الفصل الخامس عشر

نفخ الديك — وهو ذاك المُنشد المريش —
في البوق؛ يُعلن للقروي الباكر إشراق الصباح.
ورأى إدوارد الملك خيوط الضياء المُورَّدة
يتراجَع من وهَجِها الظلام،
واستمع إلى الغراب الأسحم ناعيًا،
ينادي بانصرام يومٍ من الزمان.
فقال الملك: «إنك لَعلى حق،
وإني لأقسم بالله الذي يتربَّع على العرْش في السماء،
لَيَموتنَّ اليوم «شارك بودوين» وصاحباه.»
تشاترتن

في الليلة التي استولى فيها السير كنث على منصبه، أوى رتشارد إلى فراشه بعد ذلك الحادث العاصف الذي عكَّر صفو المساء، وهو أشدُّ ما يكون ثقةً بالنفس. وقد أوحت إليه بهذه الثقة شجاعته التي لا تُحَدُّ، وذلك الفضل الذي أحرزَه على غيره حينما أصاب مرماه على مرأًى من الجيوش المسيحية وزعمائها جميعًا. وكان يعلم أن كثيرًا منهم من كان يرى في دخيلة نفسه أن المهانة التي لحِقت بدوق النمسا إنْ هي إلا انتصار عليه. وإذن فلقد أشبع رتشارد كبرياءه، فإنه إذ كبَح عدوًّا قد أذلَّ مِئين.

ولو أنَّ هذا الأمر قد وقع لملكٍ آخر لضاعف من حرسِه في المساء بعد هذا الحادث، ولأبقى جانبًا على الأقلِّ من جنوده بالسلاح مُدجَّجين، ولكنَّ قلب الأسد صرَف على أثر ما وقع حتى حرَسَه الذي اعتاد، وخصَّ جنوده بهبةٍ من النبيذ، كي يحفلوا بشفائه، ويشربوا نخب راية سنت جورج. ولولا أنَّ سير توماس دي فو وإيرل سولزبري، وغيرهما من الأشراف، قد اتَّخذوا الحيطة لحفظ السكينة والنظام بين الحافلين، لانطبع على هذه الناحية من المعسكر التي يشغلها الملك طابع الفوضى والاستهتار.

أما الطبيب فقد سهِر على الملك مُذ أوى إلى فراشه حتى انصرَم الهزيع الأول من اليل، وفي هذه الفترة ناوَلَه الدواء مرَّتَين، وهو في كل مرةٍ يرقُب في السماء ذلك البرج الذي يتربَّع فيه بدر التم، فإنَّ للبدر — كما يقول الطبيب — أثرًا على فِعل عقاقيره، يجعل فيها الحياة أو الهلاك. وانقضَتْ ثلاثُ ساعاتٍ بعدما تصرَّم النصف الأول من الليل، ثم تسلَّل الحكيم من السُّرادق الملَكي إلى سُرادقٍ آخر ضُرِب له ولأتباعه، وإذ هو في طريقه إلى هناك، عرَّج على خيمة السير كنث فارس النمر، كي يرى حالَ مريضه الأول في معسكر المسيحيين، وهو «ستروخان» ذلك الرجل المُسن خادم الفارس، ولمَّا استعلم هناك عن السير كنث نفسه، علِم الحكيم على أي واجبٍ كان يقوم، وقد دفع به هذا الخبر إلى جبل سنت جورج، حيث ألفاه وهو في ذلك الظرف المنكوب الذي أشرْنا إليه في الفصل السابق.

وقُبيل شروق الشمس، نما إلى سرادق الملك وقْع خطواتٍ وئيدة دانية من قومٍ مسلحين، وما إنْ هبَّ دي فو من مرقده وتساءل «من القادم؟» — وكان ينام إلى جوار فراش سيده نومًا خفيفًا، ولم يأخذ الكرى بِمَعقِد جفنيه إلا كما يأخُذ بجفون كلاب الحراسة — حتى ولج الفسطاط فارس النمر، تعلو ملامح الرجولة فيه كآبةٌ عميقةٌ بعيدةُ المدى.

