القيظ والغيظ في يونيو ٢٠٠٢

أمامي صحف الأحد ٩ يونيو ٢٠٠٢ باللغة العربية ولغاتٍ أخرى، الحدث الواحد يتغير من صحيفة إلى أخرى، تتحول الهزيمة السياسية أو العسكرية إلى نصر عظيم، ويتحول القزم إلى عملاق حسب موقع البلد والجريدة، إلا أن صورة الرئيس الأمريكي «بوش» وصديقه الإسرائيلي «شارون» تحتلان المساحات الأكبر، فيما عدا الصحف العربية، حيث تشغل الصفحة الأولى صورة صاحب الجلالة أو صاحب الفخامة أو صاحب السيادة.

اليوم ٩ يونيو ٢٠٠٢، في مثل هذا اليوم منذ عشرة أعوام تم اغتيال كاتب مصري، اسمه فرج فودة، اختفى اسمه تحت الرماد والنسيان مثل كثيرين من المقتولين الذين يدفعهم حماسهم الوطني أو الديني إلى الموت، من أجل الله أو الوطن أو العدالة الغائبة، ثم يرقدون في قبورهم يطويهم النسيان.

منذ عام تقريبًا كنت غائبة عن الوطن، أقوم بتدريس مادة «الإبداع الفكري» في جامعات بعيدة وراء البحار والمحيط، والعقل أو الفكر أو الإبداع لا يكون حاضرًا حيث تكون الحريات غائبة.

منذ أيام قليلة عدت إلى بيتي في مدينة القاهرة، المقهورة منذ نشوء العبودية والفراعنة، رأيت الوجوه الحزينة الشاحبة، والبيوت الغارقة تحت طبقة من الرماد، والغضب المكبوت داخل الصمت أو الضجيج، كالمرجل يغلي تحت النار، ومكبرات الصوت تتفجر ليل نهار، بإيقاع الطبل في حفل زفاف، أو الآلات النحاسية في الديسكو، أو التراتيل الدينية في المآتم، والميكرفونات فوق المآذن العالية والواطئة تتنافس لإيقاظ النومى تحت وطأة القيظ، أو الموتى كمدًا من شدة الغيظ، فقد صدرت الجرائد الصباحية بالخبر المغيظ، لا نعرف إن كان نصرًا أم هزيمة: «تطابق الرؤية المصرية الأمريكية»؛ أي رؤية؟ وأي تطابق؟

أمامي الجريدة باللغة العربية تعلن أننا حققنا نصرًا عظيمًا في المفاوضات مع الرئيس الأمريكي، وأمامي الصحف بلغات أخرى تقول إن لا شيء تغير في الموقف الأمريكي، وأن «بوش» يرفض الالتزام بأي جدول زمني لنشوء الدولة الفلسطينية، وأنه يستمر في الرؤية المغلوطة؛ التي تجعل الضحية المقتولة من الشعب الفلسطيني هي الجانية الإرهابية المسئولة عن العنف، وأن أرييل شارون (رئيس الحكومة الإسرائيلية والمذابح الكبرى) لا يفعل شيئًا إلا حماية الأمن والمطالبة بالسلام.

في الصور الداخلية نرى الدبابات تجتاح المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تهدم البيوت وتقتل النساء والرجال والشباب والأطفال، تدفنهم أحياءً في قبور جماعية، ويرفض شارون قرار مجلس الأمن بالتحقيق في هذه المذابح، ويعلن «بوش» براءة «شارون» دون تحقيق، ويوجه الإدانة إلى الأطفال والبنات الفلسطينيات اللائي يفجرن أجسادهن بالديناميت من شدة الغيظ والكمد.

ويمتد الغيظ والكمد إليَّ وأنا جالسة في بيتي في القاهرة، يزيد منه القيظ في يونيو، والإحساس بالعجز في مواجهة السلاح الأمريكي والإسرائيلي النووي، كيف تحولت دولة إسرائيل إلى ترسانة نووية، وكيف تحولت بلادنا إلى شعوب يائسة تعاني الفقر والبطالة، لا تتغذى إلا بمكبرات الصوت، تنقل الخطب السياسية والدينية؟

أليست هي سياسة الحكومات المتتالية في بلادنا تحت الرعاية الأمريكية؟! وأين هي المعارضة أو الأحزاب الأخرى غير الحكومية؟ هل عادت إلى بطن الحكومة كما خرجت منها منذ ربع قرن؟ وهل يمكن للغازات المسيلة للدموع أن تقضي على الثورات الشعبية؟!

