عليك كده … أنا قصدي اللي ينسى أصحابه … لكن انت والحمد لله كلَّك شهامة وإنسانية، بس انت راح من بالك شكلي … أصل احنا اتقابلنا بالليل … على العشا … بأمارة ما كان القمر ليلتها غايب.
المزارع : القمر؟ … إمتى؟ … وفين؟
العاطل الأول : أنا أفكَّرك … بس اصبر لما تنحل العقدة!

(ينظر من طرف خفي إلى زميله الذي تسلَّل خفية وانهمك في حل عقدة الحبل.)

المزارع : عقدة إيه؟
العاطل الأول : عقدة لساني … إنت أخجلتني … وجعلتني أنسى الكلام … ساعدني شوية … (مختلسًا النظر إلى زميله، ومستحثًّا له خفيةً) حِل العقدة بقى … وخلصني اعمل معروف.
المزارع : أنا مش فاهم حاجة!
العاطل الأول : حاتفهم حالًا … متى انحلت العقدة … والعقدة لازم تنحل؛ لأن الموقف طال … طال قوي … حل بقى يا أخي بسرعة!
المزارع : أحل إيه بس؟!
العاطل الأول (يرى زميله انتهى من فك الحبل وربطه في رقبته بعد إطلاق الحمار) : أهي انحلت على خير … والمولى — سبحانه وتعالى — هو المُلهِم بالحل … والحل هو ترك الأمور لوقتها … وكل شيء بأوان … وكل وقت وله أدان … وما دمت مش فاكرني دلوقت. أترك لك الوقت تفكر على مهلك … ونتقابل — إن شاء الله — عن قريب وتكون افتكرتني وتاخدني بالأحضان … سلام عليكم.

(يترك المزارع حائرًا … ويذهب خلف الحمار، ويأخذه ويبتعد به دون أن يشعر الرجل بشيء.)

المزارع (لنفسه) : قابلته فين ده؟! وكان العشا فين؟! والقمر غايب! … جايز … الواحد اليومين دول عقله تايه.

(يشد حبل الحمار؛ ليسير به، ولا يدري أن الذي مكان الحمار الآن هو العاطل الثاني.)

المزارع (صائحًا) : حاه يا حمار!

(العاطل الثاني يُقلِّد نهيق الحمير.)

