الفصل الرابع

(مشهد جانب ساحة النصر الكبرى بمدينة رومة شائقة بعمدها وبناياتها الرائعة، وقد ازدحم أعيان الشعب في المكان المعد لاستقبال الإمبراطور (أورليان) في عربته ماشية أمامها الملكة الأسيرة.)

الشعب (أصوات مترددة خلف المسرح من بعد وقرب) :
عاشتْ (رُومَةُ)!
عاشتْ (رُومهْ)!

(ثم يمر عدد منه رجالًا ونساء في مرح ويرقص الجميع على قطعة مطربة تعزفها الأركسترا نحو خمس دقائق، ثم يسيرون في طريقهم فيتركون المسرح من الجانب الآخر.)

(الماثلون أَمام النظارة في هذا المشهد) :
(رُومَةُ) اعْتَلِي
رُكْنَكِ العلِي
وافْرَحِي بما
حُزْتِ واحْفَلِي
نَصْرُنا عَدَا
كُلَّ مأْمَلِ
زانَ صِيتُه
كُلَّ مَحْفَلِ
وبَدَا سَنَا
كُلِّ هَيْكَلِ
(رُومَةُ) اعْتَلِي
(رُومَةُ) اعْتَلِي
الجند (وتسمع أصواتهم خارج المسرح وهم مقبلون في ركب ينشدون هذا النشيد) :
احكمي يا (رُومةٌ) حُكمَ العُلَى
وانْشري الذكرَ عزيزًا في المَلَا
والْبثي للمعجزات مَوْئِلَا
وافتحي الدُّنيا وعِيشي مَثَلَا
للحياةِ والمعَالي والفخارِ
للزَّعَامَهْ! للحضارَه!

•••

اقْبَلي اليومَ تَحيَّاتِ الجُنُودْ
وامنحيهم نُورَ مَرْآكِ الوَدُودْ
قد أعادوا بالوغَى حَقَّ الجُدُودْ
وأَدَالُوا كلَّ مَفُتُونٍ حَسُودْ
بالثَّبَاتِ والفِعَالِ وانتصارِ
للكرامَهْ! للجَدَارَهْ!

(يدخل ركب الإمبراطور وفي مقدمته طائفة من الجند ثم القواد وعلى رؤوسهم الغار، وبينهم قائد تدمر الخائن پيلنيوس، ثم الملكة الزباء أسيرة وعليها سلاسل الذهب والجواهر، ماشية أمام عربة الإمبراطور، وبجوارها حارسان يسندانها حيث يكاد يغمى عليها من التأثر بالهوان، ثم عربة الإمبراطور يجرها الجند ويحيطون بها، وتقف العربة بعد الظهور على المسرح.)

الإمبراطور (أورليان) (يبدي إشارة التحية الرومانية فيحييه الجميع باحترام كذلك ويخاطب أشراف رومة) :
فَتَحْنَا (تَدْمُرَ) الفَتْحَ العَظيمَا
وأسَّسْنا بها حُكمًا حَكِيمَا
وهذا عَرْشُها يَهْوَى عديمَا
فحيُّوا جُنْدَكم … لا شكَّ فيمَا
حَبونَا مَنْ عظيمِ الانتصارِ!
الأشراف :
ألا يا أيها المَلِكُ العظيمُ
تَقَبَّلْ قَبْلَهُمْ حُبًّا يُقِيمُ
فمنك تدفَّقَ الفَضْلُ العميمُ
ومنكَ العَزْمُ والرأْيُ السليمُ
فعشْ واسلمْ (لرُومَةَ) في ازدهار!
وأنتم أيُّها الأجنادُ أنتمْ
رجاءُ الشَّعْبِ، فَلْيُكْرِمْهُ منكْم
وَفَاءٌ لن يُغيَّبَ قطُّ عنكمْ
وأهلًا بالبسالة يومَ صُنْتمْ
لنا عَلمًا ولم تقِفُوا لِعَارِ!
الجند :
شَكَرْنَا فَخْرَكُمْ هذا بِفَخْرِ
فنحن حُمَاةُ موطِننا الأَعَزِّ
نسيرُ لِنَصْرِهِ في كُلِّ مِصْرِ
فمن نَصْرٍ له نمضي لنَصر
ونرجعُ بين أضواءِ النَّهار!
الشعب (أصوات مترددة خلف المسرح عن بعد وقرب) :
تَحْيا (رُومَةُ)
تَحْيا (رُومَةُ)
حسان الرومان (تدخل ثلاث حسان رومانيات حاملات باقات الزهر من الشعب إلى الإمبراطور، وينشدن ثم يرقصن بعد ذلك على نشيد الجمع) :
قد بُعثنا بالتَّحايَا
مِلءَ باقاتٍ نَدِيَّهْ
فاقبل الحُبَّ المُوَافي
يا مليكًا للرعيَّهْ
واغتبطْ بين التَّهاني
والأنَاشِيدِ الهنيَّهْ
إنما قد حُزْتَ نَصْرًا
هَزَّ أعلامَ البَرِيَّهْ
كم رقصنا وشرِبنا
بالكئوس الذهبيَّهْ
فَلْنَدُمْ للنَّصْرِ رَمْزًا
ولتعشْ للمدنيَّهْ!
الإمبراطور (متناولًا الباقات وواضعها في عربته ومقبلًا رؤوس تلك الحسان) :
أهلًا بباقات شَعْبي
وبالتحايا الجميلَهْ!
نبيلةٌ في شعورٍ
وبالثغور النَّبيلَه!
ارقُصْن يا فاتناتٍ
رَقْصَ الأماني الجليلَهْ!
الجميع (ينشد الرومانيون هذا النشيد لإطراب الإمبراطور بينما ترقص الحسان) :
يا (رُومَةُ) اسْتَمِعِي الأَلْحَانْ
في حُبِّ شعبِكِ مفتونَا
بحفظِ عَهْدِكْ!
إنَّا وَهَبْنَاكِ الوِجْدَانْ
فما وَهَبْنَا مَغْبُونَا
بفَضْل قصدِكْ!
تبقين أنتِ مَدَى الأَزمانْ
فالمجدُ يبقى مرهونَا
بمثلِ جُهْدِكْ!
ما عاش شَعْبٌ بَعْدَ تَوَانْ
بل صار مَيْتًا مَدْفونَا
عيشي لمجدِكْ!

