تقويم ريتشارد المسكين

جرت عادة التقويميين في أيام فرنكلين على إصدار تقويماتهم خلال شهر أكتوبر من السنة السابقة لتاريخ التقويم، ولما صحت نية فرنكلين على إصدار تقويمه لم يتيسر له إصداره في ذلك الوعد، فتأخر إلى التاسع عشر من شهر ديسمبر، ولكنه سبق التقاويم التي ظهرت قبله إلى بيوت القراء، وجيوبهم، وعوض ما فاته من مسافة الزمن بالأسلوب المبتكر الذي قربه إلى قلوب قرائه، فأصبح في صحبة كل قارئ منهم، كأنه الصديق المؤتمن الذي يرجع إليه للاستشارة في مشكلات العيش، كما يرجع إليه للسؤال عن التواريخ والمواقيت.

وقد سماه تقويم «ريتشارد المسكين» وصرح فيه بفقره وحاجته إلى حظ من الرزق يرجوه من رواج ذلك التقويم، فنجح في كسب زمالة القراء، كما نجح قبل ذلك في كسب كل زمالة صالحة فيمن يلقاهم ويلقونه من الصحاب والأعوان، ونظر إليه كل قارئ من طلاب الرزق في القارة الجديدة نظرته إلى صاحب يعرف ما يعنيه ويحتاج إلى مثل حاجته من السعي والتدبير والعمل بالتجارب والوصايا من غير منٍّ ولا استعلاء، إذ كان القارئ يتخيل ناصحه في صورة الزميل الذي يبتلى بمثل بليته ويعرف الحكمة من ضنك الحياة، ولا يدعي عرفانها من تفوق في الرأي أو مزية في العلم والدراسة.

قال في فاتحة التقويم الأول: «لقد كان في وسعي هنا أن أحاول كسب الحظوة عندك بدعواي أنني لا أكتب هذه التقويمات إلا رغبة مني في خدمة المصلحة العامة، ولكنني إذا زعمت هذا لا أخلص القول، وهو من زخرف المقال الذي بلغ من يقظة الناس في هذا الزمن أنهم يقبلونه، أما حقيقة الأمر على جليتها، فهي أنني فقير جد فقير، وامرأتي الطيبة، كما أقول لها، جد متكبرة، وهي تهيب بي قائلة أنها لا تستطيع أن تعكف على مغزلها، ولا تراني أعمل شيئًا غير النظر في النجوم، وتوعدتني غير مرة أن تحرق جميع كتبي وكل ما عندي من تلك الفخاخ، كما تسمي آلات الرصد والحساب، إن لم أستطع أن أصنع بها شيئًا ينفع أهلي، وقد سمح لي الطابع بحصة قيمة من الربح، وبدأت من ثم في الاستجابة لما أمرت به سيدتي.»

ووضحت مزية هذا التقويم من سنته الأولى على سائر التقاويم بما احتواه من حشو الفراغ ونوافل الكلمات التي لا شأن لها بالتاريخ والتوقيت، ولكنها ذات شأن نافع في التوجيه والانتفاع بالأوقات، وعابها بعض النظراء والمنافسين على ما يظهر بما فيها من النكات والمضحكات، فأراد فرنكلين أن يقنع قراءه بفضل هذه الزيادة، وأنها لا تقتطع شيئًا من حق القارئ في الزاد المفيد، بل تسوغ له مذاقه وتساعده على هضمه، فقال في مقدمة التقويم لسنة ١٧٣٩: «لا تقلق أيها القارئ الرصين الوقور إذا رأيت بين عبارات الجد الكثيرة في تقويمي هذا نتفة هنا أو هناك من أحاديث الهزل والبطالة. ففي كل صحفة طهوتها لك كفاية من اللحم للوفاء بنقودك، وهنا وهناك قدد من مائدة الحكمة تعود مع حسن الهضم بالغذاء الجيد إلى لبك، ولكن المعدات المتعللة لا تطيق الأكل خلوًا من التوابل والمشهيات، ولعلها في الحق لا تنفع بشيء في غير هذا الموضع، ولكنها تعين على تناول الطعام.»