المزارع (يلتفت خلفه ويُفاجَأ) : الله! … إيه ده؟! إنت مين؟!
العاطل الثاني : أنا الحمار!
المزارع : حمار؟!
العاطل الثاني : أيوه … الحمار اللي انت اشتريته دلوقت من السوق!
المزارع : مش ممكن!
العاطل الثاني : ليه؟! وبتستغرب كده ليه؟! إنت مش اشتريتني من السوق دلوقت؟!
المزارع : أيوه … لكن …
العاطل الثاني : لكن إيه؟
المزارع : بسم الله الرحمن الرحيم!
العاطل الثاني : ما تخافش … أنا حمارك!
المزارع : إزاي؟! … إنت بني آدم.
العاطل الثاني : قسمتك … نصيبك!
المزارع : وانت … صحيح إنس ولَّا …؟
العاطل الثاني : أيوه إنس مش جن … اطمئن … والحكاية لها أصل … بس هدي نفسك شوية.
المزارع : أنا … هديت.
العاطل الثاني : اسمع بقى يا سيدي … أصل الحكاية إني كنت ابن واحد … رجل طيب زي حضرتك … لكن كان دماغه ناشف … صمم يجوِّزني واحدة لا شفتها ولا شافتني … رفضْت … لكنه صمِّم … قلت له: نتفاهم … نتناقش … دا مستقبلي … لا بد من الكلام فيه بحرية … غضب، وقال: ما عنديش أولاد يناقشوني … قلت له: مش سامع كلامك … قال لي: إنت حمار … قلت له: مش حمار … قال: أنا قلت إنك حمار، ولازم تكون حمار … ودعا عليَّ أنسخط حمار … ويظهر إن أبواب السما كانت ساعتها مفتوحة والدعوة استجابت … وانسخطت فعلًا حمار … وتوفى والدي … ووجدوني في زريبة المواشي ضمن التركة … باعوني في السوق … وجيت انت واشتريتني!
المزارع : عجيبة! بقى انت الحمار اللي أنا اشتريته؟!
العاطل الثاني : أنا بعينه.
المزارع : وإيه اللي رجَّعك دلوقت بني آدم؟!
العاطل الثاني : قلت لك قسمتك … نصيبك … يظهر إنك رجل من الصالحين … وأراد المولى — سبحانه وتعالى — أن يكرمك.
المزارع : ونِعم بالله! لكن بس … إيه العمل دلوقت؟
العاطل الثاني : من جهة إيه؟
المزارع : من جهة … حالتك دي دلوقت؟!
العاطل الثاني : وحصل إيه؟!
المزارع : حصل إنك … إني … مش عارف أتصرف ازاي؟ يعني فلوسي ضاعت … راحت عليَّ.
العاطل الثاني : ما راحتش عليك ولا حاجة.
المزارع : إزاي بقى؟!
العاطل الثاني : إنت مش اشتريت بفلوسك حمار؟! الحمار موجود.
المزارع : فين هوه؟!
العاطل الثاني : وأنا رحت فين؟!
المزارع : إنت؟!
العاطل الثاني : أيوه أنا.
المزارع : عاوز تقول إنك …؟
العاطل الثاني : ملك يمينك … اشتريتني بفلوسك على إني حمار … وتمت لك الصفقة … كوني أنقلب بعد كده شيء تاني دا مش ذنبك … إنت اشتريت وخلاص!
المزارع : أيوه اشتريت.
العاطل الثاني : خلاص اطمئن.
المزارع : يعني إنت ملكي دلوقت؟!
العاطل الثاني : شرعًا … دا حقك محفوظ.
المزارع : معقول … طيب … نهايته … ياللا بنا.
العاطل الثاني : تحت أمرك.
المزارع : حوِّد من هنا يا … بس حاناديك ازاي؟ حاقول لك إيه؟
العاطل الثاني : قل لي أي اسم … عندك مثلًا … مثلًا … حصاوي … إيه رأيك في الاسم ده؟ حصاوي … روح يا حصاوي … تعالَ يا حصاوي!
المزارع : حصاوي؟
العاطل الثاني : مناسب للموضوع!
المزارع : على خيرة الله … ياللا بنا يا … سيد حصاوي! … انتظر شوية … أظن مسألة الحبل في رقبتك مابقاش لها لزوم!
العاطل الثاني : اللي تشوفه.
المزارع : بلاش الحبل أحسن … إنت يعني حاتروح فين؟ اصبر لما أفكه عن رقبتك.
العاطل الثاني (يفك الحبل بنفسه) : عنك … عنك … بعد إذنك!
المزارع : أيوه كده … تعالَ بقى نروح بيتنا يا أستاذ … يا سيد … حصاوي!

(يسير المزارع وخلفه حصاوي نحو البيت.)

المنظر الثاني

(داخل بيت المُزارع … زوجته مشغولة ببعض أعمال المنزل … تسمع طرقًا على الباب.)

الزوجة : مين؟
المزارع (من الخارج) : أنا يا ولية … افتحي!
الزوجة (تفتح الباب ويدخل زوجها) : كنت لحد دلوقت في السوق؟
المزارع : ولسه راجع منه.
الزوجة : اشتريت الحمار؟
المزارع : اشتريت.
الزوجة : دخلته الزريبة؟
المزارع : زريبة إيه يا ولية؟ … خش يا سيد حصاوي!
الزوجة : إنت معك ضيف؟
المزارع : مش ضيف … دا يبقى … بعدين أقول لك.
الزوجة : اتفضلوا.
المزارع : روحي انتي اعملي لي كباية شاي.

(الزوجة تنصرف.)

