تمهيد

يشتمل هذا القسم على متفرقات من كلام فرنكلين في الموضوعات المختلفة التي تناولها بقلمه، وهو قسم لا غنى عنه لتمام التعريف برجل عالم كاتب مفكر، لم يعمل في ميدان من ميادينه الكثيرة إلا كان لقلمه نصيب وافٍ من ذلك العمل، وقد كتب فرنكلين في المباحث العلمية، والمسائل السياسية والاجتماعية، كما كتب في شئونه الخاصة التي تعنيه وتعني ذوي قرباه، وكان له طابعه الذي ينم على مزاياه النفسية وملامحه الشخصية في كل باب من أبواب الكتابة، ونحن نود أن نلم بهذه الجوانب جميعًا فيما نختاره من كل باب.

وسنقتبس فيما يلي نماذج من كتابته العلمية والاجتماعية، ولكن الاستقصاء في هذه الناحية غير مطلوب في ترجمة عامة، وإنما المطلوب هنا أن نلم بما يعرفنا بطريقته في البحث العلمي والتفكير الاجتماعي، وما عدا ذلك فمكانه المطولات المخصصة لتاريخ النظريات العلمية والمخترعات التي تولدت منها، أو الدراسات التي تشرح أطوار المجتمع ومشكلاته وآراء المفكرين فيها على التتابع أو للمقابلة بينها في أوانها، فإذا استطعنا فيما نختاره هنا من كتابته العلمية أن نعرف طريقة بحثه ونرقب تفكيره أثناء عمله، فذلك حسبنا من التعريف بهذه الشخصية في ميدان من ميادينها المتعددة، وإذا استطعنا فيما نختاره من كتابته الاجتماعية أن نعرف ما يهمه من المجتمع، وما يتوخاه من النظر في أحواله والحكم على مشكلاته، فقد نمت في الصورة العامة ملامحها التي تصور لنا هذه الناحية من ملامحها الكثيرة.

وقد تعمدنا هنا أن نترجم له دراسة علمية في مسألة لم يحسبها من مسائله الناجحة، أو من المسائل التي نصل فيها إلى مقطع الرأي بين الآراء المحتملة، وتلك هي المسألة التي ذكرها العالم اللاتيني القديم، وسجل فيها تجربة الملاحين في تهدئة هياج البحر بصب الماء عليه. فإن دراسته لهذه المسألة — كسائر دراساته العلمية — تستجمع أسلوبه في إحصاء العوامل والفروض والموازنة بينها، وتجربة كل فرض راجح منها، وتقرير النتائج بمقدارها الذي حققه كل التحقيق في غير تزيد ولا انتقاص، وتتمثل فيها طبيعة التردد في قبول النتائج ما لم تكن جامعة مانعة كما يقول المنطقيون، وتلازمها طبيعة الأمانة التي لا يستهويها حب النجاح والرضا عن النتيجة التي يرضى عنها الكثيرون.

وتعمدنا في اختيار النبذتين الاجتماعيتين أن تكونا نموذجًا لما أثر عنه من طلاقة الفكر أمام العرف الذي تقرره العادات والخرافات والإيمان الأعمى بظواهر العقيدة الدينية، وطلاقة الفكر أمام العرف الذي تثبته في النفوس عصبية الأجناس مع الكراهية المتبادلة بين الأعداء المتقاتلين. أما كتابة فرنكلين التي توسعنا في الاختيار منها، فهي كتابته في التقويم، وكتابته التي يجمعها عنوان الرسائل، وكلتاهما وافية بالدلالة عليه في جميع أدوار حياته، وفي جميع شواغله الذهنية، وخلائقه النفسية.

فتقويم ريتشارد هو الأسلوب الذي شق به طريقه في الحياة الأدبية والفكرية، وقرر به مكانته بين أصحاب الأقلام، ومكانته بين قومه على التعميم، واستوى فيه على نهجه المختار في الكتابة بعد استقلاله بعمله واختباره لملكاته ومواهبه ومطالب قرائه، واعتماده على ذلك النهج العملي الذي يتخذ الفكاهة طريقًا إلى الجد، والتسلية طريقًا إلى الفائدة، ولم يتغير هذا الأسلوب بقية حياته في نسق التعبير ولا موضوعات التفكير، اللهم إلا ما كان من قبيل نضج السن واتساع أفق الاطلاع.

أما رسائله فهي عنوان واحد لكل ما يخطر على البال من الموضوعات التي شغل بها في حياته العامة وعلاقاته الشخصية، وقد شملت حياته العامة — كما تقدم — مباحث العلم، ومشاكل السياسة، والإدارة، وجهود الخدمة الوطنية في داخل بلاده وخارجها، وشملت علاقاته الشخصية أناسًا من الوزراء، والشعراء، وأناسًا من العلماء ورجال الدين، وأناسًا من الجهلاء والأغمار، كما شملت الرجال والنساء، وذوي قرباه، ومن ليست له قرابة بهم غير قرابة المودة والعاطفة، أو قرابة الاشتراك في المصلحة العامة. ورب رسالة في مسألة علمية تتخللها نصيحة إنسانية أو استطراد إلى البراهين على وجود الله، ورب رسالة في الدعابة تكشف عن أعمق أعماق نفسه من حب الخير للناس والرحمة بالحيوان في زمن لم تعرف فيه كلمة الرفق بالحيوان، ورب رسالة تكتب إلى إحدى الصحف عن مسألة عارضة، وتعتبر اليوم مرجعًا من المراجع الهامة في تحقيق التاريخ والعلاقات الدولية، وقلما تخلو رسالة من هذه الرسائل على أنواعها من أسلوب الفكاهة الساخرة التي تسلكه مع الطبقة الأولى بين الكتاب الساخرين في عصره، وتفرده بين الأكثرين منهم ببراءة الطوية من الضغن والإيذاء، وبراءة القلم واللسان من لواذع الهجاء.

وليس ما ترجمناه في الصفحات التالية كل ما يترجم لفرنكلين من الرسائل أو الفصول، ولكنه — فيما نرجو — نماذج كافية للدلالة عليه والإبانة عن مزاياه وملكاته، وقد يزاد عليها الكثير من قبيلها، ولكن الزيادة تأتي مكررة لصفات هذه «الشخصية» التي ألممنا بها في حدود الإيجاز والاكتفاء بالميسور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١