الاحتمال المفيد والاحتمال غير المفيد

منذ أكثر من عشرة أعوام دعاني الأستاذ لطفي الخولي إلى اجتماع بجريدة الأهرام، كان يعد أمامها لعقد مؤتمر أدبي كبير، ذهبت في الموعد المحدد للاجتماع فلم أجد أحدًا بالحجرة، تصورت أن الاجتماع تأجل دون علمي، لكني رأيت أحد الأدباء يدخل ويؤكد لي أن الاجتماع قائم، ووصل المدعوون متأخرين أكثر من نصف ساعة، وتأخر الداعي للاجتماع نفسه الأستاذ لطفي الخولي أربعين دقيقة أو أكثر، وجلس في مقعد الرئاسة عن يمينه الأستاذ يوسف القعيد، وبين شفتي كل منهما سيجارٌ غليظٌ ينفث الدخان الكثيف إلى السقف، وبدأ الأستاذ لطفي الكلام دون أن يذكر شيئًا عن التأخير، ألقى كلمة طويلة استغرقت أربعين دقيقة، ثم صمت قليلًا وأشعل السيجار من جديد وقال: «والآن ندخل في صلب الموضوع، وهو الإعداد للمؤتمر الأدبي الكبير، والذي نرجو منكم أن تشاركوا فيه.»

ونظرت في ساعتي، كانت الثانية عشرة وبضع دقائق، وكنت على موعد آخر ولا أريد التأخر عن موعدي، فنهضت من مقعدي، وحين رآني الأستاذ لطفي أتجه نحو باب الخروج سألني مندهشًا: «رايحة فين يا دكتورة نوال؟» وقلت: «عندي موعد آخر يا أستاذ لطفي.» قال: «ألست مهتمة بهذا المؤتمر الأدبي الكبير.» فقلت: «أنا هنا منذ ساعتين ولست مسئولة عن تأخركم عن الموعد.» وخرجت من الحجرة، وبالطبع لم أشارك في المؤتمر الأدبي الكبير، فقد حذف الأستاذ لطفي اسمي من قائمة المدعويين، ومرت الأيام ربما عام أو عامان والتقيت بالأستاذ لطفي في مؤتمر دولي ثقافي في مدينة بولونيا في إيطاليا، وقال لي: «على فكرة أنا زعلت منك أوي يا دكتورة نوال، وانتي في مصر لما نقول الساعة عشرة يبقى بين الساعة حداشر، هي دي العادة في بلدنا.» وقلت: «هذه العادة لا بد أن تتغير ولا بد أن نبدأ بأنفسنا.» ورمقني الأستاذ لطفي بنظرة كأنما أنا المخطئة وهو على صواب.

هذه الحكاية تتكرر دائمًا، وكم فقدت من أصدقاء وصديقات بسبب هذه العادة الضارة، وهي عدم احترام الموعد، أذكر أن الأستاذ مكرم محمد رئيس تحرير المصور أعاطني موعدًا، وتأخر نصف ساعة، فانصرفت، وتوقفت عن نشر أي شيء بمجلة المصور، وفي يوم أعطاني الدكتور إسماعيل سلام وزير الصحة موعدًا وتأخر نصف ساعة فانصرفت ولم أنتظره، وكان الدكتور أحمد بدران ينتظر بمكتب الوزير أيضًا وقال لي: الغايب حجته معاه، وده وزير عنده أشغال هامة. قلت: كل إنسان عنده أشغال هامة ولا بد من احترام وقت أي إنسان، خاصة من الكبار لأنهم هم النموذج لأغلب الناس.

وقد عشت في بلاد أخرى، وعرفت كيف تكون المحافظة على الموعد باعثًا على الراحة والاحترام، ولا شيء يهدر كرامة الإنسان مثل إهدار وقته في الانتظار دون عمل شيء، وفي بلادنا قلما يحافظ أحد على الموعد، ومنذ أيام طلبت من أحد السباكين موعدًا ليقوم ببعض أعمال السباكة العاجلة في بيتي.

وقلت له: ميعادك بكرة الساعة كام يا أسطى؟

قال: احتمال الساعة ستة.

