مقتل الحارس

الوقت منتصف النهار، هو مرهق، عطشان، جوعان، يمضي إلى الأمام، لن يشرب، لو قليلًا من الماء؛ لأن التجربة علمته أن شرب الماء على الجوع يصيبه بالتواء في أمعائه، حدث له ذلك عدة مرات.

الماء موجود في الأمكنة حوله، ولو أن المطر قل هطوله في الأيام الثلاثة الأخيرة، برك الماء لم تجف، الخويرات الصغيرة ما زالت تحتضن بعضًا من الماء، تجري الخويرات عند هطول المطر تجاه بحيرة التماسيح، وهي بحيرة صغيرة غير موضَّحة في الأطلس لا يعرفها الجغرافيون، لكن الخريطة التفصيلية للمنطقة المقفولة التي سرقها من دار الوثائق القومية تبين البحيرة، تعطي أدق التفاصيل عنها؛ عمقها، مساحتها، العدد التقريبي للتماسيح التي تسكنها، أصلها، فصلها. التماسيح هي ما يميز هذه البحيرة عن غيرها، التماسيح الأكثر شراسة في القارة كلها، آكلة لحوم البشر، تسببت هذه التماسيح قبل عشرين عامًا في إبادة قرية بأكملها حينما زحفت في جماعات جائعة نحو القرية تختطف الأطفال، والنساء، والشباب أيضًا، تسعة وتسعون تمساحًا.

كان هذا سببًا ذكرته الحكومة المركزية في الشرق في تعليلها لنقل مائة قرية من الدَّغَل الشمالي والأوسط تخومَ المدن الحضرية في الشرق. لو أن الهدف الأساسي من الترحيل بالتأكيد لم تقله الحكومة وتتهم كل من يشير إليه بالتحريض وإثارة الفتن وموالاة الدول المعادية بل الخيانة العظمى، كان سبب الترحيل يتمحور حول مسح الدَّغَليين، تضييع هويتهم الثقافية والعرقية ودمجهم في ثقافة الأغلبية الحاكمة في الشرق، بل كما يؤكد بعض الدغليين الذين نالوا قدرًا من الثقافة تجنيدَهم لحماية ثقافة الشرقيين وتبنيها والدفاع عنها ومحاربة ثقافتهم الخاصة، بدعوى أنها ثقافة وثنية قديمة بائدة، ما برم بجيل غير صنم شيده الشيطان على شط النهر العجوز، غير أن كثيرًا من القبائل قاومت الترحيل واعتصمت بالدغل والأحراش.

يحمل على ظهره سريره الجوال، ناموسيته وبعض الملابس، بعض الأطعمة المعلبة والمجففة، زودته به أمه، أمه التومة، اسمها قبل التهجير أنجو دورنا، هاجرت وهي صغيرة مع أسرتها من أواسط الدغل الأوسط، الآن تنكر أصولها، جدتها كما هو مؤكد لكبار المهجرين من قبيلة الكا، يحمل ضمن أمتعته كاميرا كوداك حديثة، غالية الثمن، لديها قدرة على التقاط صور الأشياء وتسجيل أصواتها من على بعد سحيق، تستطيع العمل في كل الظروف؛ تحت الماء، عند العاصفة، تحت درجة حرارة عالية، عند درجة رطوبة عالية، بالليل، بالنهار، تعمل وحدها ببرمجة بسيطة سهلة.

تستطيع أيضًا.

كانت خفيفة الوزن صغيرة الحجم، إذا أضيف إلى الحمل سلاحه الشخصي وهو مسدس صغير ماركة النجمة، سيزن الحمل ثلاثين كيلو جرامًا فقط، أي نصف وزنه هو بالتمام، حدد هذا الوزن سابقًا بصورة علمية مدروسة، أخذت في الاعتبار المسافة، نوعية التربة، وعورة المسالك، حالة الطقس.

فوق ذلك كله وزنه الشخصي واعتبارات الضرورة.

هو رجل شجاع ثري جدًّا من أسرة متجذرة في المال، متجذرة في الترحال والمغامرة، يكفي أن جده الأكبر تيه تيه أكله دبٌّ في أحراش التبت، كيف؟!