ولم يكن تقويم ريتشارد المسكين باكورة فرنكلين في عالم الكتابة؛ لأنه بدأ الكتابة كما تقدم في صحيفة أخيه وهو في نحو السادسة عشرة، فأتى فيها بما يفوق محصول أمثاله من خبرة العمر ودرجة التعليم، وقد أخذ في كتابة التقويم وهو في نحو السابعة والعشرين بعد أن مضى عليه أكثر من عشر سنوات يمارس صناعة القلم ويكتب الرسائل والفصول، ولكنه اختار لعبارات التقويم — أو لمعظمها — أسلوب جوامع الكلم، وهو أدق الأساليب، وأحوجها إلى الفهم المستقيم والتعبير المحكم والإيجاز البليغ مع البساطة والوضوح، فكانت جوامع كلمه في تقويماته خير دلالة على الكاتب بلفظها ومعناها، ورسمته لمن يريد أن يفهمه رسمًا لا تزيد عليه كتاباته الأخرى شيئًا غير التفصيل والتوكيد.

ففي أسلوبها اللفظي دلالة على ملكة التعبير وقدرة على النفاذ إلى الجوهر واجتناب الفضول، وفي أسلوبها المعنوي دلالة على الدراية العملية والسجية السمحة والعقل الحصيف الذي لم يقف بالمعرفة قط دون التطبيق المفيد، فإذا صح قول القائلين: إن الأسلوب هو الرجل فهو أصح ما يكون على فرنكلين، وأصح ما يكون على فرنكلين نفسه في «جوامع الكلم» وما شابهها من الحكمة الناجزة والخبرة المركزة، وليس من النافع أن نطيل التساؤل عن مصدر هذه القدرة على البيان الصحيح؛ هل كان الفضل فيها لملكة التعبير وذخيرة الكاتب من المفردات والأساليب؟ أو كان الفضل فيها لصواب الفهم وأصالته في استخلاص المعاني الجوهرية من الحواشي والفضول؟ فمهما يكن من فضل ملكة التعبير فهي لا تغني عن صواب الفهم، ومهما يكن من صواب الفهم فهو مفتقر إلى التعبير المبين، وجماع القول أن الكاتب أحسن تعبيرًا؛ لأنه أصاب فهمًا، وأصاب قبل كل شيء في فهم رسالة التعبير وأداته وما يعينه عليه.

ونحن نتوسع في النقل من تقويمات ريتشارد المسكين؛ لأنه كتبها في عدة سنوات تمتد من شبيبته إلى كهولته، ولأنها أدل كتاباته عليه في جوانبه الخلقية والعقلية، وما من صفة اشتهر بها هذا النابغة المتعدد الجوانب إلا رأيتها بارزة ناطقة في بعض كلماته التي تناثرت بين هذه التقويمات، ويكفي أن يتصفح القارئ جملة منها لتثبت في روعه صورة رجل معتدل المزاج، سمح الطباع، متزن العقل، بعيد النظر، صادق الملاحظة، خبير بالموازنة بين الاحتمالات المتفرقة والأطراف المتعارضة، موفور الحظ من ملكة التعبير في أسلوب يجمع بين الصواب والفكاهة، وهكذا كان فرنكلين في جميع أطوار حياته، وفي جميع ما تولاه من المهام والأعمال.

