حصحص الحبُّوب

۱

(مدرسة النجاح والفلاح … مكتب ناظر المدرسة … الناظر جالس إلى المكتب … وأمامه السكرتير.)

الناظر : باقي عندنا كم تلميذ؟
السكرتير : حوالي سبعين.
الناظر : بس؟! مصروفاتهم ما تغطيش مرتبات المدرسين.
السكرتير : كان عندنا السنة الماضية تسعين.
الناظر : ونقصوا ليه؟
السكرتير : نجحوا واتخرجوا!
الناظر : تخرجوا؟ وكنا مستعجلين على خروجهم ليه؟!
السكرتير : يعني كنا نسقطهم؟!
الناظر : إيراد في إيدنا داخل لنا … نسيبه يخرج؟!
السكرتير : إن سقطناهم وحجزناهم أهاليهم يقوِّموا علينا الدنيا … ويقولوا مدرسة النجاح والفلاح ما خرجش منها واحد ناجح فالح.
الناظر : عندك حق … إحنا واقعين بين المطرقة والسندان!
السكرتير : ما نقدرش نعمل غير كده.
الناظر : والمستجدين؟ مافيش تلاميذ جُدد؟
السكرتير : نسبة بسيطة … أربعة … خمسة … بالكتير.
الناظر : ليه كده؟! الناس مش عاوزة تتعلم؟!
السكرتير : بيقولوا اللي بيتعلموه بينسوه … والفلوس اللي بيدفعوها بتروح عليهم!
الناظر : ومحو الأمية … الناس مش عاوزين يعرفوا يقروا ويكتبوا؟
السكرتير : يقروا إيه؟ جرايد؟ كتب؟ ودي بفلوس ولَّا بلاش؟ … دول يا دوب لاقيين اللقمة.
الناظر : دا موضوع ما يخصناش … المهم الإيراد … أدفع لكم مرتباتكم منين؟
السكرتير : لو كان ربنا يفرجها بكم تلميذ مستجد …

(نقْر على الباب.)

الناظر : ادخل.

(يدخل رجل ريفي يبدو عليه يُسْر الحال شأن وجهاء الأرياف.)

الوجيه : سلام عليكم.
الناظر : وعليكم السلام.
الوجيه : حضرة الناظر؟
الناظر : أفندم.
الوجيه : بقى الأمر وما فيه … إني كل يوم أمر من قدام مدرستكم دي … وأقرا اليافطة «مدرسة النجاح والفلاح» … وأقول في نفسي يا بخت اللي يدخَّل ابنه يتعلم فيها.
الناظر (ينهض ويقدم كرسيًّا) : متشكر … تفضل استريح.
الوجيه : بالاختصار كده … أنا عندي ابن …
الناظر : ما شاء الله!
السكرتير : أنعِمْ وأكرِمْ!
الوجيه : الحقيقة هو مش ابني لزم … إنما أنا أعزه زي ما يكون ابني تمام … كانت ولادته على إيدي … وربيته بنفسي على الغالي … لغاية ما كبر … واللي عنده ابن النهارده يعزه لازم يعلِّمه … لأن التعليم في أيامنا دي ضروري لأولاد الناس الطيبين المقتدرين … وأنا — والحمد لله — ميسور الحال.
الناظر : الحمد لله.
السكرتير : ونِعم بالله!
الوجيه : وما دمت قادر على مصروفاته ونفقاته وكل لوازمه، ليه أحرمه من فرصة التعليم؟
الناظر : لا ما يصحش.
السكرتير : واجب يتعلم.
الوجيه : علشان كده …
الناظر : أيوه …
السكرتير : أيوه …
الوجيه : علشان كده قلت أجيبه معايه … وأقدمه لكم … وأرجوكم تقبلوه في المدرسة … وأنا سدَّاد لكل الطلبات من جنيه لألف.
الناظر : أهلًا وسهلًا.
السكرتير : هو مقبول مقدمًا.
الوجيه : انتهينا … أنا أسيبه في عهدتكم ورعايتكم وأنا مطمئن … ولَّا إيه؟
الناظر : طبعًا … طبعًا … اطمئن.
السكرتير : اطمئن جدًّا … هو فين؟
الوجيه : أنا رابطه بره.
الناظر : رابطه؟!
الوجيه : علشان ما يهربش … أو يجري هنا ولَّا هنا!
الناظر : الاحتياط واجب.
السكرتير : والأولاد دأبهم الجري والنط.
الوجيه : هو من غير مؤاخذة … حمار.
الناظر : وما له! … بكره يتعلم … أغلب التلامذة بيجولنا حمير وأغبياء … واحنا نفضل وراهم لغاية ما يتعلموا … دي شغلتنا.
الوجيه : بس … أرجوكم خدوه بالراحة؛ لأنه مش متعود على الضرب.
الناظر : ضرب؟! لا إحنا هنا ما عندناش ضرب.
الوجيه : وإن عطش … أنا جايب له جردل خصوصي.
الناظر : جردل؟!
السكرتير : قصد حضرته لازم إبريق.
الوجيه : لا … لا … هو ما يشربش إلا من الجردل … السطل …
الناظر : أيوه جردل … سطل … كل واحد حسب الاعتياد! … هو حر يا أخي … مزاجه كده!
السكرتير : وأنا قلت حاجة لا سمح الله؟! … جردل جردل … سطل سطل … مسألة مزاج!
الوجيه : أما أكله … فأنا اللي أجهِّز له بيدي العلف والعليق!
السكرتير : العلف والعليق؟!
الناظر : أيوه … أيوه … من باب التشبيه يعني … حضرته دمه خفيف!
الوجيه : تصدقوا بالله؟ أنا مش ممكن أقدم له الفول والشعير والتبن إلا منخول بالمنخل الحرير … أما في الربيع … البرسيم يتنقى له بالعود.
السكرتير : البرسيم؟!
الناظر : يا سيدي اسكت انت … أيوه برسيم وفول وشعير وتبن … قلت لك حضرته دمه خفيف وظريف وابن نكتة.
الوجيه : على كل حال إنتم تشوفوا خاطره … وتعتنوا به … وأنا تحت أمركم في كل شيء … ومستعد من دلوقت لدفع القسط المطلوب … مع كافة اللوازم.
السكرتير : دا شيء جميل.
الناظر : دا حايكون في عينينا الاتنين … تسمح تخلينا ننادي عليه، ونجيبه هنا.
الوجيه : ما فيش مانع.
السكرتير : أروح أنا أجيبه؟
الوجيه : لا … الأحسن أروح أنا أجيبه بنفسي … لأنه لسه مش واخد عليكم.