حصاوي (يتأمل حوله) : أنا يظهر …
المزارع : وأنا حاقول لمراتي إيه؟
حصاوي : قل لها الحقيقة.
المزارع : الحقيقة؟!
حصاوي : بالضبط … لا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة … مافيش أحسن من الصراحة.
المزارع : وانت على كده حاتنام فين؟
حصاوي : في الزريبة برضه!
المزارع : الزريبة ازاي؟ ودا يصح؟!
حصاوي : مكاني كده! … ماتغيرش الأوضاع … كل ما في الأمر إن كان عندكم مرتبة ومخدة … افرشوا لي هناك.
المزارع : طيب والأكل؟ مش معقول حاتاكل تبن ودريس وبرسيم وفول.
حصاوي : آكل فول … بس يكون مدمس!
المزارع : وعليه شوية زيت.
حصاوي : وفص لمون.
المزارع : وحاتفضل تاكل فول على طول؟
حصاوي : نعمة من الله!
المزارع : على رأيك! … الحمير أكلها كله واحد … لا تعرف فطار ولا غدا ولا عشا … هو التبن والدريس والبرسيم والفول … ما فيش غيره!
حصاوي : أنا عارف كده.
المزارع : طيب … خلصنا من نومك وأكلك … قل لي بقى راح تشتغل إيه؟
حصاوي : كل شغل الحمير … ما عدا الركوب.
المزارع : الركوب؟!
حصاوي : ما تقدرش تركبني … لأن مصيرك تقع.
المزارع : والحمولة؟ أنا مثلًا كنت ناوي أحمل على الحمار حمولة فجل وكرات لتاجر الخضار.
حصاوي : أنا أقوم بالشغلة دي.
المزارع : حاتشيل الخضار على كتفك؟
حصاوي : دا شغلي بقى … أنا أتصرف … أنا صحيح حمار … لكن عندي عقل.
المزارع : عقل؟! مسألة العقل دي أنا كنت ناسيها!
حصاوي : اطمئن! عقلي ده في خدمتك … تقدر تعتمد عليه دايمًا … بس اديني الثقة وحرية الأخد والعطا معك في الكلام.
المزارع : يعني تقدر تروح للتاجر لوحدك بالمحصول؟
حصاوي : وأتفق لك معه على أحسن سعر.
المزارع : لما نشوف …
الزوجة (مِن الخارج) : الشاي.
حصاوي : اسمح لي أنا بقى.
المزارع : على فين؟
حصاوي : أروح أعاين الزريبة اللي حانام فيها.
المزارع : تلقاها على يمينك وانت خارج.

(حصاوي يخرج … وتدخل الزوجة بكوب الشاي.)