تطالعني الأنباء في الصحف وأنا أكتب هذه الكلمات، أقاوم الحزن كلما تطلعت إلى وجوه الشباب والشابات في بلادنا، آلاف العقول المعطلة بلا عمل، بلا فكر ولا إبداع ولا أمل، إلا الهجرة إلى بلاد غنية بالنفط أو الهامبورجر، آلاف الرءوس المحجبة والعقول، والعيون المتطلعة إلى بارقة أمل دون جدوى، وأدرك الصلة الوثيقة بين الحجاب الديني والسياسي، وبين الختان العقلي والجسدي، وبين القوى المحلية والدولية، وبين الاستعمار القديم والجديد، وتلك الكلمة المتداولة حديثًا «العولمة»، وكم من كلمات جديدة للتغطية على الحقيقة المؤلمة، كم من كلمات غامضة مراوغة مزدوجة المعاني، توحي بالتقدم نحو الإنسانية العالمية ثم تأخذنا إلى الوراء لنعاني المزيد من الفقر والقهر تحت نير الفتن والحروب العسكرية والدينية.

تلعب العولمة الحديثة دورًا مزدوجًا، فهي تكسر الحواجز بين البلاد من أجل تسهيل التجارة الحرة في السوق، وهي حرية العبيد في الخضوع لأصحاب المال والسلاح والإعلام، حرية الدول الإرهابية النووية في قلب الحقائق، وإخفاء الصراعات حول المال والنفط والأنابيب والتجارة بأجساد النساء والأطفال، تفوقت أرباح التجارة العالمية بالدعارة الجنسية، وزادت عن سبعة ملايين دولار أمريكي سنويًّا، حسب تقارير الأمم المتحدة لعام ٢٠٠٠ (Refugees-UN-HCR-vol, 2. no. 119, 200) تساوت أرباح الرأسمالية الدولية من بيع الكتب الدينية والأحجبة النسائية مع أرباح بيع أدوات الزينة والكحل والرموش والأعضاء الجنسية الصناعية والأفلام الأمريكية والعقاقير المخدرة.

أصبحت أجساد البنات الصغيرات مثل السمك أو اللحم المعلب في سوق العولمة الرأسمالية، تقوم الدول العظمى والشركات الكبرى عابرة القارات بدور «القواد» في الماضي القريب، وتشحن البنات الفقيرات من أجل الخدمة في البيوت أو الإمتاع الجنسي للذكور الكهول الأثرياء، الذين ينفقون أموالهم في شراء حبوب الفياجرا أو غيرها، ارتفعت أرباح العولمة الرأسمالية مثل النساء، وإن اختلفت شكل أو درجة المعاناة، ويمرض الرجال بالقلق لفقدان الانتصاب الجنسي، بمثل ما تمرض النساء من انقطاع الطمث، هذا فيما يخص رجال ونساء الطبقات الوسطى العليا، أما الرجال والنساء من الطبقات الدنيا فلا شيء يشغلها إلا البحث عن عمل يسد الرمق.

ويلعب الإعلام العولمي دوره في إخفاء الحقيقة، وتحويل الصراعات حول ماديات الحياة إلى صراعات روحانية بين الأديان أو بين الحضارات، يروج لها المفكرون والصحفيون من أتباع الرأسمالية المحلية والدولية، وكيف يمكن لجماهير القراء في مختلف البلاد أن يخترقوا هذه العبارات المتراكمة من الكذب والالتواء، وهذه الكلمات المراوغة غير المحددة المعنى، مثل إعلان الرئيس الأمريكي «بوش» عن إنشاء دولة فلسطينية دون تحديد متى وأين تكون هذه الدولة، وكأنما هي مجرد قصر يُبنى في الهواء، أو في جنة الخلد، هذا الخداع المزمن منذ نشوء العبودية لإقناع المقهورين والمقهورات بالتعويض عن آلامهم فيما بعد الموت.

إنه الأمل الكاذب أو الوهم، ويختلف عن الأمل الحقيقي الذي ينبع من العقل والوعي، وإبداع الأفكار والوسائل لمقاومة الاستغلال والخداع والقهر.

وتؤدي «العولمة» كما أدت «التنمية» إلى مزيد من الفقر للفقراء، ومزيد من القهر للنساء، وأدى ما سمي ﺑ «الإصلاح الاقتصادي» إلى النتيجة نفسها، وتصبح النساء الفقيرات في أي بلد هن الضحايا وكبش الفداء أو «الصيد السهل» في أية أزمة عسكرية أو اقتصادية، وهل ننسى صور النساء الفلسطينيات الهالكات بجوار حطام بيوتهن وجثث أولادهن وبناتهن، وهل ننسى صور النساء المقتولات تحت اسم الشرف والأخلاق أو الدين في أفغانستان وإيران والأردن والجزائر والسودان ومصر وغيرها؟ وتتعدد أسباب القتل للنساء في أوقات الحرب أو السلم، وقد تقتل المرأة نفسها لمجرد الخلاص من الألم أو الهوان في ظل زوج طاغٍ أو احتلال أجنبي.