وسنكتفي من أمثاله ومأثوراته في التقويمات بطائفة مما أورده الأستاذ كارل ڤان دورن١ أكبر المترجمين له والمشغولين بجمع آثاره، ونزيد عليها قليلًا مما لم يورده ورأينا فيه تتميمًا لمختاراته، ثم نختم منتخبات التقويم بفصل عن كسب الثروة يدل على أسلوبه في مطولاته وفي سائر المطولات.
وهذه هي مأثوراته التي تدخل في جوامع الكلم والأمثال:
  • ما تلاقى الطمع والسعادة قط، فكيف يتعارفان؟

  • الفقر يطلب بعض الأشياء، والترف يطلب كثيرًا من الأشياء، والطمع يطلب جميع الأشياء.

  • في الدنيا سكيرون مدمنون أكثر من الأطباء المزمنين.

  • ليست الثروة لمن حواها، وإنما الثروة لمن تملاها.

  • هل لك فضيلة؟ جمِّلها إذن بزينة الفضيلة وشمائلها.

  • ليس أحلى من الشِّهاد إلا المال والعتاد.

  • الملوك والدببة كثيرًا ما تتعب حراسها.

  • قلب الأحمق في فمه، وفم الحكيم في قلبه.

  • ما من عدو بالعدو الصغير.

  • من يسرع في الشراب يبطئ في الحساب.

  • اصنع جميلًا لصديقك كي تبقيه، واصنع جميلًا لعدوك كي تقربه وتدنيه.

  • حيث يوجد الزواج بغير حب، يوجد الحب بغير زواج.

  • من كان غنيًّا فلا حاجة به إلى التقتير، ومن كان مقترًا فلا حاجة به إلى الغنى.

  • لا تستحسن من يستحسن كل ما تقول.

  • أسرة الحمقى عريقة.

  • انظر أمام، وإلا وجدت نفسك وراء.

  • تقف الأكذوبة على قدم واحدة، وتقف الحقيقة على اثنتين.

  • البطء والصمت فضيلتان من فضائل الحمقى.

  • أنكر نفسك في سبيل نفسك.

  • الهرم في الشباب يكون شبابًا في الهرم.

  • السمك والضيوف تفوح لهم رائحة بعد ثلاثة أيام.

  • الدهشة وليدة الغباء.

  • ليس للمساومة أقارب ولا أصدقاء.

  • من يملك الصبر يملك ما يريد.

  • ما من واعظ أوعظ من النملة، وهي لا تنبس بكلمة!

  • لا يخلو الغائب من خطيئة، ولا الحاضر من معذرة.

  • الفقر، والشعر، واللقب عرضة للساخرين.

  • ريفي بين محاميين سمكة بين قطتين.

  • الحب، والسلطان يكرهان الأقران.

  • شر دواليب المركبة أعظمها ضجيجًا.

  • اكتب مع العلماء، وانطق مع الدهماء.

  • إذا شئت ألا تُنسى في جدثك، فاكتب ما يستحق أن يقرأ، أو اعمل ما يستحق أن يكتب.

  • لا تؤجل مسعاك الحسن، ولا تكن كالقديس جورج يمتطي جواده أبدًا ولا يسير.

  • كما نحاسب على كل كلمة سخيفة نحاسب على كل صمت سخيف.

  • دع المسرات تتبعك.

  • الزمن عقَّار يداوي كل داء.

  • إذا علمنا القدماء ما هو أفضل، فليعلمنا المحدثون ما هو أوفق.

  • بيت بغير امرأة، ولا وقاد، جسد بغير روح ولا فؤاد.

  • لا القلعة ولا الحسناء تثبت طويلًا بعد المفاوضة.

  • زوج ابنك حين تريد، وزوج بنتك حين تستطيع.

  • افتح عينك كلها قبل الزواج، ولا تفتحها كلها بعده.

  • الحمقى يبسطون الموائد والحكماء يأكلونها.

  • تبكير في النوم، وتبكير في اليقظة صحة، وثروة، وحكمة.

  • احفظ دكانك، ودكانك يحفظك.

  • الكيس الفارغ لا يقف مستقيمًا.

  • التجربة مدرسة غالية، ولكن الحمقى لا يتعلمون في غيرها.

  • المفتاح المستعمل لماع.

