خرافات وحكايات ذات مغزى

نشأت الخرافات، أو الحكايات الموضوعية ذات المغزى في أوقات متقادمة قبل الميلاد بعد قرون، وعرفتها الأمم الشرقية والغربية بأنواعها المتعددة، ومنها الحكايات التي توضع على ألسنة الحيوانات، والحكايات التي توضع على ألسنة مخلوقات عاقلة كالمخلوقات الآدمية مع اختلاف الشكل والفطرة كالجن، والملائكة، والمردة، والأقزام، ومنها الحكايات المنتحلة التي تنسب إلى بعض الأشخاص التاريخيين، أو الذين تدعى لهم صفة تاريخية لإجراء الحكمة القديمة على ألسنتهم، وكل هذه الأنواع كانت معروفة قبل القرن السابع عشر في البلاد الغربية، ولكن هذا القرن — ولا سيما النصف الأخير منه — قد خص بظاهرة منفردة بين القرون الأخيرة، وهي شيوع هذه الحكايات فيه بجميع أنواعها، وانتقال الكثير منها إلى مجال النقد الاجتماعي والآراء التعليمية التي تنزع منزع الحرية وإعادة النظر في حقائق الحياة.

وقد نبغ بين منتصف هذا القرن ومنتصف القرن الذي يليه أعلام بارزون في هذا الفن من الأدب والحكمة من أمثال لافونتين الذي كان يلقب بايسوب الفرنسيين، وأمثال جون جراي الذي كان يلقب بايسوب الإنجليزي، ونبغ في هذه الفترة أمثال فولتير، وسويفت الذين اتخذوا من القصص المخترع وسيلة لنقد المجتمع، وكشف عيوبه منقولة إلى أناس بعيدين، أو أزمنة بعيدة لا تخفى على القارئ وجوه الانتحال والاختراع فيها، وتعليل هذه الظاهرة في أواخر القرن السابع عشر ليس بالأمر العسير؛ لأنه الزمن الذي تفتحت فيه العقول لحرية التفكير، ولم تبلغ مداها من الحرية دفعة واحدة، بل بدأت بالتلميح والكناية، وتدرجت منهما إلى التصريح الذي بلغ حد التهجم في كثير من الأحيان، وهذه الحكايات بأنواعها أداة صالحة للنقد المستور والحرية الفكرية المقنعة، يقبلها المنقودون ولا يتذمرون منها؛ لأنها تسليهم بالفكاهة ولا تخص أحدًا منهم بالهجوم الصريح عليه، ولا تهدد مصلحة معلومة تهديدًا يخشى منه أو تعرف عقباه.