(الوجيه يخرج.)

السكرتير : أهو ربنا فرجها.
الناظر : يظهر إنه متريِّش وفلوسه كتير … إحنا بقى نجهز له قايمة كبيرة بالمصروفات الأصلية والإضافية.
السكرتير : وكافة اللوازم العمومية والخصوصية.

(يدخل الوجيه يسحب حمارًا حقيقيًّا!)

الناظر (في دهشة) : إيه ده؟!
الوجيه : بكرة ياخد عليكم وتاخدوا عليه وتعلموه وتفهموه … ويطلع بفضل الله وفضلكم ناجح وفالح … في مدرسة النجاح والفلاح.
السكرتير : حمار بحق وحقيق!
الوجيه : ما لكم بلِّمتُم كده؟!
الناظر : لا … ولا حاجة … بس …
الوجيه : بس إيه؟!
الناظر : لا مفيش … إيه رأيك يا حضرة السكرتير؟
السكرتير : اللي تشوفه يا حضرة الناظر.
الناظر : تفتكر دا … تلميذ … ممكن قبوله بالمدرسة؟!
السكرتير : والله بقى … ما دام حيدفع المصاريف …
الوجيه : من جهة المصاريف قلت لكم أنا تحت الطلب … من جنيه لألف … وحالتنا متيسرة والأشيا معدن والحمد لله.
الناظر : من جنيه لألف؟!
السكرتير : نقبله يا حضرة الناظر … نرفض تلميذ جاي يطلب العلم؟!
الناظر : لا ما يصحش … خصوصًا واحنا بندعو لنشر التعليم ومحو الأمية.
السكرتير : دي رسالتنا المقدسة.
الناظر : فعلًا.
السكرتير : يبقى مقبول.
الناظر : على خيرة الله … قيِّد اسمه يا حضرة السكرتير.
السكرتير : هو … له اسم؟!
الوجيه : طبعًا … طبعًا.
السكرتير (يشرع في الكتابة على ورقة) : اسم الكريم إيه؟
الوجيه : من يوم ولادته وأنا بناديه باسم دلع!
السكرتير : اسم دلع؟!
الناظر : أيوه وما له؟! اسم الدلع كويس قوي … اكتبه يا حضرة السكرتير!
الوجيه : كلنا بنَّاديه باسم حصحص.
السكرتير : حصحص؟
الوجيه : أيوه مُصغَّر حصاوي!
السكرتير (وهو يكتب) : جميل! … والسن؟
الوجيه : عمره دلوقت حوالي … أربع سنين.
الناظر : جه في وقته … يدخل الحضانة!
السكرتير : لا يا حضرة الناظر … هو كبر على الحضانة … أنا من رأيي ندخَّله سنة تانية على طول!
الناظر : إنت شايف كده؟!
السكرتير : طبعًا بالنسبة لظروفه الخاصة.
الناظر : حيث كده بقى … خليها سنة رابعة بالمرة … إكرامًا للوالد! … أقصد لولي أمره المحترم.
الوجيه : الله يكرمكم.
السكرتير : أظن الأحسن نلحقه داخلية!
الوجيه : داخلية؟!
الناظر : أيوه يعني بالقسم الداخلي … علشان بدل ما يروح وييجي مرتين في اليوم، ويعطَّل حضرتك عن أعمالك … يبقى عندنا هنا طول الوقت.
السكرتير : واحنا نتكفل بكل لوازمه … وكشف الحساب يجمع.
الوجيه : وأنا أشوفه ازاي؟
الناظر : تقدر حضرتك تشرَّف هنا … مرة كل أسبوع … أو كل أسبوعين.
السكرتير : أو كل شهر.
الوجيه : كل شهر؟!
الناظر : على قد ما تقدر … كل ما تغيب عنه ويغيب عنك يكون أحسن له … علشان ما يرجعش ينسى اللي تعلمه هنا … خصوصًا إذا اختلط ببقية إخوانه!
السكرتير : دا شيء في مصلحته!
الوجيه : المهم عندي هي مصلحته.
الناظر : اتفقنا … إنت تسيبه لنا هنا … وتكون مطمئن.
الوجيه : وقسط المصروفات؟
الناظر : نقول لك حالًا … كم يا حضرة السكرتير؟
السكرتير : قسط الداخلية عندنا … بما فيه وجبات الأكل … من فطور وغدا وعشا …
الوجيه : لا … مسألة الأكل دي عليَّ أنا … أنا لازم أغربل له بنفسي العلف زي ما قلت لكم … وبانقيه من أحسن صنف.
السكرتير : نحذف بند الأكل … ويبقى عندنا مصاريف التعليم والمبيت والإشراف والنظافة والكشافة والهوايات والنشاط الاجتماعي والدروس الخصوصية والألعاب الرياضية! …
الناظر : وكل ده طبعًا داخل ضمن القسط الأول.
الوجيه : وعلى كده يبقى القسط الأول كم؟
السكرتير : عشرين جنيه فقط لا غير.
الوجيه : عشرين جنيه؟!
الناظر : لاحظ حضرتك إن القسط الثاني حايكون أقل … يعني ١٥ جنيه بدل عشرين … والقسط الثالث عشرة جنيه بس.
الوجيه : على كل حال … أنا عمري ما بخلت عليه بشيء.
السكرتير : طبعًا دا خلاف مصروف يده اليومي!
الوجيه : مصروف يده؟!
الناظر : ضروري … هو مش له نفس زي بقية التلامذة؟! … نفسه تهفُّه على جزَر … خس … كم لبشة قصب … حِمل ملانة … حاجات زي كده.
السكرتير : المطلوبات دي بقى نطلع بها كشف لوحده.
الوجيه : ماشي كلامكم.
الناظر : خلاص … مبروك … قيِّده عندك يا حضرة السكرتير في الجدول ضمن المقبولين الجدد.
السكرتير : حضرتك تورد القسط الأول دلوقت … ونطلع لك به إيصال.
الوجيه : وجب … آدي القسط الأول. (يُخرِج المبلغ من محفظته، ويضعه أمام الناظر على المكتب.)
السكرتير : وادي الإيصال.