(ثم تحيي الحسان الإمبراطور باحترام وتغادرن المسرح.)

الإمبراطور (مخاطبًا الزباء وقد تمالكت نفسها) :
والآن يا مَنْ جَنَتْ ذُلًّا بما صنعتْ
ماذا اكتسبتِ بهذا الذلِّ ألوانَا؟!
ضيَّعتِ مُلكًا كما ضيَّعْتِ سابقةً
مِن المودَّةِ قد راعتكِ أزمانَا
الزباء :
أنتَ أخطأتَ عند ظنك هذا
إنَّ مثلي تَجِلُّ عن أن تُذَلَّا
ليَ جسمٌ أسيرُ روحي، وروحي
دائمًا تسكنُ المكان الأجلَّا!

(يظهر الحاضرون دهشة لكبريائها.)

الإمبراطور :
أتظلِّين في الغرورِ؟ …
… … … إلامَا؟!
الزباء (في تأثر تنشد دفاعها) :
إنْ كُنْتَ قد أُوهِمْتَ ذاكَ جَزَائي
فلقد جَهِلتَ العدلَ دونَ مِرَاءِ!
أنا مَنْ حَفظتُ لك الودادَ فما دهى
ذاك الودادَ وكُنْتَ رَمْزَ إخائي؟
سائلْ شُعورَك ثم سائلْ خائنًا
كم ظلَّ يعملُ في سبيلِ عَداءِ!

(مشيرةً إلى قائدها الخائن پيلنيوس بينما هو في حيرة واضطراب.)

كم حَضَّني ودعا لثورة غاشم
وحُروبِ أهواءٍ صباحَ مساءِ
فَنَهَرْتهُ فازداد غَيًّا، عاملًا
للحربِ ثم الفتنةِ الشعواءِ
لولاه ما عرفَ التباغضُ موضعًا
مِنَّا ولا بِتْنا أمامَ بلاءِ
إنْ كان صاحَبَكم فليس لصحبة
ما حُبُّ (رومةَ) عِنْدَه بجزاءِ
بل رغبةً في الانتقام لأنَّني
لم أرضَه زَوْجًا فخان نِدائي
مَنْ كان ينقضُ هكذا عهدَ العُلى
أوْلى به موتُ الخبيثِ الدَّاءِ
أينالُ (أورليان) منِّي هكذا
متناسيًا ودِّي وطولَ وفائي؟!
ويفوته ضَرْب الخؤون المعتدي
بالسيف، وهو مخادعٌ ومُرَائي
مَنْ خانَ أُمَّتَهُ فليسَ لمثله
شَرَفٌ ولا حقٌّ لدى الأعداءِ!
الإمبراطور (غاضبًا) :
أصحيحٌ ما قُلْتِهِ عَنْه؟ … إنِّي
لم أكنْ مُخطِئًا إذنْ عندَ ظَنِّي
أخْرِجُوه! … أجلْ! … فلستُ براضٍ
عن جبانٍ مخادعٍ شاء غَبْني

(يقبض عليه جنديان ويخرجانه من بين القواد وهو في اضطراب والقواد يتهامسون في دهشة.)