وقد حلَّ الإرهاب الإسلامي محل الإرهاب الشيوعي في عصر العولمة أو الاستعمار الجديد، وأصبح السلاح الديني أشد فتكًا بالمقهورين والمقهورات من السلاح العسكري، وأقل تكلفة، يكفي طبع وتوزيع الكتب الدينية مع إعادة تفسيرها بما يخدم مصالح النظام الطبقي الأبوي الممتد منذ العبودية إلى يومنا هذا تحت أثواب وألوان جديدة.

وأصبحت التيارات الدينية الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية أو الهندوكية أو غيرها، والتي عرفت باسم «التيارات الأصولية» هي الوجه الآخر الديني أو الثقافي للعولمة الاقتصادية الرأسمالية.

أصبح تحجيب النساء تحت اسم الدين أو الأخلاق هو الوجه الآخر لتعرية أجسادهن تحت اسم التجارة في السوق الرأسمالية الحرة.

ودخلت العولمة شركات جديدة لبيع المواليد في سوق التبني الدولية، وضحاياهم هم الأطفال الفقراء والنساء من مختلف الطبقات الفقيرة أو الوسطى، وكم من امرأة بلا أطفال دفعت لهؤلاء التجار مقابل الحصول على طفل أو طفلة، وكم من امرأة فقيرة مثقلة بالحمل والولادة وكثرة الأطفال باعت من أطفالها لهؤلاء التجار مقابل الحصول على الطعام أو المأوى، وفي ظل النظام الطبقي الأبوي تصبح الأمومة عبئًا ثقيلًا على النساء الفقيرات، وحلمًا بعيد المنال للنساء العاقرات، وكلاهما نوع من القهر والإذلال.

إنها أنواع من التجارة الجديدة في السوق الرأسمالية القائمة على الربح؛ والتي يسمونها السوق الحرة، وهي حرية العبيد في بيع أطفالهم من أجل سد الرمق، هي حرية الأمهات المكلومات في البكاء والولولة على ضياع أطفالهن أو تحطيم بيوتهن، وقد أصبح «الفقر مؤنثًا» حسب تقارير الأمم المتحدة، وتدفع النساء في العالم ثمن الفشل في المشاريع الحديثة أو ما تسمى «التنمية»، وتدفع النساء عبء الديون الخارجية والداخلية الناتجة عن سياسات البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية وغيرها، ألهذا السبب تزايدت أعداد النساء والمنظمات النسائية المشاركة في المظاهرات العالمية ضد العولمة؟

وكم شهدنا من المظاهرات الجديدة التي شملت النساء والرجال والشباب والأطفال من مختلف البلاد، أشهرها المظاهرة الشعبية في مدينة سياتل في نهاية عام ١٩٩٩، ومن بعدها لم تكف هذه المظاهرات الشعبية في عواصم العالم ضد المؤسسات الاقتصادية للرأسمالية الدولية.

وقد اشتركتُ في بعض هذه المظاهرات خلال الشهور الماضية، منها مظاهرة بورتر أليجري في فبراير ٢٠٠٢، ومظاهرة برشلونة في مارس ٢٠٠٢، ومظاهرة واشنطن في أبريل ٢٠٠٢، حيث التحمت المظاهرة ضد العولمة مع المظاهرة المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني؛ ولذلك في مظاهرة لندن في مايو ٢٠٠٢، وغيرها من المظاهرات التي تابعت أحداثها في الصحف، مما يؤكد أن الشعوب المقهورة قادرة دائمًا على الثورة والمقاومة، وأن الأمل النابع من هذه المقاومة والحركة لا يمكن أن ينطفئ، وأن الانتصار على الظلم والقهر سوف يتحقق للشعوب المناضلة من النساء والرجال والشباب والأطفال.

إن الأمل «قوة» تنتشل البشر من اليأس أو الحزن الناتج عن عدم الفعل، هذا الأمل هو الشعلة الجديدة التي يحملها الآلاف من النساء والرجال في المظاهرات العالمية والمحلية، وفي التنظيمات السياسية الجديدة التي تلغي الفوارق بين البشر، وتكسر حواجز اللغة والدين والجنس والجنسية والعمر والعرق واللون والمهنة وغيرها، هذه الفوارق المصنوعة بين الناس من أجل تقسيمهم حتى يسهل التحكم فيهم، حسب المبدأ الاستعماري المعروف: «فرق تسد.»

هذا الأمل الجديد هو العمل السياسي المنظم داخل كل بلد، وهذا الوعي المتزايد بضرورة التوحيد بين الشعوب في مواجهة الحكومات الطاغية في الغرب والشرق والشمال والجنوب، والكشف الدائم عن الترابط بينهم، إنها حركة شعبية محلية وعالمية في آن واحد تنبئ بعالم جديد يبتدي في الأفق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