(يكتب على ورقة، ويقدمها له.)

الوجيه : أستأذن أنا بقى … وما اوصيكوش عليه … أنا عاوزه يطلع على إيديكم متعلم كويس.
الناظر : متخافش … بكرة يطلع نابغة!
الوجيه (للحمار) : وانت يا حصحص … خد بالك من نفسك … وشد حيلك كده … علشان أفتخر بك في البلد … وترفع راسي قدام الناس.
الناظر : استلم التلميذ يا حضرة السكرتير! … وخلي بالك منه كويس.
السكرتير : على راسي من فوق!
الوجيه : معادنا الشهر الجاي.
الناظر : بالسلامة إن شاء الله.
الوجيه : سلام عليكم.
الناظر : وعليكم السلام ورحمة الله.

(الوجيه يخرج.)

السكرتير : يا ما انت كريم يا رب!
الناظر : نجدة وجات لنا من السما.
السكرتير : حقا … حد كان يتصور إن السما تنفتح لنا، وينزل علينا مرة واحدة الرزق دا كله؟!
الناظر : رزق الهبل على المجانين!
السكرتير : واحنا هبل؟!
الناظر : أمال احنا إيه؟! اللي نقبل في مدرستنا تلميذ بالشكل ده؟!
السكرتير : تلميذ بالشكل ده؟! دا التلميذ ده يا حضرة الناظر يساوي تقله دهب! دا مصاريفه لوحده أكثر من مصاريف عشرين تلميذ من تلاميذ المدرسة.
الناظر : على كل حال ربنا فرجها من عنده والسلام.
السكرتير : وما دام الفرج حصل والحمد لله، تقدر دلوقت — يا حضرة الناظر — تدفع لنا مرتباتنا المتأخرة.
الناظر : مرتباتكم؟!
السكرتير : أيوه مرتباتنا … إحنا قبضنا حاجة بقى لنا أكثر من شهرين؟!
الناظر : إنتم مين؟!
السكرتير : مدرسين المدرسة … وأولهم أنا … بصفتي مدرس الحساب والرسم والألعاب الرياضية والقائم بأعمال السكرتير … احسب بقى حضرتك مرتبات الوظايف دي كلها!
الناظر : شيء عجيب! … الوظايف دي كلها؟! إنت عاوز تحسبها بالقطاعي … بتشتغل عندي بالتجزئة؟! إنت هنا يا أفندي كُلَّك على بعضك كده مرتبك هو مرتبك … خمسة جنيه في الشهر … تفضل آدي الخمسة جنيه.
السكرتير : شهر واحد؟!
الناظر : وآدي كمان خمسة جنيه عن الشهر اللي فات … نبقى خالصين … بس إياك تجيب سيرة لبقية المدرسين.
السكرتير : بقية المدرسين؟! هو فيه مدرس تاني غيري هنا إلا الشيخ علوان؟! … منه مدرس لغة عربية وديانة وخط عربي ومواد اجتماعية … إحنا كلنا على بعضنا اتنين فقط لا غير … وقايمين بأعمال عشرة مدرسين!
الناظر : طيب خلاص … يبقى ما فيش لزوم زميلك الشيخ علوان ياخد خبر بحكاية التلميذ الجديد ده.
السكرتير : أمال مين اللي حايدرِّس له لغة عربية؟!
الناظر : إيه الكلام الفارغ ده يا حضرة السكرتير؟! … إحنا حاندرِّس له؟!
السكرتير : أمال حانعمل به إيه؟! هو مش أصبح «مقيد» في جدول المدرسة؟!
الناظر : إنت بتهزر؟!
السكرتير : مجرد سؤال … إحنا قبلناه في المدرسة هنا علشان إيه؟
الناظر : والله ما انا عارف! … راحت السكرة وجات الفكرة!
السكرتير : اسمع يا حضرة الناظر … أنا جات لي فكرة.
الناظر : قول اعمل معروف.
السكرتير : إحنا نبيعه في السوق.
الناظر : نبيع التلميذ؟!
السكرتير : الحمار! … الحمار ده آخده أنا في السر … أروح أبيعه في سوق بعيدة … وتمنه ينفعنا في فكِّ أزمتنا … على الأقل نبيض به جدران المدرسة … بدل ما نسمع اللي بيشيع إنها بناية قديمة.
الناظر : ولما ييجي ولي أمره الشهر الجاي يسأل عنه؟
السكرتير : نخترع له أي عذر.
الناظر : ودا يساوي كتير طبعًا.
السكرتير : حسب سعر السوق.
الناظر : بيقولوا الحمير اليومين دول سعرها غالي.
السكرتير : إزاي؟ … ليه؟!
الناظر : علشان ما فيش غيرها عندنا! … وأزمة المواصلات زي ما انت عارف.
السكرتير : إحنا وحظنا بقى.