  • لأجل مسمار ضاعت الحدوة، ولأجل حدوة ضاع الحصان، ولأجل حصان ضاع الفارس.

  • الانتقال ثلاثًا نكبة كنكبة الحريق.

  • مطبخ سمين وصية هزيلة.

  • ثلاثة يحفظون السر إذا مات منهم اثنان.

وهذه نماذج من حكم التقويم قد اجتهد كارل ڤان دورن أن يوفي بها التمثيل لما جاء منها في التقويم على مختلف السنين، ولكن حكم التقويم على الخصوص كانت أكثر المأثور من كلام فرنكلين تفرقًا بين تراجمه المطولة أو الموجزة، وإن كان بعضها مقصورًا على دراساته العلمية أو مساعيه السياسية، وهذه طائفة أخرى منها نجمعها من هنا، وهناك لندل على ملازمتها لذكره في عصره وبعد عصره وعلى اتساع نطاقها في الإعراب عن مختلف الأمزجة والأهواء:
  • من لا يقدر على الطاعة لا يقدر على الأمر.

  • تدبر طويلًا في اختيار الصديق، وتدبر أطول من ذلك في تبديله.

  • حسن يُعمل خير من حسن يُقال.

  • خير لك أن تضار مرات من أن تضير مرة.

  • الهمة أم الحظ السعيد.

  • الجهل لا يعيب الإنسان كما يعيبه ألا يقبل التعليم.

  • بم تعبد الخالق؟ بالإحسان إلى الخلق.

  • إذا كان رأسك من الشمع فلا تمش في الشمس.

  • فضيلة وحرفة خير ميراث للوليد.

  • القدوة الصالحة أبلغ العظات.

  • لا تحكم على ثروة الإنسان، ولا على تقواه بسيماه في يوم الأحد.

  • من نام مع الكلاب تيقظ مع البراغيث.٢
  • الأحمق من يجعل طبيبه وريثه.

  • الشجاع والحكيم يعذران حيث لا يتسع للرحمة قلب المغفل والجبان.

  • الفرصة أنجح غواية.

  • من يعشق نفسه فليس له مزاحم في الغرام.

  • عين المعلم أقدر من يمينه.

  • ساعديني يا ذراع فليس عندي ضياع.

  • حراث على قدميه أشرف من سيد على ركبتيه.

  • ليس الكرم أن تجزل العطاء، الكرم أن تعطي في موضع العطاء.

  • أخفى الحماقات حكمة أفرطت في الدقة.

  • الملح مع حكماء يونان أجمل طعامًا من السكر مع ندماء الطليان.

وليست هذه الحكم جميعًا من ابتكار فرنكلين، ولكنها خليقة كلها أن تنسب إليه؛ لأنه يصبغها بصبغته، ويلمسها بعصاه، ويقولها كما ينبغي أن تقال في نظره، وإن جاءت قبل ذلك في معناها على لسان غيره.

وقد أشار «ڤان دورن» إلى الحكم المستعارة من هذا القبيل، فذكر منها بعض الشواهد على منهج فرنكلين في تحويل الحكم المستعارة إلى أسلوبه وتصحيحها بذلك وفاقًا لتفكيره وتعبيره، ومنها الحكمة الأيقوسية التي تقول: «الخزنة السمان عمال عجاف» فإنه يقتبس معناها فيقول «مطبخ سمين وصية هزيلة»، ومنها الحكمة الشائعة التي تقول: «ثلاثة يحسنون النصيحة إذا غاب منهم اثنان»، فإنه يتعهدها بما عنده من فرط الأناة والحذر فيقول: «ثلاثة يحفظون السر إذا غاب منهم اثنان».

