الفصل الرابع

أحلام بوريين

عندما دخلت ماري إلى البهو، كان الأمير بازيل وابنه يتحدثان إلى الأميرة الصغيرة والآنسة بوريين. دخلت متمهلة بتثاقل تسير على كعبها بحكم العادة. فلما اقتربت، نهضت الآنسة بوريين وكذلك الأمير وابنه، بينما راحت ليز تهتف مشيرة إليها: «ها هي ذي ماري!» شملتهم ماري بنظرة عامة لم تترك شيئًا إلا وأحاطت به، رأت أن الأمير بازيل عاد إلى الابتسام بعد أن حافظَت قَسَمَاتُ وجهه فترة وجيزة على تعابير الخطورة المصطنعة التي أسدلها على وجهه، وأن ليز كانت تحاول أن تقرأ على وجهَي الضيفين الأثر الذي أحدثه رؤيتهما لماري على تلك الصورة، وأن الآنسة بوريين — وكانت نظرتها أكثر اتقادًا من أي وقت مضى — في أوج زينتها وبهائها، تَشْخص بأبصارها محدقة في وجهه «هو»، أما «هو» فقد كان الشخص الوحيد الذي لم تره رغم وجوده، غير أنها حدست أنه طويل القامة جميل جدًّا شديد الجاذبية، وقد تقدَّم نحوها ملاقيًا مستقبلًا.

انحنى الأمير بازيل بادئ ذي بدء فقبَّل يدها، فلمست بشفتيها جبهته الجرداء، وأجابت على عبارات المجاملة التي بادرها بها بأنها لا زالت تحتفظ له في نفسها بذكرى ممتازة، ثم أتبع آناتول أباه، لكنها لم تحدق في وجهه، شعرت بيدٍ ناعمة قوية تمسك بيدها، وأن الجبين الذي تحسسته بشفتيها كان أبيض يعلوه شعر أشقر مضمخ بشكل معقول، فلما نظرت إليه أخيرًا، أدهشها أن يكون على ذلك القدر من الجمال، كان مُحْنيًا رأسه قليلًا، واضعًا إبهام يده اليمنى في إحدى عرى سترته، عاطفًا صدره وظهره معًا، مستويًا على إحدى ساقيه، يتأمل ماري بصمت بينما كانت أفكاره منصرفة عنها بشكل واضح، وعلى الرغم من أن آناتول لم يكن حاذقًا ولا متحدثًا لبقًا ولا مؤثرًا، فإنه كان يتمتع بميزة ثمينة في المجتمع؛ هي بروده واعتداده اللذان ما كانا يزعزعهما حدث مهما كانت قوته، وقد درجت العادة على أنَّ صمت الخجول أمام شخص يقابله للمرة الأولى وقناعته بأنه غير لبق يضفيان على المقابلة برودًا ملحوظًا، يكون خلاله مُجْهِدًا نفسه في التنقيب عن الكلمات المناسبة والعبارات المقبولة. أما آناتول فكان على العكس؛ يصمت دون أي ارتباك ويتبختر أمام ماري متفحصًا زينتها بدَعة، وكان واضحًا أنه يستطيع البقاء زمنًا غير قصير على حاله تلك، وكان سلوكه يُشعر بأنه «إذا كان سكوتي يؤملكِ، فتحدثي على هواك، أما أنا، فإنني لست راغبًا في الحديث.»

ثم إن آناتول كان يتخذ حيال النساء موقف الترفع والتكبر الذي يوقظ فيهن الفضول والانفعال بل والحب. كانت مواقفه المترفعة تنطق بصراحة قائلة: «إنني أعرفكِ، إنني أعرفك، فما الفائدة من تهافُتي على الترحيب والاهتمام بك؟ إنني لو فعلت ذلك لكنتِ شديدة السرور!» لقد كانت قَسَمَات وجهه وتصرفاته توحي بذلك حتى ولو لم يكن يفكِّر مثل هذا التفكير بالفعل، وهو الذي عُرف عنه أن التفكير ليس من مزيته وخصائصه! شعرتْ ماري بتلك المعاني والمقاصد التي تبرزها مظاهر ذلك الشابِّ وحركاته، ولكي تُشعره بأنها لا تريد احتكار صحبته، انخرطت في حديث مع الأمير العجوز، ولم يلبث ذلك الحديث أنْ أصبح عامًّا قويًّا متشعبًا بفضل ثرثرة ليز التي كانت شفتها ذات الزغب تكشف باستمرار عن أسنانها البيضاء. كانت تخاطب الأمير بازيل بتلك اللهجة الماجنة التي يستعملها الثرثارون الوادعون، والتي تقضي بإيهام المستمعين أنَّ بينهما ذكريات مشتركة لا يعرفها سواهما، والتي تكون في حقيقتها وهمًا وخيالًا مطلقَين، استطاب الأمير بازيل تلك اللعبة فاشترك فيها، وراحت ليز تقص على الحاضرين نوادر من محض ابتكارها وتُوهِمهم أنها حقائق ثابتة، وأشركت في تلك النوادر الأمير الشاب آناتول الذي لم تكن تعرفه من قبلُ إلا قليلًا، وتاهت الآنسة بوريين في تلك الذكريات المبتكرة المختلفة، حتى إنَّ ماري نفسها وجدت صعوبة في انتزاع نفسها من تيار تلك الذكريات السعيدة.

قالت ليز بالفرنسية طبعًا: هنا على الأقل يا أميري العزيز يمكننا أن ننعم بوجودك كليًّا، إنَّ الأمر يختلف عما كان عليه الحال في حفلات آنيت حيث كنتَ تنسحب فرارًا، هل تذكرها، تلك العزيزة آنيت؟

– لكنكِ لن تحدثيني في السياسة كما كانت تفعل آنيت!

– وماذا عن ذكرياتنا حول مائدة الشاي؟

– آه! نعم.

وسألتْ آناتول: لماذا لم أكنْ أراك عند آنيت؟ آه! نعم، إنني أعرف، إنني أعرف!

وغمزت بعينيها وأردفت: لقد حدثني أخوك هيبوليت عن أعمالك ومشاريعك.

وهددته بسبابتها وأعقبت: إنني أعرف حتى مغامراتكَ الباريسية.

فقال الأمير بازيل لولده وهو يستوقف ليز بإمساكها من ذراعها، وكأنه يجد صعوبة في منعها عن الفرار: غير أنَّ ما لم يكن جديرًا بهيبوليت أن يحدِّثكَ به هو أنه كان يحوم حول أميرتنا الفاتنة التي طردته بلطف.

وأردف مخاطبًا ماري: آه، إنها لؤلؤة النساء يا أميرة!

أما الآنسة بوريين فإنها لم تُفلت الفرصة التي أتيحت لها عندما سمعتهم يتحدَّثون عن باريس، فانبرت تسأل آناتول عما إذا كان قد غادر تلك المدينة منذ زمن طويل، وعن الشعور الذي خلَّفَته في نفسه، فأجابها آناتول بسرور جلي وهو ينظر إليها باسمًا، وراح يحدثها عن وطنها، كان آناتول بمجرد أن وقع بصره على تلك الحسناء الفرنسية، قد حدَّث نفسه بأنه لن يسأم النزول في ليسيا جوري ما دامت هذه فيها. كان يتفحصها مدققًا ويقول لنفسه: «إنها ليست رديئة، كلَّا، في الحقيقة إنها ليست رديئة هذه الآنسة المرافقة، إنني آمل أن تحتفظ ماري بها بعد زواجنا، إن هذه الصغيرة لطيفة للغاية.»

كان الأمير العجوز في تلك الأثناء يرتدي ثيابه في مخدعه دون تعجُّل، كان يتساءل في شيء من السخط عن الخطة التي سيسلكها مع ضيفيه، لقد كان قدومهما يزعجه، كان يغمغم: «ما حاجتي إلى الأمير بازيل وفرخه؟ إنَّ الأب دعيٌّ مأفون، أما الابن فلا شك أنه سِرُّ أبيه.» لكن سبب سخطه الحقيقي إنما يرجع إلى أن تلك الزيارة تثير مسألة معينة كان يخنقها كلما انطرحت على بساط فكره؛ مسألة كان دائمًا يفكر فيها ويدرسها من كل وجوهها؛ هل يقرر ذات يوم الافتراق عن ماري بإيجاد زوج لها؟ تلك كانت المسألة التي لم يفكر مرة في حلها بصراحة أو درْسها بإقدام، خصوصًا وأنه كان يعرف سلفًا أن العدل وحده سيملي عليه الجواب، وأن العدل في هذه المسألة يتناقض وعواطفه الشخصية، بل ويتنافى مع شروط وجوده وحياته. لقد كان رغم البرود الذي يتظاهر به، لا يطيق الحياة دون وجود ماري، راح يفكر: «ولِمَ أزوجها؟ لسوف تكون تعيسة حتمًا في حياتها الزوجية؛ هذه ليز التي تزوجتْ آندريه، وهو — ولا شك — أحسن الأزواج، ومع ذلك فإنها غير راضية عن مصيرها! ثم من ذا الذي سيتزوج ماري عن حبه لها؟ إنها بشعة وغير لبقة اجتماعيًّا، لسوف يتزوجونها من أجل علاقاتها وثروتها، فهل يتعذر فعلًا بقاؤها فتاة عزباء؟ أبدًا، وإنها ستعيش بذلك في سعادة أعم وأوسع!» وبينما هو يضرب أخماسًا بأسداس ويستكمل ارتداء ثيابه، شَعَرَ أن المسألة التي ظلت متفاوتة زمنًا طويلًا لن تكون اليوم أكثر تعقيدًا، وإذا كان الأمير بازيل قد اصطحب ابنه، فما ذلك إلا ليتقدم بطلب يد ماري، ولا بد من إعطائه جوابًا نهائيًّا، سواءٌ أكان ذلك اليومَ أو غدًا. نعم، إن الاسم والمركز مناسبان، ولكن ينبغي أن يعرف كذلك إذا كان الخطيب نفسه جديرًا بابنته؛ وهذا ما سيتأكد منه بعد حين.

وأنهى الأمير مناجاته بصوت مرتفع قائلًا: هذا ما سنراه الآن، نعم، هذا ما سنتأكد منه بعد حين.

دخل إلى البهو بخطاه السريعة الرشيقة، وشمل الحاضرين بنظرة سريعة أتاحت له ملاحظة زينة ليز المحدَثة والأشرطة التي كانت الآنسة بوريين تُثبتها في شعرها وعلى ثوبها، وابتساماتها التي كانت تتبادلها مع آناتول، وشعر ابنته في ذلك الوضع الكئيب وانطوائها وسط النقاش العام، فحدَّث نفسه بغضب قائلًا: «لقد أظهرتْ نفسها كأغبى الحمقاوات! لقد فقدتْ كل حيائها، بينما الفتى لا يعيرها التفاتًا!»

اتَّجَهَ نحو الأمير بازيل وقال له: مرحبًا، مرحبًا، سرَّتْني رؤيتك.

فأجابه الأمير بازيل بتلك اللهجة الأنيسة الفكِهة المتزنة المألوفة لديه: إن مرحلتين لا تُعتبران مشقة في سبيل لقاءِ صديقٍ طبيبٍ قديمٍ، ها هو ذا أصغر أبنائي أقدِّمه بين يديك.

تأمَّلَ الأمير نيكولا آندريئيتش وجْهَ آناتول وقال: لَعمري إنه فتًى! تعالَ وعانقني.

وأدار له خده تسهيلًا لمهمته.

عانق آناتول الأمير العجوز وهو يتأمله بفضول متحرر منتظرًا أن يبادره بإحدى ثوراته الغريبة الشاذة التي حدَّثه أبوه عنها.

جلس الأمير نيكولا في مكانه المألوف على الأريكة، وجذب إليه مقعدًا دعا الأمير بازيل إلى الجلوس عليه، وراح يستفسر منه عن الأحداث الأخيرة، وكان يتظاهر بالإصغاء للأمير، بينما كانت أبصاره لا تنفك تُلاحق ابنته وتراقبها.

قال مكررًا كلمات الأمير بازيل الأخيرة، وقد نهض فجأةً، واتجه نحو ماري مباشرةً: إذن، فإن الأخبار أصبحت تَرِد الآن من بوتسدام؟

سألها: أمِنْ أجل الضيوف عملتِ هذه المهزلة؟ لعلكِ تريدين إظهار نفسك بمظهر الجميلة، ولما كنتِ قدَّرتِ أن من المناسب ترجيل شعرك بطريقة جديدة إكرامًا للضيوف، فإنني أُسرُّك الأمر أمامهم بألَّا تعمدي إلى تبديل «تسريحتك» بعد الآن دون موافقتي وإذني.

فتدخَّلَت الأميرة الصغيرة وقد تضرج وجهها: إنها خطيئتي يا أبي.

فأجاب العجوز: إنك حرة التصرف على هواك، أما هي، فلا حاجة بها لأن تبدو أكثر بشاعة مما هي عليه.

وعاد يجلس في مكانه دون أن يعير ابنته التفاتًا، وهي التي بلغ بها الخجل مبلغ البكاء.

قال الأمير بازيل: على العكس، إن هذه الطريقة تتلاءم تمامًا مع الأميرة.

لكن العجوز كان في تلك الأثناء ملتفتًا إلى آناتول، قال له: هيا يا فتاي، أو أيها الأمير الشاب — لست أدري على الضبط كيف ينادونك الآن — تعالَ إلى هنا، ينبغي أن نتحدث وأن نتعارف.

فجلس آناتول قرب الأمير باسمًا، وهو يفكر في سرِّه: «ها إن المهزلة قد بدأت!»

أردف الأمير العجوز: إذن يا عزيزي، لقد نشأتَ في الخارج كما قيل لي، أليس كذلك؟ طبعًا، إن أمرك يختلف عن أمرنا أنا وأبيك؛ لأننا لم نجد إلا واحدًا من جرذان الكنيسة ليعلِّمنا الكتابة والقراءة!

ثم سأله وهو يحدق في وجهه عن قرب: قل لي، هل انتظمتَ الآن في عداد الحرس الراكب؟

فقال هذا وهو يكبت ضحكته بجهد بالغ: كلَّا، بل إنني في عداد الجيش العامل.

– جميل جدًّا، آه، حسن جدًّا يا صديقي! إنك تريد خدمة القيصر والوطن؟ إننا في حالة حرب، وإن شابًّا مثلك يجب أن يساهم في الخدمة، إذن هل تذهب إلى الجبهة؟

– كلا يا أمير، إن فرقتي في الجبهة فعلًا، لكنني أشغل مركز ملحق …

وتوجه إلى أبيه بالسؤال قائلًا وهو يضحك: إنني ملحق بأي شيء يا أبي، يا للشيطان!

فتضاحك الأمير العجوز وقال: هذا ما يسمَّى خدمة الوطن! بأي شيء أنا ملحق بحق الشيطان؟! ها، ها، ها!

وانفجر آناتول ضاحكًا بكل نَفَسَه، غير أن الأمير العجوز قطَّب حاجبيه فجأةً وقال له: حسنًا، اذهب.

فمضى آناتول إلى السيدات والابتسامة لا زالت على شفتيه، بينما تَحوَّل الأمير العجوز إلى أبيه يقول: لقد أنشأتَهما نشأة ممتازة في الخارج، أليس كذلك؟

– لقد عملتُ ما في وسعي. والحق يقال؛ إنَّ الثقافة الأوروبية خيرٌ مِن ثقافتنا المحلية.

– آه لا شك، كل جديد جميل. لا مجال للبحث في هذا، إنه فتًى! هيا، لننتقلْ إلى مخدعي.

وأمسك بذراع الأمير بازيل وقاده إلى مكتبه، وما إن أصبحا وحيدين حتى أطلعه الزائر على رغبته وآماله.

قال الأمير العجوز غاضبًا: أتعتقد مثلًا أنني أعترض سبيلها، وأنني لا أستطيع الحياة بدونها؟ هراء يا عزيزي! خذها منذ الغد، فإنني لن أتصدى لها، بَيْدَ أني أريد معرفة صهري على حقيقته، إنك تعرف مبادئي؛ كلُّ شيء في وضوح كامل! سوف أطرح عليها السؤال غدًا بحضورك، فإذا وافقتْ، دعه يبقى هنا، نعم، دعه يبقى وقتًا ما هنا لأدرسه.

وأعقب بصوت ثاقب يشبه ذلك الذي صرف به آناتول عن نفسه: لتتزوجْه، لتتزوجْه، لستُ أبالي!

فقال الأمير بازيل بلهجة صريحة شأن الماكرين الذين يعرفون عقم الخداع مع مستمع نابهٍ ذكي: سأحدِّثكَ بكل صراحة، إن من السهل عليك اختراق نفوس الناس وسبر أغوارهم، وإن آناتول لم يخترع البارود، لكنه فتًى نبيل وطيب وابن ممتاز.

– حسنًا، حسنًا، سوف نرى.

وكما هي العادة لدى النساء اللواتي حُرِمنَ عِشرة الرجال زمنًا طويلًا، فإن نساء ليسيا جوري شعرن عند حلول آناتول بينهن، أن الحياة التي عشنها حتى ذلك اليوم لم تكن حياة بالمعنى الصحيح؛ لذلك فقد تضاعفت ملَكات التفكير والشعور والملاحظة في أشخاصهن حتى بلغت عشرة أضعافها، وبدت حياتُهن التي كانت حتى ذلك الحين مدفونة في الظلام، منتعشةً براقة تخطف الأبصار.

نسيت الأميرة ماري «تسريحتها» اللعينة ووجهها الهزيل. كان ذلك الشاب الجميل ذو الوجه الباشِّ، الذي قد يصبح زوجًا لها، يحتكر كل انتباهها، كانت واثقة من أنه طيب باسل كريم وثابت العزم. وراحت ألوف الأحلام، أحلام الهناءة الزوجية المقبلة التي كانت تطردها من مخيلتها عبثًا، تزدهر في خيالها.

قالت تهمس في سرها: «ألست شديدة الجمود حياله؟ إنني إذا كنتُ أبذل ما في وسعي لأسيطر على مشاعري، فما ذلك إلا لأنني أُحِس في قرارة نفسي بأنني أصبحت شديدة القرب منه، لكنه يجهل كل ما أفكر به، ولعله يعتقد أنه لم يعجبني.»

وراحت ماري تحاول الظهور بمظهر الأنيسة المرحِّبة بالقادم الجديد، بينما كان آناتول يفكِّر في نفسه: «يا للفتاة المسكينة! إنها شديدة البشاعة!»

أما الآنسة بوريين فقد نبتت في رأسها أفكار من لون آخر، لقد كانت هي الأخرى مثارة أقصى الإثارة بمَقْدم هذا الفتى الجميل، كانت تنتظر منذ وقت طويل أن يتقدم منها أمير روسي، يشعر للوهلة الأولى بتفوقها على لداتها الروسيات البشعات الغبيَّات اللواتي لا يُجدن ارتداء ثيابهن وإظهار فتنتهن، فيقع صريع غرامها للنظرة الأولى. وها إن ذلك الأمير الفتَّان قد جاء في تلك اللحظة. كانت تعرف أن فتاة مثلها، محرومة رغم جمالها من أي مركز ممتاز في المجتمع، محرومة من الأقارب والأصدقاء حتى من الوطن، لا يمكن أن تقبل البقاء أبدًا حيث هي؛ تكرس حياتها للأمير نيكولا آندريئيتش، وأن تظل إلى الأبد رفيقة الأميرة ماري ومقرئتها، وكانت الآنسة بوريين شديدة التعلق بأقصوصة حفظتها عن عمتها، كانت قد حاكت لها نهاية من محض ابتكارها وخيالها. كانت قصة فتاة جميلة أغراها رجل، فاستسلمت له دون أن يجمعهما زواج رسمي، وكانت الآنسة بوريين تذرف الدمع السخي كلما فكرت في خيالها أنها ستروي هذه القصة بالذات للفارس الذي سيغريها في المستقبل وينالها. أما الآن فإن ذلك الفارس لم يعُد خيالًا، بل «إنه» موجود بالفعل أمامها، إنه أمير روسي عريق، ولسوف يختطفها وينالها وينتهي الأمر أخيرًا بالزواج، تلك كانت خطوط المغامرة التي كانت تبدو في الأفق أمام ناظرَي الآنسة بوريين، التي كانت تتحدث مع آناتول عن باريس، لقد انقلبت القصة الخيالية إلى حقيقة بدأت خيوطها تبزغ عند الأفق، لم تكن تخضع في نفسها لأي حسبان، وهي التي لم تفكِّر قط فيما كان يجب عليها صنعه، لكنها كانت قد رتبت أقصوصتها منذ زمن بعيد، حتى إن كل التفاصيل بدأت تجتمع تلقائيًّا في تلك اللحظة وبشكل طبيعي تمامًا، وراحت خيوطها تلتف حول آناتول، ذلك الفتى، فتى أحلامها الذي طالما تاقت إليه، والذي كانت تُبرز أمامه كل فتنتها وروعتها.

وكانت ليز، كالحصان المدرب الذي يقفز عند سماعه البوق يقرع بالنداء، متحفزة للاندفاع في سباق الرشاقة، متناسية حالتها الصحية، متجاهلة ما قد يترتب على ذلك، خصوصًا وأنها ما كانت تغذي أية فكرة أو تهدف إلى أية غاية من وراء ذلك التهافت، اللهم إلا تلك الرغبة البريئة الساذجة التي تدفعها إلى الظهور بطيش وتهور.

وكان آناتول — وهو الذي درج في حضرة النساء على اتخاذ مظهر الإنسان الذي أنهكته ملاحقاتهن وتعلقهن — يشعر بلذة فائقة وهو يرى نفسه محور التفاف كل نساء البيت ومدار اهتمامهن، أضف إلى ذلك أنه لم يلبث حتى شعر نحو بوريين الجميلة المثيرة برغبة من تلك الرغبات الهوجاء المُلحَّة التي كانت تستحوذ أحيانًا على كيانه، وتقسره على التصرف تصرفًا طائشًا، وارتكاب أقسى الخطيئات وأكثرها تهورًا.

انتقل الضيوف وصحِبَهم إلى البهو الصغير بعد تناول الشاي، وهناك طُلب إلى ماري أن تعزف على الأرغن، واتكأ آناتول بالقرب منها على مرفقيه بجانب الآنسة بوريين، وراح يصوب إلى وجهها نظرات وادعة بسامة، وكانت ماري تشعر بارتباك مصدره السرور الذي تحس به والقلق من إحساسها المرهف بتلك النظرة المسلَّطة عليها، وكانت القطعة الموسيقية المفضلة عندها التي كانت تعزفها قد حَمَلَتها إلى عالم سري شاعري، ازداد بهاؤهُ التماعًا وفتنة بتلك النظرة المغضبة عليها، والحقيقة أنَّ تلك النظرة — رغم ما كان يبدو عليها من أنها موجَّهة إليها — لم تكن متوقفة عند ماري، بل كانت تُراقِب بدقة حركات قَدم الآنسة بوريين الصغيرة التي تعمَّد آناتول الاحتكاك بها تحت المعزف، وكانت الآنسة بوريين تنظر بدورها إلى ماري، غير أن عينيها الجميلتين كانتا تحملان مسحة واضحة من السرور الكئيب، وأملًا في ألَّا تراها ماري وهي في وضعها ذاك مع آناتول.

كانت الأميرة تفكر في سرها: «كم تحبني بوريين! كم أنا سعيدة الآن! يا للهناء الذي ينتظرني في حياتي الزوجية المقبلة مع صديقة كهذه وزوج كهذا! ولكن هل سيصبح زوجي حقيقةً؟» كانت تشعر بعيون آناتول وهي تتفحصها، لكنها ما كانت تجرؤ على اختلاس نظرة واحدة إليه.

ولما حان الوقت للافتراق بعد العشاء، قبَّل آناتول يد ماري، وبُوغِتَتْ هذه من جرأته فنظرت إلى وجهه الجميل القريب منها بعينيها الضعيفتين نظرة كلها تساؤل، وببساطة مفاجئة كان لها الأثر في تخفيف حدة تلك الحركة النابية، همَّ آناتول بتقبيل يد الآنسة بوريين أيضًا، فتضرج وجهها خجلًا وراحت تستشير ماري بنظرة ذاهلة.

حدَّثت ماري نفسها: «يا للرقة المتناهية! هل تعتقد أميلي — وهو الاسم الأول للآنسة بوريين — أنني أغار منها أو أنني لا أقدِّر حنانها وإخلاصها حق قدرهما؟» واقتربتْ منها فعانقتها بحرارة لتزيل شكوكها.

واقترب آناتول من الأميرة الصغيرة، فهتفت هذه نافرة وهي تلوِّح بإصبعها مهددة: كلا، كلا، كلا! لن أعطيكَ يدِي لتقبِّلها قبل أن يكتب لي أبوك مؤكدًا أنك أصبحت تسلك سلوكًا حسنًا، أما الآن فلا.

وأفلتت خارجة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