(السكرتير يتجه إلى الحمار ليقوده إلى السوق.)

۲

(نفس المكان … بعد مرور شهور.)

السكرتير : والعمل دلوقت؟ بعد ما بعنا الحمار وقبضنا تمنه وتصرفنا في الفلوس … وصاحبه كل شهر ينط لنا يسأل عليه حسب الاتفاق.
الناظر : نقول زي كل مرة …
السكرتير : أول مرة قلنا له في رحلة مدرسية … وتاني مرة قلنا له بياخد دروس خصوصية … وتالت مرة قلنا بيستعد لامتحان آخر السنة … ورابع مرة نصحناه يصبر عليه لما يتقدم لامتحان آخر السنة … والمرة دي حانقول له إيه؟ مش ممكن بقى حايسكت إلا لما يشوفه بعينه ويطمئن عليه.
الناظر : هو جاي إمتى؟
السكرتير : معاده قرَّب … جايز نلقاه طب علينا النهارده.
الناظر : ربنا يستر.

(دق على الباب.)

السكرتير : أهو حضر.
الناظر : روح افتح له … وربنا يفتح علينا بكلمتين.
السكرتير : إحنا لازم المرة دي نقطع العرق ونسيح دمه.
الناظر : نسيح دم مين؟!
السكرتير : قصدي ننهي الموضوع ويَّاه بأي طريقة … علشان نريح دماغنا ونخلص.

(يذهب ويفتح الباب … فيظهر أفندي يبدو عليه أنه موظف.)