الزوجة (تقدِّم الشاي لزوجها) : هو ضيفك خرج؟
المزارع : دا مش ضيف يا ولية د … دا …
الزوجة : مين؟
المزارع : دا … يبقى …
الزوجة : يبقى إيه؟
المزارع : دا … هو …
الزوجة : هو مين؟
المزارع : إنتِ مش حاتصدقي.
الزوجة : مش حاصدق إيه؟
المزارع : اللي حاقوله لك دلوقت.
الزوجة : ليه؟ طيب بس قول.
المزارع : دا يبقى هو … الحمار اللي أنا اشتريته.
الزوجة : الحمار؟!
المزارع : أيوه … مش أنا رحت سوق الحمير النهارده؛ لأجل أشتري حمار؟ أهو دا الحمار اللي أنا اشتريته من السوق.
الزوجة : إنت يا راجل عاوز تاكل بعقلي حلاوة؟!
المزارع : مش قلت لك إنتِ مش حاتصدقيني؟!
الزوجة : أصدق إيه بس؟ … هو السوق بيبيع حمير بني آدمين كده؟!
المزارع : دا ماكنش بني آدم ساعة ما اشتريته … كان حمار زي بقية الحمير … وبينهق.
الزوجة : وبينهق كمان؟!
المزارع : آي والله … والمصحف كان بينهق!
الزوجة : وبعدين؟
المزارع : وبعدين في السكة وأنا ساحبه بالحبل … التفت ورايا لقيته انقلب بني آدم!
الزوجة : يا حفيظ! … عفريت؟!
المزارع : لا يا ولية … مش عفريت … دا كان مسخوط! … كان في الأصل بني آدم ابن ناس طيبين زينا … وانسخط حمار … وباعوه في السوق … وأنا اشتريته … وأراد الله سبحانه وتعالى أن يكرمني قام رجَّعه بني آدم.
الزوجة : قُدرتك يا رب!
المزارع : أهو دا اللي حصل.
الزوجة : لكن بس يعني …
المزارع : إيه؟ عاوزة تقولي إيه؟
الزوجة : ولا حاجة …
المزارع : لا … إنتِ عاوزة تقولي حاجة.
الزوجة : عاوزة أقول يعني … حاتعمل به إيه دلوقت وهو كدا بني آدم؟!
المزارع : نعمل به إيه؟! … زي أي حمار بالضبط … وزيادة على كده كمان عنده عقل.
الزوجة : يعني مش حانقدر نركبه!
المزارع : بلاش مسألة الركوب دلوقت.
الزوجة : وحانكلمه زي بقية البني آدمين؟!
المزارع : أيوه … كلميه وناديه باسمه.
الزوجة : هو له اسم؟
المزارع : أيوه امال إيه؟ … له اسم … اسمه حصاوي … نناديه ونقول له: تعالَ يا حصاوي … روح يا حصاوي.
الزوجة : وحاينام فين ده؟
المزارع : في الزريبة برضه … افرشي له هناك.
الزوجة : وحاياكل إيه؟
المزارع : فول برضه … بس بزيت.
الزوجة : زيت؟
المزارع : ولمون.
الزوجة : ويشرب شاي؟
المزارع : ما نعودوش على كده.
الزوجة : يا حلاوة! عندنا حمار بني آدم!
المزارع : إياكِ يا ولية تحكي الكلام ده للجيران … ليقولوا طلع لنا عفريت!
الزوجة : وأقول لهم إيه؟
المزارع : قولي … قولي مثلًا … دا واحد قريبنا من بعيد … حضر يساعدنا في الشغل الأيام دي واحنا على دخلة رمضان.

(طرْق على الباب.)