وقس على ذلك سائر الحكم من هذا القبيل وهي ليست بالكثيرة، فقد حرص في كل ما أثبته من نصائح التقويم أن يتقبلها قراؤه ويشعروا بمنفعتها وموافقتها لأحوالهم التي هي في الوقت نفسه أحواله من أكثر الوجوه، وقد كان الأغلب الأعم من وصاياه يدور على فضيلة القصد والحزم، وهما ألزم الصفات لطلاب الرزق من العصاميين والغرباء الذين لم يتأصلوا بعد في البلاد، ولعله لم يكن في معيشته قدوة في القصد والحرص على المال، أو لعله أصاب حين قال: إن القصد الذي حرمه قد تعوضه من تدبير امرأته وربة بيته، ولكنه كتب ما يود أن يتبعه ويود كل قارئ مثله لو وفق لاتباعه، فكان لسانًا ينطق بما يجيش في كل ضمير.

قال الحكيم اللاهوتي هوثورن Hawthorne الذي خطب في ذكراه (سنة ١٨٤٢):

أشك في أن الكشوف الفلسفية التي كشفها فرنكلين على جلالتها، أو الخدمات السياسية التي قام بها على اتساعها، كانت تكسبه كل هذا الصيت البعيد الذي أحاط باسمه لولا تقويم ريتشارد المسكين، فهو أجدى من كل عمل سواه في إذاعة ذكره بين جمهرة الناس، فإنه بكتابته تلك الحكم التي كانت تحسب من كلام ريتشارد المسكين، قد أصبح المستشار الناصح الأمين لكل بيت في أمريكا على التقريب، ومن ثم كان أعظم أعماله وداعة وتواضعًا أعظمها عائدة عليه بالصيت البعيد.

ويشتمل التقويم كما تقدم على نمط آخر من النصائح المعيشية التي تشتمل عليها التقاويم عادة، ولكنها مطولة بعض التطويل يشغل بها مكان المقدمة ويتخللها بالملح واللواذع المضحكة على أسلوبه في الحكم الصغار، ومن قبيل هذه النصائح المطولة مقاله عن «السبيل إلى الثروة» الذي أضافه إلى ترجمته في طبعاتها الأخيرة، وقد احتال فيه على إعادة بعض الحكم القصار بلسان الرواية من باب المراجعة والتذكير.

قال في مقدمة التقويم لسنة ١٧٥٨ وقد سماه في هذه الفترة تقويم ريتشارد المسكين «في التحسين!»:

أيها القارئ المهذب

سمعت أنه ما من شيء يدخل السرور على قلب المؤلف كأن يرى المؤلفين العلماء يعنون باقتباس كلامه، ولكنه سرور قلما استمتعت به؛ لأنني وإن كنت — بغير ادعاء أو غرور — قد أصبحت من مؤلفي التقاويم المعدودين منذ ربع قرن، لا أجد إخواني في هذه الصناعة — ولا أدري لماذا — يجودون عليَّ بالثناء والتنويه، وما من مؤلف آخر عني بذكري في بعض كلامه، فلولا ما أصيبه من الخير من كتابتي لكان نقص الثناء خليقًا أن يثبطني ويفت في عضدي.

وآل بي الأمر إلى الاعتماد على قضاء الناس وتقديرهم لعملي دون غيره؛ لأنهم يشترون كتبي وأسمع منهم من يقول حيث لا يعرفني أحد خلال طوافي بالمدينة: «كذلك قال ريتشارد المسكين» فأشاع ذلك في نفسي مع توالي الأيام شيئًا من الرضا؛ لأنه لا يدل على العناية بآرائي وحسب، بل يدل مع ذلك على أنني قد أصبحت مرجعًا لهم يستشهدون به ويعتمدون عليه، وإنني لأقر هنا أنني في سبيل الحض على ذكر تلك الحكم وتكرارها، طالما استشهدت أنا نفسي بكلامي في جد وتوقير.