الموظف : سلام عليكم.
السكرتير : دا مش هوه.
الناظر : وعليكم السلام.
الموظف : حضرتك طبعًا ناظر المدرسة دي؟
الناظر : أيوه يا أفندم.
الموظف : أنا جاي أتباحث مع حضرتك في موضوع مهم.
الناظر : خاص بالنجل الكريم؟
الموظف : لا … أنا ماليش أولاد عندكم.
الناظر : بخصوص أولاد تحب تلحقهم بالمدرسة؟
الموظف : لا … لا … بخصوص موضوع تاني.
الناظر : موضوع الحمار؟
الموظف : حمار إيه؟!
الناظر : يعني موضوع تاني مالوش علاقة ﺑ…
الموظف : موضوع خاص بالمدرسة وصلاحيتها.
الناظر : صلاحيتها؟!
الموظف : أيوه … المدرسة دي أصبحت لا تصلح.
الناظر : تقصد إيه سيادتك؟
الموظف : أقصد ما يصحش يكون فيها تلامذة.
الناظر : آه … كل ده يعني علشان … مسألة الحمار.
السكرتير : تأكد — يا حضرة الفاضل — إن الحمار ده عمره ما اختلط بالتلامذة.
الناظر : واضح إنكم لازم سمعتم من ولي أمره إننا ألحقناه بالمدرسة … إحنا ألحقناه بس بصفة اسمية.
الموظف : ألحقتم مين؟
الناظر : الحمار!
الموظف : إنتم ألحقتم حمار بالمدرسة؟!
السكرتير : دا والله بس من باب المجاملة!
الموظف : مجاملة مين؟
السكرتير : الحمار!
الموظف : مجاملة الحمار؟!
الناظر : قصده ولي أمر الحمار!
الموظف : إيه الكلام ده؟! … أنا مش فاهم حاجة أبدًا.
الناظر : فهِّمنا سيادتك إنت … إيه سبب تشريفك؟
الموظف : أنا جاي من طرف شركة العلف.
الناظر : العلف؟! آه فهمنا … قل لنا كده من الصبح … يبقى لازم صاحب الحمار هو اللي باعتك علشان علف حماره!
الموظف : رجعنا تاني لحكاية الحمار … يا ناس حمار إيه بس؟ … فهِّموني.
الناظر : مش حضرتك بتقول العلف؟!
الموظف : أيوه الموضوع خاص بشركة العلف الأهلية والمبيدات الحشرية … إنتم ماسمعتوش عن الشركة دي؟
الناظر : طبعًا … مقرها جنبنا على ناصية الشارع.
الموظف : الشركة دي يلزمها مدرستكم … علشان تهدها وتبني مكانها شونة تخزن فيها العلف.
السكرتير : تهد مدرستنا دي؟!
الموظف : مدرستكم دي جدرانها قديمة … آيلة للسقوط … وخطر على التلامذة … ومدير الشركة ناوي يبلغ الجهات المختصة علشان تتولى عملية الهدم.
الناظر : إيه الكلام الفارغ ده؟! … إنت مين حضرتك؟
الموظف : أنا مندوب عن الشركة … جيت أبلغكم أمر المدير بإخلاء المدرسة من التلامذة.
السكرتير : أمر المدير؟!
الناظر : وفين حضرة المدير ده؟
الموظف : قاعد هناك في الشركة.
الناظر : روح بلغ حضرة المدير بتاعك إنه يستحي ويلم نفسه … قل له عيب يشرد طلاب العلم علشان يحط بدلهم علف بهايم!
الموظف : كده؟! … كده؟! يعني مش ناويين تسمعوا كلام حضرة المدير؟!
الناظر : نهدم المدرسة؟! مين اللي قال إنها آيلة للسقوط؟! يبقى هو حضرته اللي كان بيشيع عنها الإشاعات دي علشان طمعان فيها.
السكرتير : والحكاية كلها إن الجدران كانت ناقصة شوية بياض … وحانقوم إن شاء الله ببياضها عن قريب في الإجازة الصيفية.
الموظف : أنا حاقول لسيادة المدير يطربقها ويهدها على دماغكم.
الناظر : وعلى دماغ سيادة مديرك بإذن الله.

(الموظف يخرج.)

السكرتير : إيه البلاوي اللي بتتحدف علينا دي؟!
الناظر : ومدير شركة العلف ده ما له وما لنا بس؟! … يعني مالقاش غير مدرستنا دي يقلبها شونة؟!
السكرتير : أمال لو كنا احتفظنا فيها بالحمار … كان قال إيه؟!
الناظر : كان إجراء في محله … إننا بعناه في الوقت المناسب … بس صاحبه لما ييجي دلوقت نقول له إيه؟
السكرتير : المرة دي نقول له بقى إنه …

(دق على الباب … ثم يُفتح ويظهر صاحب الحمار … الوجيه.)