لا أحد …

كان يمشي متوغِّلًا في أحراش الغابة، عبر تربتها الصخرية الحمراء على أشواك السنت، النخيل المتسلق، أشواك الأيفوربيا المتوحشة، حذاؤه الكولمان الجيد سيقيه لدغات الثعابين السامة والعناكب والقراد وأيضًا السحالي؛ ذات الحذاء الذي سيخوض به برك الماء الراكدة، حقول الطين الحمراء، سيجد نفسه في مواجهة أرض فضاء شاسعة، ذلك لأول مرة منذ أن أطلق ساقيه للمسافة. عندما تسلق ضفة الخور الترابية العالية، رأى على البعد مبنى تحيط به أشجار عالية خضراء، جلس على حجر، أخذ يتفحص تفاصيل الخريطة، هي تشمل أدق خصائص المكان؛ علاماته، قناطير التراب، ضفة الخور العالية، وقف عليها قبل قليل، وجد المبنى، كتب في تفسيره: مستر ومسز جيني، البُدائيان.

عندما أدار صفحة التفسيرات التفصيلية وجد كليمات تشير إلى تاريخ تشييد المبنى، مواد بنائه، عن ميول جيني البُدائية، أصلهما أمريكا، إنهما عالمان خطيران في السلاح الحديث، اختفيا في ظروف غامضة، هنالك أقاويل غير مؤكدة بل خيالية عن أحفادهما، ولو أن الشروحات بدأت غريبة ومثيرة للأسئلة وروح المغامرة، إلا أنه لم يقف عندها كثيرًا فهو شخص عملي ولا هدف له الآن غير استكمال الجزء العملي من رسالة الدكتوراه التي سيقدمها بعد شهرين للمجلس العلمي، بعد ذلك بشهرين ستناقش الرسالة إذا قُبلت. سيتحقق حلم عمره، يصبح محاضرًا في الحياة البرية، كما أنه لا يميل إلى ما يسميه بسخافات الخواجات، بُدائية، مَشَاعية، وجودية، وأشياء أخرى يجد نفسه مدفوعًا لقراءتها دون لذة، بل ويستطيع أن يقول لصديقه الصادق الكدراوي: إنني لا أفهم فيها شيئًا.

عندما أدرك بوابة المبنى المصنوعة من قنايات البامبو، أنزل ما بظهره من حمل على كومة من المحاريب، تمطَّى، تفحص المكان بعين سائلة؛ الباب القديم الغارق في بركة من الوحل، المكان شائخ ومهجور هِجرانًا تامًّا، صامت كلوحة رديئة، كجثة، لا أثر لإنسان.

تمتم بتعويذتين قصيرتين تفيدان في دخول الأماكن المهجورة المعزولة التي كثيرًا ما يسكنها الجن والشياطين وخلافهم من العفاريت، تَبَسْمل، تلا بصوت مسموع أسماء أهل الكهف: مكسيما.

ثمليخا.

مرطونس.

نينوس.

ساريوليس.

ذو نواس.

فليستطيونس، هو الراعي والراعي «واعي».

قمطير أو حمران أو ريان هو كلبهم.

ثم توكل على الله، والله خير من يُتَوَكَّل عليه. دفع الباب، لكن الباب انهار انهيارًا تامًّا متكوِّمًا على بركة من الطين مصدرًا هديرًا مفزعًا، ما جعله يقفز مبتعدًا عن رَشَاش الماء وشظايا البنيان المهدود، لكنه لم يستطع الدخول، جثة الباب أصبحت عقبة تمنعه الولوج؛ لأن شجرة شوكية عملاقة نمت خلف الباب مباشرة مغطية مساحة شاسعة من الأرض، كانت شبه زاحفة، لم ير مثلها في حياته من قبل. المبنى يتوسط سياجًا ضخمًا من أعمدة التك والمهوقني، تتعارض عليها عيدان القنا والبامبو مكونة مربعات صغيرة «تتشعبط» عليها المتسلقات الاستوائية دائمة الخضرة، ذات أزهار جذابة، أوراق كثيفة عريضة تعتِّم السياج فلا يمكن رؤية ما بالداخل.