فقال دي فو عابسًا، وفي نغم كلامه نبرة الاحترام لسبات سيِّده: «فيم هذا التهجُّم الجريء يا سيدي الفارس؟»

فتيقَّظ رتشارد توًّا وقال: «صهٍ يا دي فو! لقد أقبل علينا السير كنث إقبال الجندي الكريم، يقصُّ علينا قصة حراسته. ولِمِثل هذا ينبغي أن يكون سُرادق القائد أبدًا قريب المنال، ثم نهض من نومه، وارتكز على مِرفقه، ورمق المُقاتل بعينَيه الواسعتَين البرَّاقَتَين، وقال: «تكلم يا سيدي الاسكتلندي؛ لقد أتيتَ تُحدِّثني عن حراسةٍ يَقِظَةٍ آمنة شريفة، أليس كذلك؟ إنَّ حفيف ثنايا راية إنجلترا قمين وحدَه بحراسة العلَم، حتى دون أن يَمْثُل مثل هذا الفارس بشخصه فيراه كلُّ ذي عينين.»

فأجاب السير كنث قائلًا: «كلا، لن يراني بعد اليوم أحد، إنَّ حراستي لم تكن يا مولاي يقِظة ولا آمِنة ولا شريفة، ولقد امتدَّت إلى راية إنجلترا يدٌ واختطفتْها.»

فأجاب رتشارد وفي صوته نبرة الازدراء والتكذيب وقال: «وما برحتَ على قيد الحياة تذكُر ذلك؟ عني! إنَّ هذا لن يكون. إني لا أرى أثرًا لخدشٍ على مُحيَّاك. خبِّرني لماذا أنت ماثل كذلك صامتًا؟ اصدُقني واعلَم أنَّ المزاح مع الملوك خطير، ومع ذلك فلأعفونَّ عنك إن كان كذبًا ما تقول.»

فردَّ عليه الفارس البائس وقال: «لم يكن كذبًا ما خبَّرتُك يا مولاي المليك!» وفي صوته نغم التأكيد الجاف، وفي عينَيه سهامٌ من النار برَّاقة نافذة مُتألِّقة، كأنها وميض الصوان المتحجِّر البارد، ثم قال: «ولكن ينبغي أن أصمُد هنا كذلك. هذا هو الحق خبَّرتُك به يا مولاي.»

فانفجر الملك في عاصفةٍ من الغضب، ما لبِثَت أن خمدتْ وسكن ثائرها، وقال: «يالله! ويا لسنت جورج! دي فو، اذهبْ إلى المكان وألقِ عليه بنظرة؛ لقد عكَّرتْ هذه الحُمَّى صفو ذِهنه. إنَّ هذا لن يكون حسْب شجاعة الرجل مناعة! إن هذا لن يكون! اذهب عني سريعًا أو أرسل مِن لدُنك رسولًا إن كنتَ لا تريد الانصراف.»

وهنا استوقف الملك السير هنري نفيل، وقد أقبل مُتقطِّع الأنفاس يقول إن الراية قد اقتُلِعت، وإن الفارس الذي كان يقوم على حراستها قد غُلِب على أمره، وغالِب الظن أنه قُتل، لأنه رأى بركةً من الدماء إلى جوار رمح العلَم المحطَّم.

وما إنْ وقعت عينا نفيل بغتةً على السير كنث حتى تساءل «من ذا أرى هنا؟»

فهبَّ الملك على قدَميه، وأمسك بالفأس القصيرة التي كانت أبدًا لا تبرَح جوار فراشه، وقال: «خائنًا، خائنًا! ولسوف تراه يموت مَيتة الخونة.» ثم جذب سلاحه إليه كأنه يريد أن يضرب به.