الوجيه : سلام عليكم.
الناظر : وعليكم السلام … أهلًا وسهلًا … أهلًا وسهلًا.
السكرتير : يا ألف مرحبا.
الوجيه : أنا جيت أهوه حسب الوعد.
الناظر : يا ألف مرحبا.
السكرتير : يا ألف ألف مرحبا.
الوجيه : أنا بقى المرة دي … ماقدرش أخرج من عندكم من غير ما أشوف حصحص … أنا مشتاق له شوق يعلم بيه ربنا … حطوا نفسكم في مطرحي … كام شهر فات من غير ما أشوفه … قربنا على السنة!
الناظر : لك حق … ضروري تشوفه.
السكرتير : وتفرح به كمان!
الوجيه : أفرح به؟! … هو نجح؟
السكرتير : نجح وتخرج!
الوجيه : وتخرج؟!
الناظر : واتعيِّن …
الوجيه : وكمان اتعيِّن؟!
السكرتير : أمال إيه … دا طلع نابغة!
الناظر : مش قلنا لك دا حيبقى نابغة؟!
الوجيه : دا على كده يبقى لكم عندي الحلاوة.
السكرتير : طبعًا … الحلاوة الكبيرة … شوف بقى لما عزيزك ده يتخرج من عندنا … ويتعين على طول.
الوجيه : واتعيِّن إيه؟
السكرتير : اتعيِّن … حاجة كبيرة قوي!
الوجيه : كبيرة قوي؟! زي إيه كده؟
السكرتير : زي … زي مدير!
الوجيه : مدير؟!
الناظر : أيوه مدير … مدير … مدير شركة!
الوجيه : مدير شركة حتة واحدة؟!
السكرتير : آه والله كده حتة واحدة!
الوجيه : ومدير شركة إيه؟
الناظر : مدير شركة العلف!
الوجيه : شركة العلف اللي …
الناظر : أيوه اللي جنبنا هنا على الناصية.
الوجيه : صلاة النبي أحسن يا رجالة! بقى شركة العلف الكبيرة دي اللي على الناصية … اللي كل من مشي في الشارع يمر عليها … يبقى مديرها دلوقت هوه …
السكرتير : هو بسلامته حصحص!
الوجيه : حصحص عزيزنا وحبوبنا … يا سلام! … لكن بس … ليه مافاتش علينا في البيت يبشرنا … والناس تبارك ونسقي الشربات في الجيرة كلها؟!
الناظر : اعذره … كان مشغول لشوشته في إجراءات التعيين واستلام الوظيفة … ومقابلة الحكام في مصر … وخلاف ذلك.
الوجيه : مقابلة الحكام؟!
الناظر : أمال إيه؟! … مش مدير قد الدنيا؟!
الوجيه : ما شاء الله … ما شاء الله!
السكرتير : هو من يومه كان باين عليه النباهة … وانت لازم لاحظت عليه كده … أمال جبته هنا المدرسة ليه؟!
الوجيه : هو صحيح كان باين من عينيه إنه فاهم كل حاجة!
الناظر : إحنا كنا منتظرين له المستقبل العظيم ده … ولذلك أخذنا بالنا منه كويس، واعتنينا به أكبر عناية، وعلِّمناه أحسن تعليم. وهو كمان كان مجتهد، وبقى ياخد كل سنة في شهر … مقرر أربع سنوات حفظهم في سنة واحدة … دا بقى حاجة تانية دلوقت … ولما تشوفه النهارده حاتلقاه اتغير وبقى بني آدم!
الوجيه : بني آدم؟!
الناظر : طبعًا … بني آدم زيي وزيك!
السكرتير : ولبس كمان بدلة محترمة!
الناظر : وقاعد على مكتب قد ده مرتين!
الوجيه : ما شاء الله! ويا ترى حايعرفني دلوقت لما يشوفني؟
الناظر : لازم يعرفك! … بس انت اللي جايز ما تعرفوش!
الوجيه : لا … أعرفه برضه … مهما تغير مش حايخفى عليَّ!
الناظر : على رأيك … مهما تغير شكله ووضعه هو برضه حصحص!
الوجيه : لازم أروح له دلوقت وأهنيه وأبارك له … أهو مكتبه قريب على ناصية الشارع.
الناظر : بس طوِّل بالك عليه … إذا قابلك في الأول كده ولَّا كده.
الوجيه : كده ولَّا كده إزاي؟! … يعني حايتكبر عليَّ؟!
السكرتير : لا ما يصحش يتكبر عليك، وانت في مقام والده وصاحب الفضل عليه … لكن بقى انت عارف الواحد لما بيرتفع ويبقى في المناصب الكبيرة …
الوجيه : ما تخافوش … أنا برضه أعرف آخده بالراحة والإنسانية ومقدَّر مركزه.
الناظر : على خيرة الله … لكن بس يعني … إنت حاتنسانا؟
الوجيه : لا أنساكم ازاي؟! … إنتم الخير والبركة … ولكم عندي الحلاوة الكبيرة … بس لما أروح له وأرجع لكم.
السكرتير : خير البر عاجله … ورِّد لنا دلوقت حاجة كده على الحساب.
الناظر : كل اللي في جيبك بركة … وجيب السبع مايخلاش!
الوجيه : ماشي كلامكم … وآدي كل اللي في جيبي دلوقت.

(يُفرِغ محفظته.)

الناظر : عشرة جنيه مجمدة واتنين جنيه فكة … نعمة من الله!
الوجيه : سبتكم بقى بعافية … لما أروح ألحق عزيزنا المدير.

(يخرج مسرعًا … وينفجران هما بالضحك.)

٣

(شركة العلف والمبيدات … مدير الشركة جالس إلى مكتبه … وأمامه صحفي يُجري معه حديثًا يدوِّنه في ورقة.)