تمشَّى قليلًا لِصْق السياج محاولًا تفحص ما بالداخل؛ المحريبات وعشيبات الحسكنيت وما يسميه قوم الدغل الأوسط بالماجا، هي عشبة لها أشواك تنطلق كالسهام نحو الفريسة أو كل شيء يمس الماج، لكنه رغم هجوم الماج والحسكنيتات وأشواك النخيل المتسلق استطاع أن يميز الصخور الحمراء التي بني منها المبنى القديم المشحون بأسرار أزمنة تليدة ذات شيخوخة بائلة، تحيط به أشجار المانجو والموز في فنائه، هنا وهناك تُرى بعض نباتات الأناناس …

هو لا يعرف شيئًا عن مستر ومسز جين البُدائيين، ولا يعرف شيئًا عميقًا عن البُدائية غير أنها مرحلة تتعلق بأجدادنا القدماء كما تعلم من معلم التاريخ في المرحلة الابتدائية، غير أنه شيء ليس من اهتماماته، لكنه لم يتردد ثانية في الولوج داخل المكان عندما وجد معبرًا صغيرًا يمكنه من الدخول إذا حمى رأسه وظهره، استخدم كفتيه في الحبو، فعل، هربت بعض الأرانب البيضاء والسحالي من قرب رجليه، قردان من على شجرة مانجو يرقبانه بحذر واستغراب، لم يرهما، دار حول المبنى دورات عدة، كانت نوافذه الكبيرة مغلقة لا منفذ للداخل غير أبواب موصدة. حسب تقديري يحتوي المبنى على ما بين ثلاث إلى أربع حجرات ومطبخ، بالإضافة إلى قاعة كبيرة في الوسط وحجرات أخرى صغيرة متداخلة في ذات المبنى الأساسي، توجد بناية خارجية عرف أنها تمثل مرحاضًا، جذب باب المرحاض للخارج، صرَّ صريرًا بائسًا، دون أن يقرأ إحدى التعويذات السبع التي تفيد في دخول الأماكن المغلقة المهجورة، دون أن ينادي بأسماء أهل الكهف أو يذكر مرطونس، يا صاحب البقية!

بينما هو في شأن أن يقول بسم الله، إذا به يسمع شيئًا، قبل أن يتبين مصدر الصوت سمع الفحيح، قفز للخلف بحركة رياضية مشهرًا بندقيته الصغيرة، مصوبًا إياها نحو ظلام المرحاض، لم يسمع شيئًا، عندما استدار للرحيل خرجت، كانت حية شديدة الضخامة، جلدها يتوهج مع أشعة الشمس المتسربة بين أفرع الأشجار، كأنها خيط سميك من الحرير مسقيٍّ بزيت نقي أسود، طولها يفوق المترين، لم ير مثلها في حياته، كانت جميلة مرعبة، سيطلق النار إذا حاولت مهاجمته أو مالت نحوه، هو لن يبادر، دارت الحية السوداء الجميلة المرعبة حول نفسها دورة واحدة ثم تكومت، سكنت عدا مؤخرة ذيلها، أخذت تُبَصْبِص كذيل كلب فخور بسيده. انسحب من المكان بسرعة معيدًا بندقيته إلى جرابها في حزامه الجلدي، هو رجل شجاع عقلاني حينما يكون داخل المدينة، لا يؤمن بالتعاويذ والتمائم، يسميها شعوذة، دجلًا وتخلفًا. في الجهة الجنوبية توجد شجرة فيكس إلستكا، أوراقها غزيرة، سميكة جميلة، لا يوجد شيء تحت الشجرة، مرت سحلية صغيرة صفراء منزعجة أمامه، اختبأت تحت أَجَمَة من العشب، ثعبان صغير يتسلق شجرة قشطة، قفقفة صقر تأتي إلى مسمعه من بعيد، الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر، الشمس دافئة نسبة لارتفاع درجة الرطوبة. نصب سريره الجوال بُعيد المبنى؛ لأن أسراب البعوض أخذت تحلق في كتلة كبيرة حوله، نصب أيضًا ناموسيته، أشعل النار في كومة من الأعشاب في أرض فضاء قربه حتى لا تحترق الغابة، قام بقطع بعض الأخشاب والشُّوك، صنع منها سياجًا صغيرًا حول سريره، اعتاد أن يفعل ذلك كل ليلة منذ الثالثة أو الرابعة بعد الظهر. أخرج خريطته، أخذ يدرسها بدقة متناهية كأنه يراها لأول مرة، تقول الخريطة إن هذا المكان يبعد عن أقرب قرية حضرية مسيرة ١٥ يومًا مشيًا على الأقدام دون توقف، أي حوالي ٥٤ ميلًا، وتوجد بعض القبائل البُدائية في مساحة ليست بالبعيدة لكنها غير محددة بدقة، يمكن الوصول إليها بسهولة أكثر من الدول المجاورة، حيث لا تبعد عنها أكثر من عشرة أميال. يبعد هذا المكان عن بحيرة التماسيح حوالي الخمسين ميلًا عن طرق شائكة جبلية؛ لأن البحيرة تقع بين منخفضين، ثلاثة جبال تحيط بها من جهة الشرق، الجنوب، والغرب.