وفرنكلين كعادته سريع إلى اقتباس كل وسيلة من وسائل المعرفة والتعليم «الأبوي» الذي يهدي الجميع، ولا يجرح أحدًا مقصودًا لذاته، وقد اقتبس هذه الوسيلة وتوسع فيها كما نرى من بعض رسائله السابقة، واقتبس الخرافة والحكاية ذات المغزى بأسلوبها القديم مع تجديدها بالاتجاه بها إلى الحكمة الواقعية في زمنه، وقد اخترنا منها هذه الحكايات الأربع؛ لأنها من حكاياته المعبرة عنه وعن شواغل ذهنه وحياته على التخصيص، فمنها حكاية عن الثورة الأمريكية، وحكاية عن حدود العقل الإنساني في طموحه إلى أسرار الكون، وأصول الحياة، وصفات الخالق ومقاصده في خلقه، وحكاية عن عمر الحي كيف يتساوى فيه الدهر الطويل واليوم الواحد عند نهاية الأجل، وحكاية عن السماحة الدينية لها تاريخ خاص بين هذه الحكايات، وهي حكاية إبراهيم الخليل وحواره مع ربه في أمر الكفرة الجاحدين، فهذه الحكاية قد وقع عليها فرنكلين في بعض مطالعاته، ويعزوها بعضهم إلى السعدي الشيرازي شاعر الفرس المعروف، ويقال: إن السعدي نفسه سمعها من أصحاب الإسرائيليات، ولم يزعم فرنكلين قط أنها من تأليفه، ولكنه كان يداعب ضيوفه ويسألهم أن يفرقوا بين الأسلوب الذي وضعها فيه، وبين أسلوب الكتب الدينية التي احتواها العهد القديم، وكان يقول لطائفة منهم أمام بعض القسس أنه سيقرأ لهم الإصحاح الحادي والخمسين من سفر التكوين، ولا وجود لهذا الإصحاح في الكتاب؛ لأنه ينتهي بالإصحاح الخمسين! ولكنها دعابة من دعاباته وعادة من عاداته في محاكاة الأساليب، وكان يعالج هذه المحاكاة في إبان تعلم اللغة الفرنسية ليمتحن نفسه قبل أن يمتحن غيره. وقديمًا صنع ذلك، كما مرَّ بنا، بأساليب أديسون وغيره من الكتاب المحدثين، ولعله لم ينس هنا نزعته القديمة إلى مذهب الربوبية Deism وآراء الربوبيين في طبيعة الوحي الإلهي الذي يتنزل على طبيعة البشر، فإنهم يعتقدون أن مضامين العهد القديم تسجيل توفر عليه الكتاب، والحفاظ لإثبات ما وعوه من الأقوال الملهمة على ألسنة الرسل والأنبياء.
وقد أثارت حكاية إبراهيم هذه ضجة لطيفة في إبان تأليفها وإلقائها، ثم أثارت بعد ذلك ضجة أخرى بعد طبعها وجمعها، وسوَّل الحسد لأناس من شانئيه أن يتهموه بالسرقة الأدبية عمدًا لظهور هذه الحكاية بين أوراقه المجموعة، وعملت الخصومة السياسية عملها في تكبير هذه التهمة، فنشرت في مجلة الخزانة البريطانية British Repository في عدد شهر مايو سنة ١٧٨٨ حملة صحفية ترميه فيها بالسرقة والادعاء، ونفى صديقه فوجان Vaughan هذه التهمة بخطاب أرسله إلى المجلة ونشرته في عدد تالٍ، وكتب فرنكلين نفسه إلى فوجان يعزز مقاله ويعيد قوله في المجلة أنه ينسبها إلى نفسه، وليس له فيها من عمل غير الصياغة، وما أضافه إلى ختامها من الوعد والوعيد،١ فالحكاية — لما أحاط بها من هذه الحواشي جميعًا — أحق الحكايات ذات المغزى بالنقل في هذا السياق.

وهذه هي الحكايات الثلاث …

ملك الغاب

كان للأسد ملك إحدى الغابات جند من الكلاب الأمناء مخلصون له ولدولته، وعلى أيديهم اتسعت تلك الدولة وهابها من حولها جميع الأعداء.

إلا أن الأسد — ذهابًا مع نصيحة السوء من مشيريه — نفر من أولئك الجند، ودانهم بالتُّهم دون أن يستمع إليهم وأمر بِبَارهُ، وفهوده، ونموره أن تغير عليها وتفتك بها فتكًا ذريعًا، وشكا الكلاب فلم يؤبه لهم، ورفضت شكاياتهم بغير اكتراث. فلم يكن لهم بد من الذود عن أنفسهم وحماية حوزتهم، وفعلوا مستبسلين.

وكانت منهم فصيلة مدخولة النسب من سلالة الذئاب والثعالب، أفسدتهم وعود الملك بالمكافآت الجزيلة، فخذلوا سلالتهم وذهبوا إلى معسكر الأعداء.

وانتصر الكلاب أخيرًا، فانعقد الصلح بينهم وبين الأسد أن يصبحوا أحرارًا، وألا يكون له عليهم بعد ذلك من سلطان.

وتعذر على الأوشاب المدخولين أن يرجعوا إلى السكن بين الكلاب، فراحوا يلحون في طلب المكافأة الموعودة، واجتمع من السباع مؤتمر كبير للنظر في هذا الطلب، فاتفق الذئاب والثعالب على عدالة الطلب، وأن الوعود الملكية لا بد من نفاذها، وعلى كل مخلص من رعاياه أن يسهم في تمكين صاحب الجلالة من الوفاء بتلك الوعود.