ووقف الاسكتلندي أمامه مُمتقع اللون، ولكنه رابط الجأش، كأنه تمثال من المرمر، ورأسه عارٍ لا يَقيه لِباس، وعيناه مُطرِقتان نحو الأرض، وشفتاه لا تكادان تَنبِسان، والراجح أنه كان يُتمتم بالدعوات، ووقف الملك رتشارد قُبالتَهُ على قَيد رمح، وقد ادَّثَّر جسمه الضخم بين طيَّات ثوبٍ من الكتان فضفاض، وتستَّر جميعه، إلا حيث أزال انفعاله الشديد الدِّثار من فوق ساعده الأيمن وكتفِه وجانبًا من صدره، وبدا للعيان كأنه مِثال من صورةٍ إنسانية جديرة بالصِّفة التي كان يتَّصِف بها سلفه السكسوني وهي «جانب الحديد». ولبث هنيهةً مُتأهبًا للضراب، ثم أمال رأس السلاح صوب الأرض، وصاح مُتعجبًا وقال: «أفكانت هناك دماء يا نفيل؟ هل كان لدى المكان دم؟ استمع إليَّ يا سير كنث، لقد كنتَ باسلًا في يومٍ من الأيام، ولقد شهدتُك وأنت تقاتل، فهلَّا قلت لي إنك جندلْتَ لِصَّين دفاعًا عن العلَم، بل جندلْتَ واحدًا، بل قُل لي إنك ضربتَ ضربةً قوية في سبيلي، ثم انصرِف عن المعسكر بحياتك وخزيك!»

فأجابه كنث رابط الجأش وقال: «مولاي الملك؛ لقد دَعوتني كاذبًا، ولقد أسأتَ إليَّ في هذا على الأقل. اعلَم أنه لم تُرَق في سبيل الذَّود عن العلَم دماء، اللهمَّ إلا دم الكلب المسكين، حين تصدَّى للدفاع عن الواجب الذي هجرَه صاحبه، والكلب أشدُّ إخلاصًا منه.»

فقال رتشارد: «بحقِّ القديس جورج.» وهمَّ بساعِدِه ثانية، ولكنَّ دي فو رمى بنفسه بين الملك ومحطِّ نقمته، وشرع يُدلي بذلك الصِّدق الصراح الذي يتخلَّق به، قال: «مولاي، لن يكون هذا، لن يقع هذا الأمر هنا، ولن تتلوَّث به يداك؛ وكفى حمقًا بين عشية وضحاها، أن تكِل أمر العلَم إلى رجل اسكتلندي. ألم أقُل لك إنهم أبدًا على ظاهرٍ من الحق وباطنٍ من الباطل؟»١

فأجاب رتشارد وقال: «أجل، لقد فعلتَ يا دي فو، ولقد أصبت، وإني بذلك أقر. كان ينبغي لي أن أعرفه خيرًا من هذا، وكان ينبغي أن أذكُر كيف أنَّ الثعلب وِليَم قد خدَعني في أمر هذه الحرب الصليبية.»

فأجابه السير كنث وقال: «مولاي، إنَّ وِليم الاسكتلندي لم يخدَعْك، ولكن الظروف لم تُمكِّنه من حشد جنوده.»

فقال الملك: «مهلًا بعض هذا واستحِ قليلًا! إنك تلوِّث اسم الأمير حتى إنْ لفظتَ به.» ثم أردف بقوله: «ولكن، مع هذا، إنه لعجيب يا دي فو مسلك هذا الرجل، إنه إمَّا جبان أو خائن، ولكنه صمَد — رغم ذلك — لضربة رتشارد بلانتاجنت حينما ارتفع ساعِدُنا لوَسم الفروسية على كتفه؛٢ والله لئن كان قد أبدى أتفَهَ دليلٍ على خَوفه، والله لو كانت قد ارتعدتْ منه فريصة أو ارتجف له جَفن، لهشَّمتُ رأسَه كما يتهشَّم القدح من البلُّور، ولكن ما كان لي أن أضرب حيثُ لا خوف هناك ولا صدود.»

ثم كان سكون.

ثم قال كنث: «مولاي …»

فاعترَضَه رتشارد وأجابه قائلًا: «ها! آلآن عرفتَ الكلام؟ أدعُ ربك الرحمة ولا تدْعُني، لقد لحِقَ بإنجلترا العار من جرَّاء خطئك. والله لو كنتَ لي أخًا، ولو لم يكن لي سواك أخ، لَما عفوتُ عن إثمك.»

فقال الاسكتلندي: «إني لم أتكلَّم طلبًا للرأفة من إنسانٍ فان، إنما الأمر لجلالتكم إما جُدتُم أو ضنَنتُم عليَّ بالوقت أُكفِّر فيه عن سوءاتي كما يُكفِّر المسيحيون. ولئن أنكَر الإنسانُ عليَّ هذا فاللهَ أرجو أن يَهبَني المغفرة التي أطلُب من الكنيسة بعد الله! وسواء متُّ الآن أو بعدَ هذا بنصف ساعة فإني ألتمِس من جلالتكم أنْ تهبني الفرصة لحظةً واحدة أتحدَّث فيها إلى شخصك الكريم بما يمسُّ ذكرك كملكٍ مسيحي مسًّا شديدًا.»