المدخل الوحيد للبحيرة عبر النهر ينبع منها، أو عبر مسلك الخويرات الصغيرة تصب فيها، هذا هو المسلك الأكثر أمنًا. بنهر البحيرة توجد أيضًا بعض التماسيح الخطيرة، كل الإقليم يقع في المنطقة الاستوائية دائمة الخضرة، دائمة الأمطار، كثيفة الأشجار، يوجد بها كل ما خلق الله من حيوان خصيصًا للمناخ الاستوائي، تندر الأفيال والأسود وغيرها من الوحوش ذات الأجسام الضخمة، القلة الموجودة منها تعيش في الأماكن حيث تقل الأشجار، أي الأماكن الكاشفة عن الأرض، بها من الطيور الطنان، طوقان، براكيت، مفو، الطاؤوس، بوقير، الوروار، عشرات من الأطيار الجميلة والنسور وأطيار لا يعرف لها اسمًا، لكنه يخاف البوم؛ يعرف ما يحدث غدًا، يعرف الشر المتربص بالإنسان.

البوم لا يصرخ عبثًا، البوم يصرخ ليقول.

وبمنطقة الدَّغَل توجد بعض التجمعات البشرية التي قاومت التهجير الحكومي خلال الخمسين سنة الماضية، ودخلت الحكومة في حروبات عرقية قصيرة حسمتها الأمم المتحدة بأن يهاجر من يريد الهجرة طائعًا ويُترك بغابته من شاء طائعًا، هددت دولة لها قوة عسكرية تستحق احترام الجميع بأنها ستتدخل إذا واصلت الحكومة الشرقية سياسة التهجير بالقوة، أعلنت الحكومة المركزية في الشرق ما أسمته سياسة المنطقة المقفولة، من يدخلها غير داعية أو من دون تصريح أو تفويض حكومي يعرض نفسه للسجن أو الجلد أو الاثنين معًا، لكن من دخل هذا الدغل المحرم يعرف الجميع أن له عقوبة واحدة؛ أن يختفي للأبد إذا قبضت عليه الحكومة المركزية بالشرق. كان سلطان تيه يعرف ذلك جيدًا، لكن سلطان تيه بالذات لا تشك السلطة في عدم ولائه ولو أنه من جذر دَغَلي بحت، إلا أنه لا يعترف بما يُدعى — سريًّا — بالقومية الدَّغَلية أو ما تسميه الحكومة بالدَّغليين، هو ملكي أكثر من الملك؛ لذا حصل على تصريح موقع من رأس السلطة مباشرة.