قلت: يعني إيه احتمال؟

قال: احتمال الساعة ستة ونص.

قلت: لازم تحدد!

قال: احتمال الساعة سبعة.

قلت: ما فيش حاجة اسمها احتمال لازم يكون المعاد مضبوط.

إلا أن كلمة «احتمال» كانت تجري على لسانه بحكم العادة، ولا يمكنه الإقلاع عنها، ولاحظت أنها دخلت قاموس اللغة العامية، ولا يمكن أن يحافظ أحد العمال على موعده أو أحد الموظفين أو غير الموظفين، والكل يقول احتمال، وما أسخفها من كلمة في حالة المواعيد في عالمنا الثالث.

(١) الاحتمال الإيجابي

وهناك احتمال آخر إيجابي في مجال العلم لم يدخل بعد إلى بلادنا، مع أنه أصبح جزءًا لا يتجزأ من علم الطبيعة أو الفيزياء، وعلم الفلسفة وغيرهما من العلوم، لقد تغيرت قوانين الطبيعة التي درسناها في الجامعات، وتجاوز العلم الحديث، أو ما بعد الحديث، نظريات أرسطو ونيوتن ودارون وأينشتاين، ونظريات الجاذبية والنسبية؛ تجاوز المطلقات العلمية كلها، بما فيها مطلق الزمن الذي توقف عنده نيوتن، وسرعة الضوء المطلقة التي توقف عندها أينشتاين، والفكرة الحديثة القائلة بأن الكون بدأ بانفجار عظيم (بيج بانج) وينتهي بانفجار آخر عظيم، فكرة أن الكون له بداية ونهاية تجاوزها العلم أيضًا، وتحرر العلماء تمامًا مما سمي باليقين، تجاوزوه إلى ما يسمى اليوم قانون الاحتمال أو قانون الشك.

لم يعد كوكب الأرض مركزًا للكون، ولا كوكب الشمس ولا أي كوكب آخر، ولم يعد الإنسان مركز الكون ولا أي كان آخر، تزايد الشك بازدياد الاكتشافات العلمية التي أثبتت خطأ هذه الأفكار، وتلاشى اليقين من العلم، وحل مكانه ما يسمى الاحتمالات المتعددة، والتي تقترب واحدة منها إلى الحقيقة أكثر من الأخرى.

إذا نظرنا إلى الذرة في الكمبيوتر فلا يمكن لنا أن نحدد أين يكون الإلكترون في دورانه السريع حول النواة، لن نرى على الشاشة إلا نقطًا تزداد كثافة في بعض الأجزاء، فنقول هنا قد يكون الإلكترون وقد لا يكون، يمكن احتمال وجوده داخل هذا المسار أو هذا المسار.

لم يعد الإلكترون شيئًا ماديًّا يوجد في المكان، ولا هو طاقة ضوئية يمكن قياسها بسرعة الزمن، كسر الإلكترون الفاصل بين المكان والزمان وبين المادة والروح أو الحركة، بعبارة أخرى تم سقوط الثنائيات القديمة التي فصلت الجسد عن الروح، وأصبح قانون الاحتمال أو الشك هو اليقين الوحيد.

إن آفاق المعرفة تتسع أكثر وأكثر، ونقترب من الحقيقة أكثر وأكثر عبر قانون الاحتمال والشك.

قد تبدو هذه الأفكار العلمية الجديدة غير مفهومة أو غير مقبولة لعقولنا، تعودت عقولنا منذ الطفولة على كل ما هو يقيني، تربينا على أن نرث الأفكار كما هي، لا نملك الشجاعة على أن نشك فيها؛ لهذا عجزنا عن الاجتهاد والتجريد والإبداع، سبقنا الآخرون الأكثر شجاعة إلى الاكتشافات العلمية، أصبحنا مجرد مستهلكين لما ينتجون من أدوات حديثة، ومنها الكمبيوتر والإنترنت، لا نكاد نعرف إلا القليل عن الثورة الإلكترونية الأخيرة، نرفل في خمول الكسل اللذيذ داخل اليقين الثابت غير المتغير.

القاهرة ١٩٩٨

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