الزوجة : مين؟
حصاوي (من الخارج) : أنا … حصاوي.
الزوجة (لزوجها) : دا … هو؟!
المزارع : افتحي له!
الزوجة (تفتح الباب) : خش … وامسح رجليك في العتبة!
حصاوي (داخلًا) : أنا نضفت لي ركن في الزريبة وفرشته بالقش.
المزارع : أهو يا ستي بينضف ويفرش لنفسه … دي كمان فايدة.
الزوجة : أيوه خليه يتعود على كده.
حصاوي : أنا كنت جاي في موضوع مهم.
المزارع : بخصوص إيه؟
حصاوي : بخصوص تاجر الخضار.
المزارع : تاجر الخضار؟ ما له؟!
حصاوي : حضر مندوب من طرفه … قابلته دلوقت على الباب … قال إن التاجر مستعجل على استلام الشروة … سرحت به في الكلام، فهمت إن سعر الفجل والكرات حايرتفع في رمضان، قلت له إنك لسه بتشاور عقلك؛ لأن فيه مشتري جديد عارض عليك سعر أحسن … الرجل انهز وقال في الحال إنه مستعد يرفع السعر.
المزارع : قال كده؟
حصاوي (يُخرِج نقودًا) : وأخدت منه علاوة … تفضل!
المزارع : الله يبارك فيك.
حصاوي : بس أنا لي عندك طلب.
المزارع : إيه هو؟
حصاوي : تسمح لي قبل ما تبت في أي موضوع نتشاور مع بعض بكل حرية وصراحة.
المزارع : وأنا عند قولك.
حصاوي : إنت كنت ناوي تسلم كل محصولك للتاجر؟!
المزارع : أيوه كله.
حصاوي : ليه كده؟
المزارع : لازمنا فلوس.
حصاوي : ضروري في الوقت الحاضر؟
الزوجة : أيوه ضروري … لازمنا فلوس ضروري على دخلة رمضان … إنت ناسي الياميش … إنت ناسي النُّقل والمكسرات وقمر الدين.
حصاوي : أنا كان عندي رأي …
المزارع : قل لنا …
حصاوي : نحجز جزء من المحصول على جنب ونجعله تقاوي للزرعة الجديدة … بدل ما نشتري تقاوي بالغالي في موسم الزرع.
المزارع : واحنا فين لسه والزرعة الجديدة فين؟!
الزوجة : الزرعة الجديدة لها رب يدبرها … إحنا في النهارده.
حصاوي : أمركم … على كل حال أنا قلت رأيي … لأني خايف ييجي ميعاد الزرعة الجديدة ما يكونش تمن التقاوي نفسه موجود … وتستلفوه بالفايظ … أو بالربا … وجايز تضطروا تبيعوني في السوق.
المزارع : خليها على الله.
الزوجة : هو كلامه كتير كدا ليه؟!
المزارع (لحصاوي) : عندك شيء تاني تقوله؟
حصاوي : عندي … بس خايف.
المزارع : خايف من إيه؟ قل لنا وأمرنا لله!
حصاوي : أيوه أنا لازم أقول اللي في دماغي … وأخلَّص ذمتي … أنا لاحظت وأنا مارر من غيطك دلوقت إن الفدانين المزروعين فجل وكرات فيهما على الأقل عشرة قراريط بور … لأن مية الري مش واصلة.
المزارع : ودي نعمل فيها إيه؟
حصاوي : يلزم لها شادوف أو شادوفين.
المزارع : فكَّرنا فيها.
حصاوي : وإيه اللي منع؟
المزارع : الفلوس … فين الفلوس؟!
حصاوي (ينظر إلى معصم الزوجة) : إسورة واحدة من أساور الست …
الزوجة (صائحةً) : يا دهوتي!
حصاوي : ري العشرة قراريط يرجَّع تمن الإسورة من أول زرعة.
المزارع : إنتَ شايف كده؟
الزوجة (تدق على صدرها) : يا مصيبتي! إنت ناوي يا رجل تسمع كلام البهيم ده وتبيع لي أساوري؟!
المزارع : لسه لا بعنا ولا اشترينا … إحنا بناخد ونعطي في الكلام.
الزوجة : تاخد وتعطي في الكلام مع حمارك يا رجل يا خرفان؟!
المزارع : وفيها إيه؟ نسمع منه … اسمعي انتِ كمان.
الزوجة : أسمع؟ أسمع من ده؟ أسمع الكلام الفارغ ده اللي يسم البدن؟! داهية تسم بدنه من ساعة ما دخل علينا.