فأجابه الملك وقال: «هيا، قُل ما تريد.» ولم يشكَّ في أنه إنما كان يتأهَّب للإصغاء إلى شيءٍ من الاعتراف في أمرٍ يخصُّ العلَم.

قال السير كنث: «إنَّ ما سوف أذكُر يمسُّ ملَكية إنجلترا، وينبغي ألا يتطرَّق إلى غَير أُذنيك.»

فقال الملك لنفيل ودي فو: «اغرُبا عنِّي سيدي.»

فصدَع أولهما بالأمر، وصمَد ثانيهما في حضرة الملك لا يُبدي حراكًا.

وأجاب دي فو مولاه قائلًا: «ألَم تقُل مولاي إني على جادَّة الصواب؟ إذن لتُعامِلني كما ينبغي أنْ يُعامَل من هو على محجَّة الحق؛ وإذن فلتُبقِ لي إرادتي، وإني لن أتركك وحدَك مع هذا الاسكتلندي الأفَّاك.»

فقال رتشارد غاضبًا وهو يضرب الأرض بقدَمِه ضربًا خفيفًا: «كيف هذا يا دي فو! وكيف لا تأمَنُ على شخصِنا مع خائنٍ واحد؟»

فأجاب دي فو وقال: «عبثًا يا مولاي أن تُقطِّب جبينك أو تضرب بقدَمِك. إني لا آمَنُ أن أترك رجلًا مريضًا مع آخَرَ مُعافًى، رجلًا مجردًا عن السلاح مع آخر مُسلَّح مُمتنع.»

فقال الفارس الاسكتلندي: «ليس هذا بأمرٍ ذي بال، إني لن أتلمَّس المعذرة كي أستأخِر الزمن، ولأتكلمنَّ في حضرة لورد جلزلاند فإنه سيد كريم صادق.»

فأجاب دي فو وفي صوته رنة الأسى، وفيها مزيج من الحزن والحنق وقال: «لقد كنتُ أقول عنك مثل هذا القول منذ نصف ساعة!»

ثم استأنف السير كنث حديثه وقال: «إنَّ الغدر يُحيط بك يا ملك الإنجليز.»

فأجاب رتشارد قائلًا: «قد يكون صدقًا ما تقول: فإنَّ أمامي لمثالًا محسوسًا.»

فقال السير كنث: «إنها خيانة سيكون أذاها أشدَّ وقعًا عليك من ضياع مائة رايةٍ في ساحة الوغى، إن … إن …» وهنا تردَّد السير كنث، ثم استأنف الكلام أخيرًا وقد خفض من صوته وقال: «إنَّ السيدة أُديث …»

فاستجمع الملك نفسه بغتة، واتَّخذ هيئة المُنصت المُتكبر، وحدَّق ببصرِه فيمن ظنَّ فيه الإجرام ثم قال: «ها! ما بها؟ خبِّرني ما بها؟ ما شأنها وهذا؟»

فقال الاسكتلندي: «مولاي، هناك دسيسة تُدبَّر لتدنيس ذُرِّيتكم الملَكية الكريمة، وذلك بمنح يدِ السيدة أُديث للسلطان العربي، وشراء سِلم مشين بالعالَم المسيحي بحِلفٍ هو وصمةٌ شديدة في جبين إنجلترا.»

وكان لهذا البلاغ أثر يختلف كل الخُلف عمَّا كان يتوقَّع السير كنث، فلقد كان رتشارد بلانتاجنت أحد أولئك الذين لا يعمَلون لله انصياعًا لأمر الشيطان — كما يقول أياجو٣ — ولم يكن في غالِب الأحيان ليتأثَّر بالنُّصح أو بالخبر بمِقدار ما يَنطويان عليه من صدق، كما كان يتأثَّر بهما بمقدار ما يصطبغان به من شخصية المُحدِّث ونظرته. ومن نكَدِ الطالِع أن أحيا ذِكر هذه السيدة — وهي من ذوات قُرباه — ذكرياته عن وقاحة فارس النمر في هذا الشأن، حتى حينما كان في طليعة الفرسان. وقد بدا له أنَّ في ما ذكر السير كنث — وهو في تلك الحال الراهنة — مَهانة تكفي لأنْ تدفع بالملك، وهو يشتعِل غضبًا، إلى انفعال الجنون.