وعلى هذا تستطيعون أن تقدروا مبلغ اغتباطي بالقصة التي سأرويها لكم فيما يلي: وقفت حصاني أخيرًا حيث كانت جمهرة من الناس تتجمع في بعض الأسواق، ولم تكن ساعة البيع قد حانت بعد، فأخذوا يتحدثون بينهم عن سوء الحال وأومأ أحدهم إلى شيخ من عامة الجمع نظيف البزة فسأله: بربك أيها الأب إبراهيم، ما ظنك بهذه الأحوال؟ أليست هذه الضرائب الثقيلة وشيكة أن تفضي بالبلد إلى الخراب؟ فكيف ترانا قادرين على أدائها؟ وبماذا تنصح لنا في أمرها؟

فقام إبراهيم في مجلسه وأجابهم قائلًا: «إن أردتم نصيحتي فهأنذا أمحضكم إياها في كلمات وجيزة؛ لأن الكلمة فيها الكفاية للعاقل، وكثير من المقال لا يملأ المكيال كما يقول ريتشارد المسكين، فأقبلوا عليه يستمعون إليه ورجوه أن يكاشفهم بجلية رأيه، فقال: أيها الصحاب، أيها الجيران، إن الضرائب لثقيلة حقًّا، ولو كانت ضرائب الحكومة وحدها هي التي نطالب بها لكان من الميسور لنا سدادها، ولكننا ننوء بضرائب شتى يتضاعف ثقلها على بعضنا.

فنحن مثقلون بضعفيها من جراء كسلنا، ومثقلون بثلاثة أضعافها من جراء كبريائنا، ومثقلون بأربعة أضعافها من جراء حماقتنا، وكلها من الضرائب التي لا يستطيع الجباة أن يخففوها عنا بالتقسيط أو النسيئة، فعلينا إذن أن نصغي للنصيحة الحسنة، ونترقب من ثم شيئًا ينفعنا، فإن الله في عون من يعين نفسه كما قال ريتشارد المسكين في تقويم ثلاث وثلاثين.

إنها لحكومة قاسية تلك الحكومة التي تسوم رعاياها أن يفرغوا عشر أوقاتهم لخدمتها، ولكن الكسل يسوم الكثيرين منا فوق ذلك لو أننا أحصينا الساعات التي ذهبت منا هدرًا في التواني والتهاون لا نعمل شيئًا، أو نعمل ما ليس بشيء من ضروب اللهو والمجانة، وإن الكسل ليسقم أبداننا مذ كان الركود كالصدأ يبلي منها ما ليس يبليه الجهد والتعب، ولن يزال المفتاح العامل لامعًا كما قال ريتشارد المسكين. وكذلك قال: إننا ما دمنا نحب الحياة، فلا ينبغي أن نفرط في الوقت؛ لأن الوقت هو قوام الحياة، وكم من الوقت نقضيه في غير ضرورة مستسلمين للرقاد ناسين أن الثعلب النائم لا يصطاد دجاجًا، وأن تحت التراب نومًا طويلًا كما قال ريتشارد المسكين.

وإذا كان الوقت أنفس قنية، فتبديد الوقت على رأي ريتشارد المسكين أسوأ ضروب الإسراف، ولن يعود الوقت الضائع ثانية كما قال في عبارة أخرى، وما نسميه الكفاية من الوقت كثيرًا ما ننظر فنراه دون الكفاية. فعلينا إذن أن نمضي قدمًا عاملين، وأن نعمل ما ينبغي أن يعمل فننجز الكثير، ولا نعاني من القلق والهم غير القليل، وكل شيء صعب مع التهاون والكسل، سهل مع السعي والاجتهاد كما جاء في كلام ريتشارد المسكين، ومن فاته التبكير حق عليه العناء سحابة النهار، وأتى عليه الليل ولما ينجز من عمله ما ينجزه المبكرون، وما أحرى الكسل في خطواته البطاء أن يدركه الفقر على عجل، كما قرأنا في تقويم ريتشارد المسكين الذي يقول هذا ويزيد عليه أن ادفع عملك، ولا تدع عملك يدفعك، وأن التبكير في النوم والتبكير في اليقظة صحة، وثروة، وحكمة.