المزارع : هو حر في رأيه.
الزوجة : رأيه؟ رأيه دا إيه يا ادلعدي؟! ودا يبقى له رأي؟ حمار في الزريبة يمشِّي رأيه علينا؟!
المزارع : دا مش حمار زي بقية الحمير …
الزوجة : ولو! … وحق من خلَقك وصوَّرك إن ما كان حمارك ده يلم نفسه ويبعد عن أساوري، ما انا قاعدة لكم تحت سقف!
المزارع : اعقلي واصبري! … هو احنا قمنا وافقناه على رأيه؟!
الزوجة : كان ناقص توافقه على رأيه! … طول عمرك قاعد في بيتك بمقامك… الرأي رأيك والكلمة كلمتك … تروح السوق تسحب بسلامته سي … حصاوي ده وتعمل له حساب ويبقى له هنا رأي!
المزارع : رأيه نفع، وكسب لنا من التاجر علاوة.
الزوجة : علاوة؟! وهو سابنا نفرح بها؟! أهو عاوز يطيَّرها بأفكاره الفارغة واحنا داخلين على مصاريف رمضان وبعد رمضان ماتنساش العيد … والعيد يلزم له كحك …
المزارع : وبعد عيد الكحك قدامنا عيد الضحية … ويلزم له خروف …
الزوجة : ولما انت عارف كده بتسمع كلامه ليه؟
المزارع : ما هو السمع ما يضرش.
الزوجة : مين قال كده؟ كتر الدوي على الودان أشد من السحر!
المزارع : يعني غرضك نقول له يقفل بُقه؟!
الزوجة : يقفله بالضبة والمفتاح، ويتنيل على عينه! هو حمار ولازم يفضل حمار، وانت سيد البيت تبقى سيد البيت … مش شرابة خُرج على آخر الزمن … عيب يا راجل على شيبتك عيب!
المزارع : وأنا شرابة خُرج؟!
الزوجة : قرَّبت وحياتك … وبسلامته الحصاوي ده قرب يبقى هنا الكل في الكل!
المزارع : الكل في الكل إزاي يا ولية؟ أنا برضه اللي في إيدي اللجام.
حصاوي (لنفسه) : اللجام؟!
الزوجة : طيب ومنتظر إيه … ما تلجمه من دلوقت!
المزارع : ويجرى إيه لو سبناه يدش زي ما هو عاوز؟!
حصاوي (لنفسه) : أدش؟!
الزوجة : أنا خايفة من الدش والداش بتاعه ده!
المزارع : وتخافي من إيه؟
الزوجة : يضحك عليك وتصدقه.
المزارع : أصدقه؟! ليه؟! قالوا لك عليَّ حمار!
الزوجة : الحمار قدامك أهوه بقت له كلمة.
المزارع : الكلام شيء … والعمل شيء تاني.
الزوجة : عمل إيه يا اخواتي؟! … ما انت سبت له الحبل أهوه!
المزارع : يعني أربطه من رقبته؟!
الزوجة : زي بقية الحمير.
المزارع : دا بني آدم يا ولية!
الزوجة : لكن كان أصله حمار … وانت اشتريته من سوق الحمير … وساعة ما دفعت فيه الفلوس كان حمار … يبقى مطرحه هناك في الزريبة … ولا يدخلش البيت هنا وتبقى له كلمة … دي الأصول … وان ما كانش عاجبك أطلع أشهد الجيران وأقول لهم: الحقوني يا خلق هُوه … الرجل جوزي انخبل في عقله واشترى من السوق حمار عمله بني آدم وبيسمع كلامه ورأيه!
المزارع : ما تبقيش مجنونة يا ولية! … اسكتي … خلاص.
الزوجة : خلاص إيه؟ … فهِّمني!
المزارع : نرجع زي ما كنا ونستريح … اسمع انت يا … حصاوي انت!
حصاوي : أفندم!
المزارع : بقى حكاية أشاورك وتشاورني دي مش نافعة … أنا هنا صاحب الأمر والنهي … وانت عليك الطاعة بس … يعني بُقك ده ما ينفتحش بكلمة … إنت فاهم؟ تفضَّل بقى على الزريبة لغاية ما أدبر لك شغلك.
حصاوي : حاضر … بس … تسمح لي بكلمة … كلمة واحدة أخيرة.
الزوجة : إيه البجاحة دي! … ما قال لك ما فيش كلام … وبقك دا ينقفل … ينكتم … أما إنك بجح وبلط صحيح!
حصاوي : خلاص … قفلت بُقي … انكتمت … عن إذنك.