الصحفي : دي أفكار جريئة جدًّا … والحديث ده حايعمل رجَّة … لكن اسمح لي يا سيادة المدير أسأل سؤال …
المدير : تفضل.
الصحفي : الشركة دي اسمها شركة العلف والمبيدات الحشرية … إيه اللي جمع الصنفين دول في شركة واحدة؟! … هل يوجد بين العلف والمبيدات علاقة؟!
المدير : طبعًا … طبعًا … العلف متعلق بالمواشي والمبيدات متعلقة بالحشرات … وبين المواشي والحشرات علاقة وثيقة؛ المواشي بتتغذى على العلف، والحشرات بتتغذى على دم المواشي!
الصحفي : لكن مشروع سيادتك الجريء ده حايحد من نشاط الشركة.
المدير : إزاي؟!
الصحفي : سيادتك عاوز تُصدر العلف.
المدير : علشان أجيب عملة صعبة.
الصحفي : في الحالة دي المواشي تاكل إيه؟!
المدير : مافيش مواشي … حانصدر كمان المواشي!
الصحفي : تصدر المواشي واحنا ناكل إيه؟!
المدير : نستورد لحوم مجمدة.
الصحفي : وإيه الحكمة في كده؟
المدير : أقول لك … المواشي تمنها أغلى … واللحوم المجمدة تمنها أرخص … والفرق مكسب … يعني ناكل لحوم مجمدة ونكسب عملة صعبة … ونتخلص من المواشي وعلفها وقرفها!
الصحفي : يعني نشاط الشركة حايكون تصدير العلف للخارج؟!
المدير : تمام كده.
الصحفي : والمبيدات الحشرية؟
المدير : ما لها المبيدات؟
الصحفي : ما دام مافيش مواشي … يبقى إيه عمل المبيدات؟
المدير : حانصدر المبيدات!
الصحفي : والقطن؟ … دودة القطن مش يلزمها مبيدات؟
المدير : دودة القطن حانمنع عنها المبيدات!
الصحفي : إزاي؟
المدير : شوف يا سيدي … القطن أغلى أو الحرير؟
الصحفي : الحرير طبعًا.
المدير : عظيم … إحنا بقى نلغي القطن ونزرع حرير!
الصحفي : نزرع حرير؟!
المدير : إنت عارف إن دودة القطن ممكن لو تركتها تعيش وتنمو وترعرع تشرنق والشرانق تعمل حرير؟
الصحفي : دودة القطن؟!
المدير : أيوه دودة القطن … تشرنق ويطلع منها حرير … ولذلك إحنا بدل ما نقاوم الدودة ونبيدها نتركها تعيش وتاكل القطن!
الصحفي : تاكل القطن … يعني نزرع القطن ونسيب الدودة تأكله؟!
المدير : بالضبط … هو ده مشروعي المبتكَر … نزرع القطن كالعادة … ونجعله طعام للدودة … والدودة تعطينا حرير … والحرير أغلى من القطن … نبقى كدا زودنا أرباحنا … مش ده الكلام المعقول؟!
الصحفي : من جهة معقول … هو معقول!
المدير : عيبنا في البلد — يا حضرة — إننا محتاجين للكلام المعقول … أزمتنا أزمة كلام معقول!
الصحفي : لا … الحمد لله … البلد بخير!
المدير : إنت بقى يا حضرة الصحفي اللامع مهمتك إنك تبرز المشروع ده في الصفحة الأولى … وتلمَّعه كويس … علشان الخبراء والمختصين يدرسوه باهتمام.
الصحفي : لكن معنى كل ده بعد تصفية العلف والمبيدات … إن نشاط الشركة زي ما قلت لسيادتك حايبقى محدود جدًّا.
المدير : أنا اللي يهمني فقط المصلحة العامة!
الصحفي : ده شيء تُشكر عليه.
المدير : ومع ذلك … نشاطنا المحدود حايدر أرباح أكتر … لأن العلف والمبيدات حانصدرها لأسواق الخارج، وده أهم من التوزيع المحلي.
الصحفي : يعني المشروع بالاختصار إننا ننتج العلف وننتج المبيدات ونصدرها للخارج، وناكل لحم مجمد ونترك الدودة تاكل القطن.
المدير : تمام كده.
الصحفي : دا شيء عظيم … تسمح لنا سيادتك بصورة؟
المدير : صورة؟
الصحفي : أيوه صورة فوتوغرافية … علشان ننشرها مع الحديث.
المدير : طبعًا … أنا مستعد دايمًا للظروف اللي زي دي! … تفضل.

(يُخرِج من درج مكتبه صورة كبيرة يقدمها للصحفي.)

الصحفي : جميل … ما عندكش كمان صورة للدودة؟!
المدير : صورة لإيه؟!
الصحفي : للدودة.
المدير : تنشرها مع صورتي؟
الصحفي : لا … مش جنب بعض … طبعًا … دا شيء من اختصاص التوضيب في الجريدة … إنما الدودة … دودة القطن اللي حاتبقى دودة حرير حايبقى لها شأن يثير اهتمام القراء.
المدير : مع الأسف … ما عنديش صورة دود!
الصحفي : ما عليش إحنا نتصرف … ممكن نعمل لها صورة رمزية … أنا متشكر على الحديث الخطير ده … وأستأذن.
المدير : مع ألف سلامة.

(الصحفي يخرج … ويدخل المندوب.)

المندوب : الرجل المغفل ناظر المدرسة … رفض ولبخ في الكلام … وقال لي أبلغ سيادتك إنه لا يمكن يشرد طلاب العلم علشان نخزن بدلهم علف بهايم.
المدير : هو قال كده؟
المندوب : وأكثر من كده.
المدير : طيب … سيبه لي … أنا حاعرف أربيه.
المندوب : فيه كمان حاجة تانية … واحد بره بيلح يقابل سيادتك … قلنا له إنك مشغول مع الصحافة … أصر على إنه يشوفك.
المدير : مين ده؟ واحد من عملائنا؟
المندوب : لا … ما سبقش جه هنا.
المدير : وعاوز إيه ده؟
المندوب : بيقول إنه بيربطه بسيادتك قرابة … أو حاجة زي كده.
المدير : قرابة؟! شكله إيه؟
المندوب : من الأهالي … بس نضيف شوية … يظهر إنه من الأعيان أو المتريشين حبتين.
المدير : قل له يدخل … نشوف ده مين؟

(المندوب يخرج، ويترك الباب مفتوحًا … ويدخل الوجيه فاتحًا ذراعيه.)