فقال: «الزَم الصمت أيها المرذول الوقح! وحقُّ السماوات لأُمزقنَّ لسانك بمقبض الحديد الحار لأنك ذكرتَ اسم سيدةٍ من كرائم المسيحيات! اعلَمْ أيها الخائن الوضيع، أني كنتُ أعلَم من قبلُ إلى أي حدٍّ بلغَتْ بك الجرأة أن ترفع عينَيك، ولقد تحمَّلتُ ذلك — رغم ما فيه من قِحة وجرأة — حتى حينما خدَعْتَنا حتى ظنَنَّا أنك رجل له ذِكر وصِيت. أما الآن وقد تقيَّحَتْ شفتاك بما اعترفتَ به من خِزيك — إذ كيف تجرؤ على أن تذكُر الآن سيدةً كريمة تربطها بنا صِلة الرحم، وكأنها سيدة لك في حظِّها سَهم أو نصيب! — ما شأنك إنْ هي تزوَّجت من عربي أو مسيحي؟ ما شأنك ونحن في معسكرٍ الأمراءُ فيه أنذال نهارًا ولصوصٌ مساء، وبواسل الفرسان فيه خوَنة أدنياء يفرُّون من الواجب. أقول ما شأنك، أو ما شأن غيرِك، إنْ أنا أردتُ أن أتحالَف مع الصِّدق والشجاعة مُتمثِّلَين في شخص صلاح الدين؟»

فأجاب السير كنث مُتشجعًا وقال: «شأني في هذا قليل حقًّا، وأنا رجل سوف تُصبح الدنيا لي عمَّا قريب هباء، ولكن، حتى ولئن كنتُ الآن موثوقًا بسرير العذاب، أقول إنَّ ما ذكرتُ لك يمسُّ ضميرَك واسمك مسًّا كبيرًا، إني أقول يا مولاي الملك إنك إنْ قبلت — ولو في خاطرك وحسْب — أمرَ زواج قريبتك هذه السيدة أُديث …»

فقال الملك: «لا تذكُر اسمَها، ولا تفكِّر فيها لحظةً واحدة.» وضغط على فأسه القصيرة ثانية بقبضته، حتى برزَتِ العضلات في ساعده المفتول كخيوط الحلبلاب حول أعضاء السنديان.

فأجاب السير كنث قائلًا: «لا أذكُر اسمها! ولا أفكِّر فيها!» وقد صُعِق وخيَّمت عليه الكآبة وتملَّكه انقباضُ النفس، ثم أخذ يستردُّ مرونتَه بعد هذا اللون من الحديث، فقال: «والآنَ بحقِّ الصليب الذي عقدتُ به آمالي، ليكوننَّ اسمُها آخِر ما يلُوك فمي، ولتكوننَّ صورتها آخِرَ ما يخطر لذهني! جرِّب قوَّتَك — التي بها تفخر — على هذا الجبين العاري، وانظُر هل أنت بمانعي عن مرماي؟»

فقال رتشارد: «والله إنه ليدفَعُني إلى الجنون.» وردَّه ثانية عن هدفه — راغمًا — عزمٌ لا يَلين مَلَكَ على الجاني نفسه.

وقبل أن يُحير توماس الجلزلاندي جوابًا، نما إلى السُّرادق شغبٌ من الخارج، وأعلن المُعلِن من ظاهر الفسطاط قدوم الملِكة.

فصاح الملك: «رُدَّها يا نفيل، رُدَّها! ليس هذا بالمشهد الذي يليق بالنساء. تبًّا، تبًّا، لقد عانيتُ من مثل هذا الخائن الوضيع إغاظته لي كما ترون!» ثم قال همسًا: «أبعِدْه عن مَرآيَ يا دي فو، واخرُج به من المدخل الخلفي من سُرادقنا، وضيِّقوا عليه أشدَّ ضيق، واعلَمْ أنَّ حياتك رهينة بحفظه في محبسِه، وضَعْ نُصب عينيك أنه عما قريبٍ يفارق الحياة، فأتِ له بأبٍ روحي فإنَّا لن نقتُل فيه الرُّوح والجسد، البَثْ قليلًا واستمِع إليَّ، إنَّا لا نريد به خِزيًا ولا عارًا. لسوف يموتَنَّ ميتةَ الفرسان بنطاقِه ومِهمازه؛ فلئن كانت خيانتُه مُظلمة كالجحيم فإنه ليُباري بإقدامِه الشيطان نفسه.»

ولا نعدو الحقيقة إذا نحن قُلنا إنَّ دي فو قد سُرَّ سرورًا عظيمًا بانتهاء ذلك الموقف دون أن يتنزَّل رتشارد إلى عملٍ لا يليق بالملوك، ويقتُل بنفسه سجينًا لا يدفع عن نفسه، ثم سارع إلى إخراج السير كنث من منفذٍ خاصٍّ إلى خيمة مُنفصلة، حيث جرَّده من سلاحه وكبَّلَه في الأصفاد، كي يأمَنَ جانبه، ووقف دي فو ينظُر إلى ما يجري رابط الجأش حزينًا، وضباط السجن، الذين بات السير كنث تحت إمرتهم، يتَّخذون هذه الحيطة الشديدة.

ولمَّا فرغوا قال للآثم التَّعِس مكتئبًا: «هي إرادة الملك أن تموت محتفظًا بشرفك — فلن نبتُر جسدك أو نشوِّه ساعديك — وأن يَفصِل رأسَك عن جذعك سيفُ الجلَّاد.»

فقال الفارس: «إنها لرأفة منكم.» وفي صوته نغم خافِت، فيه ذلَّةٌ وخنوع، كأنه رجلٌ ظفر برضًا غير منظور، ثم قال: «إذن فأهلي لن يسمعوا عنِّي أسوأ القصص. آه يا أبتاه! يا أبتاه!»

وهذا الابتهال الذي تمتم به لم يغِبْ عن الرجل الإنجليزي الجلف الطيِّب القلب، فمسح بظاهر يدِه الكبير مُحيَّاه الغليظ قبل أن يشرع في الجواب.

ثم قال أخيرًا: «ويريدك الملك كذلك أن تتحدَّث إلى رجلٍ من رجال الدين، ولقد التقيتُ في طريقي إلى هنا بقسٍّ من كرمل يليق بك وأنت تُفارق هذه الدار الدنيا، وهو ينتظِر خارج الفسطاط حتى تتهيَّأ للقائه.»

فقال الفارس: «سارع به إليَّ، إنَّ رتشارد في هذا كذلك لرءوف بي رحيم؛ لن أكون ساعةً ما أكثر تأهُّبًا للقاء القس الكريم منِّي الآن، فلقد ودَّعتُ الحياة، وافترقتُ وإيَّاها كراحِلَين بلغا مُفترَق الطريق، ثم اختلف سَير أحدهما عن الآخر.»

فقال دي فو مُتَّئدًا رزينًا: «هذا خير، فوالله إنه ليُضنيني بعضَ الشيء أن أذكُر لك فحوى رسالتي؛ وذلك أنَّ الملك رتشارد يريدك على أن تتأهَّب للموت العاجل.»

فأجاب الفارس صابرًا: «لتكن إرادة الله ومشيئة المليك. إني لا أُعارض في عدالة الحكم، ولا أرغب في تأجيل القضاء.»

وحينئذٍ شرع دي فو يفصل عن الفسطاط في أناةٍ شديدة، ثم وقف لدى الباب، والتفت خلفَه ونظر إلى الاسكتلندي الذي وقف وكأنَّ آمال هذه الدار الفانية قد انتفتْ من خاطره انتفاءً تامًا، وكأنه رجل قد توجَّه إلى الله بكل نفسه. ولم يكن البارون الإنجليزي البدين عامَّة من ذوي المشاعر الحادَّة، ولكن عاطفتُه في ذلك الموقف غلبتْ عليه — رغم ذلك — غلبةً لم يعهَدْها في نفسه من قبل، فقفَل راجعًا إلى فراش القصَب الذي كان يرقُد عليه الأسير، وأمسك بإحدى يدَيه المَغلولَتَين وقال بنغمٍ فيه من اللِّين بمقدار ما يستطيع صوتُه الأجش أن يلفظ: «سيدي كنث، إنك ما زلتَ في ريعان الشباب، وإنَّ لك لأبًا، وإن ابني «رالف» الذي خلَّفتُه يُدرِّب جواده الصغير الذي أتينا له به من «جالوى» على ضفاف «أرذنج» قد يبلُغ عمرَك يومًا من الأيام — ولا أخفيك أني ليلة الأمس كنتُ أرجو الله أن أرى شبابَه كشبابك — هلا تريدني أن أقول شيئًا أو أفعل فعلًا نيابةً عنك؟»

فكان الجواب الحزين على ذلك: «لا شيء، لقد أهملتُ واجبي، وفُقد العلَم الذي عُهِد به إليَّ. فإذا ما أصبح الجلَّاد وباتَتِ المقصلة على استعداد، فإنَّ رأسي وجِذعي كليهما على أهبة أن يفترِقا.»

فقال دي فو: «رحماك اللهم، والله لوددتُ لو أني قمتُ بحراسة العلَم عوضًا عن رعاية جوادي الكريم. إنَّ في الأمر لسرًّا أيها الرجل الشاب، سرًّا يلمسه الرجل الساذج وإنْ كان لا يُدرِك له كنهًا، هل كان جبنًا منك؟ كلَّا. ما قاتل جبان قطُّ كما شهدتُك تقاتل. هل كانت خيانة؟ لا أظنُّ الخوَنة يموتون في خيانتهم بمِثل هذه السكينة. إنما صرَفَك عن مقرِّك غدْر بعيد المدى وخطة محكمة التدبير. إنما ملَك عليك سمعَك صياح فتاةٍ منكوبة، أو صرَف عنك بصرَك وجهٌ ضاحِكٌ باشٌّ، لا تستحِ من هذا، فليس منَّا من لم يَحِدْ به يومًا مثلُ هذا الدافع عن جادته، هيَّا، هيَّا، وَبُحْ لي عوضًا عن قسِّك بمكنون سريرتك؛ إن رتشارد لرءوف رحيم حينما تهدأ ثورته. أليس لدَيك ما تعهَد به إليَّ؟»

فأشاح الفارس البائس بوجهه عن هذا المُقاتل الرحيم، وأجابه بغير تردُّد أن: «لا شيء.»

ولمَّا أن استنفد دي فو كل حديثٍ من أحأديث الإغراء، نهض وفصل عن الفسطاط مُطبق الذراعَين، تعلوه كآبة ظنَّ أنها أظلَمُ ممَّا تقتضي الحال، بل وناقمًا على نفسه لأنه رأى أن أمرًا تافهًا — كموت رجل اسكتلندي — له مثل هذا الأثر العميق في نفسه.

ولكن، كما قال مُحدثًا نفسه: «لئن كان الأجلاف ذوو الأقدام الخشِنة أعداءً لنا في كمبرلاند٤ فإنَّا في فلسطين نكاد نحسبهم لنا إخوانًا.»
١  بهذه النعوت ألِف الإنجليز أن يتحدَّثوا عن جيرانهم المساكين من أهل الشمال، ناسين أنَّ اعتداءهم على استقلال اسكتلندا قد أكرَهَ هذه الأمة الضعيفة على أن تدفع عن نفسها بالدَّهاء كما تدفع عنها بالقوة. وينبغي أن يقتسِم الخِزي في هذا إدوارد الأول وإدوارد الثالث اللَّذان فرَضا سلطانهما فرضًا على أمةٍ حرَّة، وأهلُ اسكتلندا الذين أُكرِهوا إكراهًا على أن يُقسِموا يمينًا وليس في عزمهم أن يبرُّوا بها.
٢  يُشير إلى العادة التي كانت تتبع في العصور الوسطى عند منح الرجل مرتبة الفروسية.
٣  أياجو شخصية مشهورة بالحِقد في رواية عطيل لشكسبير.
٤  هي البلاد التي تقع بين إنجلترا واسكتلندا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١