(يخرج.)

المنظر الثالث

(خارج دار المُزارع … حصاوي يرى فجأة زميله العاطل الأول مقبلًا يسحب الحمار الأصلي … يأخذ الصديقان أحدُهما الآخر بالأحضان.)

حصاوي (لزميله) : قل لي … عملت إيه؟
العاطل الأول : وانت؟ إزاي الحال؟
حصاوي : دلوقت أحكي لك … لكن أنت عرفت مطرحي هنا إزاي؟!
العاطل الأول : مشيت وراكم من بعيد … من غير ما تشعروا … قل لي بقى حصل إيه مع أخينا ده صاحب الحمار؟
حصاوي : فُضَّك منه … رجل مغفل … مش عارف مصلحة نفسه … وانت رجعت ليه دلوقت بالحمار؟
العاطل الأول : مش لازمنا … فُرِجَت … فرجها ربنا.
حصاوي : إزاي ده؟!
العاطل الأول : لقينا شغل.
حصاوي : لقيت شغل؟!
العاطل الأول : لي أنا وانت.
حصاوي : فين؟ قل بسرعة!
العاطل الأول : بعد ما سيبتك وبعدت عنكم. مشيت أنا والحمار ده لقيت غيط كبير فيه ناس بتزرع … قلت لهم: عندكم شغل؟ … قالوا: كتير … لك ولعشرة زيك … قلت لهم: معي زميل … قالوا لي: مرحب … روح هاته حالًا واستلموا الشغل … وأديني جيت لك على طول.
حصاوي : عجيبة! دا إحنا دُخنا على الشغل … مش فاكر؟ والناس كانت تبص لنا وتقول روح يا متشرد يا صايع إنت وهوه … ما عندناش شغل للصايعين!
العاطل الأول : يظهر إن الحمار جنبي حسِّن سُمعتي!
حصاوي : على رأيك … مش بيقولوا دايمًا دا حمار شغل؟! الحمار يعني شغل … والحصان يعني عز … مش بيقولوا عن الخيل ركوبها عز؟ والكلاب حراس … والقطط حرامية.
العاطل الأول : آي والله صحيح … هم شافوني مع الحمار قالوا مش ممكن دا يكون متشرد وصايع … لازم بتاع شغل … وشغَّلوني حضوري وشغَّلوك غيابي … بناءً على توصيتي!
حصاوي : توصيتك إنت ولَّا توصية الحمار؟!
العاطل الأول : توصية الحمار … هو في الحقيقة اللي شغَّلني وشغَّلك … مش واجب نردُّه بقى لصاحبه؟
حصاوي : واجب.
العاطل الأول : وحاتقول له إيه؟
حصاوي : نقول له: خد حمارك.
العاطل الأول : وانت؟ إنت مش كنت عملت حماره وربطت الحبل في رقبتك؟!
حصاوي : هو دلوقت يفضَّل الحمار الحقيقي.
العاطل الأول : اسمع … بدل ما تسلمه حماره وندخل معه في سين وجيم … ويسألنا الحمار كان فين؟ وانتم تبقوا مين؟ … إحنا نربط له حماره قدام داره ونختفي … إيه رأيك؟
حصاوي : أحسن فكرة … ياللا بنا!

(يربطان الحمار بباب الدار، ثم يدقان على الباب، ويختفيان … ويفتح الباب ويظهر المزارع.)

المزارع (يرى الحمار فيدهش ويصيح) : الحقي يا ولية!
الزوجة (تظهر) : جرى إيه؟!
المزارع : شوفي … بصي!
الزوجة : إيه؟
المزارع : رجع انسخط تاني! … حصاوي … رجع حمار زي ما كان في السوق … هو بعينه … زي ما اشتريته تمام!
الزوجة : الحمد لله … ياما انت كريم يا رب!
المزارع : لكن بس …
الزوجة : بس إيه؟ عاوز تقول إيه كمان؟!
المزارع : بس إحنا السبب!
الزوجة : ليه بقى؟ عملنا إيه؟
المزارع : عملنا له زي والده ما عمل … قفل له بقه وسخطه حمار!
الزوجة : وما له الحمار؟! … على الأقل نقدر نركبه.
المزارع : على رأيك … لما كان بني آدم وله عقل ماكنش نافع ركوبه!
الزوجة : واحنا كان لازمنا عقله في إيه؟! إحنا عاوزين الركوبة اللي تشيلنا وتستحملنا ونروح بها ونيجي … احمد ربك يا راجل واشكره اللي رجَّع لك حمارك النافع!
المزارع (يمسح رأس الحمار برفق) : ما تآخذناش يا حصاوي! القسمة كده! … إوعى تكون زعلان … إنت برضه عندنا زي ما انت يا … سيد حصاوي!
الزوجة : وبعدها لك يا راجل انت؟! … إنت لسه حاتقعد وتناجي الحمار؟! أحسن يرجع ينطق!

(المزارع يسحب حماره في صمت نحو زريبة الدار … بينما الزوجة ترفع صوتها بالزغاريد.)

١٢/ ٢/ ١٩٧١م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