سلطان تيه شاب كثير الترحال، كان يقوم برحلاته بصحبة صديقه الصادق الكدراوي، عبر البلاد الكبيرة شرقًا وغربًا بالقطار، بالسيارة، ركبا الحمير والعجلات، واحتال عليهما لصوص، وواجها النهب المسلح في الجنوب والغرب. كان الصادق الكدراوي هذا — كما يؤكد سلطان تيه نفسه — «عيني التي ترى، وأذني التي تسمع، وعقلي الذي يحلل»، لكن يعترف سلطان تيه أن الصادق الكدراوي هو «دليلي إلى عالم المرأة الغامض، هو شخص ليس بالإمكان الاستغناء عنه»، تخلَّف الصادق الكدراوي في هذه الرحلة نتيجة لإصابته بداء التهاب المفاصل المؤلم. كانا من أسرتين غنيتين، كانا منعَّمين، وكان الصادق الكدراوي ذا حظوة لدى النساء وطارحًا نفسه كمشروع للحب والعلاقات البناتية، مشروع — كما يقول الصادق — قومي، أقسم بينه وبين نفسه أن يعاشر من كل قبيلة في البلاد الكبيرة امرأة، أضعف الإيمان قبلة عميقة، إنها دعوة من أجل توحيد البلاد عاطفيًّا، بلاد بها عجز الدين والمنطق والثقافة والعِرق، فلنجرب المرأة.

لا يحبان السياسة ولا يحبان التحدث في الجنس، القبيلة والعرق، المال، الفقر، الدين، إنهما مواطنان في البلاد الكبيرة، حسبهما ذلك.

وضع على النار مزيدًا من الأشواك وحطب السنت الخضراء علَّ دخانها يطرد البعوض والحشرات الصغيرة الطائرة.

توضأ بماء المطر ثم شرع يصلي العصر، ثم أخرج مسبحته وأخذ يردد بعض أسماء الله الحسنى، اعتاد أن يتلو بعض الأوراد التي أخذها عن أبيه الذي يتبع طريقة صوفية لها طقسها الخاص والعميق، الآن منذ أن بدأ رحلته نحو بحيرة التماسيح استعاض عن الأوراد بتعاويذ تفيد في تجنب الأرواح الشريرة، في المدينة كان يكفر بها، وبعد أن حوَّط نفسه آمنًا شرور الأشرار أدار مؤشر الراديو الصغير إلى اﻟ BBC الإذاعة الوحيدة التي يصدق أخبارها ويثق فيما تقوله من خبر ويراسلها أيضًا.

مثل كل ليلة قضاها بهذا الدغل كانت الذئاب تحوم حوله وهي تقفقف، ومسدسه ماركة النجمة دائمًا معدٌّ لإطلاق النار، لكنه لم يستخدمه إلى الآن، هو شخص حَسَن الحظ لم يهاجمه إلى الآن حيوان مفترس، نعم، يقل بالغاب الجاموس — هي حيوانات عدوانية بطبعها — لكن الذئب، لكن كلب، السبع، اللبوءة؟!

هل لدعوات أمه الطيبة التومة شأن؟ وإلا ما سبب سكون حية المرحاض السوداء التي بإمكانها فعل ما تشاء؟! حلَّق عليه وطواطان، ضحك في ذات نفسه، كان طفلًا في سن المراهقة يصحبه عدد من أصدقاء الطفولة المراهقين يحملون مسحوق لحم الوطواط، مخلوطًا برماد ذيل السحلية وهم يختبئون خلف نباتات العشرة على ضفة خور المقابر الكبير حيث يقضي الناس حاجاتهم، وكانوا ينتظرون نفيسة الجميلة بنت الأستاذ القادمة حديثًا من المدينة الكبيرة، ستأتي في صحبة والدتها لقضاء الحاجة، سيضع الأطفال المراهقون خليط الوطواط والسحلية على بول نفيسة الجميلة حتى لا تستطيع نفيسة الجميلة النوم ما لم يضاجعها أكثر الصبية حظًّا، ولسخرية القدر جاءت أخته الرضية وتبولت بمكان لم يره منها هو، كانت جميلة، دائمًا ما يحلم صديقه حماد بمعانقتها. كان حماد في موقع ليس بالبعيد عنها، عندما قضت حاجتها وغادرت انزلق حماد من تحت العشرة وصب مسحوق السحلية والوطواط على موقع بولها، ثم لما تأكد من أنها اختفت عن الأنظار ذهب إلى مكمن صديقه، همس في أذنه: «كانت نفيسة هنالك، وسكبت مسحوقًا على بولها، هيا لنعد. هل سأكون محظوظًا الليلة؟»