وأحسبني أسمع بعضكم يقول: ألا يجوز للإنسان أن يسمح لنفسه ببعض الفراغ؟ فأنا قائل لك أيها الصديق ما قاله ريتشارد المسكين: أحسن استخدام وقتك إن أردت أن تنعم بقسط من الفراغ، وما دمت لا تضمن دقيقة فلا تقذف بساعة من يديك.

إن الفراغ وقت ينتفع به، وفي وسع الرجل العاقل أن يجد هذا الفراغ وليس ذلك في وسع المتبطل الكسلان، وصدق ريتشارد المسكين حيث يقول: إن حياة الفراغ وحياة الكسل شيئان مختلفان. أفتحسبون أن التهاون يعطيكم من الراحة فوق ما يعطيه العمل؟ كلا؛ فإن ريتشارد المسكين يقول: تأتي المشكلات من الكسل، وتنجم المشقة من الراحة في غير جدوى. وكثير من الناس يودون بغير عمل أن يعيشوا على حيل ذكائهم فحسب، ولكنهم لا يجدون الخزين الكافي من هذه البضاعة، في حين أن الاجتهاد يأتي بالراحة، والوفر والاحترام. ودعوا المسرات تتبعكم والغازل الدءوب عنده «شلة» وافية، وإذا كانت عندي بقرة وشاة فكل عابر يقرئني التحية، كذلك يقول ريتشارد المسكين.

وعلينا مع الاجتهاد أن نثابر وننتظم ونتنبه، وأن ننظر في عملنا بأعيننا ولا نتكل فيه على غيرنا، وصدق أيضًا ريتشارد المسكين إذ يقول: ما رأيت شجرة كثيرة التنقل، ولا أسرة كثيرة الترحال، إلا كانت في ثمراتها دون زميلتها التي تنتظم على حال.

وكذلك يقول: الانتقال ثلاثًا نكبة كنكبة الحريق، وكذلك يقول: احفظ دكانك ودكانك يحفظك، وكذلك يقول: إن أردت أن تنجز عملك فامض أنت وإن لم ترد فأرسل فيه من ينوب عنك، ومن أراد أن يسعد بالمحراث فلا بد له من مقاد أو سياق، وعين السيد أفعل من كلتا يديه، وقلة العناية أفدح ضررًا من قلة المعرفة، وإذا قصرت في مراقبة صناعك، فأنت تفتح كيسك لهم وتتركه، والاعتماد الكثير على الغير يجر الخراب على الكثير، والناس في هذه الدنيا كما جاء في التقويم لا تتحقق لهم النجاة بالثقة والاتكال، بل بقلة الثقة والاتكال، وعناية الإنسان بنفسه هي المجدية عليه، ويقول ريتشارد المسكين أيضًا: المعرفة للدارس والثروة للمعتني كالقوة للجسور المقدام ونعيم السماء للصالح الورع. أو كما قال كذلك: إن أردت لك خادمًا أمينًا وخادمًا ترضاه فاخدم نفسك، وإنه لينصح بالمراقبة والإشراف حتى في صغار الأمور؛ إذ يحدث كثيرًا أن قليلًا من الإهمال يجلب البلاء الكبير، وقد ضاع مسمار فضاعت الحدوة، وضاعت الحدوة فضاع الحصان، وضاع الحصان فضاع الفارس حيث أدركه العدو وقضى عليه، من أجل مسمار في حدوة حصان.

هذا في أمر الاجتهاد — أيها الأصدقاء — وأمر عناية المرء بعمله وموالاته له بنفسه، ولكننا حريون أن نضيف القصد إلى الاجتهاد إذا أردنا أن نستوثق من ثمر اجتهادنا. فإن الذي لا يحسن الادخار كما يحسن الكسب يظل أنفه على المسن طول حياته ويموت وهو لا يساوي فلسًا مما كسب ولم يدخر. وصدق ريتشارد المسكين إذ يقول: إن المطبخ السمين وصية هزيلة، وكم من ضيعة ضاعت لوقتها منذ ترك النساء الغزل في سبيل الشاي، وترك الرجال الحرث في سبيل الكأس.