وخالفهم الحصان وحده، فجهر برأي جريء يجمل بما في طبعه النبيل من الشجاعة والطلاقة، وتصدى لهم قائلًا: «إن الملك قد أساء نصحاء السوء مشورته، وأوغروا صدره على رعاياه الأمناء، وإن وعود الملوك ينبغي أن تنفذ حقًّا إذا وعد بها من يصدقون الخدمة، وكان في إنجازها منفعة للجميع، ولكنها إذا استنفرت رعاياه بعضهم على بعض فهي باطلة من مبدئها، ومن جزاء المحرضين عليها والذين اقترفوا جرائم العدوان والغيلة من جراء ذلك التحريض أن يلقوا أشد العقاب بدلًا من المكافأة وحسن الثواب، ولننظر كيف نقصت قوتنا، وهيض من بأسنا بما أصابنا من فقدان كلابنا، فإذا زينتم للملك أن يحسن إلى الذين قتلوا إخوتهم أقمتم بذلك سابقة تغري من طغى بأمثال تلك الوعود، وأصبحت كل مكافأة ينعم بها أولئك الناشزون المنحرفون توكيدًا لها وتشجيعًا عليها، وتعرض الخيل والبقر كما تعرض الكلاب لشر الوقيعة فيما بينهم والانقسام بين صفوفهم، وتتابعت الحروب الأهلية في ديارنا حتى لا أمان ولا حرية في هذه الغاب، ويحيق بنا الضعف فلا حيلة لنا غير الخضوع والانقياد لكل طاغية يحلو له أن ينكل بنا، وينعم بافتراسنا حين يشاء.»

ولم يخل المؤتمر من عقل وحكمة فأصاخ إلى الرأي الصراح، وقضى برفض ذلك الاقتراح.

أبو معشر الساحر

كبر الفلكي الطيب أبو معشر فكفَّ عن العمل، ولاذ بقمة الجبل، وتجنب عشرة الناس، وأنس إلى أصحابه من المردة والجان الذين يحبونه ويرفهون عنه الوحدة بالأحاديث والأسمار، وما فيها من معارف وأخبار.

وزاره بلوبيل المريد ذات مساء، وهو مارد عظيم تعلو هامته سبعة فراسخ، وينبسط جناحاه على رحاب دولة شاسعة، فاستراح في لطف وهينة على ذؤابات الشجر في الوادي وأسند رأسه إلى جبل قلبون، واستقبل خيمة الساحر الكبير بوجهه المنير.

وتحدث إليه الساحر حديث الخشوع والتقوى عن حكمة العلي الأعلى، وعما في مقاديره من الخير والبركة، وقال للمارد: إن نعمته سبحانه وتعالى أجل من أن يحصيها، وإنه يركض عقله إلى أقصاه، ولا يدرك به الشأو فيما ينقب عنه ويتقصاه.

قال بلوبيل: على رسلك أيها الصديق، ولا تسرف في أمر تلك المزية التي تسميها بالعقل والحكمة، فإنك لو علمت أصلها ولمست مواطن ضعفها، كنت إلى الخجل منها أدنى منك إلى الزهو بها والاتكال عليها.

قال أبو معشر: أنبئني إذن بما لا أعلم، واكشف عني غشاء الجهالة، وسدد فهمي بنور الهداية.

قال بلوبيل: تأمل يا أبا معشر في سلم الخلق من الفيل إلى الصدفة، وانظر إلى درجة منها بعد درجة تجدها قريبًا من قريب حتى لا فجوة بينها ولا تكاد تلمح الفارق بين منازلها ودرجاتها. وإن الناس عامة ليجهلون ما يجهلون، ولكنك أنت — أبا معشر — أهل لأن تعلم ما فوق الفيل من منازل ودرجات إلى غاية الغايات من العظائم والطيبات. فلا فجوة هناك بين خلق وخلق، بل هي درجة فوق درجة وأفق يعلوه أفق، لا يدركها البصر ولا يستوعبها الضمير، ولا يرتفع إليها الطرف إلا ارتد وهو حسير.٢

ذبابة الربيع

وألف فرنكلين هذه الخرافة، أو هذه الحكاية الرمزية ذات المعنى، بعد رحلة خلوية إلى جزيرة مولان جولي Moulin Joli بنهر السين، مع السيدة بريون التي كانت مشغولة — كسيدات المجتمع الباريسي كله — بالحرب الموسيقية بين المدرسة الألمانية والمدرسة الإيطالية، وكان في الرحلة معها طائفة من العلية المهذبين تحدثوا في مسائل شتى من مسائل الأدب، والفن، والفلسفة، وكتب فرنكلين هذه الحكاية ليضمنها عبرة الحياة بعد اليوم الذي قضوه في النزهة، أو بعد الأجل المعدود لأجيال الذباب التي تظهر في موسم الربيع، وتكثر في جزر الأنهار الفرنسية، ولا يطول بها العمر وراء اليوم الذي تولد فيه.
قال وهو يهدي الحكاية، أو العبرة، إلى تلك السيدة:

تذكرين يا صديقتي العزيزة أنني في ذلك اليوم السعيد الذي قضيناه في الحديقة البهجة والصحبة الحلوة عند مولان جولي، قد تنحيت هنيهة عن الزمرة وتخلفت وراءها قليلًا منفردًا بنفسي، وقد رأينا أثناء ذلك عددًا كبيرًا من «الهياكل العظمية» لذلك الذباب الذي يسمونه تارة «بالمنا» وتارة بذباب الربيع، وقيل لنا: إن أجيالًا منه تحيا وتموت وتتعاقب في مدى النهار الواحد، وصادفني جمع من هذا الذباب منعقدًا على ورقة من أوراق الشجر مستغرقًا في الحوار والجدل، وأنت تعلمين أنني بألسنة هذه الخلائق الدنيا خبير.

إن اشتغالي بألسنة هذه الأحياء لهو العذر الذي أعتذر به من التقدم البطيء في تعلم لسانكم الجميل، فأصغيت — بداعي الفضول — إلى حديث المؤتمر، ولم يتيسر لي أن أستوضح جلية القول من كل حديث؛ لأنهم كانوا في اندفاعهم وحمية شبابهم يتكلمون كل أربعة أو خمسة في وقت واحد. إلا أنني أدركت من كلمة هنا وكلمة هناك أنهم يتناقشون في المفاضلة بين الطنين الذي يسمع من إحدى مدارس الذباب الغنائية والطنين الذي يسمع من المدرسة الأخرى، وكانوا مستغرقين في هذه المناقشة كأنهم على ثقة من امتداد العمر بهم شهرًا أو يزيد.

قلت في نفسي: ما أسعد هؤلاء القوم! وقلت كأنني أخاطبهم: لا شك أنكم تعيشون في ظل حكومة رفيقة عادلة، لا تشغلكم بالشكايات والمظالم عن الاسترسال في أمثال هذه الأحاديث عن الموسيقى الأجنبية التي تبحثون في محاسنها أو عيوبها، وأدرت بصري عنهم، فلمحت واحدًا منهم أشيب الرأس منفردًا على ورقة أخرى يناجي نفسه نجاء أعجبني وراقني، فدونته على الورق لساعته.

كان هذا الحكيم الذبابي يقول: إن حكماء أمتنا الذين عاشوا قبلنا منذ عصر بعيد يقولون: إن هذا العالم الفسيح المسمى بالمولان جولي لن يعمر أكثر من ثماني عشرة ساعة، وأخالهم على حق فيما يقولونه؛ لأن هذا النهر العظيم الذي تتولد منه الحياة كلها قد مال في حياتي إلى جانب البحر المحيط حيث يغرق لا محالة، وينطفئ وتخمد معه شعلة الحياة في كل مكان، ويدع هذا العالم الكبير مطويًّا في غمرة البرد والظلام.

ولقد عشت سبعًا من هذه الساعات — عمرًا طويلًا ولا ريب؛ لأنه لا يقل عن أربعمائة وعشرين دقيقة، وما أقل الذين يعمرون منا مثل هذا العمر الطويل! لقد أبصرت بعيني أجيالًا تولد، وتحيا، وتموت، وصحابتي اليوم إنما هم الأبناء والحفدة لمن كانوا صحابة لي في ريعان الشباب، ولم يبق منهم أحد أراه وا أسفاه.

