الفصل الثامن

إحراق الجسر

راحت فصائل المشاة والمدفعية، التي كانت محبوسة عند مدخل الجسر، تدفق منه الآن في عجلة كالسائل الذي يندفع خلال القمع. مرت العربات كلها وخف الزحام، وبلغ الضفة الأخرى آخر جحفل، ولم يبقَ إلا فرسان دينيسوف لمقابلة العدو، كان هذا ظاهرًا من أعلى المرتفع المقابل، أما من الأسفل عند الجسر، فلم يكن مكشوفًا بعد؛ لأن النهر كان يسير ملتويًا في مضيق كانت جنباته تقطع الأفق على مسافة لا تقل عن خمسمائة متر، كانت من الأمام مساحة غير مأهولة يجوس القوقازيون خلالها، وفجأةً ظهرت معاطف زرقاء ومدافع فوق تلك المرتفعات التي راح القوقازيون ينحدرون عنها خببًا، كان ضباط دينيسوف وجنوده لا يفكِّرون إلَّا فيما هو كامن فوق الهضبة، وينظرون باستمرار إلى تلك النقاط البادية على الأفق، والتي كانت في حقيقتها كتائب عدوة منتشرة هناك، غير أنهم كانوا يحاولون جاهدين أن يشيحوا بأبصارهم عنها إلى ناحية أخرى، وأن يتحدَّثوا حول موضوعات ثانية، وبعد الظهر، تحسنت الحالة الجوية، وسطعت الشمس، وراحت تسدل إشعاعاتها الوهاجة على الدانوب العظيم والهضبات القاتمة التي تضمه بينها، وكان السكون شاملًا، ومن حين إلى آخر، كان بعض الخيالة يقطعون المسافة الفراغ الممتدة بين الكوكبة والعدو الذي كان قابعًا في أمكنته، لا يندُّ عنه صوت، إلا صيحات تتردد من حين إلى آخر، ونغيرٌ يؤكد وجوده، وكان ذلك السكون يزيد في خطورة الخطِّ المخيف الذي يفصل بين الجيشين العدوين، ذلك الخط الوهمي الذي لم يقطعه أحد من الجانبين.

كان كل رجل يفكر: «إن على خطوةٍ وراء ذلك الخط — تشبه الخُطوَة التي تفصل بين الأحياء والأموات — يقبع المجهول الذي يُحدث الألم والموت، ولكن ماذا يجد الإنسان هناك؟ ومن يجد؟ ماذا هناك وراء ذلك الحقل وتلك الشجرة، وذلك السقف الذي تسطع الشمس فوقها؟ إن ما هناك مجهول يرغب كل إنسان في معرفته، كان كل إنسان يخشى اجتياز ذلك الخط، ويحسُّ مع ذلك برغبة في اجتيازه، كان كل واحد يعرف أنه سيضطر إلى اجتياز ذلك الخط آجلًا أم عاجلًا، وأنه سيعرف ما هناك، كما يجب ذات يوم أن يعرف ماذا وراء الموت معرفة لا بد منها، مع ذلك فقد كان كل إنسان يشعر أنه صحيح الجسد متَّقدًا حماسًا ومرحًا، وأن من حوله كذلك ممتلئون صحةً وقوةً واندفاعًا»، تلك هي إحساسات كل رجل في حضرة العدو، وتلك الإحساسات تعطي صورة خاصة عقب كل حادث، فتجعل المرء يستقبل ذلك الحادث بنشاط وتعطُّش.

بدت في تلك اللحظة على قمة المرتفع الذي يعسكر العدو فوقه، سحابة خلفتها قذيفة، انطلقت من فوهة المدفع، وراحت تصفر فوق الكوكبة، فتفرق الضباط الذين كانوا مجتمعين في بقعة واحدة، وأخذ كل منهم مكانه على رأس فصيلته، وكان الرجال يحاولون جهدهم استبقاء خيولهم منتظمة الصفوف، وخيَّم السكون من جديد. كانت عيون الفرسان شاخِصةً إلى العدو البعيد، وإلى الرئيس تنتظر الأمر منه، ومرت قذيفة ثانية وثالثة، كانت تلك القذائف تستهدف الفرسان ولا شك، غير أنها طاشت بصفيرها الرتيب مادة فوق الرءوس، وسقطت في مكانٍ ما وراء الكوكبة، كان يبدو على الوجوه عدم الاهتمام بتلك القذائف، ولكن كلما تردد صوت المقذوف ودوَّى، كان الرجال ذوو الوجوه المختلفة المتباينة في ألبستهم الموحدة، يمسكون عن التنفس، وكأنهم ينفِّذون أمرًا صدر إليهم، ويرفعون أجسادهم معتمدين على الركب، كان كل واحد يفحص زميله بزاوية عينه دون أن يدير إليه رأسه، محاولًا معرفة الشعور الذي أحدثه مرور القذيفة في نفسية زميله، وكان كل وجه — اعتبارًا من وجه دينيسوف وحتى وجه قارع البوق — يعبِّر عن الانفعال والعصبية، والصراع العنيف ضد النفس، فيُنظر ذلك التعبير في الخطوط الواضحة المرتسمة حول الذقون وعلى أطراف الشفاه، وكان الرقيب الأول ينظر إلى رجاله بوجه عابس طافح بالتهديد، أما التلميذ الفارس ميرونوف، فكان يحني ظهره إثر وصول القذيفة، بينما كان روستوف الواقف في الجناح الأيسر على حصانه الضعيف ذي المظهر الجميل مستبشر الوجه، وكأنه طالب استُدعي أمام حَشْدٍ غفير ليجوز فحصًا، كان متأكدًا من أنه سيؤديه بتفوق، وكانت نظرته المشعة المبتهجة تبدو كأنها تُشهد الناس على سكونه وهدوئه أمام قصف المدفعية، مع ذلك فإن الخط المعلن عن شعور جديد خطير ظهر رغمًا عنه عند نهايتَي قوص فمه.

صرخ دينيسوف الذي كان يطير من جناح الكوكبة الأيمن إلى جناحها الأيسر متَّقدًا: أيها التلميذ الفارس ميروتوف، لِمَ تُدير رأسك إلى هناك؟ ينبغي أن تنظر إليَّ أنا.

كان فاسكا دينيسوف بوجهه الممتلئ، ورأسه المتوج بشعر أسود، وقامته القصيرة الملفوفة، ويده المعقدة القصيرة المغطاة بالشعر، المتقلصة على مقبض سيفه المشهر، لا يختلف عما كان يبدو عليه عادةً، وخصوصًا في الأمسيات، بعد أن يكون قد أفرغ زجاجتين في جوفه، غير أنه كان أكثر احمرارًا من عادته. وكان رأسه منتصبًا أشبه بالطيور التي تهمُّ بابتلاع الماء الذي شربته، وجسمه ملقًى إلى الوراء، تعصف ساقاه القصيرتان في جنبَي حصانه الأصيل لكزًا دون إشفاق، فيهدب من جناح إلى آخر، ويلقي بصوت أجش الأمْرَ بإعداد الغدارات، فجاء الرئيس الثاني «كيرتين» للقائه فوق فرسه الضخم، كان كيرستين ذو الشاربين الكبيرين وقورًا كعادته، غير أن عينيه كانتا تلتمعان أكثر من المعتاد.

قال يخاطب دينيسوف: ما فائدة إعداد الغدارات؟! إننا لن نشتبك مع العدو، وسوف ترى.

فغمغم دينيسوف مزمجرًا: يا للشيطان! لست أدري ماذا يعملون؟

ثم صاح يخاطب روستوف بعد أن لاحظ الحبور الذي على وجهه: هه يا روستوف! ها إن اليوم المنشود قد أزف!

وأشفع قوله بابتسامة مشجعة، وهو بادي السرور لشجاعة الفتى، بينما امتلأ قلب روستوف غبطة، وفي تلك اللحظة ظهر ضابط المؤخرة على الجسر، فهدب دينيسوف للقائه وقال له: اسمح لي يا صاحب السعادة أن أهاجم، سوف أقذف بهم وأبددهم!

فغمغم الجنرال وقد قطب حاجبه، وكأنه يطرد ذبابة وقحة: إنَّ الأمر كذلك! ماذا تعمل هنا حتى الآن؟ ألا ترى أن المستكشفين ينسحبون، أرجعْ رجالك.

تراجعت الكوكبة، وخرجت سليمة من مدى القذف، وجاءت كوكبة أخرى كانت تستكشف حركات العدو، فمرَّت على الجسر يتبعها لفيف من القوقازيين هم آخر من تبقَّى من الفرسان.

كانت الكوكبتان تنسحبان — بناءً على الأوامر — نحو المرتفعات، وكان الكولونيل كارل بوجدانيتش شوبرت، الذي لحق بكوكبة دينيسوف، يسير الهوينا على حصانه غير بعيد عن روستوف، وكان لا يلقي بالًا إلى الفتى، رغم أن ذلك اللقاء كان الأول بينهما، منذ جدالهما بصدد الملازم تيليانين، كان روستوف يشعر أنه — بصفته في الخدمة — تحت مطلق تصرُّف هذا الرجل الذي أهانه، والذي كان يعترف في تلك اللحظة بأخطائه التي ارتكبها حياله، فكان نظره لا يفارق كتفي الزعيم العريضتين ورأسه الأشقر وعنقه الأحمر، كان يتصور أحيانًا أن بوجدانيتش يتظاهر باللامبالاة ليختبر شجاعته «هو» روستوف، فعندئذٍ يشد قامته، ويسرِّح حوله طرفًا متحمسًا متأججًا، وأحيانًا يظن أن الزعيم بسيره بالقرب منه، يريد أن يبرهن له على شجاعته، لكنه كان يتصور في بعض الأحيان أن الزعيم الراغب في معاقبته، سيلقي بالكوكبة في هجوم جنوبي، ليمد بعدئذٍ إلى روستوف الجريح يدًا مسترضية، ويعلن أنه نسي ما بينهما من خصومة.

هرع أحدُ الضباط المساعدين على حصانه متجهًا نحو الزعيم، كان ذلك الضابط المقبل هو جركوف الذي أصبح قوامه الممشوق معروفًا لفرسان بافلوغراد، رغم أنه منذ إقصائه عن الأركان العامة، لم يندمج بهم زمنًا طويلًا، كان يقول إنه ليس شديد الحماقة لينخرط في صفوف الفرسان، بينما يستطيع تأمين ترقيته وهو في الأركان دون عمل يُذكر؛ لذلك فقد سعى لنفسه حتى أصبح ضابطًا تابعًا للأمير باجراسيون الذي كان يقود مؤخرة الجيش، وكان في تلك اللحظة قادمًا من لدنه؛ لينقل أمرًا إلى رئيسه السابق.

قال بوجه محزون وهو يتبادل النظر مع زملائه القدماء: أيها الزعيم، لقد صدر الأمر بالتوقف وإحراق الجسر.

فسأل الكولونيل بشراسة مستعملًا اللغة الروسية الركيكة: من الذي أعطى الأمر؟

فأجاب الضابط الرسول بلهجة كلها رزانة وجِد: رباه يا كولونيل! لست أدري من الذي أعطى الأمر، كل ما أعرفه أن الأمير كلفني بأن أقول لك أن على الفرسان أن يتراجعوا على الفور، وأن يضرموا النار في الجسر.

وجاء ضابط آخر من الحاشية بعد جركوف يحمل ذلك الأمر بالذات، وجاء كذلك نيسفيتسكي الضخم الذي كان ثقل جسده الضخم يبهظ الجواد القوقازي الصغير، صاح وهو على مسافة من الزعيم: رباه يا كولونيل! قلت لك أن تحرق الجسر، ثم أراك لا تأتي أمرًا، إنهم على أشد الضيق في الأركان العامة، ينزعون شعر رءوسهم من الغيظ، ولا يفهمون شيئًا من تصرُّفك.

أصدر الزعيم أمره إلى السرية بالتوقف، دون أن تبدو العجلة على تصرفاته، وأجاب قائلًا: لقد حدثتني عن المواد المشتعلة، أما عن حَرْقِ الجسر فإنك لم تحدثني به.

كان نيسفيتسكي خلال ذلك الوقت قد أوقف مطيته، ورفع خوذته، وراح يمس شعره السابح في العرق بيده السمينة الضخمة، قال دهِشًا: كيف لم أحدثك عن إحراق الجسر يا سيدي العزيز! لِمَ إذن وضعت عليه المواد المشتعلة؟!

– عفوًا يا سيدي ضابط الأركان، إنني أولًا لست «سيدك العزيز»، وأخيرًا إنك لم تحدثني بوجوب إحراق الجسر، إنني أعرف واجبي، ومن عادتي تنفيذ الأوامر حرفيًّا، لقد قلتَ إن الجسر سوف يُحرق، أما من سيحرقه، فإنني ما كنت لأعرف ذلك بواسطة روح القدس!

قال نيسفيتسكي وهو يشير بيده دلالة على الخضوع والامتثال: هيا إن المسألة سيان!

ووقعت أبصاره على جركوف فهتف: هه جركوف، ماذا تفعل هنا؟

– مثل ما تعمل أنت، والفرق أنك مبتلٌّ — كما ترى — فهل تريد أن أعصرك؟

أما شوبرت فقد كان يشعر بجرح في كرامته نتيجة لأقوال ضابط الأركان؛ لذلك فقد استمرَّ يناقشه محتجًّا: لقد قلت لي يا سيد ضابط الأركان …

فقاطعه ضابط الحاشية قائلًا: لنجعل يا كولونيل وإلا فإن العدو سيقرِّب قطعاته، ونصبح تحت رحمته.

وصمت شوبرت مرغمًا، وراح ينقِّل طرفه بين ضابط الحاشية وجركوف وضابط الأركان الضخم، فيزداد وجهه اكفهرارًا.

قال بلهجته الوقور التي تُشعر بأنه يقوم بواجبه مهما تعرَّض لمخاصمات وتحرش: ليكن، سأحرق الجسر.

وفثأ غضبه في جنبي جواده؛ إذ راح يضغط عليهما بساقيه القويتين دون رحمة، فطار الجواد به إلى المقدمة، وهناك ألقى الأمر إلى الكوكبة الثانية، التي كان روستوف فردًا منها تحت إمرة دينيسوف، بالتراجع نحو الجسر.

فقال روستوف في سره، وهو يشعر أن قلبه قد أطبقت عليه يدٌ خفية راحت تعتصره: «هو ذاك، إنه يريد اختباري، حسنًا، سأراهن له على أنني لست جبانًا!» وراحت الدماء تضرج وجهه.

ومن جديد عاد الخط الكئيب على وجوه الخيالة المستبشرين؛ ذلك الخط الذي طبع وجوههم بالتَّجَهُّم عندما دَوَّتْ طلقات المدافع، وكان روستوف يحدج وجه خصمه وهو يتوق إلى اكتشاف أية بادرة تدعم ظنونه، غير أن نظرة الكولونيل الصارمة الوقور لم تلتقِ مرة بنظرته، ارتفع صوت الزعيم آمرًا، ورُدِّدتْ أصوات حول روستوف تقول: أسرعوا، أسرعوا!

وبعجلة فائقة، وبين رنين المهاميز وصليل السيوف وصلصلة اللجم، ترجل الفرسان عن ظهور جيادهم وهم حيارى لا يدرون ماذا يعملون، راحوا يرسمون إشارة الصليب على أنفسهم، وقد أخذ منهم الخوف لبقائهم في المؤخرة، ونسي روستوف الكولونيل، وسلَّم حصانه الصغير إلى الجندي الذي يحرس الخيول، وشعر أن قلبه يدقُّ بعنف جَنَبَات صدره، ومر دينيسوف وجسده ملقًى إلى الوراء على عادته هادبًا جواده صائحًا مشجعًا، غير أن روستوف لم يعُد يرى إلا الفرسان الذين كانوا يركضون حوله مرتبكين بمهاميزهم قارعين سيوفهم.

صاح صوت من ورائه: نقالة!

لم يفكِّر روستوف في معرفة السبب الذي من أجله تُطلب النقالة، بل راح يعدو بكل قواه محاولًا الوصول قبل سواه، غير أن قدمه زلت في الطين اللزج عند مدخل الجسر، فسقط على يديه، ومرَّ الآخرون وسبقوه.

سمع صوت الزعيم الذي كان يسير في المقدمة على صهوة جواده قرب الجسر ووجهه الوقور الطافح بالبِشر: من الجانبين أيها الرئيس.

التفت روستوف لينظر إلى خصمه، وراح يمسح يديه الملطختين بالوحول بسراويله، أراد أن يتابع الجري مقدرًا أنه كلما تقدَّم كان ذلك أفضل، غير أنَّ بوجدانيتش صاح بصوت غاضب دون أن يعرفه، أو أن ينظر إلى وجهه: من ذا الذي يجري في منتصف الجسر؟ إلى اليمين، إلى الوراء أيها الفارس التلميذ! ما فائدة التعريض للخطر أيها الرئيس؟

وأردف يخاطب دينيسوف الذي راح يتقدم ممتطيًا جواده فوق الجسر متباهيًا: ترجل يا دينيسوف.

فأجاب فاسكا دينيسوف وهو يستدير في مقعده على صهوة الجواد: إه! إن القذائف تجد دائمًا من تصطدم به!

خلال ذلك وقف نيسفيتسكي وجركوف وضابط الحاشية بعيدًا عن مرمى قذائف العدو، يراقبون تلك القبضة من الرجال بخوذاتهم الصفراء، وستراتهم الخضراء ذات الأشرطة، وسراويلهم الزرقاء، وهم ينشطون قرب الجسر، وينقِّلون طرفهم عبر النهر؛ ليراقبوا المعاطف الزرقاء التي كانت تظهر على البعد والبطاريات المنصوبة التي كان يسهُل تمييزها.

كان كل من الجنود الواقفين على الهضبة المطلة على النهر يتساءل بقلق وهو يرقب عن بُعد اقتراب المعاطف الزرقاء والحراب وقطع المدفعية: «هل يجد الفرسان الوقت الكافي لإضرام النار في الجسر؟ هل سيهاجم الفرنسيون بسرعة، ويسحقونهم تحت وابل رصاصهم؟»

قال نيسفيتسكي: سيتعرَّض الفرسان لضرب عنيف! ها إنهم باتوا تحت رحمة قذائف العدو.

فقال ضابط الحاشية ملاحظًا: لقد أخطأ إذا استصحب كل هذا العدد!

– حقًّا، إنَّ اثنين من الفتيان كانا كافِيَيْنِ.

فاعترض جركوف بلهجته التي تستثير الضحك دون أن يبدو على وجهه أنه راغب فيه: ما هذا القول يا أمير؟ رجلان! أتريد إذن أن يمر صليب القديس فلاديمير تحت أنوفنا؟ سوف يحصل ضحايا بنتيجة هذه العملية، غير أنَّ السرية كلها ستُمنح ذلك الوسام، وسيحمل بوجدانيتش شريطه، إنه يدري ماذا يعمل.

صرخ ضابط الحاشية قائلًا: هه! سيفتكون بهم الآن بطلقات الرصاص!

وراح يشير إلى الأسلحة الفرنسية التي شوهدت تُسحب من المقدمة وتُقطر بسرعة لتوجه نحو فرسان الجسر.

وظهرت فوق الوحدات العدوة التي تضمُّ المدفعية، ثلاث سحب متتابعة، ولما ردد الصدى دوي الانفجار الأول، ارتفعت فوق القطعات العدوة سحابة رابعة، ودوى انفجاران متتاليان أعقبهما ثالث.

زمجر نيسفيتسكي وكأنه يحس بألم محرق: أوه، أوه!

وأمسك بذراع ضابط الحاشية وأردف: انظر، انظر! هو ذا واحد قد سقط.

– اثنان على ما يبدو لي، أليس كذلك؟

فقال نيسفيتسكي وهو يشيح ببصره عن المشهد: لو كنت القيصر لما خضت حربًا.

حُشيت المدافع الفرنسية بسرعة، وكذلك البنادق، وتهافتت المعاطف الزرقاء بخطوات سريعة نحو النهر، وارتفعت سحبٌ أخرى، ولكن على فترات غير منتظمة، وفرقعت طلقات البنادق، غير أن نيسفيتسكي لم يستطع تمييز ما يحدث على الجسر في تلك اللحظة؛ إذ ارتفع فوقه غمام كثيف يُشعر بأن الفرسان الروسيين هناك قد نجحوا في إضرام النار، لم يعُد رماة الأعداء يطلقون النار ليمنعوا إنجاز العملية، بل لمجرد أن أسلحتهم كانت محشوة، وأن أمامهم هدفًا يطلقونها عليه، وقد أفرغوا أسلحتهم ثلاث مرات قبل أن يستطيع الفرسان الروس اللحاق بخيولهم وامتطائها، وطاشت الدفعتان الأُوليان، أما الدفعة الثالثة فقد أصابت فصيلة من الصميم، فقتلت ثلاثة من رجالها.

توقف روستوف في وسط الجسر، لا يدري ماذا يعمل؛ لأن عقلَهُ كان مشغولًا بعلاقاته مع بوجدانيتش، ولم يجد حوله أحدًا يلقاه بسيفه، وهو الذي ما كان يظن أن المعركة يمكن أن تكون خلاف ذلك، وما كان يستطيع المساهمة في إشعال النار؛ لأنه لم يكن يحمل المادة الملتهبة كالجنود الآخرين؛ لذلك فقد وقف في مكانه مترددًا حائرًا، وفجأةً سمع فرقعة تشبه سقوط جوز ناضج، ورأى الفارس القريب منه يسقط إلى الأرض مزمجرًا قرب السياج، فهرع إليه مع بعض الجنود، وعلا صياح أحدهم من جديد: نقالة!

أمسك أربعة رجال بالجريح وأنهضوه، فصاح هذا: أوه، أوه! دعوني بحق السماء.

غير أنهم حملوه، ووضعوه على النَّقَّالة.

التفت نيكولا روستوف، وراح يحدق في النهر الكبير الذي كان يضيع في الأبعاد الشاسعة، وتأمَّل السماء التي كانت الشمس تبدو فيها كالكتلة المتوهجة، بدت السماء لناظرَيه شديدة البهاء في إشراقها البهيج، وأُعجب بجلال الإشعاع الذي تعكسه الشمس، وبدا له ماء الدانوب الملتمع كالمرآة الصقيلة؛ بهيًّا رائعًا. وبدت له التلال التي تصبح قاتمة اللون، كلما ازدادت إغراقًا في البعد وراء الدير، جذابةً بهيجة، والوديانُ غامضةً، وغاباتُ الصنوبر تائهةً وسط الضباب الخفيف بمحاذاة الأفق البعيد. هناك كان السلام والسعادة. أخذ روستوف يحدِّث نفسه: «لو أنني كنت هناك فقط، إذن لَمَا طلبت شيئًا، ولَمَا رغبت في شيء مطلقًا قط. كم من سعادة أجدها في نفسي وفي هذه الشمس! بينما أصغي إلى التأوهات الأليمة المروعة تتردد بقربي. وهذه العجلة وهذا الارتباك. رباه! ها إنَّ أمرًا جديدًا قد صدر، وكل الفرسان ينفرون إلى حيث لا يعلم إلا الله، فلْأركضْ معهم إذن. ها هو ذا الموت فوق رأسي وحولي. لحظة واحدة، ولن أرى بعدها هذه الشمس، وهذه المياه، وهذا الوادي …»

مرَّت سحابة غطت الشمس، فرأى روستوف نقالات أخرى أمامه. وعندئذٍ اتَّحد الرعب، الذي أحدثه في نفسه تَخوُّفُه من الموت، بحبه للشمس والحياة، وبدت كلها على وجهه في طابع القلق والغم، فغمغم: «آه يا رب! أنت يا من علوت في سمائك، أنقذني وصُنِّي واغفر لي!»

هرع الفرسان إلى خيولهم، فاكتسبت أصواتهم ثقة أقوى، واختفت النقالات من أمامهم، وصاح فاسكا دينيسوف في أذن روستوف: حسنًا يا صغيري، هل استنشقت رائحة البارود؟

فقال روستوف في نفسه: «هيا، لقد انتهى كل شيء، لكنني لست إلا جبانًا، نعم إنني جبان.» وزفر زفرة عميقة، وأخذ عنان جواده من الجندي الذي كان يحرس الخيل، ووضع قدمه في الركاب.

سأل دينيسوف قائلًا: ماذا كان نوع السلاح؟ أهو الرصاص أم القذائف؟

فأجاب دينيسوف: لقد كان يجمع بين كليهما، لقد قمنا بعمل باهر، ولكن يا للمهمة القذرة! حدثني عن هجوم يطربني؛ لأن في الهجوم على الأقل ما يستطيع الإنسان أن يصبَّ عليه نقمة سيفه، أما عمل كهذا، فإنني لست أدري كيف أصفه، يقذفنا العدو برصاصه، فندعه يُتم قذفه جاعلين من أنفسنا هدفًا لمقذوفاته!

ومضى دينيسوف نحو جماعة غير بعيدة عن روستوف تضم الكولونيل وَنيسفيتسكي وجركوف وضابط الحاشية.

فكر روستوف في نفسه: «إنَّ أحدًا لم يلاحظ شيئًا؛ لأن كلًّا مما اعتراني!» والحقيقة أن أحدًا لم يلاحظ شيئًا؛ لأن كل واحد كان يعرف بمحض التجربة الشعور الذي يخلعه اللقاء الأول مع النار.

قال جركوف: سوف نرفع تقديرًا بديعًا رائعًا، لن أُدهش إذا رُقيت إلى رتبة ملازم.

وقال الكولونيل بلهجة المنتصر: بلِّغ الأمير أنني أحرقت الجسر.

– وإذا سُئلتُ عن الخسائر فماذا أقول؟

فأجاب الزعيم بصوت خافت: خسارة لا تُذكر، لقد أصيب فارسان بجراح، وقُتل ثالث على الفور.

كان يعجز عن ضبط أعصابه وكتمان سروره، وبدت له الكلمة الأخيرة شديدة الجمال، حتى إنه فَاهَ بها بلهجة مرعدة والابتسامة تشع على شفتيه: قُتل فورًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