وكان سلطان تيه يعرف نفسه بأنه الأكثر حظًّا بين أصدقائه؛ «وسأفوز الليلة أنا بنفيسة ابنة الأستاذ». عندما التقوا صبيحة اليوم الثاني، بادر سلطان تيه رفاقه في فخر: «جاءتني نفيسة في منتصف الليل بعد أن نام كل من في المنزل، وصحبتني إلى منزلها حيث تنام وحدها بالبرندة ووالداها ينامان بالعوضة، إنها وإني وإنها و… و…»

فضحك عليه الأطفال المراهقون ضحكًا أثار شكوكه، ولم يعرف مكيدة حماد إلا بعد أعوام كثيرة على الحادثة.

يبدو لسلطان تيه خلف ظلال النار بعيدًا خلف شجرة صغيرة خيال شخص، وقبل أن تتأكد الرؤية اختفى الخيال؛ «هل هي أشباح الليل؟ أو لربما دب النُّعاس في عيني»، لكن عندما تناهى لمسمعه عواء ذئاب في ناحية اختفاء الشبح أمعن النظر، فتراءى لناظريه ما يشبه ومضة برق خاطفة؛ قدح زناد، أو إشعال عود ثقاب، لكنه يعرف على الأقل خمسة أنواع من الحشرات تضيء أثناء طيرانها، كلها توجد بالدغل. عواء الذئب يصبح أكثر إفزاعًا، هل اصطادت فريسة ما أم أنها تحوم حول أشخاص/بشر كان بعضهم قربه قبل قليل؟

هو رجل شجاع، طوال هذه الأيام التي قضاها عابرًا الدغل لم يصادف أن قابل أحدًا غير رجل واحد، قابله قبل يومين، رجل عارٍ كالشيطان، مشعر، طويل القامة، تصادفا ذات صباح عند خور كثيفة أعشابه في طول الإنسان، ويبدو أن الرجل كان يُعد شَرَكًا بُدائيًّا لاصطياد حيوان صغير، بينما هو يفعل إذا بسلطان تيه يخرج إليه من بين الأعشاب، فزع الاثنان، هرب سلطان تيه ناحية، هرب الرجل ناحيةً تاركًا وراءه شَرَكًا مصنوعًا من صوف ذَنَب الزَّرَاف. بينما سلطان تيه يهرب بعيدًا لم يلاحظ أن امرأة جميلة كأنها من قبيلة «الكا» كانت هي الأخرى تعد شَرَكًا في موضع ليس بعيدًا عن شَرَك الرجل، وأنها لم تهرب بل كانت تنظر إلى سلطان تيه وهو يهرب وعلى ظهره حمله في برود تام ودون أدنى اكتراث وكأنها ترى هذا المشهد للمرة المليون.

وفقًا للخريطة لا توجد قرية قريبة من هذا الموقع، قرية «لالا» تقع على بعد يومين ونصف اليوم في اتجاه الغرب، من أين أتى الرجل الغريب؟! كانت الذئاب تعوي، قفل الراديو ولو أن البرنامج كان سيثير انتباهه في الحالات العادية، فهو متابع جيد للبرامج العلمية، دار حول سريره عدة دورات دون سابق تفكير أخذ يردد تعويذة سرية تفيده في تحويط المكان، تبدأ ﺑ «إيلاف قريش»، تنتهي:
أصبحنا بالحديد.
أمسينا بالحديد، أمسينا بالحديد.
ما نفع إلا ربنا الشديد.

كان شجاعًا ذكيًّا، كان عقلانيًّا في تفسيره للظواهر الغريبة أو التي تبدو غريبة والمخافات.

تتجمع بعض السحابات فتخفي النجوم الكثيرة جدًّا، النجوم التي تساوي عدد نجوم المدينة مضروبًا في عدد نباتات الدَّغَل، هل خُلقت هذه الأنجم من أجل الغابة فقط، نجمة من أجل كل صفقة؟

لديه خوف فطري من المطر؛ لأن المطر لا يفرق بين الصالح والطالح.

لأن المطر يهبط على الجميع.

لأن المطر يعمق غربته ووحدته.

لأن المطر ثلاث مخافات:

مخافة من فوق: الماء.

مخافة من تحت: السيل.

مخافة من حيث لا يحتسب: الصاعقة.

إذا جاء المطر سيدخل إلى البيت المهجور؛ الأفعى.

وما يمنع البيت من أن يكون مسكونًا بالجن؟ من يدري؟

خلط بين تعويذتين لا يستحب الخلط بينهما، أخذ تعويذاته السرية، حسيس النار، خلف صمت الراديو الصغير خليط التعويذتين، دخل ناموسيته، أدار الراديو مرة أخرى، كان شجاعًا.

لا يدري كيف قفزت حادثة وفاة والده إلى رأسه بالذات، حادث السير المشئوم، كانت رأسه سحقت تمامًا على الأسفلت، هو — سلطان — والسائق نجَوَا من الموت، وكان والده سينجو لولا أن قفز من العربة في اللحظة التي انحرفت فيها سيارة نقل ثقيلة نحو عربته الصغيرة التي كانت بصدد أن تتخطى عربة النقل، هو نفسه — سلطان — لو كان قرب الباب لما تردد لحظة في القفز، كل حمولة الشاحنة مرت على رأس والده الأشيب ذي الصلعة، الملآنة بالفكاهة والحكاوي، الملآنة بأسرار الصوفية وكلام الله؛ «كان أبي رجلًا مرحًا متدينًا».

جاء وحده ذئب ضخم عجوز يدور حول النار على بعد أمتار قليلة عن مركزها، كان يرقبه عبر مسام غزل الناموسية، يعرف أن الذئب يعجز عن مهاجمته واختراق سياج الشوك الذي حصر به نفسه، لكنه متيقن من مقدرة هذا الذئب العجوز على القفز فوق سياج الشوك والسقوط عليه مباشرة، تمزيقه ثم أكله، كل شيء ممكن، الذئب العجوز يحفر بقوائمه الخلفية خنادق صغيرة وهو يقف مستديرًا حول النار. بينما كان يغادر المنزل ليؤسس الخطوة الأولى لرحلته دعت له أمه التومة بأن يحيطه الله برعايته ويعيده سالمًا غانمًا ويقيه شر «الكا» آكلة لحوم البشر، بالتأكيد كانت في غيبوبة عن أصلها من جهة جدتها، لولا بعض الحياء لأوصته بألا يقترب من أية امرأة خاصة إذا صادفها في الغابة متهيئة للمواقعة، هكذا يصطاد «الكا» فرائسهم، إذا واقعتها التصقت بها، إذا التصقت بها بظفرها ثقبتك في عدة مواضع، قطعت شريانك والنهاية. كانت لا تريده أن يذهب إلى بحيرة التماسيح؛ لأنها تعلم أنه سيذهب طالما أراد ذلك، لم تقف في طريقه كي لا تصيبه لعنة عقِّها، هي لعنة عجلها الله في الدنيا قبل الممات؛ لعنتان.

لم يكن في ذهن أمه أبدًا هذا الذئب العجوز.

دار دورتين سريعتين حول سياج الشوك ثم اختفى، فجأة عاد مندفعًا نحو السياج الشوكي مقذوفًا في اتجاه سلطان تيه، في تلك اللحظة أطلق سلطان رصاصة أخطأت الذئب العجوز الجائع، ألحقه رصاصة أخرى.

عوى الذئب عواءً حزينًا.

سقط على بعد أمتار قلائل من سرير سلطان، ثم أطلق على صدره رصاصتين أخريين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