وإني لا محالة لاحق بهم عما قريب؛ فإنني — وإن كنت في صحة وعافية — لن أخرق قانون الطبيعة، ولا مطمع لي في البقاء بعد سبع دقائق أو ثمان. فما غناء هذا العناء الذي عانيته وهذا الشهد الذي جمعته على هذه الورقة حيث أتركه ولا أنعم بمذاقه؟ ما غناء الغزوات السياسية التي غزوتها في سبيل هذه الجماعة على تلك الأجمة؟ ما غناء الفلسفة ومعضلاتها التي تعمقت فيها عسى أن أفيد بها أبناء النوع كله؟ وما غناء القانون في السياسة بغير أخلاق؟

إن جيلنا الحاضر من ذباب الربيع لوشيك أن يخالطه الفساد والمنكر خلال لحظات، ويصبح كغيره وغيره من سكان تلك الأجمات في ضروب الفساد والشقاء، أما الفلسفة، فما أقصر الخطى التي خطوناها في مضمارها! وما أصدق قول القائلين: إن الفن لطويل، وإن العمر لقصير.

ويواسيني أصدقائي، فيذكرون لي السمعة التي سأتركها من بعدي ويقولون لي: أنني استوفيت حكم الطبيعة، وحكم المجد أجمعين. فماذا تجدي السمعة ذبابة قد فنيت وليس لها من وجود؟ وماذا يبقى من التاريخ كله بعد الساعات العشر والثمان، وبعد فناء الدنيا وفناء المولان جولي نفسها في غيابة الظلام والخراب؟

إنني — بعد السعي الحثيث والدأب الطويل — لم يبق لي من متعة في العمر غير التدبر في تلك الأيام الطوال التي أحسنت فيها المقصد والنية، وغير الأحاديث التي أبادلها نخبة من الذبابات الطيبات، وغير ابتسامة من حين إلى حين، أو أغنية في يوم بعد يوم، تجود بهما الحبيبة الحسناء.

إبراهيم والضيف الكبير

وحدث بعد هذه الأشياء أن إبراهيم جلس على باب خيمته قريبًا من وقت غروب الشمس.

ونظر فرأى رجلًا حنته السنون مقبلًا من ناحية البرية، متوكئًا على عكاز.

ونهض إبراهيم واستقبله وسأله قائلًا: بحقك أن تأوي إلى خيمتي أغسل قدميك، وتستريح طول الليل، وتمضي إلى سبيلك عند الصباح.

ولكن الرجل قال: لا، وقال أنه سينام تحت تلك الشجرة.

وكرر إبراهيم الدعوة وألح عليه كثيرًا ليقبل دعوته، فقبل ودخل معه الخيمة وصنع له إبراهيم خبزًا فطيرًا وأكلا معًا.

ولما رأى إبراهيم أن الرجل لم يحمد الرب ولم يتوجه إليه بالصلاة سأله: ما لك لا تعبد الرب العلي الأعلى خالق الأرض والسماء؟

وأجاب الرجل فقال: إنني لا أعبد الإله الذي تتحدث عنه ولا أسبح باسمه؛ لأنني اتخذت لنفسي ربًّا يقيم معي في بيتي ويزودني بجميع الأشياء.

وثارت ثائرة إبراهيم على الرجل فقام ودفع به إلى البرية مشيعًا باللطمات والضربات.

وفي منتصف الليل نادى الرب إبراهيم قائلًا: أين الرجل الغريب؟

وأجاب إبراهيم فقال: إنه لا يعبدك ولا يسبح باسمك، فأخرجته لأجل هذا من خيمتي ودفعت به إلى البرية.

وقال الرب: هل أصبر عليه أنا هذه السنين المائة والثماني والتسعين أطعمه وأكسوه ولا أبالي عصيانه لي، وتأتي أنت صاحب الخطيئة فلا تصبر عليه ليلة واحدة؟

وقال إبراهيم: لا يحم غضب الرب على عبده. لقد أخطأت وأتوسل إليك يارب أن تغفر لي خطيئتي.

ونهض إبراهيم وخرج إلى البرية وبحث عن الرجل بحثًا شديدًا، فوجده وعاد به إلى الخيمة فأكرمه وتلطف له وشيعه في اليوم التالي بالهدايا.

وتكلم الرب مرة أخرى مع إبراهيم قائلًا: من أجل خطيئتك هذه يتعذب أبناؤك أربعمائة سنة في أرض غريبة.

ولكن من أجل توبتك أنقذهم وأخرجهم أقوياء بقلوب فرحة وخير كثير.٣
١  صفحة ١٥٣ من كتاب الخزعبلات Bagatelles.
٢  الحكايتان من كتاب الخرافات الكبرى جمع «كمروف» Great fables, Komroff.
٣  من كتاب الخزعبلات Bagatelles.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١