الجند :
قُلْ دِفاعَكْ
قُلْ دِفاعَكْ
القائد پيلنيوس (في وجل محتجًّا) :
ماذا؟! أليس تحايُلي ومحبتي
— برًّا (برومة) — سرَّ كلِّ نجاحِهَا؟!
سَيْفي تقدَّم سيفَ كلِّ مجَنَّدٍ
منها، ورأيي كان رُشدَ سلاحهَا!
هل كان يُغْنِي جيشها بمآزقٍ
لولايَ ما خضعتْ إلى مُجْتَاحِهَا؟!
الجند وقوادهم :
جَهْلًا تمنُّ علينا
ونحْنُ أبناءُ (رومَهْ)
الوارثون الشَّجاعهْ
إنْ طِبْتَ نفسًا وَعيْنا
فأنت أصلُ الخُصومَهْ
وداءُ مُلْكٍ أضاعهْ
الإمبراطور (غاضبًا) :
أنْتَ يا مَنْ أساءَ عَمْدًا لتاجِهْ
وعَرَفْنا الحُرُوبَ مِنْ إنتاجِهْ
سوفَ نجزيك بالنُّضارِ ولكنْ
ذائبًا شاربًا كِفاءَ احتياجِهْ١
نحنُ أشرافُ هذه الأرض نَأْبَى
عِزَّةً للخؤون رغْمَ احتجاجِهْ
كلُّ نفعٍ بذلتَه ليس نفعًا
يا خؤونًا فخارُهُ في اعوجاجِهْ

(يجره بعض الجند إلى خارج المسرح.)

القائد پيلنيوس (مستغيثًا) :
… … …
… يا مليكي!
الإمبراطور :
… … … …
… خَسِئْتَ! لا تُرجِعُوهُ
إنَّ قَطْعَ اللسانِ أوْلى بجان
مثلَ هذا الذي تدنَّسَ فُوهُ
هَدَّ مُلْكًا وخانَ عَرْشًا وأوْدَى
بنفوسٍ منَّا ومنها ذَووهُ!

(يذهب به حرَّاسه.)

القائد پيلنيوس (يسمع صوته خارج المسرح متضائلًا) :
خانني الدَّهرُ … ومَن قد ظنَّهُ
خائنًا من بعد ذاكَ الانتصارْ؟!
بِئستِ الدُّنيا التي كم خادعتْ
ثم جازتْ مَنْ يُجاريها بنارْ
الزباء (متأثرة شاكرة) :
ثأرتَ لعِزَّتي إلَّا بقايا
ولكنْ قد قضيتَ على جَوَايا
ولستُ أهاب مَوْتي بعد هذا
فبعد الثَّأْر في موتي رضايا!
وما ذُلُّ المُلوكِ بهَدْم ملكٍ
ولكنْ كلَّما صاروا ضَحايا!
كَشَفْتَ قِنَاعَ مَن أذْكى حُرُوبًا
لنكبتنا وأورثنَا الرَّزايا
فصُنْتَ كرامتي وَحَميْتَ عرْضي
فلم أبكِ الجلالَ ولا هوايا
إذا النَّفْسُ العزيزة لم تُسخَّر
فما تخشى الوبالَ ولا المنايا!
وما هذي السَّلاسلُ رَمْزُ ذُلٍّ
إذا كانت تُكرِّمني السجايا!
الإمبراطور :
ارفعوا هذه السلاسلَ عَنها
ولْتُؤَدُّوا عظيمَ التَّحِيَّهْ

(يفعل حراسها ذلك وينحني لها الجميع احترامًا.)

الزبَّاء :
أيُّ شُكْرٍ إليكَ أُسْدي فَيُوفي
صِدْقَ حسِّي بذلك المعروفِ
الإمبراطور :
اجْلسي الآن جانبي رَمْزَ عرشٍ
مِنْ جلالِ النُّهَى ومن عَبْقَريَّهْ

(تقترب الزباء منه فيضع إكليل الغار الذي أمامه على رأسها ثم يساعدها على الجلوس بجانبه في العربة الملكية.)

والْبسي الغَارَ أنتِ في الأسرِ أوْلَى
بالجلال الذي يشوق البَريَّهْ
نَفْسُكِ الحُرَّةُ العظيمة دَوْمًا
تقهر الذُّلَّ والنفوسَ الدَّنيَّهْ
بعد صَفْحي عن الذي قد تَوَلَّى
من حُرُوبٍ ومن مُصاب الرعيَّهْ
ليس عندي سوى التجلَّةِ تُهْدَى
للَّتِي أنتِ من صفاتٍ سنيَّهْ
ستعيشين في ضيافةِ مُلِكي
بين أولادِك الحياةَ الرَّضِيَّهْ
ستعيشين في عُلَى قصر (تَيْبوُ
رَ) حياةً عزيزةً مَلَكيَّهْ
لَسْتِ مَنْ تُنْكرُ الوفاءَ لموطِنِـ
ـك الثاني فدُومي له بصدقٍ وفيَّهْ!
الزَّباء (تصحبها أصوات بقية الحاضرين وتنشد شاكرة بينما تستأنف العربة الملكية سيرها ببطء وقد أقبل عدد وافر من الشعب رجالًا ونساء في رقص وطرب) :
اضْحكي يا سماءْ
ابْسمي يا أماني
لاعتدالِ الزمانِ
قد مَضى كالهباءْ
هَمُّ شاقٍ وعانِ
فارقصي في تهانِ
ولْيَدُمْ في عَلَاءْ
في رضًى في أمانِ
دونَ واشٍ وجانِ
العظيمُ المضَاءْ
ربُّ هذا الجَنَانِ
والجِنَانِ الحسان
فلتعشْ يا مليكْ
ولْتَفُزْ يا مليكْ

(تُسدل الستار العامة فورًا.)

١  أي: شاربًا من النضار الذائب ما يساوي احتياجه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