الوجيه : بالحضن … بالحضن … بالحضن.
المدير (في دهشة) : أهلًا وسهلًا.
الوجيه : كمان بالحضن … إنت واحشني قوي …
المدير (محاولًا التخلص من الحضن) : بس … حضرتك تبقى مين؟
الوجيه : أبقى مين؟! إنت مش عارفني يا حصحص؟!
المدير : إيه؟! بتقول إيه؟
الوجيه : حصحص … إنت نسيت ولَّا إيه؟!
المدير : نسيت إيه؟! إحنا سبق اتقابلنا قبل كده؟!
الوجيه : عجايب! لا إنت اتغيرت صحيح … كل شيء فيك اتغير … ما فيش غير عينيك السود دول … ونظرتك وزغرتك … هي عينين حصحص ونظرته وزغرته!
المدير : حصحص؟! … إنت ما تكونش غلطان في واحد تاني؟!
الوجيه : لا أبدًا وحياتك … وغلاوتك عندي … هو انت بعينه … بس يمكن زي ما بيقولوا … الوظائف بتغير الناس … لكن إنت برضه عمرك ما حتنسى اللي رباك، وكان في مقام أبوك … وصرف عليك دم قلبه … لغاية ما بقيت بني آدم.
المدير : إنت ربتني وصرفت عليَّ؟!
الوجيه : حاتنكر كمان اللي تكلفته في تربيتك … دا انت من صغرك ما كان حد يقدم لك الأكل غيري … علف من أجود صنف … وما كان حد غيري ينخل لك التبن والشعير … أمال إنت دلوقت بقيت مدير علف إزاي؟ الخبرة عليها عمل … وانت لك خبرة في العلف … من أيام ما كنت بتدوقه.
المدير : أدوقه؟!
الوجيه : بس مسألة المبيدات الحشرية دي مش فاهمها … مدير علف مفهومة … أنا بقول في نفسي لازم علشان وانت صغير كان دايمًا بيضايقك الدبَّان والقراد والناموس والهاموش … وكنت بتنشه بديلك … لغاية ما اشتريت لك مبيد … وكل يوم أرش جسمك كله … من الرأس للديل!
المدير : ديل! … ديل مين يا راجل انت؟
الوجيه : وكمان مش فاكر إن كان لك ديل؟!
المدير : لا … دا لازم مجنون … اسمع يا راجل انت … إنت تتفضل من غير مطرود … أحسن لك.
الوجيه : بتطردني؟! وانا اللي كنت جاي علشان أقولك مبروك وأفرح بك … لكن ما عليهش … المسامح كريم … إنت اتغيرت، لكن أنا متغيرتش … منزلتك عندي زي ما هي … وعمري ما حنساك … ولا أنسى أيام زمان … أيام ما كنت أفرش لك قش الرز النضيف قرب سريري … ولا أرضى أبدًا إنك تنام في الزريبة مع بقية المواشي.
المدير : وآخرتها معاك يا راجل إنت؟! … إنت طالب مقابلتي علشان تهينِّي في مكتبي؟!
الوجيه : أنا أهينك؟! أنا عمري أهنتك أو كدرت خاطرك؟!
المدير : طيب خلاص … إنت دلوقت جاي ليه؟ وعاوز إيه؟
الوجيه : جاي ليه؟! وعاوز إيه؟! … جاي أبارك لك وأفرح بك … وعاوز سلامتك وعزك وربنا يفتحها في وشك … ويرفع مقدارك كمان وكمان.
المدير : متشكر … فيه حاجة تانية؟
الوجيه : لا أبدًا … بس ما كنتش منتظر تقابلني المقابلة دي … مهما كان ماكنش يصح منك تعمل إنك مش عارفني … وتنسى كل حاجة … وتنكر معزتي لك واللي عملته لك … دا لا ينكر الجميل إلا ابن الحرام … وانت ما كنتش ابن حرام … دا أبوك أنا اشتريته بإيدي … وأمك — والشهادة لله — كانت أحسن حمارة في البلد!
المدير : آه يا قليل الأدب … يا وقح يا حيوان … امشي اطلع بره … بره … بره.

(يدخل على الصياح المندوب … وخلفه الصحفي في دهشة وتساؤل.)

المندوب : إيه؟ … فيه إيه يا سيادة المدير؟
المدير : شوفوا الرجل الحيوان … الحمار ده … اطردوه بره.
الوجيه : أنا الحيوان؟ أنا الحمار؟ وكمان نسيت مين فينا الحمار يا حصحص؟
الصحفي : يا إيه؟ … بتقول اسمه إيه؟
المدير (للصحفي) : مالكش انت شأن بيه … دا رجل مجنون.
الوجيه : أنا مجنون؟! … ما عليهش يا حصحص.
الصحفي (للوجيه) : إنت تعرف حضرة مدير الشركة؟
الوجيه : ما أعرفوش ازاي … دا أنا اللي مربيه.
الصحفي : تسمح تعطينا معلوماتك عن سيادته؟
المدير : ده رجل وقح مخبول … عاوز يروح مستشفى المجاذيب!
الوجيه : الله يسامحك.

(ناظر المدرسة والسكرتير يدخلان.)

الناظر : إيه الحكاية؟
الوجيه : تعالَ يا حضرة الناظر … شوف تلميذكم … إنتم عملتم فيه إيه؟! علِّمتوه إيه؟! … دا حتى مش عارف إنه حمار واسمه حصحص!
الناظر : وهو فيه حمار يعرف إنه حمار!
المدير : وانت تبقى مين انت كمان؟!
الناظر : أنا ناظر المدرسة … اللي انت عاوز تهدمها وتخزن فيها علف المواشي.
السكرتير : والحمير.
المدير : بره … كلكم بره … بره يا حشرات … والله لأطردكم جميعًا برشاشة المبيدات!
الجميع : إحنا حشرات؟!
المدير : بالمبيدات … بالمبيدات!

(يتناول رشاشة مبيد ويرش عليهم كلهم.)

١٢/ ٥/ ١٩٧٢م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