وإنه ليقول في تقويم آخر: إن أردت الغنى ففكر في الجمع كما تفكر في الطلب، وما استطاعت فتوح الإسبان في أمريكا أن تغنيهم؛ لأنهم بددوا أكثر مما غنموه.

فبعدًا إذن للسرف وعاداته، وأمانًا إذن من الزمن وغدراته، إذ لا يبقى لديكم بعد الخلاص من ربقة السرف ما تجدونه اليوم من علل الشكوى والتبرم بسوء الحال وثقل الضرائب وتكاليف البيوت، وصدق ريتشارد المسكين مرة أخرى فيما قال حيث قال: إن النساء والخمور واللعب والغرور، تنقص من الثروات وتزيد من المطالب والحاجات، وإن تربية رذيلة واحدة تكفي لتربية طفلين، ولعلكم تظنون حينًا أن قليلًا من الشاي أو قليلًا من الشراب أو قليلًا من النفقة يزاد على تكاليف الطعام، أو قليلًا من البذل يزاد على ثمن الكساء أو قليلًا من الدعوات والولائم بين حين وحين لن ينجم عنه شيء كثير. فاذكروا إذن ما يقوله ريتشارد المسكين إذ يقول: حذار من تضييع القليل، فإن ثغرة صغيرة تغرق السفينة الكبيرة، ومن أحب اللطائف والقطائف أقام الحجة للسائل والأفاق، وإن الحمقى يبسطون الموائد والحكماء يأكلونها.

ولنختم الآن هذا الحديث فنقول: إن التجارب مدرسة غالية، ولكن الحمقى لا يتعلمون في غيرها، ولعلهم لا يحسنون التعلم فيها بعد ذلك، فإننا نستطيع أن نسدي النصح، ولا نستطيع أن نسدي الخلق والسجية، واذكروا على كل حال إن الذين يتلقون المشورة لا يتلقون المعونة، وإن الذي يصم أذنيه عن نصيحة الرشد تكسر ركبتاه.»

وهكذا ختم الشيخ حديثه: واستمع إليه القوم، وأقروا الرأي وذهبوا على الأثر يعملون بنقيضه، كأنما كان هذا الحديث موعظة من مواعظ المنابر في المعابد، فما هو إلا أن فتحت السوق وبدأ البيع والشراء حتى تهافتوا على السلع يبذلون فيها المال عن سعة، ولا يبالون تحذيره من السرف وخوفهم من الضرائب الثقال. وألفيت الرجل الطيب قد وعى ما كتبت في تقويماتي، وهضم كل ما دونته فيها خلال هذه السنين الخمس والعشرين، ولا بد أن الإشارة إلى كرة بعد أخرى قد أسأمت كل من سمعها سواي، وإن كانت قد طيبت خاطري وأرضت غروري، مع علمي أنني لم أكن صاحب تلك الحكمة، ولم يكن لي مقدار عشرها، وإنما هي حصاد الأجيال والأسلاف.

على أنني قد عولت أن أنتفع بصداها، وكنت أنوي أن أبتاع قماشًا لسترة جديدة فعدت من السوق معتزمًا أن ألبس سترتي العتيقة فترة أخرى.

أيها القارئ.

إنك إن صنعت مثل صنيعي كان نفعك منه مثل نفعي، وإنني على الدوام رهين خدمتك.

٧ من يوليو سنة ١٧٥٧
١  Benjamin Franklin by: Carl Van Doren.
٢  هذه الأمثال مختارة من كتاب ريتشارد المسكين تأليف «دويرتي» Daugherty.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١