مرسية

قال ياقوت الحموي: مرسية Murcia،١ بضم أوله والسكون وكسر السين المهملة وياء مفتوحة خفيفة وهاء، مدينة بالأندلس من أعمال تدمير، اختطَّها عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وسماها تدمير بتدمر الشام، فاستمر الناس على اسم موضعها الأول، وهي ذات أشجار وحدائق محدقة بها، وبها كان منزل ابن مردنيش، وانعمرت في زمانه حتى صارت قاعدة الأندلس، وإليها ينسب أبو غالب اللغوي المرسي، يعرف بابن البنَّاء، صنَّف كتابًا كبيرًا في اللغة. ا.ﻫ.

وجاء في صبح الأعشى أن الأندلس عدة قواعد: الأولى غرناطة، والثانية أشبونة، والثالثة بطليوس، والرابعة إشبيلية، والخامسة قرطبة، والسادسة طليطلة، والسابعة جيَّان، والثامنة مرسية، والتاسعة بلنسية، والعاشرة سرقسطة، والحادية عشرة طرطوشة، والثانية عشرة برشنونة (أي برشلونة).

فمرسية هي القاعدة الثامنة، ونقل صبح الأعشى عن تقويم البلدان أن موقعها في أوائل الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول ثماني عشرة درجة والعرض تسع وثلاثون درجة وعشر دقائق. قال في تقويم البلدان: وهي مدينة إسلامية محدثة، بنيت في أيام الأمويين الأندلسيين. قال: وهي من قواعد شرق الأندلس، وهي تشبه إشبيلية في غرب الأندلس بكثرة المنازِهِ والبساتين، وهي في الذراع الشرقي الخارج من عين نهر إشبيلية، ولها عدة متنزهات منها «الرشاقة» و«الزنقات» وجبل «إيل»، وهو جبل تحته البساتين، وبسيط تسرح فيه العيون، ولها مضافات منها مدينة «موله»، وهي في غربي مرسية، ومنها أوريولة وغير ذلك. ا.ﻫ.

وجاء في نفح الطيب: ومن كور الأندلس الشرقية تدمير، وتسمَّى مصر أيضًا؛ لكثرة شبهها بها؛ لأن لها أرضًا يسيح عليها نهر في وقت مخصوص من السنة ثم ينضب عنها، فتزرع كما تزرع أرض مصر، وصارت القصبة بعد تدمير مرسية، وتسمَّى البستان لكثرة جناتها المحيطة بها، ولها نهر يصب في قبليها. (ثم يقول): وأما شرق الأندلس ففيه من القواعد مرسية وبلنسية ودانية والسهلة والثغر الأعلى، فمن أعمال مرسية أوريولة والقنت ولورقة وغير ذلك. ا.ﻫ.

قلت: أما النهر الذي في ناحية تدمير يشبه نيل مصر في فيضه بيوم مخصوص من السنة، فهو الذي بناحية «بيره» فإن لسان الدين بن الخطيب يقول عنها: «وواديها نيلي الفيوض والمدود، مصري التخوم والحدود، إن بلغ إلى الحد المحدود فليس رزقه بالمحصور ولا بالمعدود.» قلنا: وأما مرسية نفسها فلا غوطة غرناطة ولا غوطة بلنسية أسبح من غوطتها في بحر الخضارة والنضارة.

وعلوها عن سطح البحر ٤٣ مترًا، ونفس البلدة لا يزيد أهلها اليوم على ٣٢ ألفًا، ولكن مجموع سكان البلدة وسكان القرى الداخلة تحت إدارة بلدية مرسية ١٢٥ ألفًا، ويمر في وسط مرسية نهر شقورة الذي كان يسمى عند القدماء نهر «تادر Tader»، وهو من أجمل الأنهر، لا يبعد كثيرًا عن محطة السكة الحديدية، وعليه طواحين باقية من أيام العرب، إحدى هذه المطاحن يدور فيها ثلاثون رحى، ومرسية شبيهة أيضًا بدمشق من جهة استبحار خضارتها ونصوع نضارتها، وكون الجبال التي تعلوها مجردة من كل نبات كأنها صخرة صماء محاطة بجنة غنَّاء، وأما هواؤها فكثير التقلُّب، وقد تبلغ درجة الحرارة فيها بعض أيام الصيف ٤٤ بميزان سنتيغراد، وقد بت فيها ليلة واحدة دون غطاء أصلًا والنوافذ مفتوحة، وكان الحر في الليل شديدًا كما في النهار وربما أشد.

وكان نزولي في فندق على ضفة النهر اليسرى، وأمام هذا الفندق ساحة فسيحة، وأمامها جسر معقود على النهر، فبالرغم من شدة الحر انشرح صدري بمشاهدة هذا النهر الفيَّاض الذي لتدفُّق مياهه في وسط تلك الحرارة لذة عظيمة. ولما أقبل العصر وضع أصحاب الفندق كراسي كثيرة في تلك الساحة مما يلي الفندق، فكان الجلوس هناك شهيًّا، وكانت سَوْرة الحر قد انكسرت عما كانت في الظهيرة كما لا يخفى، ووجدت في مرسية أنسًا لم أشعر بمثله في غيرها، لعل السبب في ذلك اعتقادي أنها كانت مدينة عربية صرفة. وأما في الشتاء فقد يشتد البرد في مرسية إلى حد أن بعض نباتها يموت من شدة الصقيع، فإنه يهب عليها في ليالي مارس رياح شمالية قارسة البرد.

وفي مرسية٢ بلدة جديدة على الضفة اليمنى من شقورة وشوارع رحبة وحديقة يقال لها: «جنة فلوريدا بلنقه Floridablanca»، وفي البلدة القديمة ساحة يقال لها «ساحة الدستور Constitucion» تنعقد فيها سوق يومي الأربعاء والسبت من كل أسبوع، فيتداعى إلى السوق الفلاحون من القرى. وأما الكنيسة الجامعة سانتا ماريا فقد كان بناؤها سنة ١٣٥٨، بناها المطران ابن يارَنْدَة في مكان جامع، وأهم ما فيها برج علوه ٩٥ مترًا بناه الكردينال «ماثيو دولَنْقَة de’ Langa»، واشترك في عمله عدة من المهندسين، وإذا صعد الإنسان إلى رأس هذا البرج رأى منظرًا عجبًا يندر نظيره في العالم، فإنه يشرف على وادي شقورة ووادي سنقونيره Sangonera، ويسرح النظر منه حتى لورقة، ويرى الجبال المسماة «فونسانطا fuensanta»، والشارع الأعظم في مرسية يُفضي إلى الساحة المسماة «سانتو دومينيقو» عليها صفوف الأشجار. وفي مرسية شارع يقال له: بلاتيريا Plateria، وهو شارع ضيق فيه المخازن الكثيرة، وفي أيام الصيف يسدلون من فوقه ستائر بيضاء للوقاية من أشعة الشمس المحرقة.

وفي مرسية كنائس كثيرة منها سان نيقولا وسان جوان وسان ميكال وغيرها، وهي في ذلك لا تختلف عن سائر مدن إسبانية التي لا شيء فيها أكثر من الكنائس والأديار والمعاهد الدينية، وأظن أن كثرة هذه المعاهد قد جعلت عند الشعب ما يقال له رد فعل؛ فسئم الأهلون — لا سيما في العصر الحديث — كثرة الكنائس والأديار زيادة على احتياج الناس. ولما أُعلن الحكم الجمهوري في إسبانية من سبع سنوات أحرق الشعب كثيرًا من هذه الكنائس، ولما نشبت الحرب الداخلية من سنتين فتك الشعب بالرهبان والقسيسين وقتلوا منهم ألوفًا مؤلفة، وهدموا من الكنائس ما لا يُحصى عدده.

ثم في مرسية دارُ تحف فيها نفائس أثرية ومسكوكات وتصاوير، وأفخر ما رأيت من المباني في مرسية «الكازينو»؛ فإنه لا يوجد مثله في المدن التي هي أكبر بكثير من مرسية؛ وذلك لأن في مرسية عائلات عريقة في الثروة تملك أكثر هذه البساتين والجنان المدهشة التي لا نظير لها في الدنيا، فهؤلاء الأغنياء من أبناء البيوتات القديمة بنوا هذا الكازينو لأنفسهم، وجعلوا إنشاءه على الطرز العربي، ونقشوا على جدرانه وسقوفه كتابات عربية أشبه بالأزهار.

وفي مرسية شارع اسمه شارع «المنارة» وشارع آخر اسمه «السوقو»؛ أي السوق، وشارع اسمه «الزوقاقي»؛ أي الزقاق، وتوجد قرى كثيرة أسماؤها عربية، بعضها تحرف عن أصله وبعضها باقٍ على أصله العربي، مثل «البركة» و«القرية» وغيرهما، وشاهدت في مرسية حمامًا قديمًا باقيًا من زمان العرب ينزل الإنسان إليه في درج، ولم يكن هذا الحمام كما هو اليوم، بل كان مساويًا لأرض الشارع الذي يشرع بابه إليه، وربما كان أعلى منه، غير أن توالي الخراب بكرور الأيام جعل طبقة من التراب ترتفع في الشوارع شيئًا فشيئًا، بحيث إن الأبنية التي كانت على مستوى الطرق قد أصبحت منحطة عنها. وهذا يحصل في جميع المدن القديمة التي عندما يحفر الإنسان في وسطها يجد طبقات من التراب قد تكاثفت مع الدهر فعَلَتْ مترًا ومترين وثلاثة، ويجد تحتها الجدران والأبنية. وقد كانت هذه من قبل على سطح الأرض. وفي مرسية خزانة آثار عربية دخلتها فلم أجد فيها كبير أثر، بل كل ما هناك أربع أو خمس بلاطات عليها كتابات عربية، منها ما هو بالخط الكوفي، ومنها ما هو بالخط النسخي، وقد أصبح كثير منها غير مستطاع القراءة.

ورأيت في أحد شوارع مرسية صورة للعذراء مريم — عليها السلام — فلما وصلنا ومعي الدليل أمام هذه الصورة، روى لي الدليل قصة تتعلق بهذه الصورة؛ وهي أن النصارى كانوا استولوا على مرسية صلحًا كما هو مذكور في التواريخ (هذا الصلح وقع بواسطة أحمد بن محمد بن هود قصد به حقن الدماء واجتناب خراب مرسية، ودخلها النصارى ظهر الخميس ١٠ شوال سنة ٦٣٦)، وكان هذا الصلح على شروط معيَّنة مبيَّنة كما جرى في غرناطة بعد ذلك بثلاثمائة سنة، وكما جرى في غرناطة أيضًا نَقَضَها ملوك النصارى وقلبوا للمسلمين ظهر المِجَنِّ.

والخلاصة أن مرسية بعد استيلاء النصارى عليها، صارت حارتين؛ حارة للمسلمين وحارة للمسيحيين، فوضع هؤلاء هذه الصورة في حارة المسلمين، وكان المسلمون اشترطوا للصلح حرمة شعائرهم الدينية، فاعترضوا على وضع هذه الصورة في حارتهم، وذهبوا إلى الأمير النصراني الذي في البلدة وطلبوا إليه رفع الصورة من هناك بحجة أنها مخالفة لشروط الصلح الذي وقع؛ فماطلهم الأمير في رفعها، وفي أثناء ذلك توفي وقام مقامه ابنه؛ فذهب المسلمون إليه يتقاضونه قلع هذه الصورة من حارتهم، فأجابهم بأن عملًا لم يعمله والده لا يريد أن يعمله هو. فذهب المسلمون إلى أميرهم، ولعله ابن هود الذي عن يده وقع الصلح، فأجابهم أن هذه القصة لا تستحق أن نثير من أجلها شقاقًا. سمعت هذه القصة في مرسية.

ولا شك في أن مرسية٣ كانت موجودة في زمن الأيبيريين، ولكنها لم تكن شيئًا مذكورًا إلَّا بعد فتح العرب للأندلس، وكانت تابعة للخلافة في قرطبة إلى أن انحلَّت الخلافة الأموية وصار الأمر إلى ملوك الطوائف، فمن ذلك العهد صارت تتبع تارةً إمارة المرية وطورًا إمارة طليطلة وربما تبعت إشبيلية. وفي سنة ١١٧٢ المسيحية استولت عليها دولة الموحدين، ثم صارت مركز إمارة مستقلة في زمن الأمير عبد الله العادل، وذلك سنة ١٢٢٤، ولم يطل الأمر حتى استولى عليها النصارى بقيادة صاحب قشتالة الأذفونش فرديناند الثالث، وكان ذلك سنة ١٢٤٣، ثم عاد المسلمون فأخرجوا النصارى منها، وبقيت في أيديهم ثلاثًا وعشرين سنة، وعند ذلك زحف النصارى إليها بقيادة جاك الأول ملك أراغون، وانتهى الأمر بدخولهم إياها صلحًا على شروط كما تقدم.

وكان بناء العرب لمرسية في زمن عبد الرحمن الثاني الأموي سنة ٢٠٩ للهجرة الموافقة ٨٢٤ للمسيح، ثم ازدادت عمرانًا وأصبحت من حواضر الأندلس في زمن عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر، ففي أيامهما بنيت هذه السدود والحواجز التي بها جرى توزيع المياه على البساتين من جدولين كبيرين، وتتشعب الجداول كلها من هذين الجدولين، ولولا هذه الحواجز وهذه القنيِّ لم تكن مرسية هذه الجنة العجيبة التي هي ما عليه الآن. وقد ذكروا لي أنه في زمن استئثار «ريفيرا» بالأمر؛ أي منذ عشر سنوات، أرسلت الحكومة من مجريط إلى مرسية لجنة من المهندسين لأجل فحص قضية المياه وسدودها وأقنيتها لعل هذه اللجنة تلحظ شيئًا من الخلل لم يلحظه العرب، فبعد أن طافت هذه اللجنة في تلك الأرض بالطول والعرض، قررت أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، وأنه حسب مرسية أن تحفظ نظام توزيع المياه كما كان في زمن العرب. سمعت هذا من الإسبانيين أنفسهم.

وأما لذة فواكه مرسية وكثرتها فهما مما يكلُّ عن وصفه القلم، فهي في ذلك كدمشق، وفيها كدمشق المشمش الذي لا نظير له، وهو يحفظ في معامل حفظ الثمار، ويصدَّر إلى الخارج، وفيها البرتقال الجيد الكثير، ومن أهم غلاتها الحرير، فإنه يخرج منها مليون كيلو من الفيالج، وفيها ثمر كثير في بساتينها، ومما شاهدته فيها معمل لهذا النبات المسمَّى بالفليفلاء، وهو ذو لونٍ أحمر ساطع يسخنونه في هذا المعمل، ويصدرون منه مقادير إلى أميركا وغيرها، وفيها نوع من العنب كالعنب الحلواني المعروف في دمشق.

(١) تلخيص تاريخ مرسية لضون فيلكس

ولنبدأ الآن بتلخيص تاريخ مرسية في زمن العرب الذي ألَّفه «ضون فيلكس بونسواسبريان» المتقدم الذكر، المطبوع سنة ١٨٤٥ في المطبعة القومية بمدينة بالمه (ميورقة)، فإنه تاريخ خاص بمرسية، وجدنا فيه من التدقيقات ما لم نجده في غيره؛ فآثرنا تلخيصه في هذا الكتاب نصحًا بالعلم وزيادة في التحري، مع عزو النقل إلى صاحب الكتاب والذين روى عنهم؛ فإن مقصدنا من الأول إلى الآخر إيصال القارئ إلى الحقائق ونشدان الروايات أنَّى وجدناها لا لإظهار البراعة والاستطالة بسعة العلم، وقد سبق لنا أننا أخرجنا تأليفًا في غزوات العرب لفرنسة وسويسرة وإيطالية وجزائر البحر المتوسط، ولما كنا أول من أفرد هذا الموضوع بالتصنيف، ولم يكن هناك كتاب عربي مستقل بذكر هذه الفتوحات، التزمنا نقل روايات الإفرنج عن هذه الحوادث، وأكثرنا من الأخذ عن تأليف المستشرق الإفرنسي رينو Reinaud الذي سماه «غارات العرب على بروفنسا وسويسرة وبيامون»، فوجد من قال: إن كتابنا هذا لا يقال له تأليف، وإنما هو ترجمة كتاب رينو المذكور. ولقد كان من السهل علينا أن نذكر ما ذكره رينو دون أن ننسب الروايات إليه ودون أن ننقل بالأمانة العلمية الواجبة ما أورده في كتابه، وكان على تلك الصورة يُعجِب هذا النمط من القراء بتحقيقاتنا، إلا أننا نحن في وادٍ وإظهار البراعة والتزيد بالعلم في وادٍ، وضالتنا المنشودة الوحيدة هي إحراز الحقيقة بجميع ما يمكن من الوسائل؛ ولذلك عندما اطلعنا على ذلك الانتقاد في إحدى جرائد العراق نشرنا تحت عنوان «دفع نقد» ردًّا هذا نصه:

الاعتراض على كتابنا غزوات العرب في أوروبة والبحر المتوسط هو غير وارد، فإننا نحن لخَّصنا كتاب المستشرق الإفرنسي رينو قصدًا وعمدًا، وكذلك كتاب المؤرخ الألماني الدكتور فرديناند كلَّر. وقد كان يمكننا أن نسرد التاريخ جاعلين ذلك من عندنا كما يفعل الكثيرون في ما ينقلونه أو يترجمونه، ولكننا توخينا عمدًا الترجمة والإسناد إلى مؤرخين أوروبيين معروفين، مع ذكر أسماء الكتب التي نقلوا عنها وأسماء الرواة الذين حضروا تلك الوقائع أو عاصروا الدهر الذي وقعت فيه، وذلك حتى تزداد ثقة القراء في هذه الروايات، فإن هذا الموضوع لمَّا يطرقه أحد كتَّاب العرب.

وهذا الكتاب الذي صنَّفناه هو بكر في بابه؛ فإن مؤرخي العرب لم يفردوا بالتأليف غير تواريخ الأندلس، فأما تاريخ فتح العرب لجنوبي فرنسة وشمالي إيطالية وقسم من سويسرة وجزائر البحر المتوسط، فلم يخصَّص به تأليف قبل تأليفنا هذا، فكنا نرى لأجل زيادة التوثيق وجوب نقل روايات الإفرنج بعينها؛ حتى لا يظن ظانٌّ أننا وضعنا من عند أنفسنا مآثر للعرب أو أننا بالغنا فيها.

وزد على ذلك أن ناشئتنا مع الأسف مولعة بتصديق روايات الإفرنج دون العرب، وإذا جاءت رواية عربية غير مقرونة بروايات أوروبية ضعفت ثقتهم بها فلأجل معرفتنا هذه الحالة الروحية عندهم تعمَّدنا في هذا الكتاب النقل عن الأوروبيين وعن المآخذ التي اعتمدوا عليها، وعلَّقنا على روايات من نقلنا عنهم حواشي يعرف قيمتها من له بصر بالتاريخ، وهذه الحواشي أخذناها من بعض كتب العرب الذين جاءت هذه الوقائع في تضاعيف سطورهم، وطبَّقناها على روايات مؤرخي الإفرنج، بحيث حصل اليقين بصحة تلك الروايات.

إذن ليس بصحيح أننا نحن لم يكن لنا في الكتاب سوى الترجمة، بل من قرأ الكتاب علم ما فيه من مقدمات وحواشٍ وجمل معترضة وذيول، هي كلها من قلمنا، وليس ثمة تناقض بين ترجمتي لكلام رينو وكلَّر وقولي في المقدمة: «إنني خصصت بهذا الموضوع كتابًا مستقلًّا، وجعلت هذا الكتاب أشبه بجزء من أجزاء كتابي الذي أنا مباشر تأليفه عن الأندلس … إلخ.»

فأما كوننا نقلنا إحدى الروايات المستغربة بدون أن نعلِّق عليها ما ينقضها، وأنه كان الواجب أن نردَّ قول ابن القوطية من أن طارق بن زياد شوى لحم بعض أعدائه وأطعمه جنوده ليُلقي الرعب في قلوب الأعداء، فالجواب عنه: ليس كل ما ينقله الإنسان يجب أن يرد عليه، لا سيما إذا كان الرد معتمدًا فيه على مجرَّد العقل، بينما التاريخ هو عبارة عن نقل، ولا يرد المؤرخون منه بدليل العقل سوى ما يبدو لهم مستحيلًا أو بالغًا من الغرابة ما يقرب من المستحيل، وليست هذه المسألة من هذا الباب، والسلام. انتهى.

أما كتاب «ضون بونسوا سبيريان»، فله مقدمة يقول المؤلف فيها: إن إحراق كتب العرب أنَّى وُجِدَت في إسبانية بأمر الكردينال شيميناس قد كان السبب في الجهالة التي أحاطت بتاريخ العرب والإسلام عند الإسبانيين، وقد تتبَّع ديوان التفتيش المشهور كتبَ المسلمين بالإحراق والإتلاف بإغراء أساقفة النصارى إلى الحد الذي أضرَّ ضررًا فاحشًا بالصناعة والزراعة والمعارف والفنون مما كان خلَّفه لنا العرب الحكماء العاملون على درجة عالية، فجرى في إسبانية بعد سقوط الدولة العربية ما جرى فيها بعد سقوط الدولة الرومانية من التدنِّي والانحطاط مع الفرق بأنه جاء بعد الرومان قبائل القوط العاتية، الذين لا ينتظر من مثلهم إحياء المدنية، وأنه جاء بعد العرب النصارى الكاثوليكيون الذين يزعمون أنهم محبون للعلم وناشرون للأنوار.

ثم قال: إن بعض المؤرخين حاولوا الاستقاء من منابع العرب، فكان يحول بينهم وبين علوم العرب الحجر الواقع من قبل أخبار الكنيسة. والمؤرخ الوحيد المعاصر للعرب، وهو «أزيدور الباجي Isidore de Beja»، لم يكتب من التاريخ ما يتجاوز سنة ٧٥٤ (للمسيح)، وجاء بعده المسمى «بالسلمانتيسنس Salmanticenese» الذي أراد أن يكمل تاريخ الباجي فلم يتجاوز سنة ٨٨٦، ثم جاء الراهب فاجيلا Vegila فوصل إلى سنة ٩٧٥، ثم جاء سامبيرو Sampiro الأستوري فوصل إلى سنة ٩٨٢، ثم جاء المؤرخ «أوفيدوبيلاج» Oviedo Pelage فوصل بالتاريخ إلى سنة ١١٠٩. ولم تكن كتابات هؤلاء المصنفين الأربعة إلَّا مجرَّد تقييد وقائع.
ثم جاءت تقييدات قلعة أيوب فوصلت إلى سنة ١١١٩، وبعدها قيود شنت ياقب فبلغت سنة ١٢٤٨، ثم قيود طليطلة فبلغت سنة ١٢٩٠، وكلها كانت على النمط الذي تكلَّمنا عليه، ثم إن «رويز غيمينار Ruiz Gimenez» — رئيس أساقفة طليطلة — كتب تاريخًا لعرب إسبانية باللاتيني، ولكنه كان بغاية الاختصار. وكذلك المؤرخ العربي الرازي الذي ترجمه «جيل بيريز Gil Perez» كان أيضًا قاصرًا جدًّا، وما ورد سوى ذلك من التواريخ يتضمَّن حكايات خرافية كثيرة.
فلما جاء «كاسيري Cassiri» وحاول كتابة تاريخ العرب في إسبانية كان هو المؤرخ الأول الذي عوَّل على الكتب العربية التي كان قد بقي منها شيء في خزانة الإسكوريال، وجاء من بعده «أنطيونيو كوندي Conde»، فرقي في معرفة التاريخ العربي عدة درجات وكسب شهرة واسعة. ثم ذكر المؤلف الوثائق التي عوَّل عليها في كتابة تاريخ مرسية، فقال إنه اعتمد على جغرافية الشريف الإدريسي، وكتاب الزراعة٤لابن الأبان Ebn El Aban الذي ترجمه بانكيري Banqueri، وكُتب كسيري، وتاريخ «ماسدو Masdeu»، وتاريخ مرسية المنسوب إلى «كاسكاليس» Cascales، وتاريخ «دولوزانو de Lozano»، والكتاب المسمَّى «بأوامر غرناطة» تأليف «دوهيتا de Hita»، و«حياة القديس فريد نياند» تأليف «كاستر de Castro».

ثم أورد صاحب هذا الكتاب — تاريخ مرسية — أسماء البلاد والأماكن، فجعل لها جدولًا مشتملًا على ثلاثة حقول: الأول يشتمل على الأسماء كما كان يتلفظ بها الرومانيون، والحقل الثاني يشتمل على الأسماء كما كان ينطق بها العرب، والثالث على الأسماء كما ينطق بها الإسبانيون، وهي هذه:

الأسماء الرومانية الأسماء بالعربية الأسماء بالإسبانيولية
أرسيلازيس Arcilasis مرسية مورسيا Murcia
مرسية (بالإمالة)
أسكياتو Askayato القنطرة Cantara الكنترية Alcantarilla
ليبرالَّه Libralla ليبراله Librela ليبريلَّة Lebrilla
أيضًا الحامه Alhama آلآمه Alama
أيضًا توتانه Tutana توتانه Totana
اليوكراتا Eliocrata لورقه Lurcat لوركا Lorca
سوغانا Sogana صوحانه Sohana بلايابورتوس Playa-portus
بورتمان PortMan بورتمان Portoman سان جينيس San Gines
تادمير Tadmir قاره بارقه Cara-Vaca كاراباكا Carabaca
أيضًا جنجالي (بالإمالة) Ghenghalet شنشيلَّا Chinchilla
أيضًا أنجباله Angebala أبانيلا Abanilla
أيضًا ألونه صانت Alona-Sant غواردامار Guardamar
ألونه أولوصنتُم Alona Olucentum القنت Alacant أليكنت Alicante
أكسيس Accis وادي آش Guad-Aix غواديس Guadix
أيضًا ابن عطَّاف Ben ataf بتاتيا Benatea
أيضًا شجانه Chadjena (هذا الاسم محرف هنا) كاراباكا Carabaca
أيضًا برجيله Vergilat (كالعربي)
جيزن Gesen ياسِن-لبيت Gasen-Lebit يَست Yeste
تيبونا Taibona طيبيلة Taibilla (طيباله مع الإمالة) نربيو Nerpio
برغولا Bergula الزَّرَب (؟) Azarab مورتلَّا Mortalla
فيكاريا Ficaria الماصروف Almazarrov مازرون Mazarron
برغولا أيضًا سقاطين Zakatin زكاتين Zacatin
أيضًا قاجباروه Gaschbarro كالاسبارا Calasparra
سجيزا Segisa سجن (؟)Sehegin سهيجين Gehegin
سجيزا Segisa بلكور Balkur بولاس Bullas
سجيزا Segisa الكور AlKor كوي Coy
سجيزا Segisa زيته Zethu أوسيت Ocete
سجيزا Segisa الغوشاري Elcucharet أوجوس لوشينا Ojis de Luchena
موان Muan مولات Mulat مولا Mula
موان Muan ياكات Yakat بليكو Pliego
سبتي Cepti زَبيت Zebit ساتي Ceuti
سبتي Cepti المنصورة Almanzora دولوركي de Lorqui
سبتي Cepti بلشيد Valschid بلشيد Belchid
سبتي Cepti حماد Hemad كاستيلو أي بابلو دو مرسية Castilo y pueblo de Murcia
سبتي Cepti بني حسن Beni Hazan بنياجان Beniajan
سبتي Cepti سانت عميرة Sant-omera سانتو ميرا Santomera
سبتي Cepti لقنت Lecant دومرسيه de Murcia
سبتي Cepti بارتس Berts بيكاسترو Bigastro
سبتي Cepti بني علي أو علا Beni-Eli o’Alé بنيل Beniel
سبتي Cepti بقتس Bacats الكرياس Alquerias
سبتي Cepti الذنية Adzenet زاناتا Zeneta
سبتي Cepti سانت عارن Sant-Aren ريَّا أي بابلا Raya y Puebla
سبتي Cepti سلنت Sallent دو مرسية de Murcia
آ آيو Aaeo علالاهت Alalahet أليدو Aledo
آ آيو Aaeo إليبات Elibat جيكينا Jiquena
آ آيو Aaeo البيت Albet البوديت Albudeite
آ آيو Aaeo ألبونتي Alponti كيدبار Quidpar
آ آيو Aaeo فرغليط Forgiolieti دوسكورا de Segura
أوتا Ota ألست Alzet دو أوريولا De Oriheula
مورجيس Murgis مورقه Mnrga موراتا Morata
تيبار Tebar تباعه Tebaa كامبوتيبار Campo Tebar
تيبار Tebar جومالة Giomala فيلانوفا Villanueva
توربيلا Turbula تيبالة Tibala توبارَّا Tobarra
توربيلا Turbula البطانة Albatana دوانتور de Ontur
جيمينا  Gemina جيمينالة Gheminalet جوميله Jumilla
كوامبرا Coimbra جوميلة Jumillat
سالتيسي Saltici شنجالة Cinxela شنشيلا Chinchilla
بوتيا Putea شنجاله Cixela بوزولورنت Pozolorente
فالابونكا Valeponga والونشة Walonxa فالديكانكا Valdeganga
كارتاكونوفا Cartago Nova قرطاجنة Carthagent كارتاجنا Cartagena
موروس Morus كمبوجارة Campojara أيضًا
أورسي Vrucu آقلة Acle أكسيلاس Aguilas
فيلاريكوس Villaricos
أرسيلا Arcila أرشيله Arxilla أرشينا Archena
بوكارَّا Bugarra الكدية Alcaudete كودات Caudat
أوريولا Auriola أوريولة Auriolet آيورا Ayora
أورسيلس Orcelis أوريوله Oriola أوريوالا Orihuela
أورسيلس Orcelis ميكه Meca المنصا Almansa
أبياريوم Apiarium بيار Biar ألبيرا Alpera
توبولا Tubbulla بلياريه Veliaria بيلينا Vilena
فكاسورا Vacasora أيضًا دوبيلينا de Villena
سالاريا Salaria ساكسونه Saxona ساكس Sax
أبولا Abula البسيط Abasit البسيط Albacete
أسُّو Asso إيسُّو Isso إيزو Iso
إيلونوم Illunum فلين Felin هلين Hellin
كاسكا Kaska كركه Carca الكارش Elcarche
مانيتون Mainieton أيضًا فونت ألامو Fuente Alamo
جنجالا Gingela شنكله Singla سنكلا Cingla
إيلوتانا Elotana البطانة Albatana أيضًا
إيلوتانا Elotana ركشه Raxa دو جونيلا Junilla
إيلوتانا Elotana رومان Roman أيضًا
إيكلازو Yeklazo تقله Takla يكلا Yecla
إيكلازو Yeklazo عربي Arabi أيضًا
إيكلازو Yeklazo أفرد Afred فريز Ferez
موندا Munda أيضًا لاتور Lietoer
كاستروم التوم Castrum Altum شقوره Xecura سيكورا Sequra
كاستروم التوم Castrum Altum قنطار Quntar دويست de Yeste
إيليسي Illici إلش Helch إلش الشاره Elche de la Sierra
كاتينا Catina زيزه Zieza سيزا Cieza
أسكول Ascul كوا Coa كمبو كوي Campo Coy
إيلَّورسيز Illorcis لورقه Lorki لوركي Lorqui
إيلَّورسيز Illorcis موله Mola مولينا Molina
إيلَّورسيز Illorcis وادروقوت Guab-Rocot ريكوت Ricote
مون أكوتوس Mons-Acutus مونتا كوت Montacut مونتاكادو Montiagudo
مون أكوتوس Mons-Acutus مونوبار Monovar أيضًا
مون أكوتوس Mons-Acutus المرادي Almoradi أيضًا
أبديرا Abdera المرية Almeria أيضًا
أبديرا Abdera الشقر Algucer أيضًا
أبديرا Abdera الباتر Albater الباتيرَّا Albaterra
أبديرا Abdera ابن رزين البرَّاسين Albarracin
أبديرا Abdera الغلاب Algelab الجزارس Algezares
أبديرا Abdera المدور Almodovar أيضًا

هذا هو الجدول الذي يقابل فيه المؤلف بين الأسماء القديمة، والأسماء التي كانت معروفة عند العرب، والأسماء التي كانت معروفة عند الإسبان، وقد لحظنا أن فيها محلًّا للاعتراض في بعض أماكن، وذلك أنه كان العرب يقولون: «لشنت مرية ابن رزين» «السهلة» يقولون: «سهلة بن رزين»، وكان الإسبانيون يقولون لهذا المكان نفسه «البرَّاسين»، ولا يزالون يقولون ذلك إلى اليوم. ومؤلف هذا الكتاب يجعل «البرَّاسين» هي اللفظة التي كان يقولها العرب، وكذلك اسم «شنجالة» أو «جنجالة»، فقد كان العرب يلفظونها بالجيم أو بالشين، وقد كتبها المؤلف بالشين، وغير ذلك.

وجاء بعد ذلك تعليله لاسم «مرسية» فقال — وقد أصاب — إن هذه اللفظة هي لفظة يونانية Murtia معناها الآس، وهو هذه الشجيرة التي كانت عند الأقدمين منسوبة إلى الزهرة. وكون الآس يقال له عند اليونان «مورسيا» أو «مورتيا» قاله مؤلف هذا الكتاب، ثم رأيت في «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» للإمام السيوطي — ص٢٩٠ من الجزء الثاني من الطبعة المصرية التي تاريخها سنة ١٢٩٩ — نقلًا عن كتاب مباهج العبر: اليونان تسمي الآس «مرسينا» وتسميه العامة «المرسين». ا.ﻫ.

وقد سألت بعض أدباء الأتراك عن اشتقاق اسم مدينة مرسين في ولاية أضنة التي يقال لها «قيليقية» فقالوا لي: إنه مكان كان يكثر فيه شجر الآس، وهو المرسين، فمنه جاء اسم هذه البلدة. ثم إن صاحب هذا التأليف تاريخ مرسية قال إنه لما فتح المسلمون إسبانية كانت مرسية قاعدة الولاية المسماة «تدميرة»، وإن العرب اصطلحوا على تسمية هذه الولاية بتدمير تسمية لها باسم تدمر التي كانت من حواضر سورية.

والذي نعلمه أنهم سموا ناحية أوريولة أو أوريوالة بتدمير اسم الأمير الذي كان يليها عندما جاء العرب، وكانوا يقولون لها تارةً أوريولة، وتارة أوريوالة، وأحيانًا تُدمير — بضم أول الاسم — وربما لفظوها بالفتح. ثم قال المؤلف: إن هذه الولاية كانت تشتمل على ست مدن: مرسية، وأوريولة، وقرطاجنة، ولورقة، وموله، وأنجبالة، وكان فيها عدة قصبات وقرى ومرافئ بحرية وحصون وقلاع، وكانت مرسية واقعة في سهل أفيح على ضفة نهر يقال له «تادر Tader»، وكان يحيط بها سور من زمن الرومانيين، ثم تداعى إلى الخراب في زمن القوط. وكان لمرسية حصن روماني يقال له «مونتي غودو»، فسماه العرب «مونتاقوت»، وأما الأمير تدمير فهو تدمير بن غبدوش Tadmir ben Gabdos من بقايا ملوك القوط، وهو الذي خلف الملك لذريق آخر ملوك القوط في إسبانية. ثم إنه لما استولى العرب على مرسية أداروا عليها سورًا منيعًا ذا أبراج، وكان لمرسية في زمانهم باب يقال له باب «إفريقية»، وهو الباب الذي بقرب الجسر الحاضر. وكان السور يمتد من هذا الباب إلى الشرق إلى الباب الآخر المسمَّى «بالقبلة» أو «بيب٥ المؤمن» الذي كان بقرب التياتر الحالي، وبين هذين البابين كان القصرالمسمَّى «بالنعاير Naair»، الذي كان يقيم فيه ولاة العرب وملوكهم، وكان السور من باب القبلة إلى الشرق يمتد إلى باب أوريولة، وكان هذا في الساحة المنسوبة إلى القديسة «أولاليه»، ثم يتوجه السور من هناك نحو الشمال فالغرب حتى يصل إلى مكان الكنيسة التي يقال لها اليوم كنيسة الرحمة.
وكان على أبواب السوق بيت محصَّن يقولون له «دار الصغير»، وباب صغير يسمَّى «ابن عمادي»، ومن هذه النقطة كان السور يمتد إلى شارع «بورسل Porcel» حيث كان الباب المسمى بالكوفية، ثم ينعطف السور نحو الجنوب إلى باب شقورة الذي يطابق اليوم الباب المسمَّى «باب بيلار Pilar»، ثم إن السور يعود إلى الشرق فيتصل بالقصبة المسماة «بالقصر الكبير Alcazar Quivir»، وهو المقر المعتاد لملوك العرب في مرسية، واعتماد هذا القصر على باب «إفريقية».
وكانت المياه تدافع عن السور، فمن جهتي الجنوب والشرق كان السور على ضفة نهر شقورة الذي يقول له العرب «وادي الأبيض Guadalabiad»، وأما من جهتي الشمال والغرب؛ فقد كان العرب احتفروا خندقًا أجروا فيه المياه، ولا يزال هذا الخندق إلى يومنا هذا والأهالي تسميه «بالوال» (أظنه محرفًا عن الواد)، وهذا الخندق تنحدر إليه مياه الأمطار.
وكان الوادي الأبيض عليه جسر من الخشب، والمظنون أن العرب وجدوا على النهر جسرًا رومانيًّا خربًا، وكان هذا الجسر الروماني من الحجر، وكان في مرسية مبانٍ فاخرة شامخة أشرفها القصر الكبير والمسجد الأعظم الذي كان في الساحة المسماة اليوم «بساحة كادناس Cadenas».
وكان باب إفريقة يشرع على سكة قرطاجنة وسكة لورقة، وأما طرق «زينيتة وبني أيل وبني حسن»، فكانت تنتهي إلى بيب المؤمن. وطريق أوريولة كانت تنتهي عند باب أوريولة، وكان يقال له أيضًا: «بالنطولة Valentola»، وأما طرق «مونتاقوط والإعراش Alarach» فكانت تؤدي إلى «ابن عمادي»، وأما طرق الأندلس الجنوبية فكانت هي وطريق «قنطرة أسقيه Askeya»، وهي البلدة المعروفة الآن «بالقنطرية Alcantarilla» تنتهي بباب شقورة، كما أن طريق قشتالة كانت تؤدي إلى باب الكوفية.

هذا، وبعد عدة سنوات لا غير من استيلاء العرب على قطر تدميرة صيَّر العرب مدينة مرسية وضواحيها جنَّة غنَّاء، فبنوا محكمة بهندسة دقيقة في ساحات مرسية التي كان طولها ستة عشر ميلًا وعرضها أربعة أميال. وكانت معارف العرب السامية، ولا سيما خبرتهم الزائدة في الزراعة قد صيَّرت ذلك الوادي من أبدع ما يكون لأجل خير الإنسانية.

وكان القوط في نواحي قنطرة الأسقية قد استخدموا مضيقًا بين جبلين يخرج منه بهدير عظيم النَّهر الهدَّار الذي يقال له «تادر»، وكان صالحًا لسير الزوارق إلى ذلك المضيق، فالعرب اختاروا هذا المضيق لحصر مياه النهر الأبيض، وشقوا منه أقنية وجداول وزعوا مياهها على الأرضين فأحيوها جميعًا وأسعدوا بها تلك البلاد. قال بنكيري Banqueri: إنهم ثقبوا الجبال لأجل إمرار المياه منها، وكان يوجد محل يقال له قنطرة «بردة» تتوزع منه القنيُّ العديدة التي كانت تشرب منها ضواحي بلنسية.
وفي الفصل الأول من هذا الكتاب أطلس جغرافي لمدينة بلنسية نشره القس «جوان لوزانو» في كتابه المسمى:٦  Batistania Y Contestania del Remo de Murcia.
وأما الفصل الثاني من هذا الكتاب فهو يتعلق بتدمير ملك مرسية الذي يقول المؤلف: إن اسمه تدمير Tadmir؛ أي بفتح أوله أو توديمار Teudimire أحد سلالة ملوك القوط ومن أقارب المسكين الملك لُذريق الذي ختمت به دولة القوط في واقعة وادي لِكَّة. وكان تدمير قائدًا من قواد لذريق، وقبل ذلك كان واليًا على بلاد مرسية في أيام فيتيشة Viticha وإيجيره Egira، فلما وقعت واقعة وادي لِكَّة وانهزم فيها الجيش الإسباني رجع تدمير بعساكره والجنود التي لم تشأ أن تفرَّ إلى بلاد أستوريش في الشمال أقام في تدمير مركز ولايته.

فلما أكمل عبد العزيز بن موسى بن نصير فتح الأندلس؛ أي الولايات الجنوبية من إسبانية، توجه لفتح ولاية تدمير؛ فأخذ تدمير يناوش العرب القتال، فنهد إليه عبد العزيز من جهة لورقة وقائد عربي آخر اسمه حبيب من الجهة الثانية؛ فتقهقر تدمير إلى مرسية، ولما رأى نفسه غير قادر على الثبات في مرسية تحوَّل إلى أوريولة لمنعة حصونها وقرب الجبال منها. فزحف عبد العزيز إلى مرسية، ومنها قصد إلى تدمير في أوريولة؛ فحاصره وضيق عليه الخناق، فدافع تدمير دفاعًا شديدًا إلى أن وهنت قوته. فأرسل إلى عبد العزيز يطلب الصلح فتم التراضي على الصلح بموجب الكتاب الذي تقدم نشر صورته العربية نقلًا عن بغية الملتمس ونشر ترجمته عند الكلام على مدينة أوريولة فلا لزوم لإعادة ذلك.

ثم يقول المؤرخ سيبريان: إنه بعد فتح عبد العزيز بن موسى لمرسية بسنتين تنصَّر.٧ فقتل سنة ٧١٦ المسيحية.

ثم بعد موت عبد العزيز آلت إمارة العرب في مرسية إلى حبيب الفهري الذي أعلن الحرب استئنافًا على الملك تدمير؛ فطالبه هذا بالعهد المنعقد بينه وبين عبد العزيز فلم يقتنع؛ فذهب تدمير إلى دمشق يشكو أمره إلى الخليفة فأعطاه الخليفة الحق وبقي ملكًا مدة ثلاثين سنة، ومات سنة ٧٤٣ للمسيح، وكان فصيح اللسان عارفًا بالكتب المقدسة محترمًا حتى عند المسلمين، وكان قد انتقل من مرسية إلى بلدة «قاراباقة» وجعلها مركزه.

وفي الفصل الثالث يذكر الملك «أتاناهيلد» Atanahailde الذي خلف تدمير، فقال إنه كان أقرب الناس نسبًا إلى الملك المتوفَّى؛ فلذلك صار خلفًا له وأقام بمدينة قاراباقة، فجماعة حبيب الفهري أمير العرب هناك لم يريدوا العمل بمعاهدة تدمير، وجرت فتنة في مرسية كان فيها النصارى الذين تهوَّدوا أشدَّ الناس شغبًا، وإن أحد زعمائهم المسمَّى جيزان أبو الإيثار Jesan Abu El Iithar تولى كِبَرَ هذه الثورة؛ فطرده أتاناهيلد فالتجأ إلى مرسية، واستقروا بها وخربت مرسية بتلك الفتنة التي استمرت عشر سنوات إلى أن حضر عبد الرحمن الأول من الشام، فدخل الأندلس ووجد ما وجد من الشقاق بين أصحاب الملك أتاناهيلد وأصحاب يوسف الفهري.
وفي زمن يوسف هذا ضرب العرب السكة في إسبانية، وكان درهم الفضة مكتوبًا عليه بالإسبانيولي هذه العبارة: بسم الله هذا الدرهم ضُرب بالأندلس. وقد بقيت الفتنة في بلاد تدمير تشتد إلى أن الملك القوطي أتاناهيلد ومن بقي معه هجروا أوطانهم، والتجئوا إلى جبال أستوريش وليون، ومات أتاناهيلد سنة ٧٥٥؛ فخلفه الملك بيلاي Pléage الذي تلقب بأمير إسبانية.

وتولى عبد الله بن عبد الرحمن مملكة قاراباقة، كما أن زهيرًا — ملك المرية — استولى على مرسية.

وفي الفصل الرابع ذكر المؤلف أن الحسين بن ظهار — أحد ولاة مرسية — عندما سكنت الفتنة في قرطبة سنة ٧٤٣ صرف همته إلى إتقان الزراعة، وفي أيامه جاء عرب كثيرون من أرباب الخبرة التامة بعمارة الأرض فاستقروا بمرسية، وتقاسموا فيما بينهم المرج الخصيب الذي على ضفاف وادي الأبيض. وجاء أيضًا كثير من سراة العرب ونزلوا بمرسية، وبنوا فيها القصور العالية، وأخذت هذه البلدة مع ضواحيها ترقى في سلم الحضارة، فكانت السكنى في تلك الجنة من أعظم رغائب العرب. وكان الحسين المذكور يستقدم إلى بلده أقدر الناس على العمل في الأرض؛ فسعدت بهم تلك البلاد إلَّا أنها لم تكن تخلو في الأحايين من الفتن.

وفي سنة ٧٨٥ ثار أحد أولاد يوسف الفهري وأثار أهل مرسية على عبد الرحمن الأول — ملك قرطبة — فاضطر هذا أن يزحف إلى مرسية وخيَّم في القنطرية، وأخذ ينصح للثائرين بالسكون ويستعمل الحكمة إلى أن تمكَّن من إدخالهم في الطاعة دون سفك دم، فدخل إلى مرسية وقد اجتمعت عليه الكلمة، فبقي في المدينة مدة من الزمن حتى وطَّد الراحة فيها، ثم عاد إلى قرطبة، حيث مات في ٣٠ سبتمبر سنة ٧٨٨، وقد ترحَّم عليه جميع سكان الأندلس، لا سيما أهل مرسية، وكان وزيره رجلًا اسمه الحسن بن مالك الدمشقي (؟).

وفي الفصل الخامس يذكر أن السلام استقر في مرسية إلى سنة ٨٠٠؛ إذ نشبت هناك وقائع دموية في غاية الشدة. وتحرير الخبر أنه بعد وفاة الملك هشام بن عبد الرحمن الداخل، قام بالأمر ابنه الحكم؛ فثار اثنان من أعمامه سليمان وعبد الله، وطلبا الملك وقاتلاه، ثم انحاشا إلى نواحي بلنسية، واعصوصب حولهما عددٌ كثير؛ فزحف الحكم إليهما، وتلاقى الفريقان في مرسية؛ فاعتصم سليمان وعبد الله بالبلدة إلَّا أن الحكم — وكان شديد البأس حازمًا صارمًا — تغلَّب عليهما، وقُتل سليمان في المعركة، وانهزم عبد الله شريدًا، ودخل الحكم مرسية وأمَّر عليها قائدًا من خواصه اسمه «فضلُه بن عميسة» وكنيته أبو فلتة.٨ الذي توفي في سنة ٨١٣ فأقام الحكم ابن هذا القائد مقام أبيه أميرًا على مرسية، أما عبد الله عم الحكم، فإنه عاد فخضع لابن أخيه وأقطعه هذا تدمير. وقد جاء في حاشية هذا الفصل أن الملك الحكم ضرب السكة باسمه، وكان مكتوبًا عليها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. بسم الله، ضُرب هذا الدرهم في مدينة الزهراء سنة ٣٥٢.

الأمير الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين. انتهى كلامه.

قلنا: إن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل الذي تغلَّب على عميه سليمان وعبد الله هو غير الحكم المستنصر الذي ضربت باسمه السكة المذكورة، فإن الحكم الأول لم تكن في زمانه بُنيت الزهراء، وكان عهده من سنة ١٨٠ للهجرة إلى سنة ٢٠٦، فالذي ضرب هذه السكة هو الحكم الثاني الملقب بالمستنصر، ابن الخليفة عبد الرحمن الناصر، وقد كانت وفاته سنة ٣٦٦.

ثم يقول في هذا الفصل: إن الصلح الذي وقع بين الحكم وعمه عبد الله كان بردًا وسلامًا على مرسية فازداد عمرانها وكثر سكانها، وفي تلك الأيام بُنيت القُنيُّ والسدود، وجرى توزيع المياه على الأرضين ولا يزال على ما هو عليه من ذلك العهد.

وفي الفصل السادس تكلَّم صاحب هذا الكتاب على موت الحكم، وقيام ابنه عبد الرحمن الثاني بالإمارة مقامه، وكان عبد الله المارُّ الذكر عمُّ الحكم أميرًا على مرسية، فأراد الانتقاض على الملك الجديد ابن أخيه؛ فزحف عبد الرحمن إلى مرسية لقتال عبد الله، وتأهب هذا لملاقاته، وقبل أن تقع المعركة ابتهل عبد الله إلى السماء قائلًا: تعلم يا رب ما عندي من كراهية أهوال الحرب، وإنما أنا أريد إنفاذ مشيئتك فانصرني في القتال إن كان حقي في الملك أرجحَ من حق ابن أخي، وأما إذا كان ابن أخي هو الأحق فلا تجعل على يديَّ أيها الرحمن الرحيم سفكَ دماء إخواني.

وما أنهى هذه الكلمات حتى ثارت عاصفة شديدة قلبته عن ظهر جواده وأصابه سكات، فاحتمله قواد جيشه إلى القصر وأغلقوا أبواب المدينة؛ فجاء عبد الرحمن وحصر المدينة، ولم يزد شيئًا على حصارها، فمضت أربعة أيام، فأفاق الأمير عبد الله وعادت إليه قوة الكلام فأعلن أصحابه أن الله تعالى لا يريد هذه الحرب، وأنه معترف بإمارة عبد الرحمن؛ فوقع الصلح بين الاثنين، وأقر عبد الرحمن عمه عبد الله على إمارة تدمير، وما أُريق في هذه الواقعة ولا نقطة دم.

وعاد الأمير عبد الرحمن إلى قرطبة بجيشه فائزًا سالمًا، وعاش الأمير عبد الله بعد ذلك مدة سنتين؛ إذ كانت وفاته في «قراباكا» سنة ٨٢٣.

وفي الفصل السابع ذكر المؤلف ازدهار غوطة مرسية مدة ثمانين سنة متوالية، وذلك بعمل المسيحيين الذين كان أتانايلد نفاهم من قراباكه سنة ٧٤٥، والمغاربة المسلمين الذين جاء بهم حسام بن ظهار من قرطبة، وهم الذين جاء بهم الأمير عبد الله، وقد وصلت إلينا بالتواتر أسماء الزراع الأولين، الذين حوَّلوا ذلك الوادي إلى جِنان وفراديس، وشقُّوا الجداول وبنوا القرى والدساكر، فعرفت بهم وخلَّدت أسماءهم من ذلك في ناحية الجنوب المسماة بالقبلة Alkibla، ومنجلَّاقو Menjalaco، وبني أبطه BeniAbta، وبني علَّال BeniAlel، والفوز Alfoz، والبلاط Albalate، والمهاجر Almohajar، وبني مَنيت BeniManete، والبادل IlBadel، والقاتل Alcatel، وبني قوتو Beni Coto، وبني كومال Beni Combal، وبني هشام Beni Haxam، والقوَّازة Alguaza، ورميه Rumia، والفند Alfande، والحرثة Alhartta، وبني عزور Beni Azor، وبني إيل Beni Ehl، والزنيت Azenete، هذا من جهة الجنوب. وأما من الجهة الأخرى من النهر؛ أي ناحيته الجوفيَّة٩ فيوجد شبُّوط Xaibote، والفتيقو Alfatego، والنجار Alnajar، والبطالتة Albatalta، وزرايع Zaraich، والساقل Alzaquiel، والجدا Aljada، وبني بطروش Beni Potroix، والأبراج Alabrache، وبني توزر Beni Tuzer، وبني أفيار Beni Afiar، وبني مُنجي Beni Monji، وبني زابل Beni Zabel، والفندارين Alfendarin.١٠

هذا وبالرغم من كثرة الحروب والفتن التي كانت تتوالى على إسبانية كان أهل مرسية يتمتعون من السلام بما يمكنهم من المضي في عمرانهم الزراعي وإيصال الفلاحة وتوزيع المياه إلى الدرجة القصوى من الإتقان، وفي ذلك الوقت رضيت العناية الإلهية عن تلك الجداول الفياضة التي كانت مياهها تنقسم بهندسة فائقة إلى أن عمت خيراتها جميع هاتيك السهول، ولم يزل نظامها إلى يومنا هذا قائمًا ناطقًا بأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان.

على أنه كان قد جرى في مرسية فتنة اقتضت مجيء عبد الرحمن١١ بنفسه إليها ومعه حاشيته، وذلك سنة ٩١٧، فأعاد السلام إلى نصابه، وكانت الرعية تحب هذا الملك حبًّا جمًّا، وفي زمانه وقع خلاف بين ملوك النصارى برمودة وغرسية، فتنة امتدت إلى ما بين العرب، وأحدثت بعض القلق، ثم آل الملك في قرطبة إلى الأمير هشام١٢ الذي وسَّد أمور المملكة إلى رجل من خواصه يقال له حاجي محمد.١٣ كان متصفًا بصفات باهرة، إلَّا أنه كان عظيم الأطماع، فحجر على هشام المؤيد وتسلم بيده زمام الحكم، فعرف العرب أن المنصور اختلس الملك؛ فثار الكثيرون وجرت فتن، وانتقض عرب كتلونية وبلاد أخرى، فزحف المنصور إلى مرسية وأقام بها ريثما وافته النجدات، وكان نزوله بمرسية عند رجل من الرؤساء الموسرين اسمه أحمد الخطيب الذي قام بجميع النفقات اللازمة للمنصور وحاشيته؛ ولذلك أعفاه المنصور من جميع أنواع الضرائب. وكانت زيارة المنصور هذه لمرسية سنة ٩٨٤ بحسب رواية المؤرخ كوندي. وأما المؤرخ لوزانو فقال إنها كانت سنة ٩٨٩.
وفي الفصل الثامن ذكر صاحب هذا الكتاب ولاية زُهير أمير مرسية فقال إنه سنة ١٠١٠ وقعت حروب داخلية طاحنة بين المسلمين، فاشتبك في هذه الحروب ملوك إشبيلية وطليطلة وقرطبة وسرقسطة وبرشلونة، وكان ملك قرطبة سليمان،١٤ وكان عنده قائد يقال له المرتضى، فأرسل اثنين من خواصه وهما حيدر ومنذر، فاستوليا على مدينة مرسية، وقيل بالخديعة؛ فلم يقبله الأهالي، وفي سنة ١٠١٦ عمَّت الفتنة كل البلاد، وازداد النفور من الملك سليمان المستعين، وانتقض عليه وزيره علي بن حمود، واستبد هذا بمدينة أوريولة، وذهب إلى مرسية فاستنفر أهلها وزحف بهم على البربر الذين كانوا في بسطة وأرجونة وجيَّان والمريَّة، فتكدرت موارد السلم في مرسية.
وفي سنة ١٠٢٧ كانت الفوضى عامة، وعلم الناس أن السبب في عمومها هو التغالب على أخذ تاج قرطبة، فاستولى أخيرًا على الحكم في قرطبة الوزير أبو الحسن بن جهور. وكان هناك فتًى اسمه زهير١٥ أصله من «دلماسية»١٦ استولى على مرسية وأعلن إمارته عليها، وبايعه أهلها برضاهم، وذلك سنة ١٠٤٣، وبقي ملكًا على مرسية إلى سنة ١٠٥١؛ إذ توفي قيل خارجًا عن مرسية.

وفي زمن زهير هذا اشتهر أمر الشيخ أبي بكر أحمد بن إسحاق، وكان من أبناء البيوتات العريقة وذوي الثروة الواسعة، محبوبًا عند قومه، فاضلًا ملهمًا عمل الخيرات؛ فولاه زهير أمر مدينة مرسية. وفي تلك المدة اشتدت الحرب بين ذي النون ملك طليطلة، والمعتضد بن عبَّاد ملك إشبيلية، فأضرَّت بمرسية وضواحيها؛ لأن عرب طليطلة اتفقوا مع عرب بلنسية على قتال صاحب إشبيلية. إلَّا أن أبا بكر أحمد بن إسحاق والي مرسية ومعه أحمد بن طاهر وغيره من الرؤساء انحازوا إلى ابن عبَّاد صاحب إشبيلية، فشنَّ ابن ذي النون الغارة على بلاد تدمير، وجاء ابن عبَّاد، وهو المعتمد بن المعتضد، ومعه ابن عمَّار، فدخلا مرسية، وانضمَّ أهلها إلى المعتمد الذي أقام يومين ورجع إلى إشبيلية حاضرة ملكه، وبقي ابن عمَّار وزيره في مرسية. ثم ذهب منها إلى برشلونة للاستعانة بصاحبها الكونت ريموند، فعندما أراد السفر إلى برشلونة زوَّده أحمد بن طاهر — من رؤساء مرسية — بعشرة آلاف ذهب، فنجح ابن عمَّار في مهمته، وجاء ومعه عساكر من قبل مملكة كتلونية؛ لمنع المأمون بن ذي النون من الاستيلاء على مرسية، فوجد مع المأمون عساكر بلنسية ومربيطر ودانية وشاطبة وقونكة، ومعهم عساكر غاليشية وقشتالة وقد اجتاحوا مرسية وجوانبها الخصبة وحطموا زروعها.

فلما رأى الكونت ريموند البرشلوني كثرة الأعداء، اعتقد أن ابن عمَّار خدعه وجرَّه إلى صفقة خاسرة؛ فقبض على باديس بن المعتمد ملك إشبيلية واعتقله كرهينة عنده. ثم إن الجيش القشتالي هاجم الجيش البرشلوني وحليفه الجيش الإشبيلي؛ فدارت الدائرة على هؤلاء، ودخل المأمون بن ذي النون مرسية، وخضع له واليها ابن طاهر، وكان الوالي السابق أبو بكر أحمد بن إسحاق أَبَى أن يخلف الأمير زهيرًا في الإمارة، ومات وقد ناهز التسعين، وكانت وفاته سنة ١٠٦٤ المسيحية.

وفي الفصل التاسع يذكر المؤلف عبد الرحمن الثاني الطاهري ملك مرسية الذي جاء من بعد الفتى زهير الصقلبي الدلماسي، فتولَّى مدة ثلاثين سنة؛ أي من سنة ١٠٥١ إلى سنة ١٠٨١، وهو ابن أبي بكر بن طاهر، وقد كانت سياسته كسياسة أبيه كلها حكمة وعدالة؛ ولذلك سعدت مرسية في زمانه، ورجع إليها هناؤها الأول.

وكانت الأحوال في إشبيلية على غير استقامة، فأخذ ابن عمار يكيد لمولاه المعتمد؛ فأحب هذا إبعاده عن إشبيلية؛ فأشار عليه بفتح مملكة مرسية، ولما كان ابن عمَّار شديد الطموح أقبَلَ على مرسية راغبًا، واتفق مع أمير يقال له عبد الله بن رشيق، وقصد إلى مرسية، وعاثا في جنانها، وحصرا المدينة وضيَّقا عليها إلى أن فتحت أبوابها لجيش ابن عبَّاد، فدخل ابن عمَّار إلى مرسية سنة ١٠٧٩، وخلع ابن طاهر واعتقله في قلعة مونتاقوط، وكان أبو بكر بن عمَّار المذكور ناقمًا في الباطن على مولاه المعتمد، وربما مدَّ يد الولاء إلى الأذفونش السادس صاحب قشتالة؛ فأجمع الاستيلاء على مرسية، ففي أول الأمر قاتله أهلها وهزموه؛ فعاث في أرضها واجتاح بساتينها وأفسد زروعها، ونشأ عن ذلك مجاعة شديدة تمكَّن بواسطتها من الرجوع إلى مرسية، ودخلها عنوة، وقتل أميرها ابن طاهر، وما زال يعسف الرعية حتى ثارت به وأخرجته من مرسية؛ فالتجأ إلى شقورة نزيلًا على رجل من خواصه أسرع بإخبار المعتمد بن عبَّاد أن ابن عمَّار صار في قبضة يده، فسار ابن عبَّاد وقبض على ابن عمَّار — وزيره الخائن — وقتله فيما بعد، وكانت مدة ولايته على مرسية ثلاث سنوات.١٧

وفي الفصل الحادي عشر يذكر المؤلف ذا الوزارتين الرابع من أمراء مرسية. بعد قتل ابن عمَّار جاء محمد بن هاجد — أمير لورقة — بجماعة من رجاله الأشاوس إلى مرسية، واتفق مع أهلها على تولية أحمد أبي عبد الله الملقب بذي الوزارتين من بني طاهر، وكان هذا الأمير عالمًا فاضلًا عادلًا صلحت مرسية وسعدت في أيامه، واعتنى بنشر العلم والأدب والأخلاق الفاضلة، وأعاد إلى مرسية العمران الذي كانت فقدته بظلم ابن عمَّار، واستمر في الولاية عشر سنوات إلى أن مات، وفي سنة ١٠٩٠ أقبل يوسف بن تاشفين — ملك المرابطين — من إفريقية، واتفق مع ابن عبَّاد على الأذفونش صاحب قشتالة، وهو الأذفونش السادس، فزحف جماعة من أهل مرسية منضمين إلى ابن تاشفين وابن عبَّاد تحت قيادة شاب من أمرائهم اسمه عبد العزيز، ثم وقع الشقاق بين قواد العسكر الإسلامي، فشهر عبد العزيز هذا سيفه في وجه ابن عبَّاد؛ فقبض ابن عبَّاد على عبد العزيز وحبسه، فرأى أهل مرسية في ذلك إهانةً لهم، فانفضوا من حول ابن عبَّاد وابن تاشفين.

وفي سنة ١٠٩٤ عاد الأذفونش السادس يحاول الاستيلاء على بلنسية، فاستنجد أهل بلنسية بأهل مرسية فتغلَّب على بلنسية القادر يحيى بن ذي النون بمساعدة الأذفونش، وانهزم جيش مرسية وقُتل قائده وأُسر ذو الوزارتين، وقد كانت ولاية ذي الوزارتين على مرسية من سنة ١٠٨٤ إلى ١٠٩٤، وبقيت مرسية في ذلك الوقت دون ملك يليها، فكان يوسف بن تاشفين يرسل إلها ولاة من قِبَله، فتأخَّرت حالها، وبعد موت يوسف وولاية ابنه عليٍّ ازدادت حال مرسية سوءًا، وسنة ١١٤٤ كان يتنازع مرسية ثلاثة أحزاب: أحدها حزب محمد بن عبد الرحمن بن طاهر القيسي، والثاني حزب أبي محمد بن الحاج، والثالث حزب عبد الرحمن بن جعفر بن إبراهيم؛ فابن طاهر استنجد ابن هاجد — قاضي لورقة — فذهب هذا القاضي برجاله وولَّى على مرسية قائدًا اسمه ابن حمدين، وكان قائد قونكة، وهي مدينة عزيزة كثيرة العدد، كان اسم قائدها عبد الله بن فطن، وكان خصمًا لابن حمدين؛ فاتفق مع ابن طاهر وابن جعفر وزحفوا إلى مرسية ودخلوها، وصار الوالي على مرسية أبو جعفر بن أبي جعفر، ثم إن هذا انتقض على المرابطين، وقام الأهالي عليهم في مرسية وأوريولة، وقتلوا كل من وجدوه منهم، وأعلن صاحب قونكة نفسه أميرًا على مرسية باسم الناصر لدين الله.

وفي الفصل الثاني عشر والثالث عشر تكلم المؤلف على ولاية ابن هود، فقال: إن أبا جعفر عندما انهزم من مرسية جنَّد جنودًا جاء بهم لاسترجاعها؛ فثار الأهالي بالملك الجديد الذي كان غلب عليها، وولوا أميرًا من قرطبة اسمه سيف الدولة بن هود، وتمادت الفتنة في مرسية حتى كادت البلد تخرب، فزحف أمير أوريولة بجيش وأقرَّ أبا جعفر ملكًا على مرسية، وأخذ الملك الذي كان فيها أسيرًا؛ فاستمرت ولاية أبي جعفر سنة وبضعة أشهر، وكان ابن طاهر وابن الحاج قد ذهبا إلى المرابطين في بلنسية واستوليا على شاطبة. وفي هذه المدة ثار أهل مرسية بأميرهم الجديد، وأخرجا ابن فطن من الاعتقال، ثم عاد أبو جعفر فهزمهم وفرَّ ابن فطن، واستولى أبو جعفر على شاطبة وأوريولة، وتعاقبت على مرسية عدة فتن وجرت بين أهلها وأهل غرناطة معركة انهزم فيها أهل مرسية تحت قيادة أبي جعفر محمد بن عبد الله بن طاهر.

وفي الفصل الرابع عشر يذكر سقوط دولة بني طاهر، قال: إن ابن حمدين عاد يطالب بملك مرسية، وزحف إليها بجيش؛ فانهزم والتجأ إلى قاضي أوريولة، فجمع جموعًا أخرى وقصد مرسية؛ فانهزم مرةً ثانية، إلَّا أنه تمكَّن من أخذ البلدة فيما بعد بالخدعة، وهرب عبد الرحمن بن طاهر منها ومات، وقد وجدت مسكوكات عربية مكتوب عليها: «الغالب أمير المؤمنين حمدين بن عبد الله»، وكان قد تولَّى البلدة شيخ اسمه عبد الرحمن بن طاهر، وكان ذا علاقة ببني هود، فاقتنع أهل مرسية بمبايعة سيف الدولة بن هود، وجعل نفسه نائبًا عنه، وجعل أخاه أبا بكر قائدًا للفرسان؛ فانهزم الأحزاب الأخرى إلى قرطبة ملتجئين إلى ابن حمدين، فأرسل هذا جيشًا عليه ابن أخيه وابن عمه لاسترجاع مرسية، فابن طاهر نائب مرسية استصرخ ابن عيَّاض أبا محمد صاحب بلنسية، فجاء هذا واتفق مع صاحب أوريولة، ودخلا مرسية، واستوليا عليها، وعزلا ابن طاهر، إلَّا أنهما لم يقتلاه.

وكان سيف الدولة بن هود لم يعلم بدخول ابن عياض؛ فجاء إلى مرسية بجيش، فخرج ابن عياض للقاء سيف الدولة وخضع له؛ فأقرَّه واليًا على مرسية. ثم إن ابن فطن اتفق مع النصارى واجتاحوا جميعًا شاطبة ونواحيها؛ فاستصرخ أميرها عبد الله بن سعد سيف الدولة بن هود؛ فزحف هذا لنجدتها، فنشبت معركة في غاية الشدة قُتل فيها سيف الدولة بن هود، وفرَّ خليفة بن عيَّاض هاربًا، وانهزم الجيش المرسي هزيمة شنعاء، وكان ذلك سنة ١١٤٥، وفي هذه الواقعة نفسها قُتل ابن حمدين ملك مرسية السابق الملقَّب بالمستنصر.

وفي الفصل السادس عشر يذكر هزيمة عرب مرسية في معركة البسيط Albacete، وسقوط أهم قوادهم قتلى، وكيف رجعت فلول جيشهم إلى مرسية بخبر هذه المصيبة؛ فارتَدَتْ مرسية ثوب الحداد.
وكان ابن عيَّاض عندما خرج مع أميره سيف الدولة بن هود قد خلَّف على مرسية محمد بن سعد بن مردنيش، فلما وصلت أخبار الهزيمة إلى ابن مردنيش وتحقق مقتل سيف الدولة بن هود نزل إلى باب القصر وخطب الناس محرضًا إياهم على الاستبسال، وأخذ الثأر؛ فعاهده الجمع على الطاعة، وتحفَّزوا لأخذ الثأر، ثم إن أدَلْفونس والمسيحيين الذين معه وحليفهم المسمَّى بالثغري Crograi وصلوا إلى مرسية، وأحاطوا بأسوارها، فخرج أهلها لمقاتلتهم، فلم يكن لهم قِبَلٌ بهم؛ فانهزموا وابن مردنيش معهم، والتجئوا إلى لقنت، ودخل الثغري مرسية ظافرًا، لكنه أشار على رجاله بمعاملة أهلها بالحسنى؛ أملًا بتألُّف قلوبهم؛ فذهبت مساعيه سُدًى؛ فالمرسيون لبثوا غضابًا لا يخفف حنقهم شيء.

وفي أثناء ذلك أراد المسيحيون أن يدخلوا مرسية لينهبوها فلم يوافقهم الثغري على مرادهم؛ فدخلوها بالقوة وارتكبوا فيها ألوان الفظائع.

وكان ابن عيَّاض يطوف في أرجاء البلاد ويجنِّد الجنود لاستنقاذ مرسية؛ فجمع من بلنسية ولورقة ولقنت جيشًا جرارًا زحف به إلى مرسية، فلما علم المرسيون بزحفه ثاروا في داخل المدينة وانقضُّوا على أعدائهم ففتكوا بهم، ورأى الثغري أنه واقعٌ في أيديهم إن لم يلُذْ بالفرار، فخرج من باب إفريقية هاربًا يصحبه قليل من فرسانه؛ فتعقَّبه جيش ابن عيَّاض وهجم عربي شجاع اسمه ابن فدا Aben Feda فاحتزَّ رأسه وركز الرأس على قناة وسار به إلى ابن عيَّاض، وبذلك خُتمت حياة عبد الله بن فطن الملقب بالثغري. ودخل ابن عيَّاض المدينة فوجد الشوارع مغطاة بجثث القتلى من المسيحيين والمسلمين؛ فاستأصل أعداءه، لا سيما المسيحيين الذين كانوا قد أسرفوا في القتل؛ فعوقبوا بمثل ما عاقبوا، وجدَّدت مرسية مبايعة ابن عيَّاض، وتبعها جميع شرق الأندلس.
وفي الفصل السابع عشر يذكر المؤلف أن ابن عيَّاض بعد أن استنقذ مرسية سار فيها سيرة حسنة، امتدَّ بها عليها رواق الأمن، ورأب من أحوالها — ولا سيما من زراعتها — ما كان قد انصدع بالحروب المتوالية، وتمتعت مرسية بنعمة السكون مدة من الزمن، ولكن الفتنة أسرع شيء إلى أهل الأندلس، فما لبثت أن ظهرت من جديد عند بني جميل Moros Beni Giomail في نواحي «عقيل Ekils»، فإنهم هناك شقُّوا عصا الطاعة، وثاروا في وجه الأمير ابن عيَّاض؛ فخرج لقتالهم، فناوشوه القتال وخاموا عن لقائه في حرب فاصلة، فنهد إليهم في ليلة حالكة السواد يريد أن يكبسهم بياتًا، ولم يكن أمامه إلَّا طريق واحد، وهو مضيق بين جبلين؛ فتقدم ومعه نخبة من فرسانه وأراد العبور، فكان الثوار كامنين على حافتي المضيق، فرموه بالسهام والصخور؛ فسقط مثخنًا جراحًا، ومات في ذلك اليوم، فانتقم المرسيون من الثوار انتقامًا هائلًا، وكانت لابن عيَّاض جنازة حافلة ونُقلت جثته إلى بلنسية.
وكان الحزن عليه عامًّا، وكان ذلك سنة ١١٤٧، وكانت ولايته على مرسية سنتين وتسعة أشهر وعشرين يومًا، وكان قد عهد بالإمارة بعده لابن مردنيش؛ فبويع ابن مردنيش بالإمارة، ثم إن ابن عيَّاض كان قد جعل نائبًا عنه في مرسية علي بن عبيد الله أبا الحسن، فاستطاع هذا بحسن تدبيره أن يوطِّد السكينة في مرسية، وكان بعض المفسدين أشاعوا أنه يريد أن يستبد بالأمر ولا يعترف بإمارة محمد بن سعد بن مردنيش، إلَّا أن هذا الوالي عندما قدم ابن مردنيش إلى مرسية خرج للقائه، وقدَّم له مفاتيح البلدة، وكان يومًا مشهودًا اجتمعت فيه الوفود بحاضرة مرسية، وكان من جملة الوافدين ابن همشك Aben Hemsek الأمير، وكان واليًا على شقورة، فجعله الأمير نائبًا عنه في مرسية، وعاد إلى بلنسية وولَّى ابن همشك نائبًا عنه في شقورة رجلًا عادلًا خافض الجناح اسمه ابن سعد أيضًا. وأثنى صاحب الكتاب على إدارة ابن همشك في مرسية، وهو كلام في غاية الغرابة؛ نظرًا لما اشتهر به ابن همشك من الظلم والعسف وسفك الدماء مما هو مستفيض في كتب الأندلس. قال: وبقي السلام مستتبًّا في مرسية إلى سنة ١١٦٥.

وفي الفصل الثامن عشر يذكر المؤلف أنه بعد عدة أعوام مضت بسلام، نشبت الحرب بين ابن مردنيش — ملك شرق الأندلس — وبين الموحدين أصحاب غرناطة. وروى كندي المؤرخ الإسباني أن ابن مردنيش خرج بجيش من بلنسية فمر بمرسية واستنفر للقتال صهره ابن همشك وأعيان مرسية، وكاشفهم بما في نفسه من نية الاستيلاء على غرناطة، فوافقوه وانضموا إليه، وساروا جميعًا بجحفل جرار قاصدين إلى غرناطة، وكان مع ابن همشك عددٌ كبير من المسيحيين يبلغ ثلاثة عشر ألف مقاتل معظمهم من الفرسان، وكان منهم يتألف الحرس الخاص بابن مردنيش، فاصطلت الحرب بين رجال شرق الأندلس ومن معهم من النصارى وبين الموحدين؛ فانهزم الموحدون واستولى ابن مردنيش على غرناطة.

ولكن الغرناطيين لم يلبثوا أن جمعوا فلولهم وألَّفوا جيشًا قويًّا تحت قيادة القائد الشهير أبي زيد بن عبد الرحمن، فكرُّوا على غرناطة، واشتعلت الحرب، وكانت بين الفريقين ملحمة فظيعة ارتوت فيها الأرض بسيول الدماء، ودارت فيها الدائرة على جيوش ابن مردنيش وابن همشك، فتمزَّقت كل ممزَّق، واستؤصل المسيحيون الذين كانوا مع ابن مردنيش وابن همشك، وعُرف المكان الذي دارت فيه المعركة باسم «فحص الأغلب»، وهو مكان يقع بين مدينتي القنطرية والقصر.

وسنة ١١٧٠ تولَّى ابن لب (أي ابن مردنيش الذي كان الإسبانيون يسمونه بابن لب) أميرًا على مرسية، واتفق مع ملك قشتالة، وعقد المعاهدات مع ملك آراغون، وفي سنة ١١٧١ تحالف ابن لب مع بيرو رويس الصخرة Pero Ruiz Azagra صاحب إمارة «إستيلَّا Estilla»، وفي سبيل هذا الحلف نزل ابن لب لحليفه المذكور عن مدينة ابن رزين Albarracin التي كانت من جملة أملاكه.

وفي تلك السنة نفسها ساءت علاقات ابن همشك بصهره ابن مردنيش من أجل أمور عائلية، وسفر الجو بينهما إلى أن مات ابن مردنيش في جزيرة ميورقة سنة ١١٧٢، ولما شعر أولاده بضعفهم عن أن يقاوموا المسيحيين والموحدين معًا جاءوا إلى سلطان الموحدين وسلموه البلاد التي كانت في أيديهم واستظلُّوا بظله.

وقد ذكر لسان الدين بن الخطيب هذه الواقعة في كتابه الإحاطة، وقال ما محصله أنه في سنة ست وخمسين وخمسمائة في جمادى الأولى منها قصد إبراهيم بن همشك بجمعه مدينة غرناطة، وداخل طائفةً من ناسها وقد تشاغل الموحدون بما دهمهم من اختلاف الكلمة عليهم، وتوجه الوالي بغرناطة السيد أبو سعيد إلى العدوة، فاقتحمها ابن همشك ليلًا، واعتصم الموحدون بقصبتها فنصب لهم المجانيق وقتلهم بأنواع من القتل، فبادر السيد أبو سعيد وأجاز البحر، والتفَّ به السيد أبو محمد وأبو حفص بجميع جيوش الموحدين والأندلس، ووصل الجميع إلى ظاهر غرناطة؛ فأصحر إليهم ابن همشك، فالتقى الفريقان بمرج الرقاد من خارجها، فانهزم جيش الموحدين، واعترضت الفل تخوم الفدادين وجداول المياه التي تتخلل المرج، فاستولى عليهم القتل، وقُتل في الوقيعة السيد أبو محمد، ولحق السيد أبو سعيد بمالقة، وعاد ابن همشك إلى غرناطة فدخلها بجملة من أسرى الموحدين أفحش فيهم المثلة بمرأى من إخوانهم المحصورين، واتصل الخبر بالخليفة في مراكش؛ فجهز جيشًا أصحبه السيد أبا يعقوب ولده وأبا يوسف بن سليمان داهية زمانه، فأجازوا البحر والتقوا بالسيد أبي سعيد بمالقة، واتصل منهم السير إلى قرية دَلَق من غرناطة، فانهزم ابن همشك.

وقال لسان الدين في ترجمة ابن مردنيش: إن ابن همشك يومئذٍ استصرخ ابن مردنيش، فخرج بنفسه في العسكر الكثير، من أهل الشرق والنصارى، فوصل إلى غرناطة واضطربت محتله بالربوة السامية المتصلة بربض البيَّازين، وتعرف إلى اليوم بكدية مردنيش، فلحق بجيَّان، واتصلت عليه الغلبة من لدن منتصف عام ٥٦٠، فلم يكن له بعد ذلك ظهور، واستخلص الموحدون معظم ما بيده وحصروه بمرسية، ومات أثناء الحصار في عاشر رجب سنة إحدى وستين وخمسمائة وله ثمانية وأربعون عامًا. انتهى. وجاء في كتاب الاستقصا أنه لما مات محمد بن مردنيش جاء أولاده وإخوته إلى أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن وهو بإشبيلية، فسلَّموا إليه بلاد شرقي الأندلس التي كانت لأبيهم؛ فأحسن إليهم أمير المؤمنين وتزوج أختهم، وأصبحوا عنده في أعز منزلة. ا.ﻫ.

وقال لسان الدين في الإحاطة: إن محمد بن سعد بن مردنيش استولى على شرق الأندلس: مرسية وبلنسية وشاطبة ودانية، ثم اتسع نطاق ملكه فملك جيَّان وبسطة ووادي آش وقرمونة وأستجة وغرناطة، ونازل قرطبة وإشبيلية. قال: ثم فسد ما بينه وبين صهره ابن همشك، فكان سبب إدبار أمره، واستولى العدو في زمانه على طرطوشة عام ثلاث وأربعين وخمسمائة، وعلى حصن إفليج وحصن شرَّانية. ا.ﻫ.

وقد وقع خلاف في مكان وفاة الأمير المذكور، فصاحب تاريخ مرسية الإسبانيولي يقول إنه مات سنة ١١٧٢، ولسان الدين بن الخطيب يقول: إنه مات وهو محصور بمرسية سنة ٥٦١.

ثم نعود إلى تلخيص تاريخ مرسية الإسباني فنقول إنه في الفصل التاسع عشر منه يذكر أن مرسية عاشت بعد وفاة ابن مردنيش فترة غير قصيرة في الفتنة والاضطراب، ولم تستطع أن تعود إلى رخائها السابق إلَّا بعد زمنٍ طويل، وكانت الحروب في ذلك الدور ناشبة في الممالك الأخرى من إسبانية، ولا يذكر المؤرخون شيئًا عن مرسية في هذه الفترة، ولا نعلم من أخبارها سوى أن خلف بن لب من أولاده اتَّبع سياسة والده في مهادنة ملك أراغون إلى أن انتهت مدة المهادنة، فتقرر في سنة ١١٧٩ بموجب اتفاق بين مملكتي أراغون وقشتالة أن يحتل مرسية ملك قشتالة آلونز Alonso، وزحف الإسبانيون للاستيلاء على مرسية، ولا نعلم هل استولوا عليها ذلك الوقت أم لا؛ فالمؤرخون سكوت عن حوادث تلك الحقبة البالغة نحوًا من أربعين عامًا، حتى إن المؤرخ «ماريانا» نفسه لم يذكر عنها شيئًا.
وفي سنة ١٢١٩ المسيحية كانت حملة صليبية على مرسية زحف فيها مئتا ألف مقاتل من المسيحيين، فهل استولوا بالفعل على مرسية؟ إننا لا نعلم عن ذلك شيئًا. فإن كانوا قد استولوا عليها فيكون استيلاءً قصيرَ الأمد، يُستدَل على ذلك من وصف الكتب العربية للاحتفالات الفخمة التي جرت في مرسية عند مبايعة الأمير ابن هود الثاني، وذلك سنة ١٢٢٨، وتلقَّب ابن هود بالمتوكل على الله، وكان اسمه أبا عبد الله محمد بن يوسف الجذامي،١٨ وقيل له ابن هود الثاني؛ لأنه سبق وجود أمير آخر من هذه العائلة بهذا الاسم، وكان ابن هود متصفًا بالدهاء والمكر، وبالدهاء والمكر حقَّق كثيرًا من مطامعه، وكان يتظاهر بالتديُّن استرضاءً للشعب الإسلامي، وأقنع المسلمين بأن المصائب التي حلَّت بهم كانت ناشئةً من فساد سياسة الموحدين.

وتمكن ابن هود من فتح غرناطة، فدخلها بجيش عظيم، واستولى أيضًا على مدينة أستجة، وخشي سطوته سان فرناندو ملك قشتالة، وكذلك الدون خايمي ملك أراغون، الذي كان متطلعًا إلى بلنسية. إلَّا أن جيوش قشتالة ظفرت بابن هود في معركة شريش الشهيرة. وفي ذلك الوقت اشتهر الدون «رونسو سوارس دو فيجيروا» الذي خلع العقيدة الكاثوليكية، وأظهر الإسلام؛ فوثق به ابن هود، وصار يعوِّل عليه، فعرض الدون فيجيرو هذا على ابن هود أن يذهب إلى جيش المسيحيين متجسسًا ويعود إليه بجليَّة الخبر عن حقيقة قوتهم، ولم يدُرْ في خلده أن الرجل الذي خان دينه الأصلي لا يتورَّع عن خيانة دينه الجديد؛ فأذن ابن هود له في الذهاب إلى ملك قشتالة، فكانت نتيجة سفارته هذه أنه دلَّ الملك القشتالي على عورات المسلمين ومواقع ضعفهم، وعاد إلى ابن هود فوصف له قوة المسيحيين بأكثر مما هي بكثير تهويلًا عليه وتثبيطًا له عن الوقوف في وجههم.

وقد أصغى ابن هود إلى كلامه فانكفأ بجيشه تاركًا الدفاع عن قرطبة التي كان ممكنًا ذلك الوقت الدفاع عنها. وجاء ابن هود إلى المرية قاصدًا منها ركوب البحر إلى بلنسية التي كانت أعلام أراغون الكاثوليكية أخذت ترتفع فوق حصونها وأبراجها.

وكان ابن هود من شيعة المرابطين، هواه معهم لا مع الموحدين أعدائهم. فلما وصل إلى المرية ألقاه قائدها عبد الرحمن بمزيد الاحتفال وبالغ في إجلاله، ولكنه كان يُضمر له الشر لما بينهما من اختلاف المشرب؛ فإن عبد الرحمن هذا كان من جماعة الموحدين فقُدِّر أن ينام هذان الرجلان تحت سقفٍ واحد، فانتظر عبد الرحمن حتى تيقَّن أن ابن هود استغرق في نومه فخنقه بيده وهو نائم، ويذكر المؤرخ كندي أن هذا الحادث وقع سنة ١٢٣٨، وعندما مات ابن هود أعلن أمير بلنسية زيد أبو زيد نفسه أميرًا على بلنسية ومرسية.

وكان من حسنات ابن هود أنه أوجد الألفة بين المسلمين والمسيحيين في مرسية. فلما تولى أبو زيد خالف سياسة ابن هود وعسف المسيحيين عسفًا شديدًا، وقبض عليهم جميعًا، وسجنهم في قصر حمَّاد خارج أسوار المدينة، وأكرههم على ترك دينهم أو يقتَّلوا تقتيلًا.

قال صاحب تاريخ مرسية المذكور: إن كثيرًا من هؤلاء المسيحيين استقبلوا الشهادة فرحين مسرورين. ثم ثار المسلمون بمرسية على أبي زيد هذا فالتجأ إلى قلعة قراباقة، وكان في القلعة عددٌ كبير من المسيحيين أراد أبو زيد أن يفعل بهم ما فعل بإخوانهم في مرسية، ولكن حال دون ذلك حادث قد يكون من تدبير العناية الإلهية لأجل إنقاذ هؤلاء المساكين وإنقاذ روح نفس الطاغية الذي كان يريد لهم الهلاك.

قال المؤرخ الإسبانيولي: وهذا الحادث لا يخطر بالبال، وسأقصه على القارئ بمثل البساطة والإخلاص اللذين قصه بهما غيري من المؤرخين، دون أن أثبته أو أنفيه حتى لا أتعرض لغلط بإزاء العقيدة الكاثوليكية، قالوا: اجتمع المسيحيون بحضرة الأمير أبي زيد منتظرين مصيرًا كمصير إخوانهم في مرسية، فخاطبهم الأمير قائلًا إنه يحب أن يرى كلًّا منهم متعاطيًا أمامه المهنة التي من عادته تعاطيها؛ فامتثلوا أمره، وكان بينهم قسيس من قونكة يقال له «جينس بيريس كيرينو Gines Perez Guirino»، فهذا لم يعمل أي عمل أمام الأمير، فسأله الأمير عن ذلك، فأجابه القسيس بأنه أمين الله، وأن عمله إقامة الصلوات، فأمره الأمير بأن يقيم الصلاة بحضرته، وهيئ معبد في أحد جوانب القلعة، وأعدَّ كل شيء للصلاة، لكن تبيَّن في النهاية أن الصلاة لا تمكن دون وجود صليب؛ فأخذوا يبحثون عن صليب فلم يجدوا، وبينما هم في حيرة إذا بالصليب يُرى داخلًا إلى المعبد يحمله ملكان من الملائكة، فوضعاه في مكانه، فوقف الأمير أبو زيد والثلاثون رجلًا الذين معه بإزاء هذه المعجزة في أماكنهم جامدين، وفي تلك اللحظة آمنوا جميعًا بعقيدة المسيح، ويذكر المؤرخ «بليدا» أن هذا الحادث وقع في ٣ مايو سنة ١٢٣١؛ فتنصَّر أبو زيد، وتسمَّى «فيسنتي دوبلفيس Vicente de Belvis»، وتزوج في سرقسطة «بدومينيكا لوبين»، ورزق ابنة سميت «ألدا»، تزوجت بعد بلوغها «بخيمين دوتراسونة»، ومات أبو زيد في ٣ مايو سنة ١٢٤٧ ودفن في بلنسية.

ثم في الفصل العشرين ذكر المؤرخ المذكور أنه لما خرج أبو زيد من مرسية إلى قراباقة سادت الفوضى في مرسية، فاضطر الأهلون إلى مبايعة أمير تستقر به الأحوال، فانتخبوا علي بن يوسف بن هود، وتلقب بعضد الدولة، فتبعه أناسٌ كثيرون، ولكن ثار عليه أبو جميل بن مظفر بن يوسف بن سعد الجذامي، فزحف على رأس جيشٍ عظيم ودخل مرسية، وانضمَّ إليه الفرقة الناقمة من المرسيين. فتغلب أبو جميل على الأمير علي بن يوسف بن هود، وأمر بقطع رأسه علانيةً أمام الشعب، وصار أبو جميل الجذامي هو السيد المطلق. ولكن الفتنة لم تسكن بذلك؛ لأن حزب ابن هود بايعوا ابنه هذيلًا، وعدُّوه الوارث الشرعي لأبيه، واشترطوا في بيعته أن يحارب ابن الأحمر صاحب غرناطة جزاءً له على استغلال فتنة مرسية والعبث في أراضيها ونهب غلَّاتها وتخطف أنعامها؛ فقبل هذيل الإمارة بهذا الشرط وخرج بالجيوش التي جمعها لمحاربة الغرناطيين، وما كان يغادر المدينة حتى ساد الهرج والمرج وعمَّت الفوضى وشُنَّت الغارات من كل جهة، فلما رأى المرسيون زحف الغرناطيين واستيلاءهم على مرسية وما أحدق بهم من الخطر، عقدوا مجلسًا عامًّا حضره الشيوخ والرؤساء وتذاكروا فيما وصلت إليه البلاد من الفوضى، وفي خطر استيلاء غرناطة على مرسية؛ فقرر المجلس أخيرًا إدخال مرسية وتوابعها في طاعة الملك المسيحي صاحب قشتالة، وهو المسمَّى سان فرناندو، وكان في ذلك الحين في مدينة برغش، فتألَّف وفد من أعيان مسلمي مرسية يحمل إلى الملك المذكور تاج مرسية.

وكان سان فرناندو قد علم بما هي عليه أحوال مرسية من الاضطراب؛ فانتهز فيها الفرصة وسرَّح جيشًا قويًّا تحت قيادة ابنه الدون ألفونسو للاستيلاء عليها، فتلاقى الوفد المرسي مع الأمير الدون ألفونسو في طليطلة وأبلغوه ما استقر عليه رأي أهالي مرسية من الدخول في طاعة والده، وذلك بالشروط الآتية:
  • (١)

    أن يبقى ابن هذيل أميرًا على مرسية تابعًا للملك سان فرناندو.

  • (٢)

    أن تُلقى شئون التسليح والذخيرة على عاتق ملك قشتالة.

  • (٣)

    أن يتسلَّم ملك قشتالة بمقابلة ذلك نصف ريع إمارة مرسية، ويبقى النصف الثاني للأمير العربي يستغلُّه ما دام حيًّا.

  • (٤)

    يكون على ملك قشتالة في مقابلة هذه الطاعة أن يوطِّد الأمن داخل الإمارة، ويحارب أعداء ابن هذيل، ويزحف لقتال ابن الأحمر ملك غرناطة إذا اعتدى على مرسية.

فتلقى الأمير ألفونسو اقتراحات المرسيين بالقبول، وأمضى المعاهدة من جهة، وأمضاها من الجهة الثانية محمد بن علي بن هود وقواد لقنت وأوريولة والحمَّة وأليدة وأثيكة وشنشالة. وامتنع من إمضاء الاتفاق أمير لورقة عزيز بن عبد الملك بن محمد بن الخطيب أبو بكر؛ لأنه كان طامحًا إلى إمارة مرسية معتمدًا في هذا الأمر على معاونة قائدي قرطاجنة وموله اللذين كانا من حزبه.

ثم إنه على أثر هذا الاتفاق توجَّه الأمير ألفونسو إلى مرسية، فاستقبل استقبالًا فخمًا جدًّا، واجتمع القواد والرؤساء والأجناد واصطفوا لديه، واحتفلوا احتفالًا عظيمًا بتسليمه مفاتيح مرسية، وابن هذيل في مقدمتهم.

قال المؤرخ الإسبانيولي: وقعت هذه الحوادث في أوائل سنة ١٢٤١، وهو تاريخ ذو شأنٍ خاص فيما يتعلق بمرسية. وقفل الأمير ألفونسو إلى برغش مبشرًا والده بهذه المملكة الجديدة الغنيَّة التي غنمتها قشتالة دون أن يراق في سبيلها قطرة دم. وكان الأمير ألفونسو ولَّى على مرسية ولاة من المسيحيين بجانب الأمير العربي، وأخذ يتعرف أحوال لورقة وقرطاجنة استعدادًا لفتحها فيما بعد، واستولى على موله بقلاعها وأبراجها، وعاد إلى والده بالفتح والنصر. انتهى.

قلنا: وهذا مثال من أمثلةٍ عديدة مما كان يصنعه المسلمون بعضهم ببعض في الأندلس حتى صاروا إلى الانقراض بما كسبت أيديهم. قال الله تعالى: وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ.

وفي الفصل الواحد والعشرين يذكر أن الملك سان فرناندو عندما جاء ابنه إليه حاملًا بشرى دخول مرسية في مملكة قشتالة كان في مدينة طليطلة، فبالغ بالاحتفال والابتهاج بهذا الفتح المبين، ولما كان يعلم ما يمتاز به العرب من سرعة التقلب وعدم الاستقرار وجَّه عنايته إلى الاحتفاظ بملك مرسية خاصةً؛ لما في دخولها تحت طاعة قشتالة من زيادة قوة الجيش القشتالي، وفتح مجال جديد لانتشار المسيحية؛ فبادر بالسير إلى مرسية مستصحبًا كبار رجال دولته وقواد جيشه من القشتاليين والليونيين، وكان معه ابنه الدون ألفونسو. فلما وصل إلى مرسية احتفل بوصوله المسلمون والمسيحيون معًا، وأعلن الملك للمرسيين أنه سيسير فيهم بالعدالة التي يتبعها في سائر مملكته، وأنه سيعمل لتوطيد السلام والنظام عندهم، وأنه سيحمي مرسية من كل اعتداءٍ خارجي ومن مطامع ملك غرناطة ابن الأحمر.

وحدث في أثناء وجود الملك بمرسية أن الأمير زيدًا أبا زيد الذي سبق ذكر تنصُّره ترجَّى الملك تعميد ولديه اللذين كان يريد إدخالهما في النصرانية، فرأى الملك سان فرناندو من باب السياسة أن تكون حفلة التعميد حفلة شعبية عامة؛ ليكون عمل الأمير أبي زيد بمثابة مثال يُحتذى ويدخل المسلمون في دين المسيح أفواجًا. وهكذا تمَّ وتسمَّى الولدان فرناندو وألفونسو باسم ملك قشتالة واسم ولي عهده.

ثم أخذ الملك بتنظيم حكومة مرسية وجعل ابن هذيل أميرًا عليها بالتبعية له، وعاد إلى برغش بعد أن خلف في مرسية الدون رودريق ألفونسو قائدًا لحاميتها، ولما كان المقصد هو مقاتلة ابن الأحمر جمع الدون رودريق جيشًا من المسلمين والمسيحيين وزحف به قاصدًا إلى غرناطة، لكنه لقي هزيمة منكرة في شيريبل Chirivel، وترك أهم رجاله من العرب والإسبانيين قتلى في الميدان، فلما وصل خبر هذه الهزيمة إلى سان فرناندو خاف مغبَّة تأثيرها، فسار بنفسه لمحاربة ابن الأحمر، وأمر ولده الدون ألفونسو أن يحافظ على مرسية، فظهر جيش فرناندو على جيش ابن الأحمر، وكان ذلك سببًا في تمكينه وتسهيل أمور ولده في إمارة مرسية؛ فاستولى على لورقة وقرطاجنة، واستصفى تلك الإمارة كلها.

ثم إن الأعمال العسكرية في قشتالة وفي المقاطعات الأندلسية اقتضت أن يستدعي الملك ابنه الدون ألفونسو من مرسية ويعهد بولايتها إلى أخيه الأمير دون مانويل، وفي أثناء ذلك تزوج الأمير ألفونسو بابنة ملك أراغون؛ فتوطَّدت بذلك روابط الصداقة بين المملكتين قشتالة وأراغون، ثم رجع الأمير دون ألفونسو إلى مرسية، فما كاد يستقرُّ بها حتى جاءه نداء من والده يستدعيه إلى إشبيلية، حيث كان قد ضيَّق عليها الخناق ولكنه لم يتمكَّن منها بالنظر لشدة المقاومة التي أبداها عرب إشبيلية؛ فزحف الدون ألفونسو من مرسية بجيشٍ جرَّار، وفي الوقت نفسه وصل مدد آخر من ملك أراغون الذي كان مساعدًا لملك قشتالة في حصار إشبيلية؛ فضغطت هذه الجيوش كلها مجتمعة على إشبيلية فلم يبقَ أمامها إلا التسليم؛ فسقطت إشبيلية في يد الملك سان فرناندو صاحب قشتالة في ٢٢ ديسمبر سنة ١٢٤٨.

وفي الفصل الثاني والعشرين ذكر الإسبانيُّ مؤرخ مرسية أن استيلاء مملكة أراغون على بلنسية سنة ١٢٣٣ كان سببًا في خروج جميل بن زيَّان بن مردنيش من تلك البلدة ببقايا جيشه ملتجئًا إلى بلاد مرسية. فأقام بقرية من قراها، واعصوصب حوله رجالٌ كثيرون، وأخذ شأنه يعظم؛ فاختلَّ نظام الأمن في القرى المجاورة التي كانت بفضل إدارة الأمير ألفونسو القشتالي قد ذاقت طعم الراحة زمنًا. ثم أخذ عرب بلنسية يهاجرون أوطانهم، فانضوى منهم كثير تحت لواء جميل هذا، فصار تحت يده جيش قوي الشكيمة، واحتلَّ بعض المعاقل، فسرَّح إليه والي مرسية جيشًا مؤلفًا من العرب والإسبانيين تحت قيادة القائد العربي عزيز بن عبد الملك؛ لأجل القضاء على ثورة ابن زيَّان المذكور، فكان نصيب هذه الحملة الفشل التام وسقوط القائد عزيز بن عبد الملك قتيلًا في المعركة.

فزاد هذا النشاط ابن زيَّان ومد سلطته على قرطاجنة ولورقة، ووجد في أمير لورقة محمد بن علي بن عبد الله خير عضد، وكان هذا من مهاجرة بلنسية، خرج منها مع ابن زيَّان، وتولى أمر لورقة؛ فأصلح شئونها وقام فيها بمصالح عمرانية مهمة، وأخذ في ذلك الوقت مكانُ ابن زيَّان يعلو وأمره يغلظ حتى في مرسية نفسها. وشعر ابن هذيل بضعف ملك قشتالة عن حمايته لما كان مشغولًا به من الحروب في غربي الأندلس، وأخذ المسلمون المرسيون يراقبون الخلاف الناشب بين مملكتي قشتالة وأراغون، ويتتبعون سير الحوادث لتحقيق مطامعهم في إخراج المسيحيين من مرسية.

وفي ذلك الوقت توفي الملك سان فرناندو، وكانت وفاته في إشبيلية سنة ١٢٥٢، وخلفه ابنه دون ألفونسو العاشر، وبايعه المسلمون والمسيحيون معًا، ولكن لم تمضِ على هذه البيعة ثلاث سنوات حتى صارت مرسية على أتمِّ الاستعداد للانتقاض والانقضاض على المسيحيين، فرأى ملك غرناطة ابن الأحمر أن الفرصة سانحة لإدخال مرسية في طاعته، فاتفق مع ابن هذيل على مقاومة ملك قشتالة؛ فاندلع لهيب الثورة في جميع تلك الجهات، وجرت على المسيحيين مذابح لم تشهد بلاد مرسية مثلها من قبل، ثم نادى المرسيون بمبايعة ابن الأحمر ملكًا على مرسية كما هو ملك على غرناطة.

فلما بلغ الخبر ملك قشتالة الدون ألفونسو جمع زعماء مملكته واستشارهم في ما يجب أن يعمل؛ فأجمعوا الغارة على ملك غرناطة؛ لأنه هو قوة الظهر لعرب مرسية؛ فتوجه الملك ألفونس إلى إشبيلية وسرَّح جيشًا في البر وأسطولًا في البحر لمحاصرة قرطاجنة، فاستولى عليها، وبعد استيلائه عليها وجَّه حملاته على مرسية؛ فاستنجد ابن الأحمر وحليفه ابن هذيل يعقوب بن يوسف ملك المغرب، وقاومت مرسية مقاومة شديدة عجزت جيوش الملك ألفونس عن التغلب عليها.

وفي الفصل الثالث والعشرين ذكر المؤرخ الإسباني أنه لما عجز الملك ألفونسو عن أخذ مرسية كتب إلى ملك أراغون الدون خيمي يلتمس منه النجدة، فوعده ملك أراغون بالنصرة؛ لأنهما يد واحدة على المسلمين، غير أن ملك قشتالة كان يفكر في تتويج أخيه الدون مانويل ملكًا على مرسية بعد تمهيد أمرها، ولم يكن ملك أراغون مرتاحًا إلى هذه الفكرة، فحصل الأخذ والرد بينهما، وانحلَّت العقدة على وجه أن يتزوج الدون مانويل بابنة ملك أراغون. وكانت ملكة قشتالة؛ أي زوجة الدون ألفونسو، هي ابنة ملك أراغون أيضًا، فكانت تغار من شقيقتها ولا تقدر أن تتصور هذه واضعةً على رأسها تاج مرسية ملقبة بلقب ملكة؛ فبلغت الغيرة بين الشقيقتين أن راسلت ملكة قشتالة سلطان غرناطة ابن الأحمر على أن يترك المرسيين وشأنهم ويكون في مقابلة ذلك آمنًا على مملكته غرناطة وتوابعها، وأن يسلِّم تاج مرسية إلى ملك قشتالة على شريطة أن يبقى على رأس مرسية أميرٌ مسلم، وتم الاتفاق على ذلك، وأمضى هذا العهد ابن الأحمر وولي عهده، وأمضاه أيضًا ملك قشتالة.

وبذلك وصلت الملكة إلى ما تريد، واستقامت العلاقات بين ملكي قشتالة وغرناطة، وأقبل كل منهما على شأنه. ولم ينسَ ابن الأحمر أن يأخذ الوعد من ملك قشتالة بالعفو عن ابن هذيل إذا غلب الملك على مرسية، فزحف ملك قشتالة ألفونسو على مرسية من جهة وزحف خيمي ملك أراغون من جهةٍ أخرى، وكل منهما يريد مرسية، وخيف من القتال بينهما، ورأى ابن هذيل أنه واقعٌ في يد أحد هذين الملكين المسيحيين، وأجمع أن يلوذ بابن الأحمر؛ فأفهمه هذا أن المقاومة عبث، وأنه هو أخذ على ملك قشتالة عهدًا بأن يمنَّ عليه بالعفو، ونصح له بتسليم مرسية دون مقاومة تجنبًا لسفك الدماء.

وكان ملكا قشتالة وأراغون قد تفاديا الحرب بينهما على وجه أن ملك قشتالة يتابع فتوحاته في غربي الأندلس، وأن ملك أراغون يفتح مرسية، وانتهى الأمر على ذلك، واستسلمت مرسية لملك أراغون دون مقاومة، وذلك سنة ١٢٩٥ فمنَّ ملك أراغون على ابن هذيل بالحياة وفاءً بعهد ملك قشتالة، لكنه اشترط عليه أن يعيش بين المسيحيين.

وفي هذا التاريخ سقطت مرسية العربية سقوطًا نهائيًّا في أيدي المسيحيين، ولم تعد من بعدها إلى الإسلام أصلًا.

وفي الفصل الرابع والعشرين يذكر المؤرخ الإسباني حالة مرسية وملحقاتها بعد أن استولى النصارى عليها الاستيلاء النهائي، قال: عزَّ على عرب مرسية أن يروا أنفسهم خاضعين لأعدائهم بعد أن كانوا سادة البلاد، وأن يروا أموالهم وأملاكهم نهبًا مقسمًا بين أعدائهم على مرأى ومسمعٍ منهم، فكانت في قلوبهم جَمَرَات تضطرم بالعداوة والبغضاء نحو المسيحيين (ونسوا أنهم هم جنوا على أنفسهم بالفرقة والخلاف ومحاربة ابن الأحمر والاستظهار بالطاغية عليه)، وكانوا يتحفَّزون للثورة، وكانت حاضرة مرسية على شيء من الهدوء، أما الأرباض والقرى المجاورة فكانت الثورة فيها علنية.

وكان ملك قشتالة يدرك خطورة الحالة، ويحرص على إبقاء مرسية في أيدي المسيحيين مهما يكلفه الأمر، فرجع إلى برغش وعزَّز جيشه فيها، ثم جاء وقابل ابن الأحمر، والتمس منه بحسب الهدنة التي بينهما أن يسير معه إلى مرسية لنصح المسلمين هناك بالسكون والتزام الطاعة لملك قشتالة. فسار الملكان المسلم والمسيحي معًا، وأخذ ابن الأحمر يبيِّن للمسلمين سَفَه الرأي بمقاومة الملكين المسيحيين ملك قشتالة وملك أراغون وهما على اتفاق تامٍّ بجميع قوتهما لاستبقاء مرسية في أيدي النصارى. فلما وصل ملك قشتالة وملك غرناطة معه إلى «سان استيفان» خرج ابن هذيل أمير مرسية البائس وترامى على أقدام ملك قشتالة طالبًا العفو، فأطلق الملك سراحه بعد أن نزع عنه لقب ملك، وهكذا انتهت إمارة ابن هذيل.

وتابع الملكان سيرهما إلى مرسية ودخلاها بسلام، وولَّى ملك قشتالة عليها أبا عبد الله محمد بن هود أميرًا بدلًا من ابن هذيل، ولبث الملك المذكور في مرسية أربعة عشر شهرًا ينظِّم أمورها، ويوزع أملاك المسلمين على رجاله من النصارى، ووقف كثيرًا من هذه الأملاك على الكنائس والملاجئ. ثم رأى أن اختلاط مساكن العرب والمسيحيين يؤدي إلى دوام النزاع والشحناء بين الفريقين، فأصدر أمره المؤرَّخ في ٥ يونيو سنة ١٣٠٤ بنقل جميع مسلمي الحاضرة إلى مدينة «أرَّيخاكا»، وذلك في مدة أربعين يومًا، وكان لهم أن ينقلوا معهم أمتعتهم وأثاثهم إلى مساكنهم الجديدة، بشرط أن لا يُحدثوا أي ضرر في المساكن التي يغادرونها في مرسية. وكذلك أمر جميع المسيحيين الساكنين في أرَّيخاكا أن ينتقلوا إلى مرسية، وظن أنه إذا سكنت كل فئة منهما على حدة تقلُّ حوادث النزاع بين الفريقين، فلما نفذ هذا الأمر لم يبقَ للمسلمين شأن يذكر في مرسية، وانكسرت شوكتهم، وكذلك كان شأن الأمير ابن هود بعد أن فارق المسلمون مرسية إلى أرَّيخاكا، فقد أصبحت إمارته صورية أكثر منها عملية؛ فلذلك لم يذكر المؤرخون عنها شيئًا ولا تكلموا على أحواله ولا على وفاته.

وفي الفصل الخامس والعشرين يذكر صاحب هذا التاريخ أن الخطة التي اتَّبعها الدون ألفونسو — ملك قشتالة — بعد سقوط مرسية في يده من نقل العرب إلى أرَّيخاكا وإبعادهم عن الاختلاط بالمسيحيين كانت خطة سديدة رشيدة ظهرت نتائجها في استقرار الأمن، وانقطاع النزاع بين الفريقين، وأصبحت مرسية خالصة للمسيحيين، بل صار سكانها أشد رعايا قشتالة إخلاصًا للملك وللمسيحية، وأخلد العرب إلى السكون بسبب هيبة الملك ألفونسو الذي كانوا يخشونه كثيرًا.

ولكنه بعد أن مات الملك المشار إليه تجرأ العرب فعادوا إلى شأنهم الأول، وصاروا يكرون على الحدود المرسية فيخربون الديار ويدمرون الحصون ويحرقون المزارع، ويعودون إلى غرناطة بالأسلاب والأسرى من النصارى. فاضطر ملوك قشتالة الذين جاءوا بعد ألفونسو أن يسلكوا بإزاء عرب مرسية خطة الحزم والصرامة، وأن يوقعوا بهم وينكِّلوا تنكيلًا؛ فأخذ شأنهم يضعف شيئًا فشيئًا، وما زالوا ينحطُّون يومًا بعد يوم حتى وصلوا إلى حالة العجز التام، وأصبحوا لا يستطيعون أدنى حركة، لكنهم بالرغم من ذلك لم يستطيعوا الاتِّصاف بتلك الفضيلة اللازمة لكل شعب مغلوب على أمره، وهي فضيلة الرضا والتسليم، بل كانوا من وقتٍ إلى آخر يرتكبون أعمالًا تسوِّغ المعاملة القاسية التي كان يعاملهم بها المسيحيون، فمن ذلك ما حدث سنة ١٣٥٣، وهو أن عربيًّا اسمه محمد أبو اللجا هَامَ بحبِّ مسيحية حسناء اسمها «ماريا هرناندس»، وأراد التزوج بها، فلم يجد إلى ذلك سبيلًا إلَّا بواسطة مسيحي يقال له «الدون خوان دو ديوس»، فأمكن العربيَّ بهذه الواسطة أن يتصل بالفتاة المسيحية، فلما ذاع الخبر قام المسيحيون وقعدوا لهذا الأمر، ووصلت القضية إلى المحاكم وإلى الملك، فصدر أمره بقتل العربي والمسيحي الذي توسَّط له، وأصبح هذا الأمر شريعة في مرسية من ذلك العهد.

وكان نشوب الفتن بين المسيحيين واشتعال الحروب الأهلية بين ملوكهم مما يسرُّ عرب مرسية؛ لأنهم كانوا في أثناء هذه الفتن أحسن حالًا، فكان لهم دَوْرٌ في النزاع الذي قام بين الملك ألفونسو والأمير دون خوان، وحاربت طائفة منهم إلى جانب الأمير خارجةً عن طاعة الملك. وكان لا يزال في أرَّيخاكا أمير عربي حتى بعد سقوطها في يد ملك قشتالة، وذلك كان ناشئًا عن شغف الملك ألفونسو العاشر ببقاء أمراء من العرب في تبعيته وعن العهد الذي كان قد أخذه على نفسه بإبقاء ملك عربي في جوار مرسية. وفي الحقيقة لم يكن هذا الملك العربي إلا لقبًا مجرَّدًا، ولم يكن في يده شيء من الحل والعقد، وكان المسلمون أنفسهم لا يبالونه.

وفي الفصل السادس والعشرين يذكر واقعة يقال لها واقعة «البورشوينس»؛ ففي سنة ١٤٥٢ زحف من غرناطة جيشٌ عظيم تحت قيادة محمد بن عبد البر الذي كان وزيرًا لملك غرناطة محمد بن عثمان، فدخلوا أرض مرسية، والتقاهم المسيحيون في مكان يعرف بالبورشوينس، فبعد قتال شديد انهزم المسلمون وسقط كثير من قوادهم قتلى، ونجا ابن عبد البر ومعه ثلاثمائة من جنوده، فلما وصل بين يدي مولاه وقصَّ عليه الفاجعة، وذكر له أسماء الذين فقدوا في المعركة استعظم الخسارة وقال لابن عبد البر: أما وقد جبنت عن الموت في ميدان الحرب ولم تمت كما مات أولئك الأبطال، فستموت موتة شنيعة كما يموت الأنذال، وأمر بقطع رأسه.

وفي الفصل السابع والعشرين يذكر حوادث الموريسك، وهم العرب الذين بقوا تحت حكم النصارى، وسنفرد جزءًا كبيرًا بأخبار الموريسك المذكورين إن يسَّر المولى، ونجعله الجزء الأخير من الكتاب، ولكننا أحببنا أن نذكر هنا خلاصة ما قاله المؤرخ المذكور عن موريسك مرسية، قال: عاش الموريسك في إمارة مرسية من بعد سقوطها في أيدي النصارى إلى الجلاء الأخير في ذلٍّ وهوان ليس عليهما مزيد، وكان المسيحيون يعاملونهم أقسى معاملة؛ فأخذ المسلمون يراسلون مسلمي المغرب ويأتمرون معهم على مملكة قشتالة؛ فصدر أمر فيليب الثالث بإجلاء هؤلاء القوم عن البلاد واستئصال شأفتهم منها، وفي الخطب التي نُشرت من قلم السنيور فرنسيسكو كسكاليس — مؤرخ مرسية — وثائق مهمة تتعلق بجلاء العرب عن بلاد مرسية وغيرها من بلدان إسبانية التي كان قد بقي فيها منهم بقايا. فمن ذلك المنشورُ الذي صدر من الملك إلى الأمة الإسبانية مبينًا فيه «دسائس العرب على الدولة وعلاقاتهم بكفَّار البلدان الأخرى»، وفيه الأمر بإخراج العرب بأجمعهم مع تعيين الأشخاص الذين عهد إليهم الملك بإتمام هذه المهمة في المرافئ الجنوبية والمقاطعات الداخلية.

ومن ذلك الأمر الملكي الذي نشر في ذلك الحين، وجاء فيه ما يأتي: في مدة ثلاثة أيام من نشر هذا الأمر يكون على جميع موريسك المملكة رجالًا ونساءً أن يغادروا البلاد، ويتوجَّهوا إلى قرطاجنة؛ ليكون منها خروجهم، ولهم أن يحملوا من متاعهم ما يستطيع كل فرد حمله بنفسه، وسينقلون إلى بلاد البربر في سفن تخصَّص لهذا الغرض، ومن خالف منهم الأمر يعاقب بالقتل.

كل مسلم يوجد بعد ثلاثة أيام في غير المكان الذي عُيِّن له، فيكون لأي شخص حق في القبض عليه وتقديمه إلى الحكومة؛ فإن امتنع وعارض فله أن يقتله.

كل مسلم يُخفي ثروته لعدم استطاعته أن يحملها معه أو يحرقها أو يحرق مزرعته أو بيته يعاقب بالقتل.

للأطفال الذين لا يبلغ عمرهم الرابعة البقاء في البلاد إذا وافق على ذلك آباؤهم، فإن كانوا يتامى فأولياء أمورهم.

الأطفال الذين لا يبلغ عمرهم ست سنوات والذين آباؤهم من أصل مسيحي يجب أن يبقوا في البلاد، وتبقى معهم أمهاتهم، ولو كنَّ موريسكيات. انتهى.

قال كسكاليس إنه بمجرد أن اطلع العرب الموريسكيون على هذا الأمر استولى عليهم أشد الحزن والألم لمفارقة الوطن الذي كانوا ألفوه، ولفقد المال والمتاع اللذين كان لا بد لهم من تركهما، وكان الرئيس الأول الذي أسند الملك إليه مهمة إجلاء العرب من إمارة مرسية هو «دون لويس فخاردو»، وصدر له الأمر بذلك بتاريخ ١٣ يناير سنة ١٦١٠، فخرج من مرفأ قرطاجنة من تاريخ ١٨ يناير سنة ١٦١٠ إلى ٢٢ مارس من تلك السنة ٦٥٥٢ نفسًا من العرب.

ومن تاريخ ٢٦ أبريل سنة ١٦١٠ إلى أغسطس سنة ١٦١١ خرج من نفس المرفأ ١٥١٨٩ نفسًا، ثم في عاشر نوفمبر ١٦١١ صدر أمر جديد أشد من سابقه بإخراج العرب أجمعين؛ لأنه بالاستعلامات السرية قد ثبت أنهم ما داموا موجودين في البلاد فلا يمكن الأمان لا على الدين ولا على العرش ولا على الوطن ولا على راحة السكان. وفي سنة ١٦١٨ أصدر الملك أمرًا جديدًا إلى الكونت «دوسالاسار» بالذهاب إلى مرسية وإخراج كل من بقي فيها من الموريسك، وأن يسفرهم من ثغر قرطاجنة فنفَّذ الأمر بتمامه. وكان هؤلاء يرفعون الصليب فوق منازلهم وأكواخهم إيهامًا بأنهم مسيحيون وأملًا أن يغضوا النظر عنهم، لكن الحكومة كانت عندها جداول بأسمائهم فلم تنفعهم هذه الحيل كلها، وكانت صفة إجلائهم مؤلمة جدًّا؛ فمنهم من كان يدفعه اليأس إلى تخريب منزله أو إضرام النار فيه وفي كل ما يملك، ومنهم من كان يصل به القنوط إلى أبعد من ذلك، فكانوا يقتلون أولادهم ثم ينتحرون.

وكان الكونت دوسالاسار يعاقب الذين تصدر منهم أفعال كهذه ويسهل للذين يطيعون الأوامر نقل أمتعتهم، ويأمر المسيحيين بأن لا يهينوهم. وكانوا يحشرونهم في أماكن معينة منتظرين أن يأتي دور كل فئة منهم في ركوب البحر، فمات منهم كثير في أثناء ذلك، منهم من مات جوعًا، ومنهم من ماتوا بالأمراض، ومنهم من ماتوا جزعًا من مفارقة وطنهم إلى بلادٍ أخرى لا يعرفونها، وإن عدد المسلمين الذين أُجْلُوا عن مرسية وتوابعها في تلك النوبة يقدَّر بمائتين وستين ألف نسمة.

هكذا كانت نهاية العرب في مرسية بعد أن أقاموا فيها وفي البلاد التابعة لها ثمانية قرون، وبهذه الصورة تخلَّصت البلاد ونجا الدين من الخطر الذي كان يهددهما. انتهى كلام المؤرخ الإسباني.

ثم ذكر هذا المؤرخ أسماء مشاهير عرب مرسية، فوضع في رأسهم اسم عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي زعم أنه تنصَّر، وأن الجند العربي قتلوه من أجل ذلك.

وحبيب الفهري من قواد عبد العزيز بن موسى بن نصير، وهو الذي تولَّى مكانه بعد قتله.

وإحسان أبو قطن عدو الملك المسيحي «أتانايلد»، وهو الذي أجبر هذا الملك على الخروج من مرسية، وعبد الله بن رجمان الذي تتوج في قلعة قراباقة، وزهير ملك المرية الذي غلب على مرسية أيضًا، وحسام بن ظهار عالم مرسية الكامل المولع بالزراعة، وهشام بن مالك الدمشقي فاتح مرسية الذي تولى الكتابة فيما بعد لعبد الرحمن ملك قرطبة، وسليمان شقيق هشام ملك قرطبة، وعبد الله شقيق هشام وسليمان السابق الذكر، والفضل بن عميسة أبو أفالية (لعله أبو العالية) قائد مرسية الفيلسوف الذي مات فيها سنة ٨١٢، وأفالية بن الفضل بن عميسة الذي خلف والده على مرسية، وعبد الرحمن ملك قرطبة؛ أول ملك في قرطبة بهذا الاسم من سلالة الخلفاء، ومحمد المنصور ملك قرطبة أيضًا.

وأحمد بن الخطيب من أعيان مرسية وأغنيائها الذي أضاف ملكي قرطبة عبد الرحمن والمنصور، والمرتضي أبا محمد، هو أحد المسلمين الثلاثة الذين تغلبوا على مرسية سنة ١٠١٦، وعلي بن حمود الذي كان وزيرًا لسليمان، والشيخ أبا بكر أحمد بن إسحاق الملقب بالمدلِّين الذي عرف في مرسية بعدله وسعة نفوذه، وأبا الهيثم أحد الذين غلبوا على مرسية سنة ١٠١٦، وأحمد بن طاهر الذي شارك أبا بكر أحمد بن إسحاق في حكم مرسية، وابن عبَّاد والي إشبيلية الذي اشتهرت شجاعته ومقدرته في إمارة مرسية، والراضي بن عبَّاد الذي غلب على مرسية واشتهر بخبرته بالفنون الحربية، وابن منذر أحد الذي تغلبوا أيضًا على مرسية سنة ١٠١٦، وعبد الرحمن الطاهري الصقلبي ملك مرسية الذي استولى عليها مدة ثلاثين سنة، وعبد الله بن رشيق الذي غلب على مرسية أيضًا وكان موفَّقًا في حروبه، وأبا بكر الذي تولى أيضًا مرسية وحصل على الملك بطريقة التزوير (أظنه يعني أبا بكر بن عمار الشاعر الذي قتله المعتمد بن عباد بيده).

والمعتمد بن إسماعيل الصاحب المزيف لأبي بكر، وأبا محمد بن الهاجد أمير لورقة الذي كان معنيًّا بالزراعة، وذا الوزارتين أحمد أبا عبد الله الذي ملك مرسية عشر سنوات، وعبد العزيز الذي اشتهر بالبسالة وكان محبوبًا جدًّا في مرسية، وابن طاهر الوزير قائد جيش مرسية، وابن لب ملك مرسية الذي غادر العرش أثناء المدة التي استمرت فيها الفتن، ومحمد بن عبد الرحمن بن طاهر القيسي من سلالة تدمير أمير مرسية الإسباني، وأبا محمد بن الحاج الذي اشتهر بشجاعته ومعرفته بفنون الحرب، وعبد الرحمن بن جعفر بن إبراهيم محبوب المرسيين الذين انضموا إلى حزبه، وعبد الله بن فَطِن الثغري الطاغية الذي لقي حتفه في النهر (في أثناء معركة تقدم ذكرها)، وأبا جعفر بن أبي جعفر أمير مرسية، والمستنصر بن حمدان أمير مرسية الذي مات في معركة البسيط، وأبا العباس بن هذيل قاضي مرسية المحارب الشجاع، وسيف الدولة بن هود ملك قرطبة ثم مرسية، وذا النون الذي كان أميرًا في أوريولة، وشارك في قيادة الجيوش المرسية.

وعبد الرحمن بن عبد الرحمن الظالم الذي تولى مرسية، وأبا محمد صاحب ابن حمدين الحميم والمدافع عنه، وابن سوار الذي انهزم في معركة البسيط، وهو رفيق السابق، والفلفلي الأموي من أنصار ابن طاهر من سلالة بني هود، وابن عيَّاض أبا محمد قاضي بلنسية الذي صار أميرًا على مرسية، ومحمد بن سعد بن مردنيش نائب أمير مرسية، وعبد الله بن سعد نائب بلنسية، وابن فداء قاتل الثغري، وعلي بن عبيد الله أبا الحسام والي مرسية، وابن همشك أمير شقورة وقلاعها، وابن همشك وزير مرسية الثاني، وابن هود الجذامي ملك مرسية، وزيدًا أبا زيد ملك مرسية، وعبد الله العلي الذي عرف بمرسية بملابسه الفاخرة، وعلي بن يوسف عضد الدولة ملك مرسية، وأبا جميل بن مظفر الذي حارب مع المرسيين في معركة أقليش.

وابن هذيل من ذرية بني هود ملك مرسية، وعزيز بن عبد الملك وزير مرسية، وابن الأحمر ملك غرناطة، ومحمد بن علي أبا عبد الله والي لورقة الشجاع القوي المزارع الكبير المحبوب عند جيرانه، ومحمد بن هود الذي انتخب ملكًا على مرسية برأي خيمي الأول ملك أراغون، وأبا بكر بن عامر الذي استولى على «موله» سنة ١٠٧٩، ومحمد بن أحمد الذي اعتزل في حصن «مونقودُه» سنة ١٠٩٤، ومحمد بن رافع أبا العباس العالم الشهير المولود في مرسية الذي نال الحظوة لدى ملوك العرب، ومات في سن الأربعين، وأبا عمر إبراهيم التجيبي الفلكي قاضي مرسية. وابن عتالة رئيس مرسية أصله من غرناطة، وهو حيسوبي ومزارع كبير، وعبد الرحمن بن عبد العزيز الخطيب السرقسطي المستشار المرعي في مرسية، وأحمد أبا جعفر نائب مرسية من الذين أصلحوا الزراعة فيها، وعبد الملك من مرسية الذي كان مثالًا للفضيلة، وكان خطيبًا وشاعرًا وفيلسوفًا وعالمًا بفن الزراعة، وعاشر بن مرقيَّة (كذا) أصله من بسطة حاكم مرسية، وكان مؤلفًا ممتازًا في فنونٍ شتى، وابن عيَّاض العالم الحاكم واسع الثروة الذي كان المرسيون يحبونه حبًّا جمًّا، ومحمد بن أبي ناصر خطيب مرسية أصله من طبالة، وأبا الفضل المرسي العالم الشاعر الذي مات في مرسية فأظهر المرسيون في جنازته عظيم آلامهم لفقده.

وعبد الجبار بن موسى المرسي من قراء القرآن، توفي سنة ٨٧١ المسيحية، وفضل بن فضل بن عميسة من مرسية مستشار الملوك المتوفى سنة ٨٧٢، وشمس الدين المرسي رئيس جماعة العلماء في غرناطة، وأبا جمرة المرسي مؤلف الكتب العشرة في العربية في إسبانيا، ولا تزال كتب أبي جمرة مستمرة في المغرب، وابن الشنجالي من فقهاء مرسية الذي كان من أبرع علماء مرسية في علم الكلام، وابن حافد الأمين النحوي الفقيه من علماء مرسية، وابن بُرطُلُه المرسي المتوفى سنة ١١٨١ المسيحية، ومولده عام ١٠٩٢، وعبد الله الضرَّاع الكاتب الحسابي المرسي، توفي سنة ١١٧٦، ومحمد التجيبي المرسي حاكم أوريولة الذي كان عالمًا شاعرًا مؤلفًا في الفقه، توفي سنة ١٢١٢، ومحمد اللخمي المؤرخ، توفي في مرسية سنة ١١٢٤، وحسن الكتاني الشاعر المرسي، توفي سنة ١٢٣٦، وتونس بن إسحاق الشاعر المرسي الذي كان كاتبًا للخليفة أبي عبد الله، وأبا الرجال بن غالب المرسي الوزير الشاعر، وأبا موسى بن عبد الواحد الشاعر المؤلف، والحزمي العالم المتضلِّع من إمارة مرسية.

والبخاري المرسي الذي كان متفوقًا في الشعر، ومحمد بن جهور من أعيان مرسية، وأبا جعفر القطان من مشاهير مرسية توفي سنة ١٢٣٦، والصنهاجي المولود في قلعة حمَّاد المتوفى سنة ١٢٣١، وأبا جعفر الخمَّار الشاعر المرسي، وابن عبد السلام المرسي الطبيب المؤلف في الطب، ومحمد التجيبي المرسي الكاتب المؤلف (ألف كتاب فياتوريس)، والمرادي المولود في «جمالة» مؤرخ مرسية، وعلاش بن شاهين (كذا) الكاتب المتكلم المتصوِّف المرسي مفسر القرآن، الذي تناظر مع العلماء المسيحيين (لعله يعني ابن سبعين)، ومحمد بن لبون أمير لورقة الذي استطاع أن ينال لقب ملك، وأبا القاسم ذا الوزارتين الذي تلقَّب بملك لورقة الشاعر النبيل، وأبا الحسن الأنصاري بن محمد، أصله من قرطاجنة من شعراء مرسية، العالم المتضلع، الذي نظم قصيدة ألف بيت، وابن عطاف أصله من قرية بني عطاف من سلالة بني عطاف الذين اشتهروا بهذا الاسم نسبةً إلى موطنهم.

والمؤلف يعتذر عما عسى أن يكون قد وقع في أسماء الأشخاص والأماكن من غلط، فيقول إنه بذل كل مجهوده بتصحيح الأسماء، وأن السماء قد تختلف من عصرٍ إلى عصر؛ لأن الخصومات السياسية تؤدي إلى حذف الألقاب وتغييرها؛ مما يؤدي إلى حيرة المؤرخ واضطرابه بين الأسماء والألقاب المختلفة بشخصٍ واحد. انتهى.

قلت: ونحن بسبب اختلاف اللفظ بين العرب والإسبانيين، وما يمكن أن يطرأ من وهم على مؤرخيهم في أسماء رجالنا لم نحاول إبداء ملاحظات على هذا الجدول إلا قليلًا. على أن قسمًا كبيرًا ممن ذكرهم وارد في أسماء علماء مرسية الذين سيرد ذكرهم كما ترى.

(٢) ذكر من انتسب إلى مرسية من أهل العلم

نبغ في مرسية من العلماء والأدباء والمتصوفة والأولياء عددٌ كبير يجعل هذه المدينة في الدرجة العليا من الترقي الفكري، لا في العالم الإسلامي وحده، بل في العالم كله على الإطلاق. وإذا قيل إن مرسية كانت أول بلدة علمية وأول بلدة زراعية في الغرب لم يكن في هذا القول شيء من المبالغة.

نبغ في مرسية محمد بن محمد بن يبقى، كان فقيهًا، أخذ عن ابن ورد وعن أبيه محمد، وكان يكتب الشروط بمرسية، وبها توفي بعد سنة ٥٧٠، ذكره ابن عميرة في بغية الملتمس، كذلك ذكره ابن الأبَّار في تكملة الصلة، وقال إنه سمع داود بن يزيد، وأبا الحسين بن الضحَّاك، وكان موصوفًا بالصلاح والعدالة يعقد الشروط، وأخذ عنه ابن مسدي.

ومحمد بن طرَّافش الهاشمي أبو عبد الله، فقيه مقرئ فاضل، تولى الأحكام بمرسية، وتوفي وهو خطيب جامعها وصاحب الصلاة به في سنة ٥٩٢، ذكره ابن عميرة في البغية، وكذلك ذكره ابن الأبَّار في التكملة، وضبط اسمه بفتح الطاء وتشديد الراء وألف وفاء مفتوحة بعدها شين قائلًا: هكذا قرأت اسمه بخطه، وهو من أهل شنتمرية الشرق، وسكن مرسية، يكنى أبا عبد الله، كان من الصُّلَحاء الفضلاء مع التيقُّظ وبراعة الخط، وولِّي الصلاة والخطبة بجامع مرسية، قال ابن الأبَّار: ووقفت على ما أشهده به القاضي أبو عبد الله بن حميد في رمضان سنة ٥٧٩، ولا أدري أله رواية عنه أم لا.

وأبو عبد الله محمد بن طاهر الحاج. قال ابن عميرة في البغية: القاضي صاحبنا سمع بمصر من محمود بن أحمد بن علي المحمودي الصابوني بقراءتي عليه، وبالإسكندرية من أبي عبد الله الحضرمي، توفي بمرسية سنة ٥٩١.

وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن محمد الخزرجي، يُعرف بابن الفرس، فقيه عارف محدِّث، كان يفتي بمرسية، وأقرَأَ بها مدة، روى عن جماعة أئمة أعلام، منهم غالب بن عطية، وعلي بن أحمد بن خلف، وأبو بحر سفيان بن العاصي، وعلي بن أحمد بن كُرز، وأبو محمد بن عتَّاب، وعبد القادر بن الحنَّاط، وأبو الوليد محمد بن رشد، وموسى بن عبد الرحمن بن خلف بن جوشن، وأبو بكر بن العربي، وأبو الحسن بن مغيث، وابن زُغيبة، وغيرهم، ذكر في فهرسته أنه روى عن خمسة وثمانين رجلًا. قال ابن عميرة في البغية: ولم يزل يقرئ الحديث والفقه إلى أن توفي، وقد أدركتُه ورأيتُه، لكني لم أقرأْ عليه.

وأبو عبد الله محمد بن عمر الصدفي صاحب أحكام القضاء بمرسية فقيه يروي عن أبي علي بن سُكَّرة وغيره، ذكره ابن عميرة.

وأبو عبد الله محمد بن مالك بن محمد الغافقي القاضي، فقيه عارف، تفقَّه بقرطبة، وروى عن أبي بكر بن العربي، وحضر إملاءه لكتاب «القبس في شرح موطأ مالك بن أنس»، وكان يكتب الشروط بمرسية، وبها توفي سنة ٥٨٦، ذكره ابن عميرة في البغية، وذكره أيضًا ابن الأبَّار في التكملة، وقال إنه محمد بن مالك بن محمد بن مالك، من أهل مرسية، يُعرف بالمولي نسبةً إلى بعض أعمالها،١٩ لقي أبا بكر بن العربي وسمع منه مسلسلاته، قال: ولا أعلم له رواية عن غيره. وكان فقيهًا على مذهب مالك حافظًا له، بصيرًا به، مقدَّمًا في علم الرأي، وولِّي قضاء بعض الكور الشرقية، وتولَّى النيابة عن أبي القاسم بن حبيش أيام قضائه بمرسية، وقد أخذ عنه، وتوفي بمرسية في حدود التسعين وخمسمائة.

ومحمد بن مفرِّج بن أبي العافية أبو عبد الله، كان يكتب الشروط بمرسية، وكان من أهل الفهم والذكاء والمعرفة بأنساب أهل مرسية بلده وأخبارهم، وكان مكسِّرًا عارفًا بأملاك مرسية كلها، حافظًا لكتاب الله، أديبًا. قال ابن عميرة في البغية: روى عن أكثر أشياخي، وعن ابن مدرك وغيره، توفي بمرسية سنة ٥٨٧.

ومحمد بن يبقى الأموي، من أهل مرسية، فقيهٌ حافظٌ عارفٌ متفنِّن، كان له مجلس بمرسية في طريقة الوعظ مشهور، توفي بمرسية، ذكره ابن عميرة في البغية.

وأحمد بن محمد بن زيادة الله الثقفي، المعروف بالحلَّال، قال ابن عميرة فيه: قاضي قضاة الشرق، فقيه محدِّث، من أهل بيت جلالة ورئاسة وفضل واشتمال على الغرباء، قرأ على الحافظ أبي علي الصدفي وغيره، وحدَّث بمرسية، وكان كهفًا للغرباء في وقته، ولد سنة ٤٩٨، وتوفي سنة ٥٥٤.

وأحمد بن أبي عمر أحمد بن محمد الأزدي القاضي أبو الحسن، يُعرف بابن القصير، غرناطي فقيه مشاوَر محدِّث، يروي عن أبي الأصبغ بن سهل، وأبي علي الغسَّاني، وأبي بكر محمد بن سابق الصقلي المتكلِّم، وأبي عبد الله بن فرج، وأبي عبد الله بن علي بن حمدين، وأبي عبد الله بن سليمان بن خليفة، وأبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتَّاب، قال ابن عميرة في البغية: قيَّدت فهرسته بخط يدي، وقرأتها بمرسية على ابنه الفقيه الأديب أبي جعفر.

وأبو العباس أحمد بن رشيق الكاتب، وكان أبوه من موالي بني شُهيد، ونشأ هو بمرسية، وانتقل إلى قرطبة، وطلب الأدب فبرَّز فيه وبسق في صناعة الرسائل مع حسن الخط المتقن إلى النهاية، وشارك في سائر العلوم، وبلغ من رئاسة الدنيا أرفع منزلة، وقدَّمه الأمير الموفَّق أبو الجيش مجاهد بن عبد الله العامري على كل من في دولته لأسباب أكَّدت له ذلك عنده من المودَّة والثقة والنصيحة، فكان ينظر في أمور الجهة التي كان فيها نظر العدل والسياسة، ويشتغل بالفقه والحديث، ويجمع العلماء والصالحين ويؤثرهم، ويُصلح الأمور جهده.

قال الحميدي: وما رأينا من أهل الرئاسة من يجري مجراه مع هيبة مفرطة وتواضع وحلم عُرف به مع القدرة، مات بعد الأربعين وأربعمائة عن سنٍّ عالية. وله رسائل مجموعة متداولة، منها الرسالة إلى أبي عمران موسى بن عيسى بن أبي الحاج الفاسي وأبي بكر بن عبد الرحمن فقيهي القيروان في الإصلاح بينهما. وله كلام مدوَّن على تراجم كتاب الصحيح لأبي عبد الله البخاري ومعاني ما أشكل من ذلك.

قال الحميدي: وقد رأيته غير مرة إذا غضب في مجلس الحكم أطرق ثم قام ولم يتكلم بين اثنين، فظننته كان يذهب إلى حديث أبي بكرة عن رسول الله : لا يحكم حاكم بين اثنين وهو غضبان. قال الحميدي: حدَّثنا الرئيس أبو العباس أحمد بن رشيق الكاتب، قال: كنت في سن المراهقة بتدمير أول طلبي للنحو إذ دخل إلينا على البحر رجلٌ أسمر ذكر أنه من بني شيبة حجبة البيت، وأنه يقول الشعر على طبعه ولا يقرأ ولا يكتب، وكان يقول إنه دخل عليه اللحن بدخول الحضر، وكان يسأل أستاذنا أن يُصلح له اللحن، ويسألني كثيرًا أن أكتب أشعاره بمدائح القائد … ومما بقي في حفظي من شعره:

يا خليلي من دون كل خليلِ
لا تلمني على البكا والعويلِ
إنَّ لي مهجة تكنَّفَها الشو
ق وعينًا قد وُكِّلَت بالهمول
كلما عوَّدت هتوف العشايا
والضحى هيَّجت كمين غليلي
ذاتُ فرخين في ذرى أثلاثٍ
هدلاتٍ غُضفِ الذوائب مِيل
لم يغيبا عن عينها وَهْيَ تبكي
حذر البين والفراق المُديل
أنا أولى لغربتي وانتزاحي
واشتياقي منها بطول العويل
حلَّ أهلي بالأبطحين وأصبحـْ
ـتُ مع الشمس عند وقت الأفول

وأبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن إدريس، صاحب الأحكام بمرسية، فقيه محدِّث عارف، يروي عن العبسي أبي الحسن، وأبي محمد بن أبي جعفر، وغيرهما، توفي سنة ٥٦٣.

وأبو عامر أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد، أشجعي النسب، من ولد الوضَّاح بن رزاح الذي كان مع الضحَّاك يوم المرج.٢٠ وهذا الوضَّاح هو جد بني وضَّاح، من أهل مرسية وإليه ينتسبون، فبنو وضَّاح من أشجع، وأشجع من قيس بن عيلان بن مضر، وأبو عامر هذا من العلماء بالأدب ومعاني الشعر، وله حظ من ذلك بَسَقَ فيه، ولم يَرَ لنفسه في البلاغة أحدًا يجاريه، وله كتاب «حانوت عطَّار»، وسائر رسائله وكتبه نافعة الجد كثيرة الهزل، وشعره كثيرٌ مشهور، وقد ذكره أبو محمد بن علي بن أحمد مفتخرًا به فقال: ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن شهيد، ومن أبياته المختارة قوله:
وما ألان قناتي غمزُ حادثةٍ
ولا استخفَّ بحلمي قط إنسانُ
أمضي على الهول قدمًا لا ينهنهني
وأنثني لسفيهي وهو حردان
ولا أقارض جهالًا بجهلهمُ
والأمر أمريَ والأعوان أعوان
أُهيب بالصبر والشحناء ثائرة
وأَكظِم الغيظ والأحقاد نيرانُ
وما لسانيَ عند القوم ذو ملقٍ
ولا مقالي إذا ما قلت إدهان
ولا أفوه بغير الحق خوفَ أخي
وإن تأخر عني وهو غضبان
ولا أميل على خِلِّي فآكله
إذا غرثت وبعض الناس ذؤبان
إن الفتوَّة فاعلم حدُّ مطلبها
عرض نقيٌّ ونطق فيه تبيان
بالعلم يفخر يوم الحفل حامله
وبالعفاف غداة الجمع يزدان
ودَّ الفتى منهمُ لو مُتُّ من يده
وإنه منك ضخم الجوف ملآن

وقوله:

ألِمتُ بالحب حتى لو دنا أجلي
لما وجدت لطعم الموت من ألم
وزادني كرمي عمَّا ولهت به
ويلي من الحب أو ويلي من الكرم

وقوله:

كتبت لها أنني عاشق
على مهرق الكتم بالناظر
فردَّت عليَّ جواب الهوى
بأحور في مائه حائر
منعَّمة نطقت بالجفون
فدلَّت على دقة الخاطر
كأن فؤادي إذا أعرضت
يعلَّق في مخلبَيْ طائر

وقوله — وقد أصاب لعمري جدًّا:

أقلُّ كل قليلٍ جد ذي أدبٍ
بين الورى وأقلُّ الناس إخوانُ
وما وجدت أخًا في الدهر يذكرني
إذا سما وعلا يومًا به الشانُ

قال أبو محمد علي بن أحمد: توفي أبو عامر بن شهيد ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ٤٢٦ بقرطبة، ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة، وصلى عليه جهور بن محمد بن جهور أبو الحزم. وكان حين وفاته حامل لواء الشعر والبلاغة، ولم يخلِّف لنفسه نظيرًا في هذين. وكان مولده سنة ٣٤٢، ولم يعقِّب، وانقرض عقب الوزير ابنه بموته. وكان جوادًا لا يأسى على فائت، عزيز النفس، مائلًا إلى الهزل. وكان له من علم الطب نصيبٌ وافر. ومات وهو حافظ ذهنه يدعو الله — عز وجل — ويتشهَّد شهادة التوحيد والإسلام. وكان أوصى أن يصلِّي عليه أبو عمر الحصَّار الرجل الصالح. كل هذا عن ابن عميرة.

وأبو جعفر أحمد بن علي بن خلف بن طرشيل الأستاذ بمرسية، نحوي أديب لغوي، توفي سنة ٤٧٣، ترجمه ابن عميرة.

وأحمد بن مسلمة بن وضَّاح أبو جعفر، أديب شاعر من فحول الشعراء، مرسيُّ الأصل، من جملة شعره:

ولما شارف الميدان أضحى
يعلِّم لحظه شقَّ الصفوفِ
ثَنَى أعطافه قبل العوالي
وسلَّ لِحَاظه قبل السيوفِ

وله في شجر السرو:

أيا سروُ لا يعطش منابتك الحيا
ولا مرَّ عن أغصانك الورق النضرُ
لقد كسيت أعطافك المُلْدُ مثلما
تلف على الخطِّي راياته الخضرُ

ترجمه ابن عميرة في البغية.

وأبو أمية إبراهيم بن عصام القاضي بمرسية، فقيهٌ أديبٌ شاعر، من أهل بيت جلالةٍ ووزارة، يروي عن القاضي أبي علي بن سكَّرة، وقد قال فيه أبو محمد بن سفيان قطعة أولها:

امرُرْ بقاضي القضاة إن له
حقًّا على كل مسلم يجبُ

وكان بليغًا متصرِّفًا في أنواع البلاغة، كتب إليه أبو الحسن بن الحاج:

ما زلت أضرب في علاك بمقولي
دأبًا وأورد في رضاك وأصدر
فاليوم أعذر من يُطيل ملامة
وأقول: زد شكوى فأنت مقصر

فأجابه:

الفخر يأبى والسيادة تحجر
أن يستبيح حمى الوفاء مزور
ولديَّ إن نفث الصديق لراحة
صدق الوفاء وشيمة لا تغدر
وعليك أن ترضى فسمع ملامة
عين الثناء وعهدة لا تخفر
وكتب إليه أبو العباس القرباقي:٢١
أما ترى اليوم يا ملاذي
يحكيك في البشر والطلاقه
والبحر يرتج مثل قلبٍ
راقب من إلفه فراقه
فامنن بمشي إليَّ إني
ما لي على الصبر عنك طاقه

فأجابه:

عندي لما تشتهي بدارٌ
يشهد أني على علاقه
فاخبُر بما شئت صدق عهدي
تجد دليلًا على الصداقه
واسكن إلى رأي ذي احتفاء
يُعجز من رامه لحاقه

ترجمه ابن عميرة في البغية، وقال إنه توفي سنة ٥١٦.

والطيِّب بن محمد بن هارون العتقي، مرسي فقيه، توفي سنة ٣٢٨، ذكره ابن عميرة.

وبشر بن محمد أبو الحسن، محدِّث زاهد فاضل، توفي بمرسية بعد الخمسمائة، ذكره ابن عميرة أيضًا.

وأبو غالب تمَّام بن غالب بن عمر المعروف بابن التيَّاني المرسي، كان إمامًا في اللغة وثقةً فيها، مذكورًا بالديانة والعفة والورع، وله كتابٌ مشهور جمعه في اللغة لم يؤلف مثله، وله فيه قصة تدل على فضله مضافًا إلى علمه؛ أخبر أبو محمد علي بن أحمد قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بابن الفرضي أن الأمير أبا الجيش مجاهد بن عبد الله العامري، وجَّه إلى تمام بن غالب أيام غلبته على مرسية، وأبو غالب ساكن بها، ألفَ دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة هذا الكتاب مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد؛ فردَّ الدنانير، وأَبَى من ذلك، ولم يفتح في هذا بابًا البتة، وقال: والله لو بذلت لي الدنيا على ذلك ما فعلت ولا استجزت الكذب، فإني لم أجمعه له خاصة، لكن لكل طالب علم. قال ابن عميرة في البغية وقد روى هذه القصة: فاعجَبْ لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها. توفي أبو غالب تمام سنة ٤٣٦، وفيها مات أبو الجيش المجاهد الموفق بدانية.

وخطَّاب بن أحمد بن خطاب فقيهٌ عارف، من أهل مرسية، روى عن الحافظ أبي بكر بن العربي وغيره، وتفقه بقرطبة. قال ابن عميرة في البغية: وكان ذكيًّا، جالسته كثيرًا، توفي قبل الثمانين وخمسمائة.

وأبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الخشني، واحد وقته بشرق الأندلس حفظًا ومعرفةً وعلمًا بالفروع وسبقًا فيها غير منازع، مشهور بالفضل، محافظ على نشر العلم وصونه، تعظِّمه الأمراء وتعرف له حقه، وتتبرَّك به وبصالح دعائه، ولم يكن قبله ولا بعده بمرسية أكثر صدقة منه، قاله ابن عميرة في البغية، وأردف ذلك بقوله: ولم يزل كذلك طول حياته إلى أن توفي. أُخبرت عنه أنه اشترى ذات يومٍ فرسًا في السبيل لبعض المجاهدين، واجتمع عنده البائع والمشترى له، وحضر الثمن فبكى البائع، فقال له: ما يُبكيك؟ ترانا نقصناك من ثمن فرسك؟ قال: لا، ولكني أبيعه في افتكاك ابن لي مجاهد أسره العدو قصمه الله. فقال له: وبكم افتككته؟ فقال: بكذا، لعدد أكثر من ثمن الفرس؛ فأخرج له فدية ابنه ودفع إليه فرسه، وأمر باشتراء فرسٍ آخر لذلك المجاهد بثمن ذلك الفرس. ومن هذا كثيرٌ جدًّا.

روى عن حاتم بن محمد الطرابلسي وغيره، ورحل فحج وانصرف، ولم يزل يقرئ الحديث والفقه بمرسية إلى أن توفي بها سنة ٥٢٦، ومولده سنة ٤٤٧، قال ابن عميرة: حدثني عنه ابن عم أبي، قرأ عليه سنة ٥١٣، وقد جاءت ترجمة هذا الفاضل في الصلة لابن بشكوال، ذكر أنه روى عن أبي الوليد الباجي، وأبي عبد الله بن سعدون القروي، وأنه أخذ بطليطلة عن أبي المطرِّف عبد الرحمن بن محمد بن سَلَمة، قال: ورحل إلى المشرق فحج وسمع صحيح مسلم بن الحجَّاج من أبي عبد الله الحسين الطَّبَري، وكان حافظًا للفقه على مذهب مالك، مقدَّمًا فيه على جميع أهل وقته، بصيرًا بالفتوى، عارفًا بالتفسير، وانتفع طلَّاب العلم بصحبته وعلمه، وكان رفيعًا عند أهل بلده مرسية، كثير الصدقة والذكر لله تعالى، كتب إلينا بإجازة ما رواه بخطه، وتوفي — رحمه الله — لثلاثٍ خلونَ من شهر رمضان سنة ٥٢٦ بمرسية، ومولده سنة ٤٤٧. انتهى ملخصًا عن ابن بشكوال.

وعبد الله بن محمد النفزي المرسي أبو محمد الخطيب، توفي سنة ٥٣٨، ذكره ابن عميرة في البغية، وذكره ابن بشكوال في الصلة، وقال فيه إنه كان رجلًا صالحًا.٢٢

وعبد الرحيم الشمُّوقي أقرأ بمرسية القرآن والعربية والحساب. قال ابن عميرة في البغية: قرأت عليه بها أشهرًا، وخطب بجامع مرسية مدة، وله تأليف في القراءات وأرجوزة عارض فيها أرجوزة ابن سيده. وكان — رحمه الله — فاضلًا، إذا خرج من منزله لا يلقَى صغيرًا ولا كبيرًا إلَّا سلَّم عليه، أخبرني بعض أصحابنا أنه سلم عنده ذات يوم على جماعة من الفتيان فقاموا كلهم إجلالًا للفقيه، فوقف وأنشد:

لمَّا مررت بماجدٍ جلساؤه
أبناء قومٍ أسَّسوا الأفضالا
قاموا إليَّ ولست أكرمَ منهمُ
عمًّا ولا جدًّا ولا أخوالا
لكنهم نظروا إلى أحسابهم
فأرتهمُ الإجلال والإجمالا

وعبد العزيز بن محمد اليحصبي المعروف بالبلبي، كان صاحب الأحكام والحسبة بمرسية مدة، وكان نحويًّا عارفًا بأبيات المعاني ذكيًّا، توفي على خير عمله بمرسية في سنة ٥٨٠.

وعبد الجبَّار بن موسى بن عبيد الله الجذامي ثم السماني، أقرأ بمرسية القرآن والنحو والآداب، وكان مشهورًا، من أهل الحذق والنباهة والدين والفضل، ذكره ابن عميرة.

وأبو محمد عاشر بن محمد بن عاشر، فقيه عارف شروطي موثَّق، ولِّي القضاء بمرسية، وكان من أعرف الناس بكتب الوثائق، ألَّف في شرح المدوَّنة. قال ابن عميرة: حدَّثني عنه عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم، يروي عن أبي علي الصدفي وغيره.

وعيسى بن عبد الرحمن السالمي المقرئ بمرسية، توفي سنة ٤٩٨.

وعلي بن محمد بن زيادة الله الثقفي، يعرف بابن الحلَّال، من أهل بيتٍ وجلالةٍ وفقه وفضل، فقيهٌ عارف، كان يقرئ المدوَّنة بمرسية، وتوفي بعد الخمسمائة، ذكره ابن عميرة، وكان ذكر قبله أحمد بن محمد بن زيادة الله من بني الحلَّال.

وأبو الخيار مسعود بن خلف بن عثمان العبدري، من علماء مرسية، ذكره ابن عميرة، وقال إن له رحلة، وكان يروي كتاب الشهاب عن القضاعي، ورواه عنه أبو محمد بن أبي جعفر.

وأبو الحجَّاج يوسف بن إبراهيم العبدري المعروف بالثغري، فقيه محدِّث، راوية عارفٌ أديب، انتقل إلى مرسية في الفتنة، وصار خطيبًا بقليوشة من قرى مدينة أوريولة، واقتنع ولم يتعرَّض لظهور. قال ابن عميرة: وكان لمعرفته قد غصَّ به جماعة من الفقهاء بمرسية حين وصلها، فسعوا له في الخطبة بجامع قليوشة المذكورة، وانتقل إليها، سمعت عليه بعض كتاب الموطأ، وكان يروي عن جماعة، منهم الحافظ أبو بكر (أي ابن العربي)، وأبو الحسن بن مغيث، وأبو الوليد بن رشد.

وأبو القاسم أحمد بن إبراهيم بن محمد، يعرف بابن أبي ليلى، من أهل مرسية، روى عن أبي الوليد هشام بن أحمد بن وضَّاح المرسي، وأبي الوليد الباجي، وأبي العباس العذري، وغيرهم، وكانت عنده معرفة بالأحكام وعقد الشروط. قال ابن بشكوال في الصلة: كتب إلينا بإجازة ما رواه بخطه، واستقضي بشلب، وتوفي بها فجأة سنة ٥١٤، ومولده سنة ٤٤٩.

وإسماعيل بن سيدَه، والد أبي الحسن بن سيده، من أهل مرسية، لقي أبا بكر الزبيدي، وأخذ عنه مختصر العين، وكان من النحاة ومن أهل المعرفة والذكاء، وكان أعمًى، وتوفي بمرسية بعد الأربعمائة بمدة، ذكر ذلك ابن بشكوال في الصلة.

وأبو عبد الله الحسن بن إسماعيل المعروف بابن خيزران، من أهل مرسية، روى عن أبي بكر بن معاوية القرشي وغيره، حدَّث عنه أبو عبد الله بن عابد، وقال: لقيته بتدمير. وذكر أنه استقضي بالجزائر الشرقية أعمال ابن مجاهد، ذكره ابن بشكوال في الصلة.

وأبو بكر الحسن بن علي بن محمد الطائي المرسي، يعرف بالفقيه الشاعر؛ لغلبة الشعر عليه، روى عن أبي عبد الله بن عتَّاب، وأبي عمر القطان، وأبي محمد بن المأموني، وأبي بكر ابن صاحب الأحباس، وأبي العباس العذري، وغيرهم، وله كتاب في النحو سمَّاه المقنع في شرح كتاب ابن جِنِّي. وتوفي في رمضان سنة ٤٩٧، ومولده سنة ٤١٢، قاله ابن بشكوال في الصلة.

والحسين بن إسماعيل بن الفضل العتقي، من أهل مرسية، له رحلة إلى الشرق، لقي فيها أبا محمد بن أبي زيد وغيره، وكان عالمًا بالأخبار والأشعار، وتوفي سنة ٤١٢، ذكره ابن بشكوال نقلًا عن ابن مدير.

وأبو عثمان سعيد بن هارون بن سعيد، من أهل مرسية، يعرف بابن صاحب الصلاة، روى عن أبي عمر الطلمنكي وغيره، وتوفي عند الثلاثين والأربعمائة، ذكره ابن بشكوال في الصلة.

وأبو محمد عبد الله بن سيد العبدري، يعرف بابن سرحان المرسي، روى عن أبي الوليد بن ميقل وغيره. وكان يتقن عقد الشروط ويعرف عللها، وله كتاب فيها سمَّاه المفيد قد عول الناس عليه، وله كتاب حسن في شرحه. روى عنه أبو عبد الله محمد بن يحيى وغيره، ذكره ابن بشكوال في الصلة.

وأبو محمد عبد الله بن سعيد بن هارون المرسي، روى عن أبي عمر الطلمنكي، وأبي الوليد بن ميقل، وغيرهما، وتوفي سنة ٤٦١، ذكره ابن بشكوال في الصلة.

وأبو محمد عبد الله سهل بن يوسف الأنصاري المرسي، أخذ عن أبي عمرو المقري، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي محمد مكي بن أبي طالب. ورحل إلى المشرق، وأخذ بالقيروان عن أبي عبد الله محمد بن سفيان، وأبي عبد الله محمد بن سليمان الأُبِّي. وكان ضابطًا للقراءات عارفًا بطرقها، أخذ الناس عنه. قال ابن بشكوال في الصلة: وسمعت شيخنا أبا بحر يعظِّمه ويذكر أنه أخذ عنه، وتوفي برُندة من نظر قرطبة سنة ٤٨٠.

وأبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن طاهر، روى ببلده مرسية عن أبي الوليد بن ميقل، وبقرطبة عن أبي القاسم بن الأفليلي، وأبي عبد الله بن عتَّاب، وأبي عمر بن القطان وغيرهم، ورحل إلى المشرق وحج، وأخذ عن أبي ذر الهروي، وكريمة المروزية، وغيرهما. وكان فقيهًا مشاورًا ببلده، وتوفي سنة ٤٦٩ عن اثنتين وستين سنة، ترجمه ابن بشكوال في الصلة، ونقل تاريخ وفاته عن ابن مدير.

وأبو الحسن علي بن إسماعيل، يعرف بابن سيدَه الأندلسي المرسي، روى عن أبيه، وعن أبي عمر الطلمنكي، وصاعد اللغوي، وغيرهم، وله تواليف حسان منها كتاب المحكم في اللغة، وكتاب المخصَّص، وكتاب الأنيق في شرح الحماسة، وغير ذلك. وذكر الوقشي عن أبي عمر الطلمنكي قال: دخلت مرسية فتشبَّث بي أهلها ليسمعوا عليَّ غريب المصنَّف، فقلت لهم: انظُروا من يقرأ لكم وأمسك أنا الكتاب. فأتوني برجلٍ أعمى، يعرف بابن سيدَه فقرأه عليَّ من أوله إلى آخره؛ فعجبت من حفظه، وكان أعمى ابن أعمى. وذكره الحميدي وقال: إمامٌ في اللغة والعربية، حافظ لهما، على أنه كان ضريرًا، وله في الشعر حظ، ومات بعد خروجي من الأندلس قريبًا من سنة ٤٦٠، وقال القاضي صاعد بن أحمد: توفي سنة ٤٥٨، وقد بلغ ستين سنة ونحوها.٢٣ قلنا: إن ابن سيدَه الأندلسي مفخرة من مفاخر العرب في الشرق والغرب، وكتابه المخصص في اللغة لم يؤلَّف مثله في بابه، وهو معجم لغوي مرتب على المعاني، فكل موضوع من موضوعات الحياة البشرية من مادي ومعنوي يذكره مفرِدًا له بابًا خاصًّا، ويذكر جميع ما ورد فيه عن العرب من الألفاظ والجمل، ومن هذا الكتاب تظهر مزايا هذه اللغة الشريفة، سواء في دقة التعبير أو في سعة مذاهب الكلام أو في اشتقاق المعاني بعضها من بعض، أكثرَ من كل كتاب عرفناه.

وقد طُبع «المخصَّص» بالمطبعة الكبرى الأميرية بمصر سنة ١٣١٦، وهو ١٧ جزءًا، وأوله: قال أبو الحسن علي بن إسماعيل النحوي اللغوي الأندلسي المعروف بابن سيدَه: الحمد لله المميت ذي العزة والملكوت، مُلهم الأذهان إلى الاستدلال على قدمه، ومُعلِمها أن وجوده لم يكُ واقعًا بعد عَدَمه، ثم مُعجزها بعظيم قدرته على ما منحها من لطيف الفكرة ودقيق النظر والعبرة عن تحديد ذاته، وإدراك محمولاته وصفاته، نحمده ما ألهمنا إليه وفطر أنفسنا عليه من الإقرار بألوهيته والاعتراف بربوبيته، ونسأله تخليص أنفسنا حتى يُلحقنا بعالَمه الأفضل لديه وبجواره الأزلف إليه. ثم الصلاة على عبده المصطفى ورسوله المقتفى سراجنا النير الثاقب ونبينا الخاتم العاقب؛ محمد خيرة هذا العالم، وسيد جميع ولد آدم، والسلام عليه وعلى آله الطيبين المنتخبين — صلى الله عليه وعليهم أجمعين. أما بعد فإن الله — عز وجل — لما كرم هذا النوع الموسوم بالإنسان وشرَّفه بما آتاه من فضيلة النطق على سائر أصناف الحيوان، وجعل له رسمًا يميزه وفضلًا يبيِّنه على جميع الأنواع فيحوزه أحوجه إلى الكشف عما يتصور في النفوس من المعاني القائمة فيها المُدركة بالفكرة، ففتق الألسنة بضروب من اللفظ المحسوس؛ ليكون رسمًا لما تصور وهجس من ذلك في النفوس، فعلمنا بذلك أن اللغة اضطرارية وإن كانت موضوعات ألفاظها اختيارية، فإن الواضع الأول المسمَّى للأقل جزءًا وللأكثر كلًّا وللَّون الذي يفرِّق شعاع البصر فيبثه وينشره بياضًا، وللذي يقبضه فيضمُّه ويحصره سوادًا، لو قَلَب هذه التسمية فسمَّى الجزء كلًّا والكل جزءًا والبياض سوادًا والسواد بياضًا لم يخلَّ بموضوع، ولا أوحش أسماعنا من مسموع.

ونحن مع ذلك لا نجد بُدًّا من تسمية جميع الأشياء لتحتاز بأسمائها، وينماز بعضها عن بعض بأجراسها وأصدائها، كما تباينت أول وهلة بطباعها وتخالفت قبل ذلك بصورها وأوضاعها، ونعمَّا ما سدَّدت الحكماء إليه في ذلك من دقيق الحكمة ولطيف النظر والصنعة لما حرصوا عليه من الإيضاح، وأغذُّوا إليه من إيثار الإبانة والإفصاح. فأما اللفظة التي تدل على كميتين مختلفتين منفصلتين أو متَّصِلتين كالبشر الذي يقع على العدد الكثير والقليل، والجلل الذي يقع على العظيم والصغير، واللفظة التي تدل على كيفيتين متضادتين كالنَّهل الواقع على العطش والرِّيِّ، واللفظة الدالة على كيفيات مختلفة كالجون الواقع على السواد والبياض والحمرة، وكالسُّدفة المقولة على الظلمة والنور وما بينهما من الاختلاط، فسآتي على جميعها مستقصًى في فصل الأضداد من هذا الكتاب مثبتًا له غير جاحد، ومضطرًّا إلى الإقرار به على كل نافٍ معاند، ومبرئًا للحكماء المتواطئين على اللغة أو المُلهَمين إليها من التفريط، ومنزِّهًا لهم عن رأي من وسمهم في ذلك بالذهاب إلى الإلباس والتخليط. وكذلك أقول على الأسماء المترادفة التي لا يتكثَّر بها نوع ولا يحدث عن كثرتها طبع، كقولنا في الحجارة: حجر وصفاة ونَقَلَة، وفي الطويل طويل وسَلِب وشَرَحْب، وعلى الأسماء المشتركة التي تقع على عدة أنواع كالعين المقولة على حاسة البصر وعلى نفس الشيء، وعلى الربيئة، وعلى جوهر الذهب، وعلى ينبوع الماء، وعلى المطر الدائم، وعلى حُرِّ المتاع، وعلى حقيقة القبلة، وغير ذلك من الأنواع المقولة عليها هذه اللفظة، ومثل هذا الاسم المشترك كثير، وكل ذلك ستراه واضحًا أمره مبينًا عذره في موضعه إن شاء الله.

وقد اختلفوا في اللغة أمتواطَأٌ عليها أم ملهم إليها. وهذا يحتاج إلى فضل تأمُّل، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي ولا توقيف. إلَّا أن أبا علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسي النحوي قال: هي من عند الله. واحتج بقوله سبحانه: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وهذا ليس باحتجاج قاطع؛ وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله أقدر آدم على أن واضع عليها. وهذا المعنى من عند الله — سبحانه — لا محالة، فإذا كان ذلك محتملًا غير مستنكَر سقط الاستدلال به. (إلى أن يقول): فإذا قد بيَّنَّا ما اللغة أمتواطأ عليها أو موحًى بها وملهم إليها، فلنقل على حدها وهو عامٌّ لجميع اللغات؛ لأن الحد طبيعي، ثم لنردف ذلك بالقول على اشتقاق الاسم الذي سمَّته العرب به، وهو خاص بلسانها؛ لأن الأسماء تواطُئِية، أما حدها — ونبدأ به لشرف الحد على الرسم — فهو أنها أصوات يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم، وهذا حد دائر على محدوده محيطٌ به لا يلحقه خلل؛ إذ كل صوت يعبَّر به عن المعنى المتصوَّر في النفس لغة، وكل لغة فهي صوت يعبَّر به عن المعنى المتصوَّر في النفس.

وأما وزنها وتصريفها وما تحلَّل إليه من الحروف وتتركَّب عنه، فهي فعلة متركِّبة من حرف ل غ و ﻫ وإليها تنحلُّ؛ لأن التحلُّل إنما هو إلى مثل ما يقع عليه التركُّب، يقال: لَغوت؛ أي تكلَّمت، وأصلها لغوه، ونظيرها قلَه وكُرَه وثُبه، كلها لامها واو؛ لقولهم: قلوت بالقُلَه، وكروت بالكُرَه؛ ولأن الثُّبَه كأنها من مقلوب ثاب يثوب، والجمع لُغات ولُغُون كَكُرات وكُرين، يجمعونها بالواو والنون إشعارًا بالعوض من المحذوف مع الدلالة على التغيير.

فلما رأيت اللغة على ما أريتك من الحاجة إليها لمكان التعبير عما نتصوره وتشتمل عليه أنفسنا وخواطرنا، أحببت أن أجرِّد فيها كتابًا يجمع ما تنشَّر من أجزائها شعاعًا وتنثَّر من أشلائها حتى قارب العدم ضياعًا، ولا سيما هذه اللغة المكرمة الرفيعة المحكمة البديعة، ذات المعاني الحكيمة المرهفة والألفاظ اللدنة القويمة المثقَّفة، مع كون بعضها مادة كتاب الله تعالى الذي هو سيِّد الكلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ا.ﻫ.

ثم ذكر ابن سيده أن القدماء ألَّفوا في هذه اللسان الفصيحة كتبًا أورثوا فيها علومًا جمَّة نفيسة، ولكن وجد ذلك نشرًا غير ملتئم؛ إذ كان لا كتاب نعلمه إلَّا وفيه من الفائدة ما ليس في صاحبه، وقال إنه لم يَرَ لهم فيها كتابًا مشتملًا على جلِّها فضلًا عن كلها، وأن المؤلفين فيها حرموا الارتياض بصناعة الإعراب، فلا يبينون ما قلبت فيه الألف عن الياء مما انقلبت الواو فيه عن الياء، ولا يحدُّون الموضع الذي انقلاب الألف فيه عن الياء أكثر من انقلابها عن الواو مع عكس ذلك، ولا يميِّزون مما يخرج على هيئة المقلوب ما هو منه مقلوب وما هو من ذلك لغتان، وذلك كجذب وجبذ، ويئس وأيس، ورأى وراء، ولا ينبهون على ما يسمعونه غير مهموز مما أصله الهمز، ولا يفرِّقون بين القلب والإبدال ولا بين ما هو جمع يكسَّر عليه الواحد وبين ما هو اسم للجمع، وغير ذلك؛ مما حمله على جمع كتاب مشتمل على جميع ما سقط إليه من اللغة إلا ما لا بال به، وأن يضع على كل كلمة قابلة للنظر تعليلها ويُحكم تفريعها وتأصيلها، وإن لم تكن الكلمة قابلة لذلك وضعها على ما وضعوه وتركها على ما ودعوه.

قال: ولم تزل الأيام به عن هذا الأمل قاطعة بما يستغرق زمنه من جواهد الأشغال، ويأتُر متن قوته من لواهد الأعباء والأثقال حتى نفذ ما لوى من عنانه إليه، وهو أمر الموفَّق الملك الأعظم والهمام الأكرم، يريد به أبا الجيش الموفَّق العامري الذي كان استولى على الجزائر الشرقية وعلى مرسية ونواحيها، وأثنى عليه ثناءً جمًّا وقال: إنه أحيا ميِّت الفضل، وأقام مُنآد السياسة بالعدل، وملأ الخافقين ذكره أرجًا، وعمَّ قلوب الثقلين حبه لهجًا.

ولما كان الملك الموفق المشار إليه ذا ملكة ذكرها المؤرخون في العلم والفضل ومادَّة اعترف له بها المعاصرون من جهتي العقل والنقل أشار ابن سيده إلى ذلك فقال: إنه لما شرح الله صدره لقبول مشروعه، وتصفَّح هذا اللسان العربي فرأى العلم به معينًا على جميع العلوم عامة وعلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه خاصة، أراد حصر ما حكَت منه ثقات الأئمة، وتأمَّل ما صنَّفته أعيان رواتهم ومشاهير ثقاتهم، فجلت له دقة نظره عن مثل ما جلت لابن سيده من أنهم لم يضعوا في اللغة كتابًا جامعًا، ولا أبانوا موضوعات الأشياء بحقائقها، ولا تحرَّزوا من سوء العبارة وإبانة الشيء بنفسه وتفسيره بما هو أغرب منه، وأنه تأمَّل فوجد غير ابن سيده لا يقوم بهذا العمل، وقال هذا القول في حق نفسه: «وكلًّا عجم؛ فوجدني أعتق تلك القداح جوهرًا، وأشرفها عنصرًا، وأصلها مكسرًا، وأوفرها قسمًا، وأعلاها عند الإجالة اسمًا، فأهَّلني لذلك واستعملني فيه، وأمرني باللزوم له والمثافنة عليه بعد أن هداني سواء السبيل إلى علم كيفية التأليف، وأراني كيف توضع قوانين التصريف، وعرَّفني كيف التخلُّص إلى اليقين عند تخالج الأمر لما يعترض من الظنون من تعاضد وتعاند، وعقد عليَّ في ذلك إيجاز القول وتسهيله وتقريبه من الأفهام بغاية ما يمكن؛ فدعا مني إلى كل ذلك سميعًا وأمر به مطيعًا.»

ومهما يكن ابن سيده مبالغًا في بيان معارف الملك الموفَّق مجاهد العامري على عادة علماء كل عصر في إطراء ملوكهم، فلا شك في أن لذلك أصلًا أصيلًا، وأن الملك الموفق مجاهدًا العامري كان ملكًا عالمًا جليلًا. ثم ذكر ابن سيدَه بعض فضائل المخصص فقال: إن منها تقديم الأعم فالأعم على الأخص فالأخص، والإتيان بالكليات قبل الجزئيات، والابتداء بالجواهر والتقفية بالأعراض، وتقديم كم على كيف، وشدَّة المحافظة على التقييد والتحليل. قال: مثال ذلك ما وصفته في صدر هذا الكتاب حين شرعت في القول على خلق الإنسان، فبدأت بتنقُّلِه وتكوُّنه شيئًا فشيئًا، ثم أردفت بكلية جوهره، ثم بطوائفه، وهي الجواهر التي تأتلف منها كليته، ثم ما يلحقه من العِظَم والصغر، ثم الكيفيات كالألوان إلى ما يتبعها من الأغراض والخصال الحميدة والذميمة. ا.ﻫ.

وقال إنه كان قد صنَّف كتابه المحكم مجنسًا ليدل الباحث على مظنَّة الكلمة المطلوبة، فأراد هذه المرة أن يعدل به كتابًا يضعه على الأبواب؛ أي على المواضيع؛ لأنه رأى ذلك أجدى؛ فإنه إذا كانت للمسمَّى أسماء كثيرة وللموصوف أوصاف عديدة تنقَّى الخطيب والشاعر منها ما أراد، واتسعا في ما يحتاجان إليه من سجع أو قافية على مثال البساتين تجمع أنواع الرياحين، فإذا دخلها الإنسان أهوت يده إلى ما استحسنته حاستا نظره وشمِّه. وقال على المصنفين في اللغة قبله إنهم إذا أعوزتهم الترجمة لاذوا بأن يقولوا «باب نوادر»، وربما أدخلوا الشيء تحت ترجمة لا تُشاكله.

ثم عاد فأثنى على كتابه كما كان قد أثنى في صفحة سابقة على نفسه؛ مما يؤخذ دليلًا على أن بعض الأئمة لم يستنكفوا عن تبيين محاسن آثارهم، وقد رأينا طائفةً منهم يتحدثون بنعم الله، ويذكرون ما آتاهم الله من فضله، وربما ترجموا أنفسهم بأقلامهم، وذلك مثل الإمام السيوطي، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، ولسان الدين بن الخطيب، والحافظ بن حجر، وابن شامة، وغيرهم، ومن الأدباء ابن الأثير صاحب المثل السائر، وابن حجة الحموي صاحب خزانة الأدب، وغيرهما.

والخلاصة أنه قال: وكتابنا من كل ذلك بحيث الشمس من العيب والنجم من الهرم والشيب. ومن طريف ما أودعته إياه بغاية الاستقصاء ونهاية الاستقراء وإجادة التعبير والتأنُّق في محاسن التحبير الممدود والمقصور والتأنيث والتذكير، وما يجيء من الأسماء والأفعال على بناءين وثلاثة فصاعدًا، وما يبدل من حروف الجر بعضها مكان بعض. ا.ﻫ.

ثم ذكر من محاسن تأليفه إضافة الجامد إلى الجامد، والمنصرف إلى المنصرف، والمشتق إلى المشتق، والمرتجل إلى المرتجل، والمستعمل إلى المستعمل، والغريب إلى الغريب، والنادر إلى النادر. وذكر ابن سيده الكتب التي أخذ عنها مثل كتاب أبي حنيفة في الأنواء والنبات، وكتاب يعقوب في النبات، وكتب أبي حاتم في الأزمنة وفي الحشرات وفي الطير، وكتب الأصمعي في السلاح وفي الإبل وفي الخيل، وكتاب أبي زيد في الغرائز والجرائم. وقال إنه أخذ أيضًا عن المصنف وغريب الحديث لأبي عبيد، وكتب يعقوب كالإصلاح والألفاظ والفرق والأصوات والزبرج والمكنى والمبني والمد والقصر ومعاني الشعر، وكتابيْ ثعلب الفصيح والنوادر، وكتب الفراء، والمبرِّد، وكراع، والنضر، وابن الأعرابي، واللحياني، وابن قتيبة. وقال إنه أخذ من الكتب المجنسة؛ أي المرتبة على حروف الهجاء؛ كالجمهرة والعين، وكتاب البارع لأبي علي القالي، والزاهر لأبي بكر الأنباري، وكتاب سيبويه، وكل ما سقط إليه من كتب أبي علي الفارسي؛ كالإيضاح والحجة والإغفال، ومسائله المنسوبة كالحلبيات والقصريات والبغداديات والشيرازيات، وكتاب أبي سعيد السيرافي في شرح كتاب سيبويه، وكتب أبي الفتح بن جِنِّي؛ مثل التمام والمعرب والخصائص وسر الصناعة والمتعاقب، وشرح شعر المتنبي، وتفسير شعر الحماسة، وكتب أبي الحسن بن الرمَّاني، وهي الجامع في تفسير القرآن والمبسوط في كتاب سيبويه، وشرح موجز أبي بكر بن السريِّ.

قال وإنه أودع المخصص كتابه هذا ما لم يسبق إليه من تعاريف المنطق، ورد الفروع إلى الأصول، وحمل الثواني على الأوائل، وكيفية اعتقاب الألفاظ الكثيرة على المعنى الواحد، وقصد من الاشتقاق أقربه إلى الكلمة المشتقة وأدلَّه عليها بقولٍ بليغٍ شافٍ، وقد وجد في ذلك اختلافًا كثيرًا، فإما اقتصر على أصحِّه عنده وإما ذكر اختلافهم. قال: وهو مع ذلك لا يدَّعي الإحاطة؛ فالله وحده هو الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا، لكنه أعمل في ذلك الاجتهاد، فإن كان قد أصاب فهو ما إليه قصد، وإن تكن الأخرى فقد قيل: إن الذنب عن المخطئ بعد التحرِّي موضوع، وقال: إنه ربما وقعت أثناء كتابي هذا كلمة متغيرة عن وضعها؛ فإن كان ذلك فإنما هو موقوف على الحَمَلَة ومصروف إلى النَقَلَة؛٢٤ لأني وإن أمليته بلساني فما خطَّته بناني، وإن أوضعت في مجاريه فِكَري فما أرتعت فيه بصري.٢٥ مع أني لا أتبرأ أن يكون ذلك قِبَلي، وأن يكون موضعًا قد ألوى فيه بثباتي زللي، فإن ذوات الألفاظ لا تؤخذ بالقياس ولا يستدل عليها بالعقل والإحساس، إنما هي نغم تقيَّد وكلم تسمع، فتقلد هؤلاء أهل اللغة حَمَلَتُها وحماتها ونقلتها ورواتها مشافهو الفصحاء ومُفَاوِهُو الصرحاء الأصمعي، والمفضَّل، وأبو عبيدة الشيباني، قد غلطوا بأشياء تسكعوا منها في عمياء هذا ولا يعرفون علمًا سواها ولا يتحمَّلون من العلوم شيئًا خلاها، فكيف بي مع تأخر أواني وبُعد مكاني ومصاحبتي للعجم وكوني من بلادي في مثل الرجم.٢٦ ا.ﻫ.

ولعمري ليس في هذا ما يعترض عليه؛ فالخطأ لا يسلم منه أحد من العالمين؛ قال الله تعالى: إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ، ولكن بالرغم من جلالة قدر ابن سيده في اللغة، وأنه البحر الذي لا تنزحه الدِّلاء، وأن الإنسان حقيقٌ بأن يتحدَّث بما منَّ الله عليه من نعمٍ وآلاء يستهجن منه أن يقول في مقدمة المخصص مثل هذه العبارة: «ضمنته ما يدل على تقدمي في جميع أبواب الأدب كالنحو، والعروض والقافية، والنسب، والعلم بالخبر، إلى غير ذلك من العلوم الكلامية، التي بها بدأ أبذُّ المؤلفين، وأشذُّ عن المصنِّفين.» فإنه لا يمتنع أن يكون قوله هذا في ذاته صحيحًا، ولكن يكون أكمل لو تجنَّب ذكره وتجانف عن تزكية نفسه بنفسه، لا سيما أن المخصص تستغني حاله عن الإشادة به، وهو مما يقال فيه عينه فراره، وكفى بمطالعته تعظيمًا لقدره. وما أطلنا هذه الإطالة في الكلام على ابن سيده ومخصصه إلَّا تنبيهًا لناشئة العرب وطلاب العربية على ما في هذا الكتاب من الكنوز المدفونة واللآلئ المكنونة التي تعوزهم في التعبير عن المعاني الكثيرة التي جدَّت في زمانهم، وضاقوا في الإبانة عنها ذرعًا بقلة حفظهم وعدم اعتمادهم على أمهات العربية، كالمخصَّص وما في ضربه.

وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بيبش٢٧ المفتي، أخذ عن أبي جعفر بن مغيث، وأبي المطرف بن سَلَمَة، وغيرهما، وتوفي بمرسية سنة ٤٨٤، قاله ابن بشكوال.

وأبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الخشني، من أهل مرسية، سمع من أبي حفص الهوزني وغيره، وكان مفتيًا في الأحكام، حدث عنه ابنه عبد الله، وتوفي بمرسية سنة ٤٩٤، ذكره ابن بشكوال في الصلة، وقد تقدَّمت ترجمة ابن أبي محمد عبد الله الذي انتقل إلى سبتة، وتوفي بقرطبة سنة ٥٣٨.

وأبو عبد الرحمن محمد بن إسحاق بن طاهر، من أهل مرسية، روى عن أبي الوليد بن ميقل، وأجاز له ما رواه، وكانت له عناية ورواية. قال ابن بشكوال في الصلة: وقد أخذ عنه بعض أصحابنا، وتوفي ببلنسية، وسيق إلى مرسية ميتًا، ودفن بها سنة ٥٠٨.

وأبو القاسم محمد بن هشام بن أحمد بن وليد الأموي، روى ببلده مرسية عن أبي علي بن محمد الصدفي، وصحب أبا محمد بن أبي جعفر الفقيه، وتفقه به، وأخذ بقرطبة عن أبي محمد بن عتاب وغيره، قال ابن بشكوال: وكان من أهل الحفظ والعلم والمعرفة والذكاء والفهم، واستقضي بغرناطة فنفع الله به أهلها؛ لصرامته ونفوذ أحكامه وجمود يده وقويم طريقته، وتوفي — رحمه الله — بمرسية صدر رمضان المعظم سنة ٥٣٠.

وأبو عبد الله محمد بن موسى بن وضَّاح، من أهل مرسية، أخذ عن أبي علي الصدفي كثيرًا، وله رحلة إلى المشرق حجَّ فيها، ولقي أبا بكر الطرطوشي وابن مشرف وغيرهما. وكان فاضلًا عفيفًا معتنيًا بالعلم، قال ابن بشكوال في الصلة: كتب إلينا بإجازة ما رواه بخطه، وشُووِرَ بالمرية، وتوفي — رحمه الله — في سنة ٥٣٩.

وأبو الوليد هشام بن أحمد بن عبد العزيز بن وضَّاح، من أهل مرسية، روى عن أبي الوليد بن ميقل، وأبي عبد الله بن نبات، وأبي عمر الطلمنكي، وغيرهم، روى الناس عنه، وكان ثقةً فاضلًا، توفي سنة ٤٦٩، ذكر وفاته ابن مدير، قال ابن بشكوال في الصلة: أخبرنا عنه أبو محمد بن أبي جعفر الفقيه وغيره من شيوخنا — رحمهم الله.

وأبو موسى هارون بن سعيد، من أهل مرسية وصاحب صلاتها وخطيبها، روى عن أبي محمد الأصيلي، وروى عنه أبو عبد الله بن عابد، وقال: كتبت عنه من خطبه ومن غرائب روايته. ذكره ابن بشكوال في الصلة.

وأبو الحسين يحيى بن إبراهيم بن أبي زيد اللواتي، يعرف بابن البياز، من أهل مرسية، روى عن أبي محمد مكي بن أبي طالب، وأبي عمرو المقري، ورحل إلى المشرق، وحج، ولقي عبد الوهاب القاضي بمصر، وأخذ عنه كتاب التلقين من تأليفه، وعمِّر وأسَن، قال ابن بشكوال: وسمعت بعضهم يضعِّفه وينسبه إلى الكذب، وأنه ادَّعى الرواية عن أقوامٍ لم يلقَهم، ويشبه أن يكون ذلك في وقت اختلاطه، والله أعلم؛ لأنه اختلط في آخر عمره. قال: وقرأت بخط القاضي محمد بن عبد العزيز شيخنا: توفي أبو الحسين المقري — رحمه الله — بمرسية يوم السبت بعد صلاة العصر لثلاث خلون من المحرم، ودفن يوم الأحد عند صلاة العصر سنة ٤٩٦، ومولده سنة ٤٠٦.

وأبو أيوب يعقوب بن موسى بن طاهر بن أبي الحسام، روى عن أبي الوليد بن ميقل، وبقرطبة عن أبي عبد الله بن عتاب، وحاتم بن محمد، وأبي عمر بن القطان، وكان فقيهًا حافظًا متفننًا مفتيًا ببلده مرسية، قال ابن بشكوال: توفي في صفر سنة ٤٦١، ذكره ابن مدير.

وأبو علي حسن بن عبد الرحمن بن محمد الكناني المرسي، يعرف بالرَّفَّاء، أخذ القراءات عن أبي محمد الشمُنتي، وسمع من أبي عبد الله بن حميد، ولقي ببلنسية أبا عبد الله بن نوح، وأبا بكر عتيق بن القاضي، وأخذ عنهما. قال ابن الأبَّار في التكملة: لقيته غير مرة، وكان أديبًا صاحب مقطَّعات وتذييلات حسنة، مشاركًا في العربية وعلم العروض، فكه المجلس، حسن الخلق، توفي سنة ٦٣٣.

وأبو الحسن بن عزيز المقري، من أهل مرسية، أخذ عنه القاضي أبو عبد الله بن سعادة، ووصفه بالفضل والصلاح، وقال: قرأت عليه مدة كتاب الله تعالى بطريق التجويد وضبط الرواية، وكان أضبط من لقيته للقراءات، وأحسنهم لها تجويدًا، وأعلاهم رواية، ذكره ابن الأبَّار في التكملة.

وأبو الحسن بن ميمون المقري، من أهل مرسية، أخذ عن أبي محمد بن سهل، وتصدَّر للإقراء، وأُخذ عنه، ومن جملة من أخذ عنه أبو القاسم بن فتحون، ذكره ابن الأبَّار نقلًا عن ابن عيَّاد.

وحبيب بن سيد الجذامي، من أهل «بُقْسرط» عمل مرسية، وصاحب الصلاة بها، كان من خيار الناس وصلحائهم، موصوفًا بالزهادة والانقطاع. وهو الذي صلَّى على أبي عمر بن عفيف عند وفاته بلورقة في شهر ربيع الآخر سنة ٤٢٠، ذكره ابن الأبار في التكملة، وقال: إن ابن بشكوال أغفله، وقد أورد كثيرًا من صنفِهِ.

وأبو مروان خطَّاب بن أحمد بن موسى بن خطاب الغافقي، من أهل «موله» عمل مرسية، سمع بقرطبة من أبي عبد الله بن أصبغ، وأبي بكر بن العربي عند انتقاله إليها، ومن أبي مروان بن مسرَّة، وأبي مروان بن قزمان وغيرهم، وعني بسماع الحديث، وكتب بخطه كثيرًا، وكان حسن الوراقة والتقييد، فقيهًا مشاورًا، ذكره ابن الأبَّار في التكملة.

وأبو الحكم رشيد، مولى القاضي أبي أميَّة بن عصام، روى عن القاضي المذكور، وعن أبي علي الصدفي، وشريح بن محمد، وأبي الحسن بن هذيل، وأبي الوليد بن الدبَّاغ، وكان حسن الخط معنيًّا بالرواية، ذكره ابن الأبَّار في علماء مرسية.

وأبو رجال بن غلبون الكاتب، أخذ ببلده مرسية عن أبي جعفر بن وضَّاح، ورحل إلى أبي إسحاق بن خفاجة الشاعر المشهور فحمل عنه ديوان شعره. وكان أديبًا بليغًا ناظمًا ناثرًا، تأدب به أبو بحر صفوان بن إدريس، ترجمه ابن الأبَّار في التكملة، وقال: أخذ عنه شيخنا أبو الربيع بن سالم، وقال: أذِن لي في التحديث عنه بشعر ابن خفاجة، وتوفي ابن غلبون هذا ليلة الخميس الثاني عشر لذي الحجة سنة ٥٨٩.

وأبو زكريا الحصَّار المقري المرسي، يروي عن أبي الحسين بن البيَّاز، وأبي الحسن بن شفيع، أخذ عنه أبو عبد الله بن تحيَّا المرسي، ذكره ابن الأبَّار.

وأبو الحسن زيادة الله بن محمد بن زيادة الله الثقفي، يعرف بابن الحلَّال، وقد تقدَّمت ترجمة اثنين من هذه العائلة، سمع من أبي الوليد بن الدبَّاغ، وأجاز له أبو بكر بن أسود، وأبو بكر بن العربي، وتفقه بشيوخ بلده مرسية، وتولى خطة الشورى فيها، واستقضاه أخوه أبو العباس بمدينة بلنسية، فتولى ذلك محمودَ السيرة، توفي بمرسية سنة ٥٥٢، قاله ابن سفيان. وقال ابن عيَّاد: توفي في جمادى الأولى سنة ٥٤٨، ورجَّح ابن الأبَّار رواية ابن عيَّاد.

وأبو القاسم الطيِّب بن محمد بن الطيِّب بن الحسين بن هرقل العتقي الكناني، سمع ابن حبيش وأكثر عنه، وتفقه بأبي بكر بن أبي جمرة، وكتب إليه ابن بشكوال، والسهيلي، وابن الفخَّار، وابن مضاء، وأبو بكر بن جُزَيٍّ البلنسي، وغيرهم، وكان من أهل المعرفة الكاملة والنباهة مع المشاركة في الأدب، وتقدم أهلَ بلده مرسية رئاسةً ورجاحة. قال ابن الأبَّار: رأيته في رمضان سنة ٦١٦ ولم آخذ عنه شيئًا، وأخذ عنه أصحابنا، وتوفي وأنا بثغر بطليوس ليلة الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى سنة ٦١٩، أفادني ذلك أبو عمرو بن عيشون صاحبنا. ومولده سنة ٥٥٦ أو نحوها، عن ابن سالم.

ومحمد بن وليد بن مروان بن عبد الملك بن أبي جمرة، من أهل مرسية، حدَّث عن أبيه بالمدوَّنة لسحنون، وحدَّث عنه ابنه وليد بن محمد، ذكره ابن الأبَّار في التكملة.

وأبو بكر محمد بن علي بن خلف، يعرف بابن طرشميل، أخذ عن أبي الحسن بن سيده، وعلَّم بالعربية هو وأخوه أبو جعفر أحمد، وتوفي بمرسية سنة ٤٧٣ على رواية ابن حبيش، وقال ابن عزير وذكره وأخاه: توفي أسنُّهما — يعني محمدًا هذا — ببلنسية، ذكره ابن الأبَّار.

ومحمد بن عبد الملك بن علي بن نصير الغافقي، سمع من أبي علي الغسَّاني صحيحَ البخاري، وسمع من أبي علي بإشبيلية سنة ٤٩٦، ذكره ابن الأبَّار في التكملة.

وأبو بكر محمد بن أغلب بن أبي الدوس المرسي، روى عن أبي الحجَّاج الأعلم، وأبي الحسن المبارك بن الخشَّاب، وأبي علي الغسَّاني وغيرهم، وكان عالمًا بالعربية من أحسن الناس خطًّا وأصحِّهم نقلًا وضبطًا، وشُهر بالإقراء، وأدَّب الراضي يزيد والمأمون الفتح ولدي المعتمد بن عبَّاد صاحب إشبيلية. سكن المرية وقتًا، وأجاز البحر إلى المغرب فنزل مدينة فاس، واستقر أخيرًا بأغمات، وتوفي بمراكش سنة ٥١١، ترجمه ابن الأبَّار في التكملة، قال: وله شعر صالح.

وأبو عبد الله محمد بن مسعود بن خلف بن عثمان العبدري، من أهل شنتمرية الشرق، سكن مرسية، كانت له رحلةٌ حجَّ فيها، وبعد صَدَره منها سمع من أبي علي الصدفي، قال ابن الأبَّار: وأبوه مسعود من شيوخ أبي علي المذكور.

وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن جُزيٍّ الضرير المرسي، لازم أبا علي الصدفي، وكان مقرئًا، ذكره ابن الأبَّار.

وأبو بكر محمد بن عيسى بن محمد بن بقي الغافقي المرسي، روى عن ابن عتَّاب، وأبي بكر بن العربي، وأبي الأصبغ الزهري، وأبي عبد الله القلعي، وحدَّث عن جميعهم بالموطأ، روى عنه ابنه عبد الكبير بن محمد نزيل إشبيلية وغيره، قال ابن الأبَّار: ووجدت السماع منه في سنة ٥٢٩.

وأبو يحيى محمد بن علي بن أحمد بن جعفر من بيت نباهةٍ وأصالة من مرسية، سمع كثيرًا من أبي علي الصدفي، وكان متحريًا في التقييد حسن الخط، ذكره ابن الأبَّار.

ومحمد بن عبد الملك بن أحمد الطائي المرسي، كان بارع الخط أنيق الوراقة، روى عن أبي الحسن بن مغيث، وأبي إسحاق بن ثبات القرطبي، سمع منه سنة ٥٣٠، ذكره ابن الأبار.

وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد، من أهل مرسية، وأصله من ألش عملها، يعرف بابن التيَّان، ذكره السلفي، وقال: روى لنا عن أبي عبد الله بن الطلَّاع، وأبي علي الجيَّاني، وغيرهما، وهو من أهل المسائل والحديث، ذكره ابن الأبَّار.

وأبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مهلَّب الأسدي، من أهل مرسية، قال ابن الأبَّار: كان أديبًا كاتبًا، وله سماع من ابن الدباغ في سنة ٥٣٥ وقفت عليه، وكان من بيت روايةٍ وعنايةٍ بالحديث.

وأبو عبد الله محمد بن يحيى بن سعدون، من أهل مرسية، وصاحب الأحكام بها، كان عارفًا بالشروط. قال ابن الأبار: أخذ عنه شيخنا أبو بكر بن أبي جمرة وتدرب معه، وأجاز له ما رواه، وتوفي سحر ليلة السبت الرابع عشر من ربيع الآخر سنة ٥٣٦.

وأبو الحَكَم محمد بن يزيد بن سمحون، من أهل مرسية، سمع من أبي علي الصدفي، ذكره ابن الأبَّار.

وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد العتقي، من أهل مرسية، كانت له رحلةٌ حج فيها، وروى عن أبي بكر بن العربي، ذكره ابن الأبار، وقد تقدم لأناسٍ من هذه العائلة تراجم.

وأبو جعفر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن موسى الخشني، يعرف بابن أبي جعفر، روى عن أبيه، وأخذ العربية عن أبي بكر بن الجزار، ولقي ابن الدباغ، وكان فقيهًا حافظًا قائمًا على المدونة في تدريسه، مستبحرًا في علم الرأي، حكي عن أبي محمد بن محمد القُلنِّي أنه كان يُثني عليه ويقول: هو أفهم من أبيه، تفقه به أبو محمد بن عات، وأبو بكر بن أبي جمرة، وتولى قضاء بلده مرسية عند انقراض دولة المرابطين، ثم تأمَّر بمرسية، وكان يقول في قيامه بالإمارة: ليست تصلح بي ولست لها بأهل، ولكني أريد أن أمسك الناس بعضهم عن بعض حتى يجيء من يكون لها أهلًا. وتوجه إلى غرناطة في حرب فانهزم جيشه وقتل هو، وذلك في صدر سنة ٥٤٠، قيل: إنه لما قُتل لم يكن تجاوز خمسًا وثلاثين سنة، ترجمه ابن الأبار في التكملة. وآل الخشني بيتٌ مشهور في مرسية.

وأبو بكر محمد بن يوسف بن سليمان بن محمد بن خطاب القيسي، من سرقسطة، سكن مرسية، يعرف بابن الجزَّار، أخذ العربية عن أبي بكر بن الفرضي، وأبي محمد البطليوسي، وسمع الحديث من أبي علي الصدفي، وأبي محمد بن أبي جعفر، وقعد للتعلم بالعربية، وكان أديبًا كاتبًا شاعرًا، وجرت بينه وبين أبي عبد الله بن خَلَصَة مسائل في إعراب آيات من القرآن ظهر عليه فيها، وضمَّن ذلك رسالة أخذها عنه أبو عبد الله المكناسي في اختلافه إليه لقراءة النحو عليه، وقال: قُتل بناحية غرناطة سنة ٥٤٠، وذكره ابن عيَّاد وقال: أقرأ بمرسية، وحكى أنه أصيب مع أبي جعفر — وكان معلمه — وحُمل إلى غرناطة مثبتًا فمات بها، ومن الرواة عنه أبو محمد بن عات، وأبو العباس بن اليتيم. ذكر كل ذلك ابن الأبار.

وأبو عبد الله محمد بن زيادة الله الثقفي، يعرف بابن الحلَّال، وهو والد القاضي أبي العباس، سمع من أبي علي الصدفي الذي لا تُحصى تلاميذه في عصره بالأندلس، وكان ابن زيادة الله هذا شيخًا جليلًا فاضلًا عاقلًا معظمًا في بلده مرسية. توفي في ذي القعدة سنة ٥٤٦، نقل ابن الأبَّار تاريخ وفاته عن أبي عمر عيشون المرسي.

وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الوارث، كان من أهل العلم والدين، وولِّي الصلاة والخطبة بجامع بلده مرسية، فكان أخشع الناس في خطبته، وتوفي سنة ٤٤٧ بحسب رواية ابن عيَّاد. وقال ابن سفيان إنه توفي سنة ٤٤٥، ذكر ذلك ابن الأبار.

وأبو بكر محمد بن فتحون بن غلبون الأنصاري، من أهل مرسية، سمع من أبي علي الصدفي واتصل به. قال ابن الأبَّار: وهو قرابة لشيخنا أبي محمد غلبون بن محمد، وكان ذا عنايةٍ ورواية.

وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن سعد الفهري، يعرف بابن الصيقل، وكان يلقَّب أبا هريرة؛ لتتبُّعه الآثار وعنايته بها، أخذ عن أبي محمد بن أبي جعفر الموطأ، وكتاب الملخَّص للقابسي، وانتفع كثيرًا بأبي الوليد بن الدبَّاغ، وسمع أبا بكر بن أبي ليلى، وأبا عبد الله بن وضَّاح، وكتب إليه كبار العلماء مثل أبي بكر بن أسود، وأبي القاسم بن بقي، وأبي الحسن بن مغيث، وأبي الحسن شُريح، وأبي بكر بن العربي، وأبي محمد الرشاطي، وأبي القاسم بن ورد، وأبي الفضل بن عياض، وغيرهم من الأندلسيين، ومن أهل المشرق أبو طاهر السلفي، وأبو محمد العثماني، وأبو المظفر الشيباني. قال ابن الأبَّار في التكملة: وقيَّد كثيرًا على رداءة خطه فأفاد. قال: وفي هذا الكتاب من فوائده ما نَسَبتُه إليه، وتوفي بمرسية بلده بعد الخمسين وخمسمائة.

وأبو بكر محمد بن أحمد بن عصام، يعرف بابن اليتيم، ذكره ابن سفيان، وأثنى عليه ووصفه بالأدب والبلاغة، وقال: توفي ببلده مرسية سنة ٥٥٣، ذكر ذلك ابن الأبَّار.

وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العافية اللخمي، يعرف بالقسطلي؛ لأن أصله من القسطل التي ينسب إليها الشاعر ابن درَّاج، كان مدرِّسًا للفقه، صدرًا في أهل الشورى، جليلًا في بلده مرسية، عدلًا رضًا، معروفًا بالنزاهة، موصوفًا بالحفظ، تفقه به أبو عبد الله محمد بن سليمان بن بُرطُلُة Berthelot وغيره، وتوفي أول ذي الحجة سنة ٥٥٨، نقل ابن الأبَّار ترجمته هذه عن ابن سفيان وابن حبيش.

وأبو عامر محمد بن أحمد بن عامر البلوي، من أهل طرطوشة، سكن مرسية، وأصله من مدينة سالم بشمالي الأندلس؛ فلذلك كان يعرف بالسالمي، كان من أهل الأدب والعلم والتاريخ، وله كتاب اسمه «درر القلائد وغرر الفوائد»، قال ابن الأبَّار في التكملة إنه نقل عنه فيها، وله أيضًا في اللغة كتابٌ حسن وفي الطب كتاب اسمه الشفاء، وكتب للأمير محمد بن سعد، وكان له حظ من قرض الشعر، توفي سنة ٥٥٩.

وأبو عبد الله محمد بن سليمان بن موسى بن سليمان الأزدي المرسي، يعرف بابن برطلة، سمع من أبي عبد الله بن سعادة، وتفقه بأبي عبد الله القسطلي، وأبي عبد الله بن عبد الرحيم، ولازم القاضي أبا العباس بن الحلَّال، وكان متقنًا لمسائل الفقه، معروفًا بالفهم مع الصون والعفاف، توفي قبل اكتهاله سنة ٥٦٣، روى ابن الأبَّار قال إن قريبه الخطيب أبا محمد ذكر له أن والد المترجم — وهو سليمان بن موسى الأزدي — ولِّي القضاء.

وأبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة مولى سعيد بن نصر مولى عبد الرحمن الناصر، من أهل مرسية، سكن شاطبة، ودار سلفه بلنسية، سمع أبا علي الصدفي — أستاذ الأندلس في وقته — واختُصَّ به، وإليه صارت دواوينه وأصوله العتاق وأمَّهات كتبه الصحاح لصهرٍ كان بينهما. وتفقَّه أيضًا بمحمد بن أبي جعفر، ورحل إلى غرب الأندلس فسمع أعاظم العلماء كأبي محمد بن عتَّاب، وأبي بحر الأسدي، وأبي الوليد بن رشد، وأبي عبد الله بن الحاج، وأبي بكر بن العربي، وكتب إليه أبو عبد الله الخولاني، وأبو الوليد بن طريف، وأبو محمد الركلي، وأبو محمد بن السيِّد، وغيرهم.

ثم رحل إلى المشرق سنة ٥٢٠، فلقي بالإسكندرية أبا الحجاج بن نادر الميورقي، وصحبه، وأخذ عنه الفقه وعلم الكلام، وحج سنة ٥٢١ فلقي بمكة أبا الحسن رزين العبدري إمام المالكية بها، وأبا محمد بن غزال من أصحاب كريمة المروزية، وروى عن أبي الحسن بن سند بن عيَّاش الغسَّاني ما حمل عن أبي حامد الغزالي من تصنيفه. ثم انصرف المترجَم إلى ديار مصر فلازم ابن نادر الميورقي في الإسكندرية إلى حين وفاته، ولقي أبا الطاهر بن عوف، وأبا عبد الله بن مسلم القرشي، وأبا طاهر السلفي — محدِّث الدنيا في وقته — وأبا زكريا الزناتي، وكان قد كتب إليه من الإسكندرية أبو بكر الطرطوشي، وأبو الحسن بن مشرَّف الأنماطي، ولقي في صَدَره إلى المغرب بالمهديَّة أبا عبد الله المازري، فسمع منه بعض كتاب «المعلم» وأجاز له الباقي.

وكان إيابه إلى مرسية سنة ٥٢٦، وولِّي خطة الشورة بمرسية مضافة إلى الخطبة بجامعها، وأخذ في التحديث، وتدريس الفقه، ثم ولِّي القضاء بمرسية بعد انقراض دولة المرابطين أو الملثَّمين. ثم نقل إلى قضاء شاطبة فاتخذها وطنًا، وكان يسمع الحديث بشاطبة وبمرسية وبلنسية، ويقيم الخطبة أيام الجمع في جوامع هذه الأمصار الثلاثة متعاقبًا عليها. وقد حدَّث بمرسية وهنالك أبو الحسن بن موهب، وأبو محمد الرشاطي، وألَّف كتاب «شجرة الوهم المترقية إلى ذروة الفهم» لم يسبق إلى مثله وليس له غيره.

قال ابن الأبَّار في التكملة عنه ما محصله: كان عارفًا بالسنن والآثار، مشاركًا في علم القرآن وتفسيره، حافظًا للفروع، بصيرًا باللغة والغريب، ذا حظ من علم الكلام، مائلًا إلى التصوُّف، أديبًا بليغًا خطيبًا فصيحًا، ينشئ الخطب مع الهدي والوقار والحلم وجميل الشارة، محافظًا على التلاوة، بادي الخشوع، راتبًا على الصوم.

وذكره ابن عيَّاد ووصفه بالتفنُّن في المعارف، والرسوخ في الفقه وأصوله، والمشاركة في علم الحديث وفي الأدب، وقال: كان صليبًا في الأحكام، مقتفيًا للعدل، حسن الخلق والخلق، جميل المعاملة، ليِّن الجانب، فَكِه المجالسة، ثبتًا، حسن الخط، من أهل الإتقان والضبط، كانت عنده أصول حسان بخط عمه مع الصحيحين بخط الصدفي في سفرين، قال: ولم يكن عند شيوخنا مثل كتبه في صحتها وإتقانها وجودتها، ولا كان فيهم من رزق عند الخاصة والعامة من الحظوة والذكر وجلالة القدر ما رزقه، وذكره ابن سفيان أيضًا، وأبو عمر بن عات، ورفعوا جميعًا بذكره.

وقال القاضي أبو بكر بن مفوَّز: كان حسن التقييد والضبط، ثقةً مأمونًا في ما حمل ونقل، سمعت القاضي محمد بن عاشر يقول يوم موته: رحم الله أبا عبد الله، كان من أهل العلم والعمل، أو كان عنده العلم والعمل، وتوفي بشاطبة مصروفًا عن قضائها في منسلخ ذي الحجة سنة ٥٦٥، ودفن أول يومٍ من سنة ٥٦٦. قال ابن الأبَّار: وقرأت بخط شيخنا أبي الخطاب بن واجب أنه توفي ليلة الاثنين، ودفن يوم الاثنين أول يومٍ من محرم سنة ٥٦٦ بالروضة المنسوبة إلى أبي عمر بن عبد البر، ومولده بمرسية في رمضان سنة ٤٩٦.

وأبو بكر محمد بن عبيد الله بن عفَّان الغافقي، من أهل مرسية، كان يسكن الحمَّة من أعمالها، وكان حافظًا للفقه، عارفًا بالمسائل وبالاتفاق والاختلاف، مشاركًا في غير ذلك من أدبٍ ونسبٍ وسواهما، ذكره ابن سفيان وقال: توفي سنة ٥٦٦، وترجمه ابن الأبَّار.

وأبو عبد الله محمد بن أحمد الأزدي، يعرف بابن عسكر، كانت له رحلةٌ حجَّ فيها وسمع «الشهاب» للقضاعي من أبي القاسم بن الفحَّام عنه، وقفل فحدَّث به، ذكره ابن الأبَّار ولم يذكر سنة وفاته.

وأبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن طاهر القيسي، من أهل مرسية ورئيسها في الفتنة، تفقَّه ببلده عند أبي جعفر بن أبي جعفر، ورحل إلى قرطبة فلقي أبا مروان بن مسرَّة وطبقته، وسمع من أبي الوليد بن الدبَّاغ، وأبي القاسم بن ورد، وأبي محمد بن عطية، وأبي بكر بن برنجال، وأجاز له ابن العربي وغيره، وكان يذهب في جميع ما يحمله إلى الدراية. ثم طالع العلوم القديمة؛ أي الفلسفية، فبرَّز فيها وصار إمامًا من أئمتها، ورأس بمرسية يسيرًا بعد انقراض دولة الملثمين. قال ابن الأبَّار: ثم تخلَّى عن ذلك وتلوَّن للناس رغبةً في السلامة، وتوفي بمراكش سنة ٥٧٤، عن ابن سفيان. ا.ﻫ. وقد ورد ذكر بني طاهر هؤلاء في تاريخ مرسية للمؤلف الإسباني مما تقدم ترجمته.

وأبو عبد الله محمد بن رافع بن محمد بن حسن بن رافع القيسي، من أهل مرسية، سمع أبا القاسم بن حبيش واختص به، وأبا محمد بن عبيد الله، وأبا عبد الله بن حميد، وأبا عبد الله بن مالك المُولي (نسبة إلى مولة من ملحقات مرسية)، وتفقه بأبي عمر البشيجي، وأخذ العربية عن أبي جعفر أحمد بن مفرِّج الملَّاحي، وأجاز له أبو القاسم بن بشكوال وغيره، وكان حسن المشاركة في علم القرآن والعربية له عناية بالحديث، وكان من أكرم الناس خلقًا وأجملهم سمتًا، وتولَّى القضاء بمولة، ولما جرت هزيمة الأذفونش بن شانجه في وقعة الأرك على مقربةٍ من قلعة رباح في تاسع شعبان سنة ٥٩١، وكانت هزيمة متناهية في النكاية ظهر فيها المسلمون ظهورًا عظيمًا على الإسبانيين الذين زحفوا بأعظم جيشٍ وقتئذٍ، قيل خمسة وعشرين ألف فارس ومائتي ألف راجل، وكان معهم جماعات من تجار اليهود قد جاءوا لاشتراء أسرى المسلمين وأسلابهم، وأعدوا لذلك أموالًا؛ فخابت آمالهم، وحاز الموحدون جميع ما احتوت عليه محلة النصارى.

قلنا: لما جرت تلك الهزيمة على الإسبان ذهبت وفود المسلمين لتهنئة أمراء الموحدين في إشبيلية بهذه البطشة الكبرى — التي كانت آخر بطشة من نوعها لمسلمي الأندلس — وكان أبو عبد الله محمد بن رافع في وفد مرسية، فبعد وصوله إلى إشبيلية توفي إلى رحمة ربه، وذلك في ذي الحجة سنة ٥٩١، ومولده سنة ٥٥٤، ذكر هذا ابن الأبَّار.

وأبو بكر محمد بن محمد بن الطيِّب بن الحسين بن هرقل العتقي، من أهل مرسية، سمع أبا القاسم بن حبيش، وأبا عبد الله بن حميد وغيرهما، وولِّي القضاء في مواضع عدة من كور مرسية، وولي قضاء شاطبة فاستعفى وأعفي، وتقدَّم للخطبة في جامع مرسية، وكان حسن السمت معروفًا بالعدالة متقدِّمًا بين أهل بلده، وهو أخو أبي القاسم الطيِّب بن محمد وكبيره. توفي يوم السبت ٢٨ رجب سنة ٥٩٤ وقد نيَّف على الأربعين، قاله ابن الأبَّار.

ومحمد بن أحمد بن عبد الملك بن موسى بن عبد الملك بن وليد بن محمد بن وليد بن مروان بن عبد الملك بن محمد بن مروان بن خطَّاب بن عبد الجبَّار، قال ابن الأبَّار في التكملة: هكذا وجدت نسبته بخط يده، وكثيرًا ما يختصره فيقول بعد عبد الملك الثالث: «ابن أبي جمرة»، وعبد الجبَّار هذا هو ابن خطَّاب بن مروان بن نذير مولى مروان بن الحكم. ومحمد بن مروان هو أبو جمرة ومنتماهم في الأزد من أهل مرسية.

وكان المترجم يكنى أبا بكر، سمع من أبيه كثيرًا، وتفقَّه به وبقريبه أبي القاسم محمد بن هشام بن أحمد بن وليد، وبالقاضي أبي بكر بن أسود، قرأ عليه تأليفه في تفسير القرآن، وقرأ على أبي محمد بن أبي جعفر الخشني، وأخذ عن أبي عامر بن شرويَّة خطبة مناولة، وسمع منه الحديث المسلسل في الأخذ باليد. واستجاز له قريبه أبو القاسم محمد بن هشام علماء ذلك العصر، كأبي الوليد بن رشد، وأبي بحر الأسدي، واستجاز هو لنفسه أبا القاسم بن ورد، وأبا بكر بن العربي، وأبا الحسن شريح، وأبا محمد الرشاطي، وأبا الفضل بن عياض، وهذه الطبقة العليا، ومن غير الأندلسيين أبا عبد الله المازري، وأبا طاهر السلفي محدث الدهر، ولقي أبا محمد عبد الحق بن عطية في قصده مرسية.

قال ابن الأبَّار: وصدَّه حينئذٍ عن دخولها وماشاه في طريقه وناوله تأليفه في التفسير، وأذن له في الرواية عنه، ولقي أيضًا أبا الحسن بن هذيل، وأبا الوليد بن الدبَّاغ، وأبا بكر بن رزق، وأبا الحسن بن النعمة، وأبا عبد الله بن سعادة، وأبا بكر بن الجد، فأخذ عنهم وأجازوا له إلَّا ابن هذيل وابن النعمة منهم. وسمع من أبي إسحاق إبراهيم بن صالح المقرئ كتابَ الشهاب ومسنده للقضاعي، وناظر في المسائل عند أبي جعفر بن أبي جعفر أعوامًا، وتدرَّب مع أبي محمد عاشر بن محمد، وسمع منه جملة من تأليفه الكبير في شرح المدوَّنة، ومع أبي عبد الله محمد بن يحيى بن سعدون وأجازوا له، وعني بالرأي وحفظه، وولِّي خطة الشورى وسنه لا يزيد على إحدى وعشرين، وقُدِّم للفتيا مع شيوخه في تاسع ذي الحجة سنة ٥٣٦ أيام تأمر ابن أبي جعفر. ثم جدَّد له الأمير محمد بن سعد تقديمه إلى خطة الشورى، وأول من شاوره من القضاة أبو الحسن سليمان بن موسى بن برطلة؛ فظهرت براعته في أول قضية.

ونصُّ تقديم ابن أبي جمرة للشورى عن أبي جعفر: هذا كتاب تنويه وترفيع، وإنهاض إلى مرقًى رفيع، أمر بكتبه الأمير الناصر للدين أبو جعفر بن أبي جعفر — أدام الله تأييده ونصره — للوزير الوجيه الأجل المشاور الحسيب الأكمل أبي بكر بن أبي جمرة — أدام الله عزه — أنهضه به إلى الشورى؛ ليكون عندما يقطع بأمر أو يحكم في نازلة يجري الحكم بها على ما يصدر عن مشورته ومذهبه؛ لما علمه من فضله وذكائه، وجده في اكتساب العلم واقتنائه؛ ولكون هذه المرتبة ليست طريفة له بل تليدة متوارَثة عن أسلافه الكريمة وآبائه؛ فليتحمَّلْها تحمُّل المستقل بأعبائها، اللَّحِن٢٨ بأنبائها، العالم بمقاصدها المتوخاة المعتهدة وأنحائها، والله يزيده تنويهًا وترفيعًا ويبوِّئه من حظوته وتمجيده مكانًا رفيعًا، وكتب في التاسع لذي حجة ٥٣٩ (الثقة بالله عز وجل) هذه علامة ابن أبي جعفر.

قال ابن الأبار: وتقلد قضاء مرسية وبلنسية وشاطبة وأوريولة في مُدَدٍ مختلفة، وامتُحن بآخرة من عمره في امتناعه من قضاء مرسية نفعه الله بذلك. وكان فقيهًا حافظًا بصيرًا بمذهب مالك، عاكفًا على تدريسه، فصيحَ اللسان، حسن البيان، عدلًا في أحكامه، جزلًا في رأيه، عريقًا في النباهة والوجاهة.

وله تواليف منها كتاب «نتائج الأبكار ومناهج النظار في معاني الآثار»، ألَّفه بعد الثمانين وخمسمائة عندما أوقع السلطان بأهل الرأي، وأمر بإحراق المدوَّنة وغيرها، وله كتاب «إقليد التقليد المؤدي إلى النظر السديد»، وغير ذلك، وبرنامجه المقتضب من كتاب «الإعلام بالعلماء الأعلام من بني أبي جمرة» و«الإنباء بأنباء بني خطاب» هو الذي وقفت عليه، وباختلاف نسخه وجد منافسوه السبيل إليه، فأنكروا علو رايته واستبعدوا إسناده وتعدوا ذلك إلى آبائه وتحديث بعضهم عن بعض، وأكثرهم من تلاميذ أبي القاسم بن حبيش، ولعل ذلك للتباعد الذي كان بينهما في الحياة، وإلا فهذا أبو عمر بن عياد، وله بحثٌ ونظر، وقوله عند من أدركناه معتبر، قد روى عنه وسمَّاه في مشيخته، على أنه كان أسن منه ثم توفي قبله، وما عرض له بما يُريب ولا نَحَله ما يُنكر، بل نص في ما قرأت بخط ابنه أبي عبد الله — وهو أيضًا ممن يحتج به في هذه الصناعة — على روايته عن أبي عبد الله المازري، وأبي بحر الأسدي، وأبي القاسم بن ورد وغيرهم، وقال متصلًا بهذا: لقيته وأنا صغير مع أبي بمرسية وجالسته، ثم لقيته بعد ذلك بزمن وحضرت مجلسه وتدريسه، واستجزته فأجازني جميع روايته، وكتب لي بذلك خط يده في سنة ٥٨٢، وحكي أنه استقُضي بالبلاد المتقدمة الذكر ودرَّس وشُووِر في الأحكام ببلده، قال: وهو كان رئيس المفتين به وأسمع الناس، وأُخذ عنه هذا آخر كلامه. ولم يكن هو ولا أبوه أبو عمر نعم ولا ابن حبيش ليدَّعو الإفصاح بحاله لو ارتابوا بمقاله إلى غير ذلك من كلام ابن الأبَّار في الدفاع عن آل أبي جمرة هؤلاء.

وقال: إن أبا الوليد بن الفرضي ذكر في تاريخه منهم عميرة بن محمد بن مروان بن خطاب، وذكر أيضًا منهم وليد بن عبد الملك بن محمد بن مروان بن خطاب، وهو أخو مروان بن عبد الملك من جدود أبي بكر هذا، إلا أن ابن الفرضي قال في نسبه «العُتقي»، ونسب عميرة إلى ولاء مروان بن الحكم، وكذلك قال أبو بكر الرازي في كتاب «أعيان الموالي بالأندلس» من تأليفه. وقد ذكر في صدره عبد الجبار بن خطَّاب بن مروان بن نذير مولى مروان بن الحكم، قال: وقيل مولى معاوية بن مروان بن الحكم. والأكثر أنه مولى مروان بن الحكم، وإليه نسب باب المدينة الشرقي المعروف بباب عبد الجبار، يعني بقرطبة، وهو جد بني خطاب التدميريين، منهم مروان بن خطاب بن عبد الجبار بن خطاب بن مروان بن نذير. هذا ما أورد الرازي عند ذكرهم.

وفي تدمير جماعة من العتقيين، فلعل ابن الفرضي نسب وليدًا إليهم غلطًا منه، قال: والعتقاء جُمَّاع من حجر حمير ومن سعد العشيرة وكنانة مضر، فالتقول على هذا الشيخ لا يؤثر عند حملة الآثار، ولا يقابلون المتعارف من حاله بالإنكار إلى ما عضده به من تقييد الوفيات والمواليد، وإن حكى شيخنا أبو الربيع بن سالم في كتاب الأربعين حديثًا من جمعه أنه ظهر منه في باب الرواية اضطراب طرَّق الظِّنَّة إليه، وأطلق الألسنة عليه، والله أعلم بما لديه، فقد أسند بعقب ذلك عنه عن أبيه عن أبي عمر بن عبد البر، وحدَّث أيضًا عنه عن أبي بحر الأسدي عن أبي الوليد الوقشي بمختصره لكتاب ابن حبيب في القبائل، وأجازه ابن أبي جعفر له، وكثير من خبره بخطه وجدته ومنه وعنه معوَّلًا عليه ومستندًا إليه قيدته، وفي ذلك ما لا يخفى على من تأمل، فإنه صحَّح من حيث علل.

ثم قال ابن الأبَّار: ولو اكتفينا بهذا وحده في إبطال تلك الأقوال لكفى وشفى إلى ما ينضاف إليه من رواية جلَّة شيوخنا عنه كأبي عمر بن عات، وأبي عبد الله الشوني. وسرد ابن الأبار أسماء بضعة عشر شيخًا من المشهورين، ثم قال: إنه توفي بمرسية مصروفًا عن القضاء ضحوة يوم السبت الموفي ثلاثين من المحرم سنة ٥٩٩، ودفن صلاة العصر من يوم الأحد بعده مستهلَّ صفر، ودفن بالبلاط الغربي من المسجد المنسوب إلى ابن أبي جعفر بإزاء داره. ومولده عشيَّ يوم الأربعاء الخامس لشهر ربيع الآخر سنة ٥١٢.

وأبو القاسم محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التجيبي المرسي، سمع من أبيه أبي العباس، وأبي عبد الله بن سعادة، وأبي بكر بن أبي ليلى، وأبي عبد الله بن الفرس، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد، وأجاز له أبو القاسم بن بشكوال، وصحب القاضي أبا الوليد بن رشد ولازمه بقرطبة، وأخذ عنه واستقضاه في غير ما جهة من قرطبة. ولم يزل ينهض به حتى ولي قضاء الجزيرة الخضراء، ومنها ولِّي قضاء شاطبة، ثم صرف عنه عند محنة أبي الوليد وتتبع أصحابه، ثم ولي قضاء دانية، قال ابن الأبَّار: وكان عالمًا متفننًا، أديبًا ماهرًا، ناظمًا ناثرًا، وقد سمع منه شيخنا أبو الربيع بن سالم يسيرًا وقال فيه: فاضل على الإطلاق، متقدم في نزاهة النفس وكرم الأخلاق، وأنشدني له صاحبنا أبو محمد بن أبي بكر الداني:

يا موقظ النفس علِّمَنْها
ولا تَكِلها إلى الجهاله
فالنفس بدر والعلم شمسٌ
والجهل فيها سواد هاله

مولده سنة ٥٥٠، وتوفي وهو يلي قضاء دانية في ربيع الأول سنة ٦٠١.

وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن محمد المرادي، من أهل مرسية، أخذ عن أبي الحسن بن هذيل، وأبي عبد الله بن سعادة، وأبي بكر بن أبي ليلى، وأبي محمد بن عاشر، وأبي عبد الله بن الفرس، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد، وأجازوا له جميع روايتهم إلا ابن أبي ليلى منهم. وكتب إليه أبو الحسن بن النعمة، وأبو القاسم بن بشكوال، وغيرهما، وكان خيِّرًا فاضلًا، أقرأ القرآن وأسمع الحديث وأخذ عنه الناس. قال ابن الأبار: وتوفي بمرسية نصف ليلة الجمعة الحادي والعشرين لرمضان سنة ٦٠٦، ودفن ببني محمد على مقربةٍ من مسجد إقرائه المنسوب إلى عبد العزيز بن غلبون جد شيخنا أبي محمد غلبون بن محمد بن عبد العزيز، ومولده سنة ٥٤٢.

وأبو عبد الله محمد بن أبي الخليل، من أهل مرسية، أخذ عن أبي عبد الله بن الفرس، وتفقه، وولي قضاء شاطبة، وكان له حظٌّ وافر من العربية وبصر بعقد الشروط ودربة بالأحكام، وقد أُخذ عنه، وتوفي يوم الأربعاء الرابع لصفر سنة ٦٠٧، ودفن لصلاة العصر من يوم الخميس بعده، ذكره ابن الأبَّار.

ومحمد بن محمد بن موسى بن تُحيَّا التجيبي، من أهل مرسية، أخذ القراءات عن أبي زكريا الحصَّار، وسمع من أبي عبد الله بن سعادة، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن الفرس، وتفقه به وبأبي العباس بن الأصفر، وأجاز له أبو الحسن بن هذيل، وأبو الحسن بن النعمة، وغيرهما، وولي قضاء أوريولة ثم قضاء ألش، وكان فقيهًا، مولده سنة ٥٣٢، وتوفي غداة الأربعاء الثامن والعشرين لربيع الآخر سنة ٦٠٧، ودفن لصلاة العصر من يوم الخميس بعده، ذكر ذلك ابن الأبار نقلًا عن ابن عيشون.

وأبو عبد الله محمد بن علي بن محمد التجيبي، من أهل مرسية، يعرف بالربَّاط، أقرأ القرآن، وكان صالحًا فاضلًا، روى عنه ابن المرابط، وذكره ابن الأبار.

وأبو القاسم محمد بن عبد الله بن سليمان بن حوط الله الأنصاري الحارثي، سمع أباه، وأبا جعفر بن المضاء، وأبا محمد بن الفرس، وأجاز له أبو القاسم بن بشكوال، وأبو عبد الله بن الفخَّار، وأبو زكريا الدمشقي، وغير واحد من شيوخ أبيه. وكان من النجباء النبهاء، ولي الأحكام بمرسية وبقرطبة نيابةً عن أبيه، وكان كاتبه مدة قضائه، وتوفي يوم الأربعاء الثاني عشر لذي قعدة سنة ٦٠٧، ودفن ظهر اليوم المذكور، وثكله أبوه، نقل ابن الأبار ترجمته عن ابن سالم وابن عيشون.

وأبو بكر محمد بن محمد بن عبد السلام بن محمد بن يحيى المرادي، يعرف بالجُملِّي، «وجُملَّة» من أعمال مرسية، تفقَّه بأبي عبد الله بن عبد الرحيم، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد، وغيرهم، وسكن مراكش، وولي بها خطة المناكح دهرًا، وكان فقيهًا أديبًا فكهًا، ناظمًا ناثرًا، ترجمه وترجم أباه من قبله ابن الأبار، وقال إنه توفي سنة ٦٠٨.

وأبو عبد الله محمد بن الزبير، من أهل مرسية، أصله من جنجالة، سمع أبا بكر بن حسنون، وأبا محمد بن حوط الله، وغيرهما، وأقرأ القرآن وعلم العربية، وكان صالحًا فاضلًا، توفي سنة ٦١٠، ذكره ابن الأبار.

وأبو عمرو محمد بن محمد بن عيشون بن عمر بن صبَّاح اللخمي، من أهل مرسية، أصله من «يكَّة» من أعمالها، وبالنسبة إليها كان يعرف، سمع أبا العباس بن إدريس، وأبا عبد الله بن سعادة، وغيرهما، وأجاز له أبو الحسن بن هذيل، وأبو الحسن بن النعمة، وأبو القاسم السهيلي، وأبو القاسم بن حبيش، وغيرهم من علماء الأندلس، وأجازه من أهل المشرق أبو الفضل محمد بن يوسف الغزنوي، وأبو محمد بن بري النحوي، وأبو القاسم هبة الله بن علي البوصيري، وأبو يعقوب بن الطفيل الدمشقي، وكان يروي بالإجازة العامة عن أبي طاهر السلفي، وكان يعقد الشروط ويبصرها ويجيد فك المعمَّى. قال ابن الأبار في التكملة: وله تقييد مفيد في الوفيات اعتمد عليه في هذا الكتاب، وحدثني به عنه ابنه أبو عمر عيشون بن محمد وغيره من أصحابنا، وتوفي مستهلَّ ذي القعدة سنة ٦١٤، ودفن بروضة ابن فرج بربض سرحان من داخل مرسية وهو ابن ست وسبعين سنة.

وأبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن يحيى الأنصاري، سمع من أبي القاسم بن حبيش، وأبي بكر بن أبي جمرة، وأبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن علُّوش، وغيرهم، ورحل حاجًّا فسمع بمكة من أبي عبد الله بن أبي الصيف، وأبي محمد يونس بن يحيى الهاشمي، وغيرهما، وعاد إلى مرسية بلده فلزم بها إقراء القرآن، وكان شيخًا صالحًا مقلًّا صابرًا، قال ابن الأبار: وحدثني بعض أهل بلده بصحبته لأبي القاسم الطرسوني وقعوده معه في دكانه، قال لي: وربما غلط في فتياه فيرد عليه ابن يحيى هذا، وكان يخضب، وتوفي سنة ٦١٩ أو قبلها بيسير.

وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن هشام الفهري، من أهل المريَّة، أصله من مرسية، يعرف بابن الشواش وبالذهبي، سمع من أبي عبد الله بن سعادة، وأبي بكر بن أبي ليلى، وأبي عبد الله بن الفرس، وأبي القاسم بن حبيش، وغيرهم، وأخذ عن أبي موسى الجزولي النحوي، وقعد لإقراء القرآن وإسماع الحديث وتدريس العربية، وكان فاضلًا متواضعًا مشاركًا في فنون من العلم، من أبرع الناس خطًّا وأجودهم ضبطًا، وتردد مرارًا على مرسية فأُخذ عنه بها، وتوفي بالمرية سنة ٦١٨، وقال ابن فرقد: توفي سنة ٦١٩، وكذا قال ابن فرقد، وزاد أنه دفن بمقبرة الأخرس بالربض.

وأبو بكر محمد بن محمد بن حبون المعافري، سمع ببلده مرسية أبا القاسم بن حبيش، وأبا عبد الله بن حميد، ولقي أبا بكر بن الجد، وأبا الوليد بن رشد، وأبا الحسن نجبة بن يحيى، وأبا العباس بن مضاء، وأبا موسى الجزولي النحوي فسمع منهم، وأقرأ العربية، وكان له حظ من قرض الشعر، وتوفي في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ٦٢٣، رواه ابن الأبار.

وأبو عبد الله محمد بن موسى بن هشام الهمداني، من أهل مرسية، ومن «ملِّينة» منها، سمع من أبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد، وغيرهما، وعني بعقد الشروط، وكان كريم العشرة، حلو النادرة، محمود الأحوال، ولي قضاء بسطة بآخرة من عمره، وتوفي وهو في القضاء، وذلك في أول سنة ٦٢٤، قاله ابن الأبار.

وأبو بكر محمد بن محمد بن يوسف بن أحمد بن جهور الأزدي، سمع ببلده مرسية من أبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد، ورحل إلى قرطبة، فصحب بها أبا الوليد بن رشد، ولقي أبا بكر بن الجد، وأبا الحسن نجبة بن يحيى، وأبا عبد الله بن الفخَّار، وغيرهم، فأخذ عنهم، وأجاز له أبو طاهر السلفي، ولقي بتونس أبا الطاهر بن الدمنة من أصحاب عبد الله المازري، فأخذ عنه، وكان له حظ من النظم والنثر، وتوفي سنة ٦٢٩، عن ابن الأبَّار.

وأبو القاسم محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد العزيز، يعرف بابن «حَمَنَال»، سمع من أبي محمد بن حوط الله، وأبي الخطَّاب بن واجب، وولي الصلاة والخطبة ببلده مرسية، واستأدبه بعض الأكابر لبنيه، وكان يكتب المصاحف ويعرف رسمها مع براعة الخط وحسن الوراقة، وتوفي في أول شوال سنة ٦٣٣.

وأبو بكر محمد بن علي بن محمد الطائي الصوفي، من أهل إشبيلية، أصله من مرسية، يعرف بابن العربي، أخذ عن مشيخة إشبيلية، ومال إلى الأدب، وكتب لبعض الولاة، ثم رحل إلى المشرق حاجًّا فأدَّى الفريضة، ولم يعد بعدها إلى الأندلس، وسمع الحديث من أبي القاسم الحرستاني وغيره، وكان يحدِّث بالإجازة العامَّة عن أبي طاهر السلفي، وبرع في علم التصوف، وله فيه تآليف جليلة، وتوفي بعد الأربعين وستمائة.٢٩

وأبو عيسى محمد بن محمد بن أبي السداد، واسمه موفَّق مولى زاكن اللمتوني، سمع أبا القاسم بن حبيش واختص به، ولازمه من سنة ٥٧٨ إلى حين وفاته، وسمع من غيره وأجاز له جماعة من كبار العلماء كأبي بكر بن الجد، وأبي الحسن نجبة بن يحيى، وأبي محمد بن بونُه، وأبي عبد الله بن الفخَّار، وغيرهم. وكان يتولى الأحكام بالنيابة في بلده مرسية، ثم تولَّى القضاء فيها، قال ابن الأبار في التكملة: وكان من أهل المعرفة والثقة والعدالة وسكون الطائر ولين الجانب، لقيته بجامع مرسية في أول ذي القعدة سنة ٦٣٦ عند صَدَري من الرسالة التي وجهت فيها إلى تونس منتصف السنة المذكورة، وجالسته بدار الإمارة بمرسية مرارًا، وقد أجاز لي غير مرة جميع روايته، وأخذ عنه جماعة من أصحابنا وكان أهلًا لذلك، وإن لم يكن يبصر الحديث، وعمِّر وتوفي غداة الاثنين الثاني لجمادى الآخرة سنة ٦٤٢، ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر بحومة مسجد الجرف، وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنة.

وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن يحيى بن محمد الأنصاري الخزرجي، يعرف بالغلَّاظي، من أهل مرسية، أخذ عن ابن حبيش، واستجاز له أبو جعفر بن عميرة الضبي في رحلته إلى الشرق أبا يعقوب بن الطفيل الدمشقي، وأبا محمد بن برِّي النحوي، وأبا الفضل بن يوسف الغزنوي، وأبا القاسم هبة الله بن علي البوصيري، فأجازوا له ولجماعة معه من أهل بلده جميعَ روايتهم ومصنَّفَاتهم سنة ٥٧٩، واستشهد يوم الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة سنة ٦٤٢، قتله الروم عند تغلبهم على المركب الذي ركب فيه من ساحل قرطاجنة.

وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الملك الأزدي، من أهل «قيجاطة»، يعرف بالقارجي، نزل بمرسية، وكانت وفاته فيها يوم الثلاثاء ٢٣ محرم سنة ٦٤٣، أخذ عن أبي عبد الله بن يربوع في بلده قيجاطة. وسنة ٥٩٥ رحل حاجًّا؛ فسمع بالقاهرة أبا عبد الله القرطبي، وذكر أنه لقي بطبريَّة من بلاد الشام أبا الحسن علي بن محمد التجيبي، فأخذ عنه القراءات السبع في ختمةٍ واحدة؛ قال ابن الأبار: في ذلك نظر. قال: وأخذ بدمشق من أبي الطاهر الخشوعي، وأبي محمد هبة الله بن عساكر، ولقي بمصر الإمام الطوسيَّ. انتهى ملخصًا.

وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل السُّلمي، من أهل مرسية، رحل إلى الشرق سنة ٦٠٧ أو نحوها، ولقي بنيسابور أبا الحسن المؤيد بن محمد الطوسي صاحب أبي عبد الله الفرَّاوي مُسْنِد وقته، فسمع منه صحيح مسلم، ويروي عنه ابن نقطة، قال ابن الأبَّار: وأجاز لنا في سنة ثلاث عشرة؛ أي بعد الستمائة.٣٠

وأبو بكر محمد بن غلبون بن محمد بن عبد العزيز بن غلبون بن عمر الأنصاري، سمع من أبيه، وأجاز له أبو القاسم بن حبيش، وجماعة من علماء الأندلس، وجماعة من علماء المشرق، وكان ذا عنايةٍ بالرواية، حسن التقييد والخط، مشاركًا في فنون، وتولَّى حسبة السوق ببلده مرسية، قال ابن الأبَّار: أجاز لي غير مرة، ولقيته بمرسية في آخر سنة ٦٣٦، ووقف على «التكملة» هذه من تأليفي، وكانت له خزانة مملوءة أصولًا عتيقة ودفاتر أنيقة ضاعت لاختلاله قبل وفاته بمدة، وبيع أكثرها وهو لا يشعر، ونُكب هو وابنه في ما بلغني إلى أن توفي على تلك الحال من الاختلال في شعبان سنة ٦٥٠، ونُعي إليَّ في رمضان بعده، وذلك بمدينة بجاية.

وأبو محمد بن يحيى المرسي، توفي سنة ٥٦٦، قال ابن الأبَّار: ذكره ابن حبيش، ولا أعرفه.

وأبو بحر صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التجيبي الكاتب، أخذ عن أبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد، وأبي العباس بن مضاء، وأبي رجال بن غلبون وغيرهم، وأجاز له ابن بشكوال. وكان من جلَّة الأدباء ومهرة الكتاب، ناقدًا مدركًا، مفوهًا، متقدمًا في النظم والنثر، وجمع مما صدر عنه كتابًا سماه «عجالة المتحفز وبداهة المستوفز»، وكان من الفضل والدين بمكان، توفي ليلة الاثنين السادس عشر من شوال سنة ٥٩٨، وثكله أبوه، وهو صلى عليه، ودفن بإزاء مسجد الجرف من غربي بلده مرسية وهو دون الأربعين، ذكره ابن الأبار.

وأبو محمد عبد الله بن مفرج الضرير، أندلسي، من أهل مرسية، ذكره ابن الأبار نقلًا عن ابن عساكر؛ ذلك لأنه قدم دمشق ولقي بعض علمائها وأخذ عنهم وأُخذ عنه. وقال إنه ولد سنة ٤١٧ في تدمير.

وأبو محمد عبد الله بن محمد الصريحي، يعرف بابن مطحنة، تأدَّب بأبي بكر بن الفرضي النحوي، ورحل حاجًّا فلقي في المشرق أبا محمد العثماني وغيره، وقعد لتعليم الأدب، وأخذ عنه أبو عبد الله المكناسي وغيره، ذكره ابن الأبار، ولم يذكر سنة وفاته.

وأبو محمد عبد الله المعروف بابن القربلياني، من أهل مرسية، صحب الأستاذ أبا بكر بن الجزار، وتقدم في تلاميذه، وخلفه في حلقته معلمًا بعده العربية وآدابها، أخذ عنه ابن سفيان وقال: توفي سنة ٥٥٥، روى ذلك ابن الأبَّار.

وأبو محمد عبد الله بن موسى بن سليمان بن علي بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن الحسن بن محمد بن عميرة بن طريف بن أشكورنه الأزدي، يعرف بابن بُرْطُلُه، سمع أبا علي الصدفي، ورحل حاجًّا في سنة ٥١٠، فأدى الفريضة وسمع من كبار العلماء مثل أبي عبد الله الرازي، وأبي بكر الطرطوشي، وأبي الحسن بن مشرَّف الأنماطي، وأبي طاهر السلفي، وغيرهم، وانصرف إلى مرسية بلده فولي صلاة الفريضة بجامعها، وتزوج حينئذٍ بنت شيخه أبي علي، فولدت له ابنه أبا بكر عبد الرحمن بن عبد الله، وكان شيخًا فاضلًا جليلًا متواضعًا، من أهل النباهة والنزاهة، تخيَّره أهل بلده للإمامة بهم، فأقام على ذلك حياته كلها، ولقيه أبو عمر بن عيَّاد، وهو من جلَّة مشايخه، وتوفي ابن برطله المترجم بمرسية سنة ٥٦٣، ومولده سنة ٤٨١، ذكره ابن الأبَّار.

وأبو محمد عبد الله بن موسى بن عبد الله الخزرجي، يعرف بابن غُرْفُلْعَة (كذا)، روى عن مشيخة بلده مرسية وغيرهم، وكان ذا حظٍّ من العربية، وكان منقبضًا عن الناس، تاركًا ما لا يعنيه. قال ابن الأبار: ذكره لي أبو محمد بن برطله الخطيب — وهو جده لأمه — وقال: توفي قبل التسعين وخمسمائة.

وأبو محمد عبد الله بن حامد بن يحيى بن سليمان بن أبي حامد المعافري، أخذ عن أبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد، وأبي محمد بن حوط الله، وأخذ العربية عن أبي الحسن بن الشريك، والأدب عن أبي بحر صفوان بن إدريس، وكان من رجالات الأندلس وجاهةً وجلالًا، مع التحقق بالكتابة والمشاركة في القريض، وإليه كانت رئاسة بلده مرسية، وتوفي بعد صَدرَه عن إشبيلية في آخر سنة ٦٢١.

وأبو زيد عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التجيبي، رحل حاجًّا فأدى الفريضة ولقي بمكة أبا الحسن علي بن المفرِّج الصقلي، فسمع منه موطأ مالك رواية أبي مصعب الزهري، ولقي أبا عبد الله بن علي الطبري فسمع منه صحيحي البخاري ومسلم، وأبا عبد الله بن اللجالة النحوي الأندلسي، فحدَّث عنه بالملخَّص للقابسي عن مؤلفه. وقفل إلى بلده مرسية وأقرأ التفسير والحديث، حدَّث عنه ابنه صاحب الأحكام أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن، نقل ابن الأبار خبره هذا عن ابنه وعن ابن عياد، وقال إنه توفي بعد العشرين وخمسمائة.

وأبو بكر عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن خلف بن إبراهيم بن محمد بن أبي ليلى الأنصاري، من ولد أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة، أصله من غرناطة، سمع أباه أبا القاسم، ولازم أبا علي الصدفي واختص به، وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم لأخباره وأضبطهم لرواياته، وقلما فاته مجلس من مجالسه، وكان هو القارئ عليه في أثناء تدريسه. وللمترجم أشياخ آخرون مثل أبي محمد بن أبي جعفر، وأبي عمران بن أبي تليد، وأبي بكر بن العربي، وأبي محمد بن عتَّاب، وأبي الحسن بن الباذش وغيرهم، وأدى فريضة الحج سنة ٥٢٩، فلقي في مكة أبا المظفَّر الشيباني، وأبا علي بن العرجاء، وسمع بالإسكندرية كثيرًا من أبي طاهر السلفي، وأبي محمد العثماني، ورجع إلى الأندلس.

وكان عدلًا موصوفًا بصحة التقييد واتساع الرواية، متقللًا منقبضًا عن الناس، وكان القاضي أبو عبد الله بن سعادة يُثني عليه ويصفه بالضبط، وكان من أصحاب الشيخ أبي علي الصدفي روى عنه كثيرًا، وأراده أبو العباس بن الحلَّال على القضاء فامتنع وآثر الاعتزال ولزم مزرعةً له بخارج مرسية. ثم رغب إليه الناس في آخر عمره أن يجلس للإقراء فأجاب إلى ذلك، وتنافس الناس في حضور درسه؛ لأنه آخر المكثرين من الرواة عن أبي علي الصدفي. قال ابن الأبار: وسماه ابن بشكوال في معجم مشيخته، وروى عنه جِلَّة من شيوخنا وغيرهم، مولده بمرسية في المحرم سنة ٤٩٠، وتوفي بها في شعبان أو رمضان سنة ٥٦٦، وقيل سنة ٥٦٧.

وأبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن محمد السلمي الكاتب، من أهل مرسية، يعرف بالمكناسي، روى عن أبي عبد الله بن سعادة، وعني بالأدب فرأس في الكتابة وشارك في قرض الشعر، وديوان رسائله بأيدي الناس يتنافس فيه، وكتب للأمير أبي عبد الله بن سعد بن مردنيش، وكتب لغيره من الأمراء، ذكره ابن سفيان وقال: به خُتمت البلاغة في الأندلس. وأخذ عنه أبو القاسم الملاحي كثيرًا من نظمه ونثره، توفي بمراكش سنة ٥٧١ وهو دون سن الاكتهال، قاله ابن الأبار.

وأبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن موسى بن سليمان الأزدي، يعرف بابن برطله، تقدمت ترجمة والده عبد الله، وعبد الرحمن المترجم هنا هو سبط القاضي أبي علي الصدفي، أخذ القراءات عن أبي علي بن عُريب، وسمع ابن أبي ليلى، وأبا عبد الله بن سعادة، وأبا القاسم بن حبيش، وغيرهم، وقرأ بشاطبة وببلنسية وبقرطبة، فممَّن أخذ عنهم في بلنسية أبو الحسن بن النعمة، وبقرطبة أبو القاسم بن بشكوال، وأخذ بإشبيلية عن أبي بكر بن الجد، وولي قضاء دانية مدة ثم صُرف عنه حميدَ السيرة معروف النزاهة، وولي صلاة الفريضة والخطبة بجامع مرسية دهرًا طويلًا.

وكان فقيهًا محدثًا أديبًا مع جمال الشارة والجلالة والسراوة والفصاحة ونباهة البيت، توفي ببلده مرسية ليلة الاثنين الحادي والعشرين من ربيع الأول سنة ٥٩٩، وصُلِّي عليه عصر ذلك اليوم، ودفن إلى جانب أبيه لصق دارهم بمقربةٍ من الباب الحديد، ومولده سنة ٥٤٧، أكثر خبره عن ابن سالم، قاله ابن الأبار.

وعبد الملك بن وليد بن محمد بن وليد بن مروان بن عبد الملك بن محمد بن مروان بن خطاب، يعرف بابن أبي جمرة، وبيتهم في مرسية شهير، روى عن أبيه وليد بن محمد، وروى عنه ابنه موسى بن عبد الملك، قاله ابن الأبار.

وأبو مروان عبد الملك بن موسى بن عبد الملك بن وليد بن أبي جمرة هو حفيد المترجَم قبله، سمع من أبيه موسى، وأبي عمرو المقري، وغيرهما، وحدث عنه ابنه أبو العباس أحمد بن عبد الملك، توفي بمرسية لسبعٍ خلون من جمادى الآخرة سنة ٤٨٥.

وأبو الأصبغ عبد العزيز بن يوسف بن عبد العزيز بن يوسف بن إبراهيم بن فيرُّه بن عمر اللخمي، من أهل مرسية، سكن تلمسان، وأصله من أُندة، يعرف بابن الدبَّاغ، روى عن أبيه الحافظ أبي الوليد، وعن جده لأمه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن وضَّاح القيسي، وأجاز له العلماء الجلَّة كأبي عبد الله بن الحاج، وأبي الحسن شريح، وأبي بكر بن العربي، وغيرهم، وشيوخه أزيد من سبعين، وكان أبوه من أئمة المحدِّثين. عن ابن الأبَّار.

وأبو محمد عبد الجبَّار بن موسى بن عبد الله الجذامي المعروف بالشمنتي، كان من أهل المعرفة بالقراءات والعربية، وكان يقرؤُها جميعًا بمرسية، وكان من أهل الدين والفضل، أخذ عنه أبو محمد بن الفرس، جاء ذكره في التكملة لابن الأبَّار، ولم يذكر سنة وفاته.

وأبو محمد عبد الحق بن محمد بن عبد الرحمن القيسي المرسي، سبط عبد الحق بن عطية، أخذ عن أبي محمد بن سهل الضرير، وأبي القاسم بن حبيش، وكان متفننًا في العلوم الشرعية والنظر بها، ولد سنة ٥٣٩، وتوفي في المحرم سنة ٥٩٨.

وعبد الحق بن محمد بن عبد العزيز بن سعد أبو محمد الجُمحي المرسي، نزيل غرناطة، أخذ عن أبي بكر بن العربي، وأبي الحسن شريح، وأخذ عنه أبو القاسم الملَّاحي، وأبو عبد الله بن الحَلَّا من علماء غرناطة، توفي سنة ٦٠١.

وعبد الكبير بن محمد بن عيسى بن محمد بن بقيٍّ أبو محمد الغافقي المرسي، نزيل إشبيلية، روى عن أبيه، وعن أبي عبد الله بن سعادة، وجماعة، وأجاز له أبو الحسن بن هذيل وغيره، وكان فقيهًا، قال ابن الزبير: كان شيخ الفقهاء في وقته، ولِّي القضاء برندة، وكان متقدمًا في صناعة التوثيق، وناب عن القاضي أبي الوليد بن رشد بقرطبة وأخذ عنه. كانت ولادته سنة ٥٣٦، ووفاته في صفر سنة ٦١٧.

وعثمان بن محمد بن عيسى بن عثمان اللخمي أبو عمرو المرسي البشيجي؛ نسبةً إلى بعض الثغور، روى عن أبي الحسن بن هذيل، وأبي عبد الله بن سعادة، وغيرهما، وروى عنه أبو سليمان بن حوط الله، وأبو عيسى بن أبي السداد، وكان فقيهًا مدرسًا، توفي سنة ٥٨٠، ذكره ابن الأبَّار.

وعلي بن أحمد بن عبد الملك بن حمدوس الخولاني أبو الحسن المرسي، سمع من أبي علي الصدفي، وأجاز له غالب بن عطية، ذكره ابن الأبَّار.

وعلي بن محمد بن دَيْسَم أبو الحسن المرسي، أخذ عن أبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد، وأبي الحسن بن الشريك، وأقرأ القرآن وعلَّم العربية، وكان يعيش من الوراقة، وكان بديع الخط، توفي سنة ٦٢٤، عن ابن الأبَّار.

وعلي بن محمد بن أبي العافية اللخمي المرسي أبو الحسن القسطلي، سمع من أبي عبد الله بن سعادة، وأبي عبد الله بن عبد الرحيم، وأبي القاسم بن حبيش صهره، وولِّي قضاء مرسية وبلنسية وشاطبة، وكان جزلًا مهيبًا، وأُضرَّ بآخر عمره، وأثار فتنة في مرسية جرَّت إلى هلاكه؛ فقُتل فيها، وذلك في جمادى الأولى سنة ٦٢٦.

وعلي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم التجيبي أبو الحسن الحرالي؛ نسبةً إلى قرية بمرسية، ولد بمراكش، وأخذ عنه ابن خروف، ورحل إلى الشرق، ومال إلى النظريات وعلم الكلام، ومات بحماة من الشام سنة ٦٣٧.

وأبو بكر عتيق بن أسد بن عبد الرحمن بن أسد الأنصاري، نشأ بمرسية، وأخذ الحديث عن أبي علي الصدفي، والفقه عن أبي محمد بن جعفر، وبرع في الفقه حتى قال ابن الأبَّار في التكملة إنه كان نسيج وحده بالفقه وجودة الفتاوى، وولي قضاء شاطبة ودانية، وكانت وفاته في جمادى الآخرة سنة ٥٣٨.

وأبو بكر عزيز بن عبد الملك بن محمد بن خطَّاب، رئيس مرسية في وقته، أخذ عن أبي محمد بن حوط الله وغيره، ونظر في العلوم وتحقق بكثيرٍ منها، وكان بليغًا في النظم والنثر. ومال إلى الزهد في أول أمره وأقبل على الآخرة، ثم استهوته الدنيا وقُدِّم لولاية مرسية فلم تُحمد سيرته فصُرف عنها، ثم صارت إليه رئاستها فدعا لنفسه؛ فقتل في رمضان سنة ٦٣٦ بعد التراويح عن سبع وستين سنة، ونقل ابن الأبار عن ابن الزبير أنه قتل في رمضان عام ثمانية وثلاثين وستمائة صبرًا، وطيف بجسده في البلد.

وغالب بن محمد بن غالب اللخمي المرسي أبو عمر بن حبيش بالفتح، سمع من أبي القاسم بن حُبيش بالضم، وله رحلة إلى الشرق سمع فيها من بعض علماء دمشق، وأخذ بعضهم عنه، وقال ابن الأبار توفي سنة ٦٢٩.

وغلبون بن محمد بن عبد العزيز بن فتحون بن غلبون الأنصاري أبو محمد المرسي، سمع من ابن هذيل، وابن سعادة، وابن عاشر، وجماعة، وأخذ عنه الناس، وكان فاضلًا جليلًا متقنًا، قال ابن الأبار: كتب إلينا بإجازة ما روى، وتوفي في رابع عشر ربيع الآخر سنة ٦١٣.

وسهيل بن محمد بن سهيل بن محمد بن سهيل الزهري أبو محمد، إمام جامع مرسية مدةً طويلة، كان من أهل الصلاح والزهادة، محبَّبًا إلى الخاصة والعامة، توفي سنة ٦١٦، ذكره ابن الأبار.

وأبو بكر يحيى بن محمد السرقسطي نزيل مرسية، يعرف باللباني، أخذ عن أبي الوليد الوقَّشي، وأبي الحسن بن أفلح النحوي، ومهر في العربية، وأقرأ بمرسية وغيرها، وأخذ الناس عنه، وتوفي سنة ٥٢٠ أو نحوها.

وأبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن مجبِّر الفهري، نشأ بمرسية وتأدَّب بشيوخها، وسكن إشبيلية، وكان شاعر الأندلس في وقته، بل شاعر المغرب غير مدافَع، مدح الأمراء وكتب لبعضهم، وسارت قصائده مسير الأمثال، ومن شعره:

إن الشدائد قد تغشى الكريم لأن
تُبين فضل سجاياه وتوضحه
كمبرد القين إذ يعلو الحديد به
وليس يأكله إلا ليصلحه

وله:

لا يغبط المُجدب في علمه
وإن رأيت الخصب في حاله
إن الذي ضيَّع من نفسه
فوق الذي ثمَّر من ماله

توفي بمراكش ليلة الأضحى سنة ٥٨٨، وقيل قبلها بسنة، ذكره ابن الأبار.

وأبو زكريا يحيى بن عبد الملك بن أبي غصن اللخمي المُولي، نزيل مرسية، وموله بلدة من أعمالها، حج وسمع من يونس بن يحيى الهاشمي وغيره بمكة، وأخذ عنه ابن الزبير، ذكره ابن الأبار.

وخديجة بنت أبي علي حسين بن محمد الصدفي المرسي، نشأت صالحةً زاهدة، تحفظ القرآن، وتذكر كثيرًا من الحديث، وتطالع زوجها عبد الله بن موسى بن بُرطله صاحب الصلاة بمرسية. وتوفيت بعد التسعين وخمسمائة وقد نيَّفت على الثمانين.

وأبو بكر محمد بن أحمد بن حبُّون المعافري المرسي، سمع أبا القاسم بن حبيش، وأبا عبد الله بن حميد، وجماعة، وأقرأ العربية، وكان له حظ من قرض الشعر، ذكر ابن الأبار وفاته في ذي الحجة سنة ٦٢٧.

ومحمد بن يخلفتن بن أحمد بن تنفليت اليجفشي أبو عبد الله الفازازني التلمساني، سمع من أبي عبد الله التجيبي، وكان فقيهًا أديبًا مقدمًا في الكتابة والشعر، ولي قضاء مرسية ثم قضاء قرطبة، وكان حميد السيرة شديد الهيبة، توفي بقرطبة سنة ٦٢١، ذكره ابن الأبار.

ومحمد بن إسماعيل بن محمد المتيجي، من ناحية بجاية بالمغرب الأوسط، نزل مرسية وصار خطيبها، ولقي ابن بشكوال فأخذ عنه، وكان مليح الخط والضبط، فاضلًا زاهدًا، يقول الشعر، توفي في ربيع الأول سنة ٦٢٥ عن نحو سبعين سنة.

وأبو عمران موسى بن سعادة مولى سعيد بن نصر، من أهل مرسية، سمع صهره أبا علي بن سكرة المشهور بأبي علي الصدفي، وكانت بنته عند أبي علي، وكان يتولى القيام بجميع ما يحتاج إليه صهره من دقيق الأشياء وجليلها. وكان أبو عمران المترجم من الأفاضل والأجواد، وكان يؤم الناس في صلاة الفريضة، وحج وسمع السنن من الطرطوشي، وانتسخ صحيحي البخاري ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره أستاذ الأندلس في الحديث، وكانا أصلين لا يوجد مثلهما في الصحة. وكانت له مشاركة في اللغة والأدب، حدَّث عنه ابن أخيه القاضي محمد بن يوسف بن سعادة بكتاب أدب الكتَّاب لابن قتيبة وبالفصيح لثعلب، وجاءت ترجمته في نفح الطيب.

وعلم الدين أبو محمد المرسي اللُّورقي العلامة المقرئ الأصولي النحوي، أخذ عن أبي جعفر الحصار، وأبي عبد الله المرادي، وأبي عبد الله بن نوح الغافقي من علماء الأندلس، ورحل إلى الشرق فقرأ بمصر على أبي الجود غياث بن فارس، وبدمشق على التاج بن زيد الكندي، وببغداد على أبي محمد بن الأخضر، وأخذ عن الجزولي النحوي بالمغرب، وبرع في العربية وفي علم الكلام والفلسفة، وكان يقرئ هذه العلوم، وأقام بدمشق ودرَّس فيها، وشرح المفصَّل في النحو في أربع مجلدات، وشرح الجزولية والشاطبية، وكان مليحَ الشكل حسنَ البزَّة، توفي سابع رجب سنة ٦٦١، جاءت ترجمته في نفح الطيب.

وأبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الشهير بابن سبعين العكي المرسي، كان يلقَّب من الألقاب المشرقية بقطب الدين، قال المؤرخ ابن عبد الملك: درس العربية والآداب بالأندلس، ثم انتقل إلى سبتة، وانتحل التصوف وعكف برهة على مطالعة كتبه والتكلم على معانيها فمالت إليه العامة. ثم رحل إلى المشرق وحج حججًا وشاع ذكره وعظم صيته، وكثر أشياعه وصنَّف أوضاعًا كثيرة تلقوها منه ونقلوها عنه، ويُرمى بأمورٍ اللهُ تعالى أعلمُ بها وبحقيقتها. وكان حسن الأخلاق صبورًا على الأذى آية في الإيثار. ا.ﻫ.

وقيل إنه كان يكتب عن نفسه: «ابن ٥» يعني الدارة التي هي كالصفر، وهي في حساب المغاربة سبعون؛ فشهر لذلك بابن دارة، ولما ذكروا هذا الشريف الغرناطي تمثَّل بالبيت المشهور:

محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا

ترجمة وافية لابن سبعين

نقل المقري في نفح الطيب عن صاحب «درة الأسلاك» في حوادث سنة ٦٦٩ وفاة الشيخ قطب الدين أبي محمد عبد الحق بن سبعين المرسي، صوفي متفلسف متزهِّد متقشِّف، يتكلم على طريق أصحابه، ويدخل البيت ولكن من غير أبوابه، شاع أمره واشتهر ذكره، وله تصانيف وأتباع وأقوال تميل إليها بعض القلوب وتملها بعض الأسماع، وكانت وفاته بمكة المشرفة عن نحو خمسين سنة، تغمده الله برحمته. ا.ﻫ.

ونقل صاحب النفح رسالة لأحد تلاميذ ابن سبعين يظن اسمه يحيى بن محمد بن أحمد بن سليمان، واسم الرسالة «الوراثة المحمدية والفصول الذاتية»، قال فيها: فإن قيل ما الدليل على أن هذا الرجل الذي هو ابن سبعين هو الوارث المشار إليه؟ قلنا: عدم النظير، واحتياج الوقت إليه، وظهور الكلمة المشار إليها عليه، ونصيحته لأهل الملَّة، ورحمته المطلقة للعالم المطلق، ومحبته لأعدائه وقصده لراحتهم مع كونهم يقصدون أذاه، وعفوه عنهم مع قدرته عليهم، وجذبهم إلى الخير مع كونهم يطلبون هلاكه، وهذه كلها من علامات الوراثة والتبعية المحضة التي لا يمكن أحدًا أن يتَّصف بها إلا بمجدٍ أزلي. (ثم أخذ يعد مزايا ابن سبعين) فقال: إن الله خلقه من أشرف البيوت التي في بلاد المغرب، وهم بنو سبعين، قرشيًّا هاشميًّا علويًّا، وأبوه وجدوده يشار إليهم ويعوَّل في الرئاسة عليهم، والثاني كونه من بلاد المغرب، والنبي — عليه السلام — قال: لا يزال طائفةً، من أهل المغرب ظاهرين إلى قيام الساعة. وما ظهر من بلاد المغرب رجل أظهر منه، فهو المشار إليه بالحديث. (إلى أن يقول): انظر في بدايته وحفظ الله — سبحانه — له في صغره، وضبطه له من اللهو واللعب، وإخراجه من اللذة الطبيعية التي هي في جبلَّة البشرية، وتركه للرئاسة العرضيَّة المعوَّل عليها عند العالم مع كونه وجدها في آبائه، وهي الآن في إخوته، وخروجه عن الأهل والوطن، وانقطاعه إلى الحق، تعلم تخصيصه وخرقه للعادة.

ثم انظر في تأيده وفتحه من الصغر، وتأليفه كتاب «بدء العارف» وهو ابن خمس عشرة سنة، وفي جلالة هذا الكتاب وكونه يحتوي على جميع الصنائع العلمية والعملية، تجده خارقًا للعادة، وفي نشأته بالأندلس ولم يعلَم له من قبل كثرة نظر وظهوره مع ذلك بالعلوم التي لم تسمع قط تعلم أنه خارق للعادة، وفي تواليفه واشتمالها على العلوم كلها وانفرادها، وخصوصيتها بالتحقيق الشاذ عن أفهام الخلق، تعلم أنه مؤيَّد بروح القدس، وفي شجاعته وقوة توكله ونصره لصنائعه وإقامة حقه وبرهانه وفصاحة كلامه وبيان سلطانه تعلم أن ذلك بقوة إلهية. (ومضى صاحب هذه الرسالة في هذه المبالغات إلى أن انتهى وقد جعل ابن سبعين شخصًا خارقًا للعادة في بني آدم.)

ونقل صاحب النفح عن أبي الحسن بن برغوش التلمساني شيخ المجاورين بمكة — وكانت له معرفةً تامة بهذا الرجل — أنه كان إذا قرب من باب من أبواب مسجد المدينة — على ساكنها الصلاة والسلام — يُهراق منه دم كدم الحيض. والله تعالى أعلم بحقيقة أمره. وحدَّث مع ذلك أصهاره بمكة أنه زار النبي مستخفيًا على طريق المشاة.

وقال لسان الدين بن الخطيب: أما شهرته ومحله من الإدراك والآراء والأوضاع والأسماء، والوقوف على الأقوال، والتعمُّق في الفلسفة، والقيام على مذاهب المتكلِّمين، فمما يقضي منه بالعجب، وقال الشيخ أبو البركات بن الحاج البلقيني: حدثني بعض أشياخنا من أهل المشرق أن الأمير أبا عبد الله بن هود سالَمَ طاغية النصارى، فنكث به ولم يفِ بشرطه، فاضطره ذلك إلى مخاطبة القس الأعظم برومية — أي البابا — فوكَّل أبا طالب بن سبعين أخا أبي محمد عبد الحق بن سبعين في التكلم عنه والاستظهار بين يديه، قال: فلما بلغ ذلك الشخص رومية — وهو بلد لا يصل إليه المسلمون — ونظر إلى ما بيده وسُئل عن نفسه فأخبر بما ينبغي، كلَّم ذلك القس من دنا منه بكلام معجم تُرجم لأبي طالب بما معناه: اعلموا أن أخا هذا ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه. ا.ﻫ.

ومما ينسب إلى ابن سبعين قوله — وقد جرى ذكر أبي مَدْيَن الولي الشهير — هذه الجملة: شُعيب عبد عمل ونحن عبيد حضرة. وذكر ابن خلدون في تاريخه الكبير في ترجمة السلطان المستنصر أبي عبد الله محمد بن السلطان زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص ملك إفريقية أن أهل مكة بايعوه وخطبوا له بعرَفَة وأرسلوا له بيعتهم، وهي من إنشاء ابن سبعين، وسردها ابن خلدون بجملتها، وهي طويلة، وفيها من البلاغة والتلاعب بأطراف الكلام ما لا مطمع وراءه. قال في النفح: غير أنه يشير فيها إلى أن المستنصر هو المهدي المُبشَّر به في الأحاديث، الذي يحثو المال ولا يعدُّه، وحمل حديث مسلم وغيره عليه، وفي ذلك ما لا يخفى.

ولابن سبعين من رسالة: سلام عليك ورحمة الله، سلامٌ عليك ثم سلام، مناجاتك سلام الله ورحمة الله الممتدَّة على عوالمك كلها، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، وصلَّى الله عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك، وكصلاة أعزِّ ملائكتك من حيث حقيقتك، وكصلاته من حيث حقه ورحمانيته. السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا قياس الكمال ومقدِّمة العلم ونتيجة الحمد وبرهان المحمود، ومن إذا نظر الذهن إليه قرأ نعم العبد. السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء وأسرار مشروطات الأذكياء الأتقياء، السلام عليك يا من جاور في السماوات مقام الرسل والأنبياء، وزادك رفعةً واستعلاءً على ذوات الملأ الأعلى، وذكر قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى انتهى.

قال بعضهم عند إيراده جملة من رسائل ابن سبعين التي منها هذه: إنها تشتمل على ما يشهد له بتعظيم النبوة وإيثار الورع. ونقل صاحب نفح الطيب عن بعض كبار العلماء أن ابن سبعين ولد سنة ٦١٤، ودرس العربية والأدب بالأندلس، ونظر في العلوم العقلية، وأخذ عن أبي إسحاق بن دهَّاق، وبرع في طريقه، وجال في البلاد، وقدم القاهرة، ثم حج واستوطن مكة، وطار صيته وكثر أتباعه، وله كتاب «الدرج»، وكتاب «السفر»، وكتاب «الكدِّ»، وكتاب «الإحاطة»، ورسائل كثيرة في الأذكار وترتيب السلوك والوصايا والمواعظ والغنائم، ومن شعره:

كم ذا تموَّه بالشعبين والعلمِ
والأمر أوضح من نارٍ على علمِ
وكم تُعبِّر عن سلعٍ وكاظمةٍ
وعن زرودٍ وجيرانٍ بذي سلمِ
ظللتَ تسألُ عن نجدٍ وأنت بها
وعن تهامةَ هذا فعلُ متَّهم
في الحي حيٌّ سوى ليلى فتسأله
عنها سؤالك وهمٌ جرَّ للعدم

ونشأ ترفًا مبجلًا في ظل جاه ونعمة لم تفارق معها نفسه البأو، وكان وسيمًا جميلًا، ملوكيَّ البزَّة، عزيز النفس، قليل التصنُّع، وكان آيةً من الآيات في الإيثار والجود بما في يده — رحمه الله تعالى — ونقل صاحب نفح الطيب عن لسان الدين بن الخطيب أنه لما وردت على سبتة المسائل الصقلية، وكانت جملة من المسائل الحكمية وجهها علماء الروم تبكيتًا للمسلمين، انتدب ابن سبعين للجواب المقنع عنها على فتاء من سنِّه وبديهة من فكرته رحمه الله تعالى. ونقل صاحب النفح عن كتاب «عنوان الدراية» أن ابن سبعين رحل إلى العدوة، وسكن بجاية مدة، وأخذ الناس عنه في فنون خاصة، وكانت له مشاركة في المعقول والمنقول، وفصاحة لسان، وطلاقة قلم، وفهم جنان، وله أتباعٌ كثيرون من الفقراء ومن عامة الناس، وله موضوعات كثيرة موجودة بأيدي أصحابه له فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد، وله تسميات مخصوصة في كتبه هي من نوع الرموز، وله شعر في التحقيق وفي مراقي أهل الطريق، وكتابته مستحسنة في طريق الأدباء، وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، والتزامه الاعتمار على الدوام، وحجه في كل عام.

ولقد مشى به للمغاربة في الحرم الشريف حظ لم يكن له في غير مدته، وكان أهل مكة يعتمدون على أقواله، ويهتدون بأفعاله، توفي — رحمه الله — يوم الخميس تاسع شوال سنة ٦٦٩. انتهى ببعض اختصار.

ومما رواه صاحب النفح عنه أن أبا الحسن الششتري — من تلاميذ ابن سبعين — كان بعض الطلبة يرجِّحونه على شيخه أبي محمد بن سبعين، فكان يقول: إنما ذلك لعدم اطِّلاعهم على حال الشيخ وقصور باعهم. ومن تآليف ابن سبعين كتاب «الفتح المشترك».

فهذه هي خلاصة ما وجدنا عن هذا الرجل الذي اختلف فيه الناس كما اختلفوا في محيي الدين بن عربي؛ فبعضهم غلا في المدح وبعضهم غلا في القدح، وقال صديقنا العلامة السيد رشيد رضا — رحمه الله — ونقلنا ذلك عنه في كتابنا «السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة»: «ومن أولئك المفتونين بوحي الشياطين من ظَنَّ أنه تجاوز درجة الأنبياء، ومنهم ابن سبعين الذي قال: لقد تحجَّر ابن آمنة واسعًا بقوله «لا نبي بعدي». ومثل هذا الكلام هو الذي جرَّأ ميرزا غلام القادياني على ادعاء النبوة.» ا.ﻫ. ولم أعلم أين عثر السيد رشيد — رحمه الله — على هذه الرواية عن ابن سبعين، وإن كنت لا أشك في أن مثل السيد رشيد لا يرميها جُزافًا.

وجاء في «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» للمؤرخ الشهير أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، المتوفى سنة ١٠٨٩، ذكرُ وفاة ابن سبعين سنة تسع وستين وستمائة، وقال فيه: ابن سبعين الشيخ قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الإشبيلي المرسي الرُّقوطي٣١ الأصل الصوفي المشهور، قال الذهبي: كان من زهَّاد الفلاسفة ومن القائلين بوحدة الوجود، له تصانيف وأتباع يقدُمُهم يوم القيامة. ا.ﻫ.

وقال الشيخ عبد الرءوف المناوي في طبقاته: درس العربية والآداب بالأندلس، ثم انتقل إلى سبتة، وانتحل التصوف على قاعدة زهد الفلاسفة وتصرُّفهم، وعكف على مطالعة كتبه، وجدَّ واجتهد، وجال في بلاد المغرب. ثم رحل إلى المشرق وحج حججًا كثيرة، وشاع ذكره وعظم صيته وكثرت أتباعه على رأي أهل الوحدة المطلقة، وأملى عليهم كلامًا في العرفان على رأي الاتحادية، وصنَّف في ذلك أوضاعًا كثيرة، وتلقوها عنه وبثوها في البلاد شرقًا وغربًا. انتهى.

وقد سبق نقل هذه العبارات عن نفح الطيب عن ابن عبد الملك، لكن مع اختلاف قليل وتصرف، وهنا هي مروية عن عبد الرءوف المناوي. ثم إنه في شذرات الذهب ينقل عن ابن حبيب قوله عن ابن سبعين: صوفي متفلسف متزهِّد متعبِّد متقشِّف، يتكلم على طريق أصحابه، ويدخل البيت لكن من غير أبوابه، شاع أمره واشتهر ذكره، وله تصانيف وأتباع وأقوال تميل إليها بعض القلوب وتنكرها بعض الأسماع. ا.ﻫ. وفي نفح الطيب الجمل بعينها مع اختلاف قليل في اللفظ منسوبة لصاحب درة الأسلاك.

ثم ذكر أيضًا صاحب شذرات الذهب نقلًا عن عبد الرءوف المناوي أن ابن سبعين قال لأبي الحسن الششتري عندما لقيه وقد سأله عن وجهته، فأخبره بقصده الشيخ أبا أحمد: إن كنت تريد الجنة فشأنك ومن قصدت وإن كنت تريد رب الجنة فهلمَّ إلينا. ثم نقل المناوي عن البسطامي قوله في ابن سبعين: كان له سلوك عجيب على طريق أهل الوحدة، وله في علم الحروف والأسماء اليد الطولى، وألف تصانيف منها «كتاب الحروف الوضعية في الصور الفلكية»، وشرح كتاب إدريس — عليه السلام — الذي وضعه في علم الحروف وهو نفيس. ومن وصاياه لتلاميذه وأتباعه: عليكم بالاستقامة على الطريق، وقدموا فرض الشريعة على الحقيقة، ولا تفرِّقوا بينهما؛ فإنهما من الأسماء المترادفة، واكفروا بالحقيقة التي في زمانكم هذا، وقولوا عليها وعلى أهلها اللعنة. انتهى.

وأغراض الناس متباينة بعيدة عن الاعتدال؛ فمنهم المرهق المكفِّر، ومنهم المقلِّد، ومما شُنِّع عليه به أنه ذكر إمام الحرمين فقال: إذا ذكر أبو جهل وهامان فهو ثالث الرجلين، وأنه قال في شأن الغزالي: إدراكه في العلوم أضعف من خيط العنكبوت. فإن صحَّت نسبة ذلك إليه فهو من أعداء الشريعة المطهرة بلا ريب. وقد حُكي عن قاضي القضاة ابن دقيق العيد أنه قال: جلست معه من ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلامًا تُعقل مفرداته ولا تفهم مركباته، والله أعلم بسريرة حاله. وقد أخذ عن جماعة منهم الحراني والبوني، مات بمكة. انتهى كلام المناوي بحروفه، هكذا جاء في شذرات الذهب.

قلت: إنه ورد في النفح نقلًا عن أحد العلماء — ولم يذكر المقري اسمه — أن ابن سبعين أخذ عن أبي إسحاق بن دهاق.

فإليكم الآن ترجمة أبي إسحاق بن دهاق، نقلًا عن لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة.

إبراهيم بن يوسف بن محمد بن دهاق الأوسي، يكنى أبا إسحاق، ويعرف بابن المرأة، سكن مالقة دهرًا طويلًا، ثم انتقل إلى مرسية باستدعاء المحدث أبي الفضل المرسي والقاضي أبي بكر بن محرز، وكان متقدمًا في علم الكلام، حافظًا للحديث والتفسير والفقه والتاريخ وغير ذلك، وكان الكلام أغلب عليه، فصيح اللسان والقلم، ذاكرًا لكلام أهل التصوف، يطرِّز مجالسه بأخبارهم، وكان شيخ الجمهور بمالقة، بارعًا في ذلك، حسن الفهم لما يُلقيه، وثوبًا على التمثيل والتشبيه في ما يقرب للفهم، مؤثرًا للخمول، قريبًا من كل أحد، حسن العشرة، مؤثرًا بما لديه، وكان بمالقة يتَّجر في سوق الغزل.

قال الأستاذ أبو جعفر وقد وَصَمه: كان صاحب حيل ونوادر مستظرفة يلهي بها أصحابه ويؤنسهم، ومطلعًا على أشياء غريبة من الخواص وغيرها فتن بها بعض الطلبة، واطلع كثير ممن شاهده على بعض ذلك، وشاهد منه بعضهم ما يمنعه الشرع من المرتكبات فنافره وباعده بعد الاختلاف إليه، منهم شيخنا القاضي العدل المسمَّى بالفاضل ابن المرابط رحمه الله. أخبرني من ذلك بإشهاده ما يقبح ذكره، وتبرأ منه من كان سعى في انتقاله إلى مرسية، والله أعلم بغيبه.

ومن تآليفه شرحه كتاب «الإرشاد» لأبي المعالي، وشرح الأسماء الحسنى، وألَّف جزءًا في إجماع الفقهاء، وشرح «محاسن المجالس» لأبي العباس أحمد بن العريف، وألَّف غير ذلك، قال لسان الدين بن الخطيب: وتآليفه نافعة في أبوابها، حسنة الرصف والمباني، ثم ذكر وفاته بمرسية سنة إحدى عشرة وستمائة.

ومن مفاخر مرسية ومفاخر الأندلس — بل الإسلام بأجمعه — السيد العارف الشهير أبو العباس أحمد المرسي، دفين الإسكندرية، وهو من أكابر الأولياء، صحب القطب الشهير السيد أبا الحسن الشاذلي، وقد عرَّف به ابن عطاء الله في كتابه «لطائف المنن في مناقب الشيخ سيدي أبي العباس وشيخه سيدي أبي الحسن»، وقال الصفدي في الوافي بالوفيات: أحمد بن عمر بن محمد الشيخ الزاهد الكبير العارف أبو العباس الأنصاري المرسي، وارث شيخه الشاذلي تصوُّفًا، الأشعري معتقدًا، توفي بالإسكندرية سنة ٦٨٦، ولأهل مصر ولأهل الثغر فيه عقيدة كبيرة، وقد زرته لما كنت بالإسكندرية سنة ٧٣٨.

قلت: وقد زرت أنا أيضًا أبا العباس المرسي في الإسكندرية سنة ١٣٠٨، وصلَّيت الجمعة في مسجده بالقرب من الخديوي المرحوم محمد توفيق باشا بن إسماعيل خديوي مصر، وحضرت أيضًا مولد المرسي في ذلك الثغر، فاجتمع فيه ألوف وعشرات ألوف من الأهالي، وأنشدني المرحوم السيد عبد القادر الغرياني — من أعيان الإسكندرية — أبياتًا للسيد القصبي حفظت منها من أول دور:

توجَّهْ في الخطوب بحسن نيَّه
وزُرْ أبطال ثغر سَكندريَّه

ثم يقول:

أبا العباس إن سفين حظي
تكاد تطيح في لجج المنيه
وأنت السيد المرسي فهلَّا
رخاءً أنت تُرسيها هنيَّه

وهذا مما يدلك على عظيم اعتقاد أهل القطر المصري في السيد المرسي المشار إليه — رضي الله عنه — ولكن قول السيد القصبي — رحمه الله — أن أبا العباس هو المرسي لسفن الحياة لا يصح إلَّا بتأويل أنه بجاهه لدى الله تعالى وتوسله إليه يمكنه أن ينجي تلك السفن من الغرق، ولكن برغم هذا التأويل الذي لا يوجد غيره عند أهل السنة لتأويل الاستغاثة بالأولياء نجد الفرقة التي يقال لها السلفية، الآخذين بأقوال ابن تيمية وابن قيِّم الجوزية وابن عبد الوهاب يكفِّرون كل من يقول هذا القول أو ما يشبهه كائنًا من كان، ويقولون: إن الاستغاثة لا تجوز إلَّا بالباري تعالى رأسًا، وكل تأويل في أمرها غير نافع.

ونعود إلى ترجمة أبي العباس المرسي رحمه الله. جاء في نفح الطيب أنه كان يكرم الناس على نحو رتبهم عند الله تعالى، حتى إنه ربما دخل عليه مطيع فلا يحتفل به، وربما دخل عليه عاصٍ فأكرمه؛ لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثِّر بعمله ناظر لفعله وذلك العاصي دخل بكسر معصيته وذلِّ مخالفته. وكان شديد الكراهة للوسواس في الصلاة والطهارة، ويثقل عليه شهود من كان على هذه الصفة. وذكر عنده يومًا شخص بأنه صاحب علم وصلاح إلَّا أنه كثير الوسوسة، فقال: وأين العلم؟ العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض والسواد في الأسود.

وله كلامٌ بديع في تفسير القرآن العزيز، فمن ذلك قوله: قال الله — سبحانه وتعالى: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَلِمَ الله عَجْزَ خلقه عن حمده فحمد نفسه بنفسه في أزله، فلما خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده، فقال: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ أي الحمد الذي حمد به نفسه بنفسه هو له لا ينبغي أن يكون لغيره، فعلى هذا تكون الألف واللام للعهد. وقال في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: إياك نعبد شريعة، وإياك نستعين حقيقة. إياك نعبد إسلام، وإياك نستعين إحسان. إياك نعبد عبادة، وإياك نستعين عبودية. إياك نعبد فرق، وإياك نستعين جمع.

وقال في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ: أي بالتثبيت في ما هو حاصل، والإرشاد لما ليس بحاصل؛ فإنهم حصل لهم التوحيد بالإيمان وفاتهم درجات الصالحين. والصالحون يقولون: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ؛ أي نسألك التثبيت في ما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل؛ لأنهم حصل لهم الصلاح ولكن فاتهم درجات الشهداء. والشهداء يقولون: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ؛ أي بالتثبيت في ما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل؛ فإنهم حصلت لهم درجة الشهادة وفاتهم درجة الصدِّيقيَّة. والصدِّيق كذلك يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ؛ إذ حصلت له درجة الصديقية وفاتته درجة القطبانية. والقطب كذلك يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ؛ فإنه حصلت له رتبة القطبانية وفاته علم إذا شاء الله تعالى أن يُطْلِعه عليه أطلعه.

وقال: الفتوَّة الإيمان؛ قال الله تعالى:إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وقال في قوله تعالى حاكيًا عن الشيطان: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ الآية: ولم يقل من فوقهم ولا من تحتهم؛ لأن فوقهم التوحيد وتحتهم الإسلام. وقال — رضي الله عنه: التقوى في كتاب الله على أقسام: تقوى النار؛ قال الله — سبحانه وتعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ، وتقوى اليوم؛ قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله، وتقوى الربوبية؛ قال تعالى: يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، وتقوى الألوهية وتقوى الأنيَّة: وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، وقال في قول الرسول — عليه السلام: «أنا سيدُ ولد آدمَ ولا فخر.» أي: لا أفتخر بالسيادة، وإنما الفخر لي بالعبودية لله.

وكان كثيرًا ما ينشد:

يا عمرو نادِ عبد زهراءِ
يعرفه السامع والرائي
لا تدعُني إلا بيا عبدها
فإنه أشرف أسمائي

وقال: الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة، والعارف جاء من الآخرة إلى الدنيا. وقال: العارف لا دنيا له؛ لأن دنياه لآخرته وآخرته لربه.

والحسين بن عتيق بن الحسن بن رشيق التغلبي، يكنى أبا علي، مرسي الأصل سبتي الاستيطان.

قال لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة: كان نسيج وحده وفريد دهره إتقانًا ومعرفةً، ومشاركةً في كثير من الفنون اللسانية والتعليمية، متجرًا في التاريخ، ريَّان من الأدب، شاعرًا مفلقًا عجيبًا، قادرًا على الاختراع والأوضاع، جهم المحيَّا، موهش الشكل، يضمُّ برداه طويًّا،٣٢ لا كفاء له، برَّز بمدينة سبتة، وكتب عن أميرها، وجرى بينه وبين الأديب أبي الحكم مالك بن المُرجل من الملاحات والمهاترات أشدُّ ما يجري بين متناقضين، آل به إلى الحكاية الشهيرة، وذلك أنه نظم قصيدة نصُّها (أوردها لسان الدين كلها ونحن نورد بعضها):
لكلاب سبتة في النباح مدارك
وأشدها دركًا لذلك مالكُ
شيخ تفانى في البطالة عمره
وأجال فكَّيْه الكلام الآفك
وألذُّ شيءٍ عنده في محفل
لمز لأستار المحافل هاتك
يغشى مخاطرة اللئيم تفكهًا
ويعاف رؤيته الحليم الناسك
نبذ الوقار لصبية يهجونه
فسباله فرش لهم وأرائك
يبدي لهم سوآته ليسوءهم
بمسالك لا يرتضيها سالك
يا ابن المرحَّل لو شهدت مرحَّلًا
وقد انحنى بالرحل منه الحارك
لشُغلتَ عن ذم الأنام بشاغلٍ
وثناك خصم من أبيك مماحكُ
لأقول للمغرور منك بشيبةٍ
بيضاءَ طي الصحف منها حالك
عار على الملك المعظم أن يُرى
في ذلك الصقع المقدس مالك

وما أشبه ذلك من الشعر الذي تنبو عن بعضه الأسماع. قال لسان الدين: وهي طويلة تشتمل من التعريض والتحريض على كل غريب، واتخذ لها كنانة خشبية كأوعية الكتب، وكتب عليها «رقَّاص معجَّل إلى مالك بن المرجَّل»، وعمد إلى كلب وجعلها في عنقه وأوجعه ضربًا حتى لا يأوي إلى أحد ولا يستقر، وذهب الكلب وخلفه من الناس أمة، وقُرئ مكتوب الكنانة واحتمل إلى أبي الحكم، ونزعت من عنق الكلب ودفعت إليه، فوقف منها على كل فاقرة كفَّت من طماحه، وتحدَّث الناس بها مدة، ولم يغب عنه أنه من حيل ابن رشيق ففوَّق سهام المراجعة، وفي ذلك يقول:

كلاب المزابل آذينني
بأبوالهن على باب داري
وقد كنت أوجعها بالعصا
ولكن عوت من وراء الجدار

واستدعاه بآخرة أمير المغرب السلطان أبو يعقوب فاستكتبه واستكتب أبا الحكم ضده، فيقال إنه جرَّ عليه خجلة كانت سبب وفاة أبي علي. (إلى أن قال): وأوضاعه غريبة، واختراعاته عجيبة، تعرفت أنه اخترع في سفرة الشطرنج شكلًا مستديرًا، وله الكتاب الكبير في التاريخ والتلخيص المسمَّى «بميزان العمل»، وهو من أظرف الموضوعات وأحسنها شهرة. قال: كان حيًّا سنة أربع وسبعين وستمائة.

ومن الرجال الذين يناسب ذكرهم عند ذكر مرسية زهير العامري، فتى الحاجب الغازي العظيم المنصور بن أبي عامر، قال عنه لسان الدين في الإحاطة: كان شهمًا داهية شديد المذهب، ولِّي بعد خيران صاحب المريَّة، وقام بأمره أحمد قيام سنة تسع عشرة وأربعمائة يوم الجمعة لثلاثٍ خلون من جمادى الأولى، وكان أميرًا لمرسية فوجه إليه خيران حين أحسَّ الموت، فوصل إليه، وكان عنده إلى أن مات، فخرج زهير إلى الناس فقال لهم: أما خيران فقد مات وقد أقام أخاه زهيرًا هذا فما تقولون؟ فرضي الناس به؛ فدامت مدة ولايته عشرة أعوام ونصف عام إلى أن قتل.

ثم ذكر لسان الدين خبر نهاية زهير العامري بالمعركة التي جرت بينه وبين باديس صاحب غرناطة، ودارت فيها الدائرة على زهير وقتل، وذلك عقب شوال سنة تسع وعشرين وأربعمائة، نقل ذلك عن ابن عذارى.

ومحمد بن محمد بن أحمد الأنصاري، يعرف بابن الجنَّان، ويكنى أبا عبد الله، من أهل مرسية. قال في الإحاطة: كان محدثًا راوية ضابطًا، كاتبًا بليغًا، شاعرًا بارعًا، رائق الخط، ديِّنًا فاضلًا، خيِّرًا زكيًّا، استكتبه بعض أمراء الأندلس، فكان يبرح من ذلك ويضيق منه، ثم خلَّصه الله تعالى منه، وكان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة٣٣ حتى يظن رائيه الذي استدبره أنه طفل ابن ثمانية أعوام. وكان متناسب الخلقة، لطيف الشمائل، وقورًا، خرج من بلده حين تمكُّن العدو سنة ٦٠٤؛ فاستقرَّ بأوريولة إلى أن استدعاه بسبتة الرئيس أبو علي بن خلاص، فوفد عليه فأجلَّ وفادته وأجزل إفادته، وحظي عنده حظوة تامة.

ثم توجَّه إلى إفريقية فاستقر ببجاية، وكانت بينه وبين كتَّاب عصره مكاتبات ظهرت فيها براعته، أخذ العلم ببلده، قال لسان الدين: إنه روى في مرسية عن أبي بكر بن خطَّاب، وأبي الحسن سهل بن مالك، وابن قطرال، وأبي الربيع بن سالم، وأبي عيسى بن أبي السداد، وأبي علي الشلويين النحوي الشهير وغيرهم.

ونقل لسان الدين عن القاضي أبي عبد الله بن عبد الملك أنه كان له في الزهد ومدح النبي بدائع ونظم في المواعظ، فمن ذلك قوله في توديع رمضان وليلة القدر:

مضى رمضان أو كأنِّي به مضى
وغاب سناه بعد أن كان أومضا
فيا عهده قد كان أكرم معهد
ويا عصره أعزز عليَّ أن انقضى
ألمَّ بنا كالضيف في الطيف زائرًا
فخيَّم فينا ساعةً ثم قوَّضا
فيا ليت شعري إذ نوى غربة النوى
أبالسخط عنا قد تولَّى أم الرضا
قضى الحق فينا بالفضيلة جاهدًا
فأي فتًى فينا له الحق قد قضى
وكم من يد بيضاء أسدى لذي التقى
بثوب وفيها للصحائف بيَّضا

وقال في ليلة القدر:

فيا حسنها من ليلةٍ جلَّ قدرها
وحض عليها الهاشمي وحرَّضا
لعل بقايا الشهر وهي كريمة
تبيِّن سرًّا في الأواخر أُغمضا
وقال اطلبوها تسعدوا بطلابها
فحرك أرباب القلوب وأنغضا
جزاه إله العرش خير جزائه
وأكرمنا بالعفو منه وبالرضا
وصلى عليه من نبي مبارك
رءوفٍ رحيمٍ للرسالة مرتضى
له غرَّة أعلا من الشمس منزلا
وعزمته أمضى من السيف منتضى
عليه سلام الله ما انهلَّ ساكبٌ
وذهَّب موشيُّ الرياض وفضَّضا
قال لسان الدين: وكتابته شهيرة تضرب بها الأمثال، قالوا: لما جعل أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن يوسف البيعة لابنه الواثق بالإمارة من بعده تولى إنشاءها، وجعل الحاء المهملة سجعها، مردفًا إياها بالألف نحو صباحًا وصلاحًا، وما أشبه ذلك، وطال مجموعها فناهزت الأربعين، وطاب مسمعها فأحرزت بغية المستمعين، فكتب إليه أبو المطرِّف بن عميرة برسالته الشهيرة يداعبه في ذلك، وهي:

تحييك الأقلام تحية كسرى، وتقف الأفهام دون مداك حسرى. (ثم يقول): وما لك أمِنت تغيُّر الحالات فشننت غارتك على الحاءات، ونفضت عنها المهارق، وبعثت في طلبها السوابق، ولقطتها من الأفواه، وطلبتها بين الشفاه، حتى شهد أهل الشام بتزحزحها عن ذلك المكان، وتوارت بالحلوق، ولو تغلغلت إلى العروق لآثرتها جيادك واقتنصها قلمك ومدادك.

فأجابه بما نصه:

ما هذه التحية الكسروية؟ وما هذا الرأي وهذه الروية؟ أتنكيت من الأقلام أو تبكيت من الأعلام أو كلا الأمرين توجه القصد إليه؟! وهو الحق مصدقًا لما بين يديه، وإلا فعهدي بالقلم يتسامى عن عكسه، ويترامى للغاية البعيدة بنفسه، فمتى لانت أنابيبه للعاجم ودنت أعاريبه للأعاجم، وا عجبًا لقد استنوق الجمل واختلف القول والعمل، لأمرٍ ما جدع أنفه قصير، وارتدَّ على عقبه الأعمى أبا بصير، أمس أَستسقي من سحابه فلا يسقيني، وأستشفي بأسمائه فلا يشفيني، واليوم يحلُّني محل أنوشروان، ويشكو مني شكوى الزيدية من بني مروان، ويزعم أني أبطلت سحره ببئر ذروان، ويخفي في نفسه ما الله مبديه، ويستجدي بالأثر ما عند مستجديه، فمن أين جاءت هذه الطريقة المتبعة والشريعة المبتدعة؟ أيظن أن معمَّاه لا ينفك، وأنه لا ينجلي هذا الشك. هل ذلك منه إلَّا إمحاض التيه، وإحماض تفتِّيه، ونشوة من خمر الهزل. ونخوة من ذي ولاية أمن من العزل. (ومنها):

وإنما يستوجب الشكر جسيمًا، والثناء الذي يتضوَّع نسيمًا، الذي شرَّف إذ أهدى أشرف السحاءات، وعرَّف بما كان من انتحاء تلك الحاء المذمومة في الحاءات. فإنه وإن ألمَّ بالفكاهة بما أملى من البداهة، وسمَّى باسم السابق السُّكيت، وكان من أمر مداعبته كيت وكيت، وتلاعب بالصفات تلاعُب الصَّبا بالبانة، والصِّبا بالعاشق ذي اللبانة، فقد أغرب بفنونه، وأغرى القلب بفتونه، ونفث بخفية الأطراف، وعبث بالكلام المشقَّق الأطراف، وعلَّم كيف يُمحض البيان ويُخلص العقيان، فمن الحق أن أشكره على أياديه البيض، وأن آخذ لفظه من معناه في طرف النقيض …

(إلى آخر هذه الرسالة التي استقصاها لسان الدين وعقَّبها بقوله: ومحاسنه عديدة وآماده بعيدة). وكانت وفاته في بجاية في عشر وستمائة.

ومحمد بن عبيد الله بن داود بن خطَّاب، ترجمه لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة فقال: من صلة ابن الزبير كان كاتبًا بارعًا شاعرًا مجيدًا، له مشاركة في أصول الفقه وعلم الكلام وغيرهما، مع نباهة وحسن فهم وحسن سمت. ورد على غرناطة واسُتعمل في الكتابة السلطانية، وكان عظيم القدر معظمًا عند الكافة، ثم إنه رجع إلى مرسية وقد ساءت أحوالها فأقام بها مدة، ثم انفصل عنها واستقرَّ بالعدوة بعد مكابدة. قلت: وأخبرني شيخنا أبو الحسن بن الجيَّاب — رحمه الله — قال: كان شكِس الأخلاق متقاطبًا زاهيًا بنفسه (ثم ذكر له حادثة تدل على سوء خلقه)، وانصرف واستقرَّ بتلمسان كاتبًا عن سلطانها أبي يحيى يغمراسن بن زيَّان. وزعموا أن المستنصر أبا عبد الله بن الأمير أبي زكريا استقدمه على عادته في استقدام الكتَّاب المشاهير واستدعائه لحضرته العلماء، وبعث إليه ألف دينار من الذهب العين، وردَّ عليه المال، فكان ذلك أشق ما مرَّ على المستنصر، وظهر له علو شأوه وبُعد همته.

ومن المنسوبين إلى مرسية الشيخ الأكبر الأشهر صاحب الشهرة العالمية الشيخ محيي الدين بن عربي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي، من ولد عبد الله بن حاتم أخي عدي بن حاتم الصوفي الفقيه الظاهري، ولد بمرسية يوم الاثنين سابع عشر رمضان سنة ٥٦٠، قرأ القرآن على أبي بكر بن خلف بإشبيلية بكتاب الكافي، وسمع على أبي بكر محمد بن جمرة كتاب التيسير للداني عن أبيه عن المؤلف، وسمع على ابن زرقون، وأبي محمد عبد الحق الإشبيليي الأزدي، وكان انتقاله من مرسية إلى إشبيلية سنة ٥٦٨، فأقام بها إلى سنة ٥٩٨، ثم ارتحل إلى المشرق، وأجازه جماعة منهم الحافظ السلفي، وابن عساكر، وأبو الفرج بن الجوزي، ودخل مصر وأقام بالحجاز مدة، ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم، ومات بدمشق سنة ٦٣٨ ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر، ودفن بسفح جبل قاسيون؛ أي حارة الصالحية. زرت قبره سنة ١٣١١، ورأيت مكتوبًا على قبره بيتين من الشعر:

قبر محيي الدين بن العربي
كل من لاذ به أو زاره
قُضِيت حاجاته من بعدما
غفر الله له أوزاره

ترجمة وافية لمحيي الدين بن العربي

قلت: هذان البيتان هما من قبيل البيتين اللذين تقدم ذكرهما عند ترجمة أبي العباس المرسي بلديِّ محيي الدين بن عربي، رحم الله الاثنين.

قال ابن الأبار إنه أخذ عن مشيخة إشبيلية ومال إلى الآداب وكتب لبعض الولاة، ثم رحل إلى المشرق حاجًّا ولم يعد بعدها إلى الأندلس. ورأى المنذريُّ أنه سمع بقرطبة من أبي القاسم بن بشكوال وجماعة، وطاف البلاد، وسكن بلاد الروم،٣٤ وذكروا أنه قدم بغداد سنة ٦٠٨ وكان الغالب عليه التصوف، وكانت له قدم في الرياضة والمجاهدة، ووصفه غير واحد بالتقدُّم في هذا الشأن، وكانت له أتباع، وسلك طريق الفقر، وحج وجاور، وكتب في علم القوم وفي أخبار مشايخ المغرب، وله أشعار حسنة وكلام مليح. قال ابن النجار: اجتمعت به في دمشق في رحلتي إليها، وكتبت عنه شيئًا من شعره، ونعم الشيخ هو! ذكر لي أنه دخل بغداد سنة ٦٠١ فأقام بها اثني عشر يومًا، ثم دخلها ثانيًا مع الحجاج سنة ٦٠٨، وأنشدني لنفسه:
أيا حائرًا ما بين علمٍ وشهوةٍ
ليتَّصِلا ما بين ضدين من وصلِ
ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن
يرى الفضل للمسك الفتيق على الزِّبْلِ

وسألته عن مولده فقال: ليلة الاثنين ١٧ رمضان سنة ٥٦٠ بمرسية من بلاد الأندلس. وقال ابن مُسدي: إنه كان جميل الجملة والتفصيل، محصلًا لفنون العلم أخصَّ تحصيل، وله في الأدب الشأو الذي لا يُلحق، سمع ببلاده من ابن زرقون والحافظ بن الجد، وأبي الوليد الحضرمي وبسبتة من أبي محمد بن عبد الله، وقدم عليه إشبيلية أبو محمد عبد المنعم بن محمد الخزرجي فسمع منه، وذكر أنه لقي عبد الحق الإشبيلي، وفي ذلك عندي نظر. ا.ﻫ. قال المقري: لا نظر في ذلك؛ فإن سيدي الشيخ محيي الدين ذكر في إجازته للملك المظفَّر غازي بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ما معناه أو نصُّه: «ومن شيوخنا الأندلسيين أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي — رحمهم الله تعالى — حدَّثني بجميع مصنفاته في الحديث، وعيَّن لي من أسمائها «تلقين المهتدي»، و«الأحكام الكبرى والوسطى والصغرى»، و«كتاب التهجد»، و«كتاب العاقبة»، ونظمه ونثره، وحدثني بكتب الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه.». ا.ﻫ.

وكان ظاهري المذهب في العبادات باطنيَّ النظر في الاعتقادات، ولما أقام ببلاد الروم أمر له الملك بدارٍ تساوي مائة ألف درهم، فلما نزلها مرَّ به سائل فقال له: شيء لله. فقال له ابن عربي: ما لي غير هذه الدار، فتسلمها السائل وصارت ملكه. قال الذهبي في حقه إن له توسطًا في الكلام، وذكاءً وقوة خاطر، وحافظة، وتدقيقًا في التصوُّف، وتواليف جمة في العرفان لولا شطحه في كلامه وشعره. ولعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته فيرجى له الخير.٣٥ ا.ﻫ. ومن نظم الشيخ محيي الدين:
بين التذلل والتدلل نقطة
فيها يتيه العالم النِّحرير
هي نقطة الأكوان إن جاوزتها
كنت الحكيم وعلمك الإكسير

وقوله:

يا درَّة بيضاء لاهوتية
قد رُكِّبت صدفًا من الناسوت
جهل البسيطة قدرها لشقائهم
وتنافسوا في الدر والياقوت

وحكى العماد بن النحاس الأطروش: أنه كان في سفح جبل قاسيون على مستشرف وعنده الشيخ محيي الدين بن عربي، والغيث والسحاب عليهم، ودمشق ليس عليها شيء. قال: فقلت للشيخ: أما ترى هذه الحال؟ فقال: كنت بمراكش وعندي ابن خروف الشاعر — يعني أبا الحسن علي بن القرطبي — وقد اتفقت حال مثل هذه، فقلت له مثل هذه المقالة فأنشدني:

يطوف السحاب بمراكش
طواف الحجيج ببيت الحرم
يروم نزولًا فلا يستطيعُ
لسفك الدماء وهتك الحرم

جاء في نفح الطيب أن المقريزي حكى في ترجمة عمر بن الفارض أن الشيخ محيي الدين بن عربي بعث إلى ابن الفارض يستأذنه في شرح التائية فأجابه: كتابك المسمَّى بالفتوحات المكيَّة شرحٌ لها. ا.ﻫ. وقال بعض من عرَّف به: إنه لما صنَّف الفتوحات المكية كان يكتب كل يوم ثلاث كراريس حيث كان، وحصلت له بدمشق دنيا كثيرة فما ادَّخر منها شيئًا. وقيل: إن صاحب حمص رتَّب له كل يوم مائة درهم، وابن الزكي كل يوم ثلاثين درهمًا، فكان يتصدق بالجميع. واشتغل الناس بمصنفاته، ولها ببلاد اليمن والروم صيتٌ عظيم، وهو من عجائب الزمان.

وكان يقول: أعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكسب. وذكر صفي الدين حسين بن الإمام جمال الدين أبي الحسن علي بن الإمام كمال الدين أبي منصور ظافر الأزدي الأنصاري في رسالته المتضمنة من رأى من سادات عصره قال: ورأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية وما وقر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وكان غلب عليه التوحيد علمًا وخلقًا وحالًا، لا يكترث بالوجود مقبلًا كان أو معرضًا. وله علماء أتباع أرباب مواجيد وتصانيف، وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الخرَّاز إخاء ورفقة في السياحات، ومن نظم ابن عربي:

يا من يراني ولا أراه
كم ذا أراه ولا يراني

قال رحمه الله: قال لي بعض إخواني لما سمع هذا البيت: كيف تقول إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك، فقلت له مرتجلًا:

يا من يراني مجرمًا
ولا أراه آخذا
كم ذا أراه منعِمًا
ولا يراني لائذا

قال المقري في النفح: قلت: من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ مُؤَوَّل، وأنه لا يقصد ظاهره، وإنما له محامل تليق به، وكفاك شاهدًا هذه الجزئية الواحدة، فأحسن الظن به ولا تنتقد بل اعتقد. وللناس في هذا المعنى كلامٌ كثير، والتسليم أسلم، والله سبحانه بكلام أوليائه أعلم.

وولد للشيخ محيي الدين ابنه محمد المدعو سعد الدين بملَطْيَة من بلاد الروم، وذلك في رمضان سنة ٦١٨، وسمع الحديث ودرَّس، وقال الشعر الجيد، وله ديوان مشهور، وتوفي بدمشق سنة ٦٥٦، وهي السنة التي دخل فيها هولاكو بغداد وقتل الخليفة المستعصم، ودفن محمد بن محيي الدين بن عربي إلى جانب والده بسفح قاسيون، ومن شعره:

لما تبدَّى عارضاه في نمط
قيل ظلام بضياء اختلط
وقيل سطر الحسن في خديه خط
وقيل نمل فوق عاج انبسط
وقيل مسك فوق ورد قد نقط
وقال قوم إنها اللام فقط

ومن نظمه:

سهري من المحبوب أصبح مرسلًا
وأراه متصلًا بفيض مدامع
قال الحبيب بأن ريقي نافع
فاسمع رواية مالك عن نافع

وقوله:

لك والله منظر
قلَّ فيه المشارك
إن يومًا نراك فيـ
ـه ليوم مبارك

وله:

وعلمت أن من الحديد فؤاده
لما انتضى من مقلتيه مهندا
آنست من وجدي بجانب خده
نارًا ولكن ما وجدت بها هدى

وله:

ساءَلتني عن لفظة لغوية
فأجبت مبتدئًا بغير تفكُّر
خاطبتني متبسِّمًا فرأيتها
من نظم ثغرك في صحاح الجوهري

وكتب إلى أخيه عماد الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي:

ما للنوى رقة ترثي لمكتئبٍ
حرَّان في قلبه والدمع في حلب
قد أصبحت حلب ذات العماد بكم
وجلَّق إرَمٌ هذا من العجب

وتوفي الشيخ عماد الدين بالصالحية سنة ٦٦٧، ودفن بسفح قاسيون عند والده بتربة القاضي ابن الزكي، رحم الله تعالى الجميع.

ومن نظم الشيخ محيي الدين قوله:

ما فاز بالتوبة إلا الذي
قد تاب قِدْمًا والورى نوَّم
فمن يتب أدركَ مطلوبه
من توبة الناس ولا يعلم
قال صاحب نفح الطيب: وبالجملة فهو حجة الله الظاهرة وآيته الباهرة، ولا يلتفت إلى كلام من تكلم فيه، ولله در السيوطي الحافظ؛ فإنه ألَّف «تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي» انتهى. قلت: إني قد طالعت كتاب «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة»، تأليف الإمام جلال الدين السيوطي — رحمه الله — وقرأت ترجمته لنفسه في آخر تراجم علماء مصر، وهي في الجزء الأول من صفحة ١٨٨–١٩٥، وقرأت بتدقيق أسماء مؤلفاته التي قال عنها المستشرق «سَديُّو Sedillout»: إنها أكثر مما قرأ كثير من أدباء الأوروبيين من الكتب على العموم، وقد أحصيت بنفسي عدد تآليف الإمام السيوطي بحسب ما هو وارد في ترجمته لنفسه في كتاب حسن المحاضرة المذكور، فوجدتها نحوًا من مائتين وستين تأليفًا، ولم أجد بين هذه الكتب كتابًا يسمى «تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي»، نعم يجوز أن يكون له تآليف أخرى ألَّفها بعد تأليفه لحسن المحاضرة منها تنبيه الغبي في تنزيه ابن عربي، وكنت أحصيت تآليف الجلال السيوطي التي ذكرها صاحب كشف الظنون، فبلغت حسبما أتذكر يوم أحصيتها نحوًا من ٤٦٠ كتابًا؛ أي بزيادة مائتين على ما هي في حسن المحاضرة، وقد راجعت هذه المرة كشف الظنون فوجدت في الجزء الأول في حرف التاء اسم كتاب «تنبيه الغبي في تنزيه ابن عربي» للجلال السيوطي. قال: رسالة كتبها ردًّا على من ردَّ عليه في الفصوص، وللسيد علي بن ميمون المغربي المتوفى سنة ٩١٧. ا.ﻫ.

ثم نعود إلى ما جاء في نفح الطيب فنقول إنه ذكر من علماء الأندلس رجلًا آخر يعرف بابن العربي، وهو القاضي أبو بكر بن العربي؛ فلأجل التفريق بين الاثنين ورفع الالتباس اصطلح أهل المشرق على أن يكتبوا اسم الشيخ الأكبر «ابن عربي» دون ألف ولام، ثم إنه جاء في كتاب «مزية المرِّية» لابن خاتمة ما نصه: محمد بن علي بن محمد الطائي الصوفي، من أهل إشبيلية، وأصله من مرسية، يكنى أبا بكر، ويعرف بابن العربي وبالحاتمي أيضًا، أخذ عن مشيخة بلده، ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة بالأندلس. ثم رحل إلى المشرق حاجًّا فأدى الفريضة، ولم يعد بعدها إلى الأندلس، وسمع الحديث من أبي القاسم الجرستاني ومن غيره، وسمع صحيح مسلم من أبي الحسن بن أبي نصر سنة ٦٠٦، وكان يحدِّث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السلفي ويقول بها، وبرع في علم التصوف، وله في ذلك تواليف كثيرة منها «الجمع والتفصيل في حقائق التنزيل»، و«الجذوة المقتبسة والخطرة المختلسة»، وكتاب «كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى»، وكتاب «المعارف الإلهية»، وكتاب «الإسرا إلى المقام الأسرى»، وكتاب «مواقع النجوم ومطالع أهلَّة أسرار العلوم»، وكتاب «عنقاء مُغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب»، وكتاب في فضائل مشيخة عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي، والرسالة الملقبة «بمشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية» في كتب أخر عديدة.

وقدم على المريَّة من مرسية مستهلَّ شهر رمضان سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وبها ألَّف كتابه الموسوم «بمواقع النجوم». ا.ﻫ.

قال المقري: ولا خَفَاءَ أن مقام الشيخ أعظم بعد انتقاله من المغرب، وقد ذكر في بعض كتبه أن مولده بمرسية، ثم ذكر أنه توجه سؤال إلى القاضي مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروزأبادي الصدِّيقي صاحب القاموس، وهو: ما تقول السادة العلماء — شدَّ الله تعالى بهم أزر الدين ولمَّ بهم شعث المسلمين — في الشيخ محيي الدين بن عربي في كتبه المنسوبة إليه، كالفتوحات والفصوص، هل تحل قراءتها وإقراؤها ومطالعتها؟ وهل هي الكتب المسموعة المقروءة أم لا؟ أفتونا مأجورين جوابًا شافيًا لتحوزوا أجمل الثواب من الله الكريم الوهاب، والحمد لله وحده. (فأجاب بما صورته): الحمد لله، اللهم أنطقنا بما فيه رضاك. الذي أعتقده في حال المسئول عنه وأدين الله تعالى به أنه كان شيخ الطريقة حالًا وعلمًا، وإمام الحقيقة حقيقةً ورسمًا، ومحيي رسوم المعارف فعلًا واسمًا.

إذا تغلغل فكر المرء في طرفٍ
من بحره غرقت فيه خواطره

وهو عباب لا تكدره الدلاء، وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء، كانت دعواته تخترق السبع الطباق، وكانت بركاته تفترق فتملأ الآفاق، وإني أصفه وهو يقينًا فوق ما وصفته، وناطق بما كتبته، وغالب ظني أني ما أنصفته.

وما عليَّ إذا ما قلت معتقدي
دعِ الجهول يظن العدل عدوانا
والله والله والله العظيم ومن
أقامه حجة للدين برهانا
بأن ما قلت بعض من مناقبه
ما زدت إلا لعلِّي زدت نقصانا

وأما كتبه ومصنفاته فالبحار الزواخر التي جواهرها وكثرتها لا يُعرَف لها أول ولا آخر، ما وضع الواضعون مثلها، وإنما خص الله — سبحانه — بمعرفة قدرها أهلها، ومن خواص كتبه أن من واظب على مطالعتها والنظر فيها وتأمل ما في مبانيها، انشرح صدره لحل المشكلات وفك المعضلات، وهذا الشأن لا يكون إلَّا لأنفاس من خصَّه الله تعالى بالعلوم اللدنية الربانية.

ووقفت على إجازة كتبها للملك العظيم فقال في آخرها: وأجزته أيضًا أن يروي عن مصنَّفاتي، ومن جملتها كذا وكذا، حتى عدَّ نيفًا وأربعمائة مصنَّف، منها التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلى سورة الكهف عند قوله تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا، وتوفي ولم يكمل، وهذا التفسير كتاب عظيم كل سفر منه بحر لا ساحل له. ولا غرو فإنه صاحب الولاية العظمى والصدِّيقية الكبرى في ما نعتقد وندين الله تعالى به. وثَمَّ طائفة في الغَي حائفة يعظمون عليه النكير، وربما بلغ بهم الجهل إلى حد التكفير، وما ذاك إلا لقصور أفهامهم عن إدراك مقاصد أقواله وأفعاله ومعانيها، ولم تصل أيديهم لقصرها إلى اقتطاف مجانيها.

عليَّ نحت القوافي من معادنها
وما عليَّ إذا لم تفهم البقر

هذا الذي نعلم ونعتقد وندين الله تعالى به في حقه، والله — سبحانه وتعالى — أعلم. كتبه محمد الصديقي الملتجئ إلى حرم الله تعالى — عفا الله عنه. ا.ﻫ. لا يخفى أن صاحب القاموس أقام زمنًا بمكة المكرمة. ثم إن بعض الناس ذكروا أنه جرى تكفير ابن عربي في مجلس شيخ الإسلام في وقته عز الدين بن عبد السلام — رحمه الله — وقيل عنه إنه زنديق، وأن الشيخ لم يرد عنه؛ فكان سكوته إقرارًا. فذكر خادم للشيخ أنه كان ذلك اليوم صائمًا؛ فاتفق أن سيده دعاه للإفطار معه. يقول الخادم: وجدت منه إقبالًا ولطفًا فقلت له: يا سيدي، هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا؟ فقال: ما لك ولهذا كُلْ. فعرفت أنه يعرفه، فتركت الأكل وقلت له: لوجه الله تعالى عرِّفني به من هو. فتبسم — رحمه الله — وقال لي: الشيخ محيي الدين بن عربي. فأطرقت ساكتًا متحيرًا، فقال: ما لك؟ فقلت: يا سيدي قد حرت. قال: لِمَ؟ قلت: أليس اليوم قال ذلك الرجل إلى جانبك ما قال في ابن عربي وأنت ساكت؟ فقال: اسكت ذلك مجلس الفقهاء. هذا الذي روي لنا بالسند الصحيح عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام.

وكان الشيخ كمال الدين الزملكاني من أجلِّ مشايخ الشام، يقول: ما أجهل هؤلاء ينكرون على الشيخ محيي الدين بن عربي لأجل كلمات وألفاظ وقعت في كتبه قد قصرت أفهامهم عن دَرك معانيها! فليأتوني لأحل لهم مشكله، وأبيِّن لهم مقاصده بحيث يظهر لهم الحق.

وهذا القطب سعد الدين الحموي سُئل عن الشيخ محيي الدين بن عربي لما رجع من الشام إلى بلده: كيف وجدت ابن عربي؟ فقال: وجدته بحرًا زخَّارًا لا ساحل له. وهذا الشيخ صلاح الدين الصفدي له كتابٌ جليل وضعه في تاريخ علماء العالم في مجلدات كثيرة، تنظر في باب الميم ترجمة محمد بن عربي لتعرف مذاهب أهل العلم الذين باب صدورهم مفتوح لقبول العلوم اللدنية. وقيل إن ابن عربي صنَّف بعض كتبه بأمرٍ من الحضرة الشريفة النبوية. قال الشيخ محيي الدين الذهبي حافظ الشام، وكان من أعظم المنكرين على الصوفية: ما أظن محيي الدين يتعمد الكذب أصلًا.

ثم إن ابن عربي كان مظهره بدمشق، وأخرج هذه العلوم فيها ولم ينكر عليه ذلك أحد من علمائهم. وكان قاضي قضاة الشافعية في عصره شمس الدين أحمد الجوبي يخدمه، وقاضي قضاة المالكية زوَّجه بابنته، وترك القضاء بنظرة وقعت عليه من الشيخ. قال المقري في نفح الطيب إنه نقل ما نقله من ترجمة ابن عربي من كلام العارف بالله عبد الوهاب الشعراني — رضي الله عنه — ونحن نقلنا في كتابنا هذا ما ذكره المقري ملخصًا، ثم راجعنا ما قال الشعراني في الطبقات الكبرى فلم نجد هذه الروايات في الطبقات المذكورة، فلعله نقلها عنه من كتابٍ آخر. أما في الطبقات فالشعراني يقول عن ابن عربي: الشيخ العارف الكامل المحقق المدقق، أحد أكابر العارفين بالله، سيدي محيي الدين بن العربي — رضي الله عنه — بالتعريف — أي بوضع الألف واللام على لفظه عربي — كما رأيته بخطه، وقال: أجمع المحققون من أهل الله — عز وجلَّ — على جلالته في سائر العلوم كما تشهد بذلك كتبه، وما أنكر من أنكر عليه إلَّا لدقة كلامه لا غير، فأنكروا على ما يطالع كلامه من غير سلوك طريق الرياضة خوفًا من حصول شبهة في معتقده يموت عليها ولا يهتدي لتأويلها على مراد الشيخ.

وقد ترجمه الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور، فقال: هو الشيخ الإمام المحقق رأس أجلَّاء العارفين والمقربين، صاحب الإشارات الملكوتية، والنفحات القدسية، والأنفاس الروحانية، والفتح المؤنق، والكشف المشرق، والبصائر الخارقة، والسرائر الصادقة، والمعارف الباهرة، والحقائق الزاهرة، له المحل الأرفع من مراتب القرب في منازل الأنس (إلى آخر ما نحله إياه من الصفات والألقاب). ونقل الشعراني أن العارف بالله محمد بن أسعد اليافعي — رضي الله عنه — ذكر ابن عربي بالعرفان والولاية، وأن العارف الشهير الشيخ أبا مَدْيَن — رضي الله عنه — لقَّب ابن عربي بسلطