العالم

إذا وجب أن نكتفي بصفة واحدة لفرنكلين تغني عن جميع صفاته، وتنطوي فيها جميع الملكات والمواهب التي أعانته على جميع أعماله وآرائه، فتلك هي صفة العالم.

يقول كروثر في كتابه عن مشاهير رجال العلم في أمريكا: «إنه لولا شهرته العلمية لم يكن خليقًا أن يصبح عبقري أمريكا السياسي في باريس.»١ وهو قول صحيح من وجوه كثيرة. ولكننا لا نعني هذه الشهرة التي استفادها من بحوثه العلمية حين نقول: إن صفة العالم تغني عن صفاته الأخرى إذا وجب أن نكتفي منها بصفة واحدة، وإنما نعني أن ملكته العلمية كانت ملحوظة في جميع أعماله على اختلافها، فكان عالمًا في سياسته، وكان عالمًا في صناعاته اليدوية والفكرية، وكان عالمًا في وظائفه الإدارية، وكان عالمًا في معيشته اليومية، وربما استطاع في أطوار كثيرة من حياته أن ينسى أنه سياسي، أو ينسى أنه موظف، أو ينسى أنه كاتب، أو ينسى غير ذلك من تكاليفه، وجهوده، إلا صفته العلمية فإنها لم تفارقه قط في مهمة من المهام الكبرى أو الصغرى التي تصدى لها طول حياته، ولم يكن يشرع في مهمة منها إلا كانت ملكته العلمية أسرع ملكاته إلى الظهور فيها والاقتران بها إلى أن يفرغ منها.

والملكات العلمية كثيرة حين ننظر إليها متفرقة في العلماء المنقطعين لدراسات العلم وتجاربه، وإذا قلنا عنها: إنها «ملكة علمية» بصيغة المفرد، فهي في هذه الحالة عنوان لصفات كثيرة قد تجتمع للعالم الواحد، وقد تتفرق بين كثير من العلماء، ولكنها في جملتها لم تتوافر للكثيرين كما توافرت لفرنكلين من بواكير صباه إلى ختام حياته.

فمن الملكات العلمية جمع الحوادث المتفرقة المتشابهة في ظاهرة واحدة. وقد كان فرنكلين عالمًا في طفولته حين رأى أباه يصلي صلاة البركة على طعام كل وجبة فسأله: لماذا لا تصلي يا أبي على الذبيحة مرة واحدة تغنيك عن تكرار الصلاة قبل كل وجبة؟

ومن الملكات العلمية ملاحظة الأحوال الطبيعية التي تعرض لنا مصادفة، ثم تكرار التجربة عليها للتثبت من حصولها بالاتفاق أو على التواتر والاطراد. وقد كان فرنكلين عالمًا في صباه حين راقب نفسه وهو يسبح في الماء وفي يده طيارة الورق، فرأى أن العوم أيسر له وأسر له في هذه الحالة من العوم بغير طيارة، وعاود التجربة على أوضاع مختلفة حتى تثبت من تيسير الطيارة لجهود السابح في الماء على أوضاع متعددة.

وقد كان فرنكلين عالمًا في اختيار الخطة التي تيسر له إتقان الكتابة، وكان عالمًا كذلك في اختيار الخطة التي يتوخاها لمراقبة أخلاقه وتهذيب نفسه، والعلم بنصيبه من كل خلق من هذه الأخلاق ومقدار حاجته إلى المرانة عليه في معيشته اليومية، فقد كانت التجربة والملاحظة والإحاطة بالعوامل المختلفة والبحث في جملة الفروض الممكنة بعض وسائله في هذه المحاولات وما جرى مجراها، وكان قياسه للنجاح الفكري والنجاح النفساني مرصودًا عنده على الورق يقرره ويستدل منه على مبلغه من التقدم فيه ومبلغ الصعوبة أو السهولة في هذا التقدم على توالي الأيام.

أعجبه أسلوب الكاتب الإنجليزي «أديسون» في مجلة السبكتاتور فأراد أن يمتحن نفسه في القدرة على محاكاته، وأن يدرب قلمه على الكتابة بهذا الأسلوب وهو في أوائل عهده بالكتابة، فاختار مقالة من مقالات الكتاب ودون معانيها وأغراضها العامة على ورقة، ثم ترك القراءة في الكتاب لينسى عباراته وألفاظه. وعاد إلى الورقة بعد أيام فأعاد كتابة المعاني التي دونها فيها معنى بعد معنى بعبارات من عنده لا يذكر ما يقابلها من عبارات الكتاب، ورجع إلى الكتاب بعد ذلك ليقابل بين الأسلوبين في التعبير عن المعنى الواحد، فوضح له الفرق بينهما ووقف على الأخطاء التي تحتاج إلى العناية بإصلاحها واجتنابها، وعرف من عيوبه أنه قليل المحصول من مفردات اللغة، وأنه يبحث عن الكلمة التي يؤدي بها المعنى فلا يجدها حاضرة في ذهنه. فعمد إلى المقالات ينظمها شعرًا؛ لأنه يعلم أن الشعر يحتاج إلى المترادفات من الكلمات التي تتفق في معناها وتختلف في أوزانها وعدد حروفها ومقاطعها، وأنه يحتاج إلى القوافي والفواصل في سطوره المتوالية، وأنه على ذلك سهل الحفظ والإعادة؛ لأن الكلمة التي نبحث عنها مع العلم بوزنها وقافيتها لا تتعبنا في البحث كما تتعبنا الكلمة المرسلة بغير وزن ولا قافية. وكان يجرب مع هذه الطريقة طريقة أخرى في امتحان القدرة على الترتيب والتعبير، فكان يدون المعاني مختلطة مبعثرة، ثم يعود إليها بعد أيام ينسى فيها ألفاظها وعباراتها، فيبدأ بجمعها وترتيبها ثم يعاود كتابتها بألفاظ وعبارات من عنده، ويسجل الفروق بين أسلوبه وأسلوب أديسون، كما يسجل درجات التقدم في تجربة بعد تجربة، فلا يترك هذا التسجيل للظن والتخمين، بل يراه أمامه محصورًا بالأمثلة والشواهد والأرقام، ولا يبالغ في الثقة بنفسه، ولا في قلة الثقة بها على الحالين، بل يعرف عيوبه وحسناته ويقول لنا في ترجمته لنفسه أنه كان يغتبط أحيانًا كلما رأى له عبارة تفوق عبارة الكاتب في جمالها ودقتها.

وأراد في سن الرجولة أن يروض نفسه على محاسن الأخلاق، وأن يهتدي إلى حظه منها ومبلغ افتقاره إلى زيادتها أو تمكينها أو تهذيبها، فأحصى الأخلاق المثلى، وعرفها على النحو الآتي:
  • (١)
    الاعتدال: لا تأكل حتى الشبع، ولا تشرب حتى النشوة.
  • (٢)
    الصمت: لا تنطق إلا بما ينفع الناس أو ينفعك، وتجنب الفضول والثرثرة.
  • (٣)
    النظام: اجعل لكل شيء موضعه، واجعل لكل جزء من أعمالك وقته وموعده.
  • (٤)
    العزيمة: اعزم على أن تعمل ما يلزم، واعمل ما تعزم على عمله بغير وناء ولا تقصير.
  • (٥)
    القصد: لاتنفق شيئًا في غير مصلحة لك أو لغيرك، ولا تبدد شيئًا أو تنفقه عبثًا.
  • (٦)
    النشاط: لا تضيِّع وقتًا، واشغل وقتك بما يفيد، وانقطع عن كل عمل لا ضرورة له ولا داعية إليه.
  • (٧)
    الإخلاص: لا تلجأ إلى خداع ضار، وفكر ببراءة وإنصاف، وتكلم وفقًا لما تفكر فيه.
  • (٨)
    العدل: لا تسئ إلى أحد بما يضره، ولا تهمل منفعة واجبة عليك.
  • (٩)
    التقدير: تجنب الإفراط والتفريط، ولا تستسلم لرد الإساءة بما توحيه إليك بواعثها.
  • (١٠)
    النظافة: لا تغفل عن النظافة في شخصك، ولا في ملبسك، ولا في مسكنك.
  • (١١)
    السكينة: لا تقلق للصغائر، ولا للحوادث التي لا تمتنع ولا حيلة لك فيها.
  • (١٢)
    العفة: لا تطاوع شهوات الجسد في غير داعٍ من دواعي الصحة أو الذرية، ولا تبلغ بها مبلغ البلادة والضعف أو الإضرار بسلامتك وسمعتك أو سلامة غيرك وسمعته.

وأنبأه بعض أصدقائه أنه يوصف أحيانًا بالكبرياء، فأضاف إلى هذه الأخلاق خلق التواضع ولم يعرفه كما عرفها، بل اكتفى بأن كتب أمامه: «سر على منهاج المسيح وسقراط.»

ولما فرغ من إحصاء هذه الأخلاق بعد عرض الأخلاق الإنسانية جميعًا على ذهنه، ورأى أن هذه الأخلاق التي اختارها هي مساك المروءة وأجدرها منه بالارتياض عليها واستدراك نقصها — جعل لها درجات يومية في كل أسبوع، وأخذ نفسه بتقدير هذه الدرجات ومحاسبة ضميره عليها، ليبدأ الأسبوع التالي على عزيمة وبصيرة بحظه من النجاح، والإخفاق.

وهكذا كان يصطحب مقياسه العلمي في معيشته اليومية وفي ملاحظاته العارضة، ولا ينتهي إلى حكم فيها إلا على قدر معلوم وحساب مرقوم، ومن تجاربه العارضة في ذلك أنه رأى في طريقه واعظًا يلقي على الناس خطبة من خطبه الدينية، وأحب أن يعرف مقدار الإقبال عليه ومبلغ أثره في سامعيه، فتراجع إلى أقصى مكان في الحلقة وعد خطواته وراقب انصراف الناس عن الخطيب وبقاءهم حوله، وقدر لكل رقعة محدودة من الأرض عدد الواقفين عليها، وعلم بذلك مكانة الخطيب.

أما كشوفه العلمية فقد كانت مقاييسه فيها تجمع هذه المقاييس وتزيد عليها خصلتين نادرتين في زمانه، ولا تزالان نادرتين في هذا الزمان، ولعلهما من الخصال التي لا تكثر في زمان من الأزمنة.

هاتان الخصلتان هما: توحيد القوانين الطبيعية في أرجاء الكون، وتفتح الذهن لكل فرض واحتمال.

فقد كان له عقل يفكر في حوادث السماوات والأرضين على نسق واحد، ولا يقيم بين الحوادث فرقًا تختلف فيه قوانين الطبيعة بين مكان ومكان، فلم يجد في تفكيره فرقًا بين انتقال الكهربا من سحابة إلى سحابة، وبين انتقالها من جسم إلى جسم في الأجهزة المصنوعة على النمط البدائي الذي شاع بين العلماء في القرن الثامن عشر، ولم يجد فرقًا بين حركة الهواء في الحجرة من أثر التسخين الصناعي، وبين حركة الهواء في عواصف البحار والمحيطات.

وكان يلتفت إلى المشاهدات ولا يرفض منها شيئًا بغير بينة وقبل التجربة والمراجعة، وسنقرأ له في المختارات من كلامه أنه كان يعيب المحدثين لاستخفافهم بمشاهدات الأقدمين، ويعيب العلماء لاستخفافهم بمشاهدات العامة والجهلاء، فكل مشاهدة لها عنده حق من الاستماع والعناية إلى أن يتحقق من صحتها أو بطلانها، وربما انتهى إلى حكم فيها ثم علق هذا الحكم على التجارب التالية التي يتهيأ لأصحابها أن يكشفوا عن عواملها وأسرارها ما ينكشف للباحثين في الوقت الحاضر.

ونذكر لهذه الخصائص العقلية أسبابًا شتى لتعليمها والرجوع بها إلى ظروفها وملابساتها.

فمن هذه الأسباب أنه كان يعيش في عصر «نيوتن» علامة الفلك والرياضة في عصره، وأنه اطلع على قوانين نيوتن التي يعلل بها حركات الأجسام العلوية والسفلية، وألوان النور المنبعث من الشموس، ومن المصابيح الصناعية.

ومن هذه الأسباب أنه سليل آباء وأجداد من الصناع الذين تعودوا التجربة العملية في تركيب المعادن والأجسام، وقد سلمت طوائف الصناع بعض السلامة من التقاليد الخرافية التي يتوارثها المتكلمون على الغيب وعلى عوارض الخصب والجدب والوفر والشح في محصولات الأرض ومزروعاتها، فتحرر ذهنه من الخرافات الموروثة التي تعلل الحوادث بغير عللها المتكشفة لعقل الإنسان، وتسنى له أن يصل إلى العلة المعقولة من طريق لا تعوقه فيه السوابق والغوامض والمحجبات.

وأسعده على هذه الخصلة أنه كان من سلالة الثائرين على السلطان الديني في القرون الوسطى، وأنه لم يكن هو ولا آباؤه من المتقيدين برياسة كهنوتية في مذهبه أو غير مذهبه، فلم يشعر بالحجر الذي كان يشعر به الجامدون على العقائد الموروثة من بقايا القرون الوسطى.

ويحصي كروثر صاحب كتاب مشاهير رجال العلم المتقدم ذكره أسبابًا موضعية أو محلية هيأت له النجاح في بحوثه العلمية، ولم يكن — على رأيه — لينجح فيها لولا تلك الأسباب.

فعنده أن هجرة فرنكلين من بوستون إلى فلادلفيا كان لها أكبر الأثر في الوجهة التي اتجه إليها وفي المباحث العلمية التي توافر عليها؛ لأن بوستون كانت على أيام فرنكلين معقلًا للمحافظين والمتشددين في العقائد والأفكار التي ترتبط بالديون وعادات الاجتماع.

وعنده أن فلادلفيا كان يتوافر فيها الجفاف الذي يعين على التجارب الكهربية، وكانت تتوافر فيها إلى جانب ذلك مواد الخامات التي تجرى عليها تلك التجارب وتصنع منها أصناف االورق كالخرق والنفايات، ولولا هذه المواد الميسرة لأحجم فرنكلين عن تجاربه الكهربية وعن التعويل على الصحافة والطباعة ونشر المطبوعات.

وقد تقبل هذه التعليلات جميعًا، وتبقى بعدها بقية لا يفسرها إلا انفراد فرنكلين بالعبقرية التي ميزته بين الألوف من المشاركين له في جميع هذه الظروف وجميع هذه الأسباب.

فماذا كان فرنكلين يعلم من قوانين نيوتن وسائر القوانين الطبيعية إلى جانب علم الفطاحل من أعضاء مجمع العلوم في بريطانيا العظمى؟

لقد كانوا في مجموعهم على الأقل يحيطون بما لم يحط به من معارف عصره، ولكنه أدرك أن الكهربا في البروق والصواعق هي الكهربا في الصمغ والزجاج، وأغربوا هم ضاحكين حين أفضى إليهم بهذا الرأى فلم يتحولوا إليه إلا بعد سنتين.

وربما صح أن افتقاره إلى العلم كان من مزاياه، ولم يكن من عيوبه في تلك الآراء التي كان يسبق إليها العلماء المتخصصون؛ لأنه — كما قال برنارد جاف في كتابه عن علماء أمريكا٢ — لم يكن مثقفًا، ولكنه لم يكن مشكولًا أو مربوطًا (Untramell) فلم تقف عقبات الآراء المحفوظة في طريقه، ولم تَعُقْهُ القواعد التقليدية في دراسة الآراء، ولكن فقدان الشكال على كل حال لا يوجد لنا الجواد، فلا بد من جواد سباق وراء ذلك اللجام المخلوع أو المفقود.
ويجوز أن «فلادلفيا» ساعدت على التجارب الكهربية، ولا يمتنع أن يكون الجو الرطب مساعدًا عليها في معرض آخر من معارض البحث والدراسة. ولقد حصل فرنكلين من بوستون على جهاز أعاره إياه صديقه الدكتور سبنس Spence الذي لا نعلم عنه شيئًا غير هذه الإشارة إليه لهذه المناسبة في ترجمة فرنكلين، وكم بين المنتقلين من بوستون إلى فلادلفيا من مسافر ومقيم؟ وكم بينهم من فرنكلين؟

إن الملكة العلمية الطبيعية في هذا العقل العبقري هي التفسير الذي لا غنى عنه لجميع أعماله وبحوثه، وغير هذا التفسير تفسيرات كثيرة من قبيل ما تقدم، لا يستغني واحد منها عن هذا المرجع الأول والأخير لجميع تلك التفسيرات.

وهذه الملكة الطبيعية هي التي أوحت إليه بغير تعليم وبغير تلقين أن يضع البحث العلمي في موضعه الواجب، فكل ما يقع تحت الحس فهو موضوع بحث ودراسة من الوجهة العلمية. وربما عاش معه في عصره — أو عاش قبل عصره — أناس من الباحثين جعلوا هذه البحوث ترفًا مختارًا ترتقي إليه بعض الموضوعات وتقصر دونه موضوعات أخرى، ولكنه هو لم يكن ليفرق بين ما هو صالح للحس، وما هو صالح للبحث والدراسة، فتراوحت مباحثه بين السحب والأمواج، وبين درجات الحرارة وألوان الأقمشة، وبين إصلاح النظارات، وإصلاح نظام الإضاءة في المدن، وبين التبريد بالتبخير، وتهذيب الحروف الأبجدية، ولم يتفتح أمامه موضوع بحث فأعرض عنه؛ لأنه لا يدخل في صدد البحوث العلمية كما يصنع الباحثون الذين لم يرزقوا مثل هذه الهبة الفطرية.

وقد كان للخيال شأنه — كما كان للواقع شأنه — في البحث الذي اشتهر به وأكسبه إعجاب العارفين وغير العارفين، وهو بحثه في الكهربا، واستخدامه في الوقاية من الصواعق، أو من غضب الآلهة كما كانوا يسمونه في الأزمنة الغابرة.

فقد كان المعجبون به يقولون عنه: إنه انتزع الصولجان من عاهل الدولة البريطانية، وانتزع الصولجان من رب الصواعق والبروق جوبيتير إله الآلهة عند الأقدمين، ولم يخلع الخيال على عمل فرنكلين هذا مكانة أكبر من مكانته الحقيقية التي لا مجاز فيها، فإن الوقاية من الصواعق حقيقة أعظم من خيال المتخيلين عن عروش الأساطير، وحقيقته العظمى فوق ذلك أنه صحح العقول والعقائد فأدركت حوادث الأرض والسماء كما ينبغي أن تدرك، وأدركت صفات الإله المعبود كما ينبغي له من التنزيه والتعظيم.

ولقد تناول فرنكلين بحوث الكهربا وهي — على أحسن ما تكون — لعبة للتسلية، فإن هذه البحوث بدأت في حجر الكهربا الذي تنسب إليه قبل الميلاد بستة قرون، وعرف طاليس (٦٠٠ ق.م) أن الكهربا المحتكة تجذب الزغب والنثارة الخفيفة فلم يفهم منها إلا أنها «ذات روح» أو ذات حياة، ثم جاء ثيوفراستس Theophrastus فاكتفى بتسجيل مشاهداته، ولم يهتد إلى تفسير معقول لهذه الظاهرة. ووقفت التجارب الكهربية عند هذا الحد إلى القرن السادس عشر، ثم تقدمت خطوة أخرى على يد العالم الإنجليزي وليام جلبرت طبيب الملكة اليصابات حين استطاع أن يثبت أن هذه الظاهرة تتكرر في بعض المواد، وأن أجسامًا غير الكهربا تجذب الزغب والنثارة بعد حكها وتسخينها كالشمع والكبريت والماس، وبعض المعادن النفيسة، وأن الرطوبة تفقدها هذه القوة إذا صبت عليها السوائل، إلا الزيت فإنه لا يضعف تلك الجاذبية فيها، وأن لأحوال الجو تأثيرًا في الجاذبية يختلف باختلاف الرطوبة والجفاف، وتقدم جويرك Guericke مخترع المضخة الهوائية قليلًا بالبحث الكهربي، فلاحظ أن الأجسام المكهربة تتدافع أحيانًا وأن الشرر يتطاير من بعضها ويصحبه صوت مسموع بمقداره من القوة، ثم ورد خاطر التشبيه بالبرق والرعد على ذهن العالم الإنجليزي وال Wall ولكنه لم يفسره وترقب أن ينبغ في العالم ذهن عبقري يفلح في تفسيره، ووقفت الدراسات العلمية والاختراعات الصناعية بهذا البحث عند هذا الحد فلم تستخدم في شيء أنفع من تركيب بعض الأجهزة التي تعرض هذه الظواهر ولا تقرن بها «نظرية» عامة أو فرضًا من الفروض التي تؤسس عليها العلوم.
وفي هذه المرحلة تسلم فرنكلين مباحث الكهربا، فلم يزل بها حتى وضع لها تلك الفروض على قواعدها المقررة إلى هذا اليوم، فوحَّد بين ظواهر الكهربا في الأرض والسماء، وعرف الكهربية الزائدة والكهربية الناقصة، أو الكهربية المشبعة والكهربية المتعطشة وهما المعروفتان اليوم باسم الموجبة والسالبة، وراقب خاصة التوصيل والاقتباس فصنع الطيارة المشهورة لاستخراج الكهربا من السحاب، ولم تكن هذه التجارب مأمونة العاقبة في تلك المرحلة؛ لأن خصائص المادة الموصلة للكهربا لم تكن معروفة بتفصيلاتها ولم تزل متفرقة مبعثرة لا تربط بينها رابطة تجمع المتشابهات منها على قاعدة واحدة، وفي إحدى هذه التجارب أوشك أن يهلك لابتلال الخيط الذي ربط به الطيارة أثناء نزول المطر، ولولا أنه لم يتشبع بالماء في جميع أجزائه لهلك رعدة كما هلك الأستاذ ريشمان Richmann السويدي في تجربة مثل هذه التجربة كان يجريها في بطرسبرج، فكان استمرار فرنكلين على تجاربه — مع هذه العوارض المبهمة — مخاطرة أخطر مما يقال عنه: «إنه لعب بالنار.»

ونحن في عصر التحليل وتوزيع الأعمال نتساءل: هل كان فرنكلين عالمًا أو مخترعًا؟ هل كان يدرس العلم بعقل الباحث الذي ينقب عن الحقيقة ويضع النظريات، ويوفق بين الحوادث المبعثرة ليجمعها إلى قانون واحد، أو كان يدرس العلم دراسة الصانع الحاذق الذي يخترع الآلات أو يحكم صنعها بزيادة المعرفة والتحقيق؟

إن التفرقة بين العقلين سهلة بينة في كثير من الأحوال؛ فهناك العالم الذي يحسن التفكير والفهم والإحاطة بالأفكار والمفهومات، ولكنه لا يحسن تنفيذ الأفكار في آلات مخترعة، ولا يحسن توجيه المنفذين إلى صنعها واختراعها، وهناك الصانع الذي يباشر التركيب والفك، وإعادة التركيب بمهارة يدوية وحيلة تطرأ في ساعتها من تلك الحيل التي جعلت العرب يطلقون اسم علم الحيل على علم المكنات، وربما كانت هذه الحيل جميعًا خفية على الصانع عند ابتداء المحاولة الأولى، ثم تظهر له بالمعالجة والاختبار كأنها طرق يسير فيها حتى يراها مغلقة أمامه فيرجع عنها ويتحول إلى غيرها، أو كأنها في النهاية من قبيل المصادفة التي لم يكن ينتظرها.

وفرنكلين كان صانعًا نشأ بين الصناع يعمل ويجرب ويحاول ويعتمد على التواتر كما يعتمد على المصادفة، ولكنه في البحث عن النظريات والعلاقات بين الحوادث المبعثرة لم يكن مقصرًا عن شأو أمثاله من المفكرين الباحثين، فلم تكن تعوزه ملكة لازمة للعالم الباحث عن الحقائق والنظريات، وكل ما يحتاج إليه هذا العالم الباحث من تفتح الذهن وصدق الملاحظة وحسن الترجيح والموازنة بين الأسباب والاحتمالات فهو من عاداته الذهنية في مباحثه العلمية وفي معيشته اليومية، فلم يكن ينهض من مكتب العالم ليدخل إلى مصنع العامل المخترع، بل كان مكتبه ومصنعه موضعًا واحدًا تشترك فيه ملكاته وخصائص ذهنه هنا وهناك.

إلا أنه كان يعتقد أن المعرفة مصلحة إنسانية، وأن العلم الذي لا يتحول إلى منفعة عامة لا قيمة له في العقل ولا في الحياة، ومن رأيه أن الكشف العلمي الذي لا يوضع موضع التطبيق في المنافع العامة ولا يصلح لشيء من الأشياء هو كشف «غير صالح» على الإطلاق.

وكأنما كان خجلًا من إضاعة الوقت في قدح الشرر وجذب الريش والزغب وتجريب هذه الألاعيب الكهربية على غير جدوى، فكتب (صيف سنة ١٧٤٩) إلى صديقه العالم الإنجليزي كولنسون Collinson يروي له — في شيء من التهكم — كيف يعتذر إلى أولئك الذين ساءهم، أو أحفظهم، قليلًا أن يسمعوا عن تجارب الكهربا، ولا يحسوا لها أثرًا ملموسًا في نفع بني الإنسان، فقال له: إنه خرج مع طائفة من صحبه إلى نزهة خلوية تطهو طعامها على نار مستمدة من الكهربا: «ويشتعل فيها الكحول بشرارة تعبر النهر من شاطئ إلى شاطئ بغير موصل غير الماء، ويقتل فيها ديك رومي بالهزة الكهربية، وينضج على سفود تديره الكهربا أمام نار مقدوحة من القناني الكهربية، وعما قليل يستطاع أن يشرب نخب الكهربيين المشهورين في إنجلترا وهولندا وفرنسا وألمانيا في أكواب مكهربة ترعش الشفاه قليلًا عند مساسها بفعل التيار المنبعث من بطرية كهربية.»٣

ومنافع الكهربا اليوم لا تحصى، ولا يضارعها شيء مما كان يستخدم قبلها في الصناعة وتيسير أعمال الناس أو تيسير الأعمال للملايين من المهندسين والصناع والتجار والوسطاء بين الصناعة والتجارة، ولكن فرنكلين استطاع أن يقنع العالم بفائدة لها تساوي جهود المئات من العلماء في المئات من السنين؛ لأن العمود الذي اخترعه للوقاية من الصواعق قد وازن تلك الجهود وأربى عليها، ولم يوازنها ويرب عليها عند الذين أصابتهم الصواعق أو تعرضوا للإصابة بها حيث يتتابع نزولها، بل هو قد وازنها وأربى عليها عند الملايين من الذين لا يتعرضون للصاعقة، ولا يعرفون منها إلا اسمًا يهول ويتردد في مقام الإنذار والوعيد، ووازنها وأربى عليها عند أرباب الخيال الذين تصورا جوبيتير على السحاب وتصوروا فرنكلين على الأرض ندين يتبارزان، ويخلع الند البشري منها سلاح الند السماوي المقدس في ملاحم الشعر ومزاعم الأساطير.

ولم يعدم المازحون قائلًا يقول: «إن عمود الصواعق قد صب على فرنكلين صواعق الغضب والنقمة من عاهل في الأرض يناظر جوبيتير في السماء، ذلك هو جورج الثالث ملك إنجلترا في أيام الثورة الأمريكية». فإنه كره أن يشيع في العالم اختراع رجل ثائر على التاج ولم يقدر على منعه وتحريمه؛ لأن خوف الناس من صواعق السماء أعظم من كل خوف يخافونه من صاحب التاج، فتوسل بكل وسيلة يقدر عليها لهزيمة فرنكلين في هذا الاختراع.

وكان فرنكلين على طريقته البسيطة قد عرف أن كهربا السحاب تنجذب إلى الموصل السهل فتسري فيه ولا تصطدم بعائق على الأرض تنفجر الصاعقة من جراء المصادمة بينها وبينه، فاختار لجذب الكهربا السحابية وتوصيلها إلى الأرض بغير عائق وبغير مصادمة عمودًا قائمًا ينتهي إلى أسلاك صالحة للتوصيل بالكهربية الأرضية، وفضل العمود المسنن على العمود المستدير من أعلاه؛ لأنه يقلل المصادمة وبواعث الانفجار.

فلما ثبتت فائدة العمود لمنع الصواعق نشب الخلاف على الرأس المسنن والرأس المستدير أيهما أسلم في الوقاية وأصلح في تحقيق النظرية العلمية، فأوعز الملك إلى سير جون برنجل Pringle رئيس مجمع العلوم أن يفضل العمود المستدير على العمود المسنن، ونقل المسألة من ميدان العلم إلى ميدان السياسة وواجبات الولاء والطاعة، فأجابه العالم النبيل بالجواب الذي يستحقه وألقى إليه في جوابه أن قوانين الطبيعة لا تخضع للمراسيم الملكية، واعتزل العمل في منصبه الرفيع إيثارًا للأمانة العلمية على الحظوة والجاه، وشاعت يومئذ في إنجلترا أبيات من الشعر خلاصتها أن صواعق الغضب التي تملكها أيها الملك جميعًا لا تنفعك إذا أردت أن تجاوز الحد The point وهي كلمة في الإنجليزية ترادف معنى السن والنقطة وتقابل في هذا المقام معنى الدائرة والكتلة، يريد الناظم بذلك حد العمود المسنن الذي فضله فرنكلين ووافقه على تفضيله كبير العلماء، ومعه سائر العلماء.

ومباحثه العلمية التي لم تشتهر هذه الشهرة منوعة في جوانب منوعة من الحياة العامة والخاصة، أحاطت بالعلاج الكهربي وعلاقة الصحة بالعرق والتبريد بالتبخير، وفنون شتى من الاستشفاء بالوسائل الطبيعية، وشملت البحث في غازات المستنقعات وحفائر الأرض وسرعة السفن في الماء الضحل والماء الغزير، ولغات القبائل البادية في أمريكا الشمالية، وإشارات التخاطب بين النمل والحشرات، ومستقبل الطيران ومستقبل علم الضوء على اعتبار الضوء حركة من حركات التموج في الفضاء، ولم يدع البحث في التشريح ووظائف الأعضاء وأساليب التطبيب، ولا في الموسيقى وفن الإيقاع ولا في الألوان والأشكال، وجرى في هذه المباحث كلها على وتيرته المعهودة من تسخير المعرفة للمنفعة وتطبيق النظريات على الوقائع المتداولة، وهي عادة ذهنية لا تعيب التفكير العلمي الصحيح إلا إذا كانت المنفعة المقصودة منفعة شخصية ينسى المرء في سبيلها منافع أبناء نوعه وحقائق العلم أو قوانين الطبيعة، وتلك هي الخلة التي برئ منها هذا العقل العلمي المطبوع، فكانت فائدة بني الإنسان أجمعين مقدمة لديه على كل فائدة، ولم يكن نصيبه من هذه الفائدة الكبرى غير الفتات على المائدة.

وقد ظهر موقفه من المباحث النافعة في اختراعه للموقد الذي سمي باسمه ويعرف الآن باسم موقد فرنكلين، على ما دخل عليه بعد ذلك من التعديل والتحسين.

فهذا الموقد من الآلات التي يمكن أن تصنع بالمئات والألوف، ويحتكرها المخترع فلا تباع إلا من مصنعه أو بإذن منه، وكان تعويل الأمريكيين قبل اختراع هذا الموقد على كوانين المداخن التي تستنفد الكثير من الوقود، وتضيع الكثير من الحرارة المستفادة منه. وتصيب المستدفئين بكثير من الأضرار؛ لأنها تدفئ الجانب المواجه لها من الجسم والجانب القريب إليها من الحجرة، وتدع الجسم كما تدع المكان مختل التوازن في درجات الحرارة مع غلاء الوقود الضائع، وشدة الحاجة إلى الدفء والوقاية من البرد في الشتاء، وشدة الحاجة إلى المواقد على العموم لمطالب الغذاء وغيره من اللوازم البيتية.

فاخترع فرنكلين موقدًا يوضع وسط الحجرة، وينقل إلى حيث يشاء الساكن، ويحفظ الحرارة كلها للتدفئة، ويرسل الدخان إلى المدخنة من أنبوبة تركب عليه وترفع منه على حسب الحاجة، وأراد حاكم المدينة أن يكافئه على هذا الاختراع، فكتب له تسجيلًا باحتكاره، وقرر أن يحرم صنعه وبيعه بغير إذن من مخترعه، فشكره فرنكلين واعتذر من قبول هذا التسجيل، وقال في اعتذاره: إنه ينتفع هو وأبناء عصره بمخترعات الأقدمين، ولا يؤدون إليهم ثمنًا لمنافعها الجزيلة، فمن الإنصاف أن ننفع إخواننا وأبناءنا بما نهتدي إليه من المصنوعات والمخترعات بغير جزاء.

ولم يجهل فرنكلين وهو يعتذر هذا الاعتذار أن الشهرة الأدبية غير مضمونة للمخترعين والباحثين، وليست عوضًا خالصًا من الحسد والادعاء، فقد كان أعلم بالطبيعة الإنسانية من أن ينخدع هذه الخديعة، وكان يكتب إلى صديقه جون ليننج Lining بعد ظهور العشرات من مخترعاته فيقول: إن الحسد يأبى على المنافسين أن يعترفوا للمخترع بفضل اختراعه، وإن الغزو يسول لهم بعد ثبوت نفعه أن يدعوه لأنفسهم ويكابروا في الدعوى فيصدقهم الحساد والجهلاء، وإنه ما من إنسان مالك لقواه العقلية يتمنى لصديقه أو لولده أن يشتغل بالاختراع.٤

ولعله من مصداق ما تقدم في كل معنى من معانيه حوار الدكتور جونسون وتلميذه بوزويل عن تعريف فرنكلين للإنسان.

قال بوزويل: «أحسب أن تعريف الدكتور فرنكلين للإنسان تعريف حسن: حيوان صانع للآلات.»

والذين قرءوا مفكرات بوزويل عن أحاديث الدكتور جونسون يعلمون أن الأستاذ لم يسمع من تلميذه فكرة إلا سارع إلى مخالفته فيها، وأنه لم يكن من عادته أن يمنح موافقته لشيء من الأشياء بغير اعتراض.

وعلى هذه العادة أجابه الدكتور قائلًا: «لكن كم من الناس لم يصنع آلة قط، وهب إنسانًا بغير ذراعين، فإنه لا يقدر على صنع آلة من الآلات؟»

إن تعريف فرنكلين للإنسان في الحقيقة أصدق تعريف له وأوفاه بالشرط الجامع المانع في التعريف، فما من فارق بين الإنسان والحيوان أوضح وأثبت من قدرة الإنسان على صنع الآلة واستخدامها، وهذه القدرة هي المقصودة بتعريف فرنكلين لا وجه للاعتراض عليها بتفاوت الناس فيها. فليس الاعتراض الصالح على تعريف الإنسان بالحيوان الناطق أن بعض الناس لا ينطقون ولا يفكرون، وأن بعضهم يولدون بُكْمًا أو مجانين، وليس من الاعتراض الصالح على تعريف الإنسان بالحيوان الاجتماعي أن يشذ بعض الناس ويتأبد في الخلاء وينفر من الاجتماع، ولكن العبرة من هذه القصة أوسع وأدق من أن يحيط بها تعليق واحد، وكفى منها هنا أن تبرز قدرة العقل العلمي المطبوع على التعريف وإقامة الحدود والفوارق، وأن تبرز تلك الرابطة الوثيقة في طبيعة فرنكلين بين الإنسانية وصنع الآلات، وأن تبرز مع هذا وذاك سهولة الإنكار حتى من الفضلاء!

ولم يقنع فرنكلين بخدمة العلم بفكره منفردًا مستقلًّا عن القادرين على خدمة العلوم في بيئته وعصره، فأنشأ نادي «الجاتنو» الذي أصبح مجمعًا للعلوم والآداب، ثم أصبح بعد ذلك جامعة بنسلفانيا القائمة إلى اليوم، ونظم الجماعة الفلسفية الأمريكية، كما نظم أول مكتبة عامة تقتني الكتب بالشراء والاستعارة وتعيرها القراء ومن يحتاجون إلى المراجع من أصحاب المباحث والدراسات، وقد كافأته الجماعة الفلسفية على غيرته العلمية وجهوده في نشر المعرفة، وتمكين العلماء من نشرها بانتخابه رئيسًا لها مدى الحياة، وهو تقدير من النخبة المختارة يفوق التقدير الذي يلقاه طلاب الرياسة في مناصب السياسة، وكان فرنكلين فخورًا به متعزيًا به عما كان يلقاه من حساده الأقوياء من البخس المتعمد ونكران الجميل.

ومهما تتعدد جهوده ومشاركاته في الأدب والسياسة والاجتماع، فليس من الحصر الذي يزري بها أن نقول: إنها كانت في جملتها وتفصيلها جهود العالم المطبوع، بذلك المعنى الذي افتتحنا به الكلام في هذا الفصل عن فرنكلين العالم، وزبدته أن الملكة العلمية لم تفارقه قط في تلك الجهود والمشاركات.

١  Famous American Men of Science by Crowther.
٢  Men of Science In America By Bernard Jaffe.
٣  من كتاب «بنيامين فرنكلين» الأمريكي الأول تأليف «برلنجيم» Benjamin Franklin The First Mr. American by Burlingame.
٤  من كتاب «بنيامين فرنكلين» الأمريكي الأول تأليف «برلنجيم» المتقدم ذكره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١