الفصل الثالث

المنظر الأول

حصن تدمر

(يمثل المنظر حصن تدمر قبيل الغروب في مشهد رائع والشمس باعثة بأشعتها الأرجوانية بين صفوف النخيل على الرمال الذهبية والحجارة التاريخية العتيقة، ويبدو رجال الحامية في مواضع متفرقة ومعهم سيوفهم وسهامهم ودروعهم، وتبدو المنجنيقات في مواضع مختلفة من الحصن. وقد زارته الزَّبَّاء على موعد من القائد الأعظم الذي جاء من ميدان القتال بحجة تقوية الدفاع، ولكنه جاء في الواقع ليساوم الزباء على التَّزوج منه حتى يصبح ملك تدمر، وذلك ثمنًا لإنقاذ المملكة من خطر الرومانيين الزاحفين على تدمر بعد أن هزموا التدمريين أخيرًا في موقعة حمص، وبعد أن أخذوا يجتازون القفار والاستحكامات إلى العاصمة.)

الملكة :
ماذَا؟ أتَنْسَى أنتَ فضْلَ رعايتي
وتخْونُ عَرْشي في مقَامِ جِلَادِ؟!
أكذا الشَّجَاعةُ والشَّهامةُ والحِجى
أكذا تكون قيادةُ القُوَّادِ؟!
أعدَدْتَ لي وَطَنًا غريبًا عنكَ لم
تخْدِمْه حين نسيتَ حَقَّ بلادِي؟!
ماذا تَرَكْتَ لخاذِلي أوطانهم
جُبْنا بيوم كريهةٍ وتَنَادِ؟!
القائد الأعظم :
ما بينْ أمسِ مَضى ويَوْمٍ آتِ
الحرْبُ لا تعنو أمامَ حياةِ
حَصَدَتْ مئاتٍ للنُّفُوسِ وما وَنَتْ
ولسوفَ تُتْبِعُهَا بحَصْدِ مِئَات
وأنا الذي دافَعْتُ عنكِ مجاهدًا
أسْمَى وأكرمَ مِنْ دفاعِ كُماةِ
أحْبَبْتُكِ الحُبَّ الذي لا ينتهي
برعايةٍ أو دعوةٍ وصلاةِ
وسَعَيْتُ خَلْفَ المستحيل ولم أنمْ
في هَوْلِ معركةٍ وسيلِ مَمَاتِ
أجزَاءُ مثلي أن يُعَيَّرَ هكذا
بشجاعةٍ وصلَابَةٍ وثباتِ؟!
الملكة :
ليس هذا مِنْ دِفاعٍ فادَّكرْ
ما أصابَ الجيشَ مِنْ بَعْدِ انْهزَامِ
كيف تأتي كجبانٍ لم يَقِرْ
لحظةً في الحربِ مِنْ هَوْلِ الصِّدَامِ
إنما الجُنديُّ في ساح القِتَالْ
يبذُلُ الرُّوحَ لأوطانِ تُعَاني
ليس مَنْ يفخر في وقتِ المَلالْ
ليس مَنْ يهرُبُ جُبْنًا للأمانِ
كيف ترجو أن تُحَيَّا بالجلالْ
وبقايا الجيشِ تُزْجَى للهوانِ؟!
ثم تأتي طالِبًا منِّي المُحَالْ
حاسبًا أني أُضَحِّي لجبانِ!
إنَّ عَرْشِي مِلْكُ قومي وَحْدَهم
ثم نفسي مِلْكُ نفسي لا الحسام!
القائد الأعظم :
أتردِّين هكذا سُؤلِيَ الحقَّ
وتَنسين كلَّ ما قد بَذَلْتُ؟
كلُّ ما قد سَألْتُ أنْ أغتدي إلـْ
ـفَكِ … والعَدْلُ هكذا ما سألْتُ!
تَتَناسين ساعةَ الخَطَرِ الدَّا
همِ … لا تذكرين ما قد كَفَلْتُ
الملكة :
بِرَغْميَ أنَّكَ مَنْ يَنْفَعُ
ومَنْ يَدْفَعُ الخطْبَ أو يمنعُ!
فهل لكَ مِنْ عَوْدَةٍ للجها
دِ فتُكْرِمُكَ العينُ والمسْمَعُ
وتغدو أميرًا بحُبِّ النُفُوسِ
وهل بعد حُبِّ الورَى مَطمَعُ؟!
القائد الأعظم :
نسيتِ حُبِّي فَخَلِّي
عَذْلي، ففي العَذْل قَتْلي!
وسامحيني وَعُودي
إلى الرِّضى والتَّجلي
أكانَ هذا كثيرًا
على وَفائي وعقْلي؟!
فإنْ رَضيتِ فإني
سأجعلُ النَّصْرَ شُغْلي
الملكة (غاضبة) :
أتُسَاوِمُ أنتَ على عَرْشي
وتعافُ الحرْبَ بلا ثَمَنِ؟!
فاذهَبْ إنْ شئتَ ولا تذهبْ
إنْ خُنْتَ، فكُلِّي للوَطَنِ!
سأطيلُ الحَرْبَ بلا وهَنٍ
ويلًا للبَاغي المُمْتَحن!
وأقودُ بنفسي جَيْشَ أبي
للنَّصْرِ على رَغْمِ الزَّمنِ
القائد الأعظم :
أكذا تغضبينَ؟!
الملكة :
… اذْهَبْ ودَعْني
لستُ مَنْ تُشْتَرى بتهديد ماكِرْ
القائد الأعظم (عاتبًا محتجًّا) :
قد تَمَادَيْتِ رَبَّةَ التَّاجِ في اللَّوْ
م، وقد كان كلُّ لَوْمِكِ ظُلْمَا
وتَنَاسَيْتِ كُلَّ فَضْلي وجُهْدِي
فَعلى الحَرْبِ أنْ تُسَجِّلَ حُكمَا!

(ينحني القائد الأعظم احترامًا للملكة ثم يتركها في شبه غضب.)

الملكة :
أيها الجندُ! …

(يقبل أمام الملكة من جوانب الحصن عدد وافر من الجند في زيهم الحربي.)

الجند :
إنَّ أمرَكِ طاعَهْ …
ربَّةَ العرشِ والسَّنَا والمَنَاعَهْ!١
الملكة :
مَنْ دَانَ منكم بحبِّي؟
الجند :
… … … …
جَمِيعُنَا مَنْ يدينُ!
الملكة :
أتبذلون لِنَصْرِي؟
الجند :
… … … …
هيهات فينا الضنينُ!

(متحمسين.)

جَميعُنَا منْ يُضحِّي
فما يَعِزُّ الثمينُ
فأنتِ مُلْكٌ وكَنْزٌ
وأنتِ تاجٌ ودينُ!
الملكة (مشيرة إلى بعد خارج الحصن) :
هذا العدُوُّ أتى يُحاصرُ (تَدْمُرَا)
من بعد ما اكْتَسَحَ المدائن والقُرَى!
الجند :
سَنُرِيقُ خيرَ دمائنا لدفاعِنا
عَنْها بلا وَهَنٍ، ولَنْ نتقهقرَا!
وإذا التجأنا للقلاعِ فإنَّنا
كالأُسدِ جاثمةً لتقتحمَ الذُّرى!
الملكة (تشهر سيفها) :
أقْسِمُوا أقْسِمُوا بسيف البُطُولهْ
وانبذوا الخائنَ العديمَ الرجولَهْ!
الجند (يشهرون سيوفهم ويوجهونها نحو سيف الملكة) :
قَسَمًا بِسَنَاكِ وَدَوْلتهِ
والمجدِ وموطننا العالي
سندافعُ عنكِ بلا وَهَنٍ
كالجِنَّةِ قبل الأبطالِ
نَفْدِيكِ بأرواحٍ خُلقَتْ
لتصونَ مُحيَّاكِ الغالي
ونخطُّ بأسيافٍ كَرُمَتْ
تاريخَ كريم الأجيالِ
ونصونُ لأحفادٍ عِبرًا
وفخارًا يَتْلُوه التَّالي!

(تنزل الستارة الداخلية لفترة قصيرة استعدادًا للمنظر الثاني.)

المنظر الثاني

(مشهد ريفي في الليل وشاطئ نهر الفرات في خلف المسرح، وأشعة القمر مرسلة ما بين النخيل، وتألق النجوم واضح في السماء، ويقع هذا المنظر بعد المنظر الأول بأسابيع قليلة، وقد تمكن الرومانيون بقيادة قائدهم مارسيوس وبفضل خيانة پيلينوس من اجتياز القفار والاستحكامات المنيعة — بعد موقعة حمص — ومن محاصرة تدمر، ولكن بعد أن هرب ولي العهد — هبة الله — من الأسر والتحق بجيش العاصمة، وفي هذا المشهد تمثل محاولة الزباء الهرب مع ولي العهد إلى ملك الفرس للالتجاء إليه والاستنجاد به على أعدائها، بعد أن كادت المدينة تسقط في أيدي الرومانيين، ثم استطاعة الرومانيين اللحاق بهما وأسرهما، وقد كان لمرندا الفضل الأول في محاولة تهريبهما بعد أن أيقنت خيانة پيلنيوس لها في حبها ثم خيانته للملكة وللشعب.)

الملكة (تظهر تحت النخيل في جانب المسرح ومعها من حاشيتها كبير الكهنة ثاديوس) :
ما علينا الآن إلَّا
وَقْفَة تحت النخيلْ
في ارتقابٍ للرحيلْ!
الوزير الأعظم :
بالرغم منَّا يا مليـ
ـكةُ أن تسيري لاغترابِ
لكنْ لعلَّ (الفُرْس) تنـْ
ـجدُنا على هذا المُصابِ
كبير الكهنة :
هكذا حِكْمَةُ المقادير شاءتْ
والذي كنتُ خاشيًا قد تَحَقَّقْ
وكفانا من الثباتِ رجاءٌ
لكِ والعْرشِ والولاءِ المُحَقَّقْ
الفيلسوف لونجينوس :
دَعانا من الآلام ولنَدْعُ بالهُدَى
وبالفَوْزِ في المسْعَى لصاحبةِ التَّاج
نَجَاةٌ لها تكفي نجاةً لمُلْكِنا
متى رجعتْ في عسكر بين أفواجِ
فتكشفُ عن أوطانِنا غُمَّة العِدَى
كمَا يثأرُ الإصباحُ من خَصْمِهِ الدَّاجي!
مرندا :
أمَّا أنا فالصَّفْح أطـْ
ـلُبُ منكِ حتى تَصْفَحي
لولايَ (پيلنيوس) لم
يَنْجَحْ ولم يَتَبَجَّحِ
أخْلَصْتُهُ حُبِّي فما
أبْقَى ولمَّا يَسْتَحِي
وقضى على أملِ البلا
دِ وقادَها للمذبحِ!
الملكة :
ما مضى ولَّى وَحسْبي
أن أُغيثَ اليوم شَعْبي
أنا لا أمضي هُرُوبًا
رُبَّما أمضي لِخَطْبِ
غير أنَّ السَعْيَ أجدَى
من سُكونٍ يومَ حَرْبِ
ليس لي ذنبٌ بهذا
إنَّما الإخلاص ذَنْبي
الوزير الأعظم :
سوفَ لا ينساكِ شَعْبٌ لَنْ يَحيدْ
عن ولائِه
لا ولا أن يرتضي حظَّ العبيدْ
في سمائِهْ
اقصدي يا كوكب التَّاج العزيزْ
دون لَوْمِ
سيِّدَ (الفُرْس) فهيهات يُجِيزْ
نشر ضَيْمِ
قد غدا (الرُّومانُ) أشْباهَ الجرادْ
في خَرَابِ
واسْتَحَلُّوا كلَّ أنواعِ الفسادْ
والعذابِ
اذْهَبي بالرَّغم منا ولْتكوني
بين أهْلِ
نحن مَنْ يُؤثرُ أنواعَ المَنونِ
قبلَ ذُلِّ
كبير الكهنة :
إنَّما نحن وَحْدَةٌ أنتِ منها
مركزٌ ثابتٌ عزيزُ المقامِ
إنْ تُسِئنا الأيَّام دُرْنا وما زلـْ
ـنا نُناجيكِ لا رضى الأيَّامِ
والخَؤونُ الذي أساءَ إلينا
سوفَ يلقى جزاءَه بالحُسامِ
نحن شعبٌ أساسُ نهضته الصَّبـْ
ـرُ، وبالصَّبرِ يرتقي كلُّ سامِ
جُهْدُنَا أصلُهُ اليقينُ فما نعْبـ
ـبأُ بالدَّهرِ أو أذى الظُّلَّامِ!
الفيلسوف لونجينوس :
العُرُوشُ والأممُ
تُبْتَنى وتنهدِمُ
لا تعيش خالدةً
حين فاتها الشَّمَمُ
موطنٌ لِنُصْرَتِه
أنتِ ليس ينهزمُ
قد حفظتِ همَّتَه
حين ضاعت الهِمَمُ
مرندا :
وَقَفْتُ عليكِ أحلامي وقَلبي
وكم عشقتكِ أحلامُ النِّساءِ
وكنتُ أسأتُ في ظنِّي بحُبِّي
فأَلْهَمْت الكريمَ من العَزَاءِ
سنحفظُ ذكرَكِ الباقي ونَحيا
حياةَ المُؤمِنَات على رجاءِ
ونرتقبُ اقتراب غَدٍ لثأرٍ
يُعيدُ التاجَ في أسمى بهاء
الملكة :
ماذا جَرَى والجُنْدُ لمَّا يحضُرُوا
أترى كُشِفْنا أم أُضِلَّ العسكرُ
الوزير الأعظم :
هُمْ والأميرُ يهيئو
ن القَارِبَيْنِ على نظامِ
وَلَسَوْفَ يأتي جَمْعُهم
في فَتْرَةٍ للإغتنامِ

(يسمع صوت خيل على نغم موسيقى لفترة صغيرة.)

الملكة :
والآنَ قبلَ وَداعِكم أُحيي هُنا
عَهْدِي بأن أشقى ولا أنْسى المُنى
وأذيقَ مَنْ باع الأَمانةَ عابثًا
بالموطن الغالي الشَّقاوَةَ والعَنَا
أوْدَعْتُكم أهلي وخيرَ عواطفي
وأبَيْتُ أن أجْني على وطني أنَا
حاشا ليَ التَّسْليمُ أو هَرَبٌ به
عارٌ، ولكنِّي رَحَلْتُ عن الدُّنى
وتركتُ شعبًا مؤمنًا برجاحتي
سلَّ السيوفَ الهاجراتِ الأجْفُنَا
فإذا ظفرتُ ملكتُ كلَّ عظيمةٍ
وإذا فشلتُ فما حُرمتُ من السَّنَا
والشَّعبُ لا يَهوي شقيًّا بينما
التَّاجُ لا ينسى الكرامةَ دَيْدَنا
فزِنوا مواقفكم وكونوا قُدْوَةً
للناس … إنَّ الناسَ قُدْوَتُهُم بِنَا
يا ويلَ شعبٍ عاشَ وهوَ مُضَلَّلٌ
بالقائِدين فما تقدَّم مُؤمِنَا
نورُ الرَّجاءِ بكم فلا تتهاونوا
أو تحسبوا حُكْمَ الممالك هيِّنَا!
الجميع :
اطمئنِّي يا مليكَهْ!
اطمئنِّي اطمئنِّي!
عساكر الرومان (تسمع عن بعد أصواتهم ثم تقترب تدريجيًّا وقد عرفوا هرب الملكة وولي عهدها، فهبوا لمطاردتها ومن معها، ويقودهم قائدها الخائن پيلنيوس) :
قِفُوا! قِفُوا!
لا تُسْرِفُوا!
أَوْلى بكم
أنْ تُشْرِفُوا٢
عنْ بَحْثِنَا
لنْ تخْتفوا!
الملكة (في ثبات) :
حَكَمَ القَضَاءُ ولَا مَرَدَّ لحكْمِهِ
لكنَّ لي أملًا يعيشُ كبيرا
أمَلي بشَعْبي …
حاشية الملكة (في اضطراب) :
… واجبٌ أن تختفي
الملكة (في ثبات وأنفة) :
… … … …
كلا! فقَدْرِي ما يزالُ قديرًا
أنا لا أهابُ ولن أكونَ أسيرةً
للجُبْنِ … بل أذَرُ الغَشُومَ٣ أسيرا
هاتي الصواعقَ يا سماءُ فإنني
أهلٌ لقلبٍ لنْ يُرَاعَ صغيرا!

(يدخل عدد كبير مسرع من الجند الروماني بقيادة قائدها الخائن پيلنيوس ويلتفون في دائرة واسعة حول الملكة ومن معها إلا من جهة النظارة.)

عساكر الرومان :
سلِّمُوا سيوفَكُمْ!
سلِّمُوا سيوفَكُمْ!
حاشية الملكة (وقد شهروا السيوف وحاولوا التصدر دفاعًا عن الملكة ومرندا) :
تَحْيا (تَدْمُر)!
تَحْيا المَلِكَهْ!
الملكة (في غضب واشمئزاز رامية نعلها في وجه پيلنيوس قائدها الخائن) :
أهذا أنتَ يا خائنْ؟!

(فتسدل الستار العامة فورًا.)

١  المناعة: القوة والاعتزاز.
٢  أن تطلوا وتظهروا.
٣  الغشوم: الغاصب الظالم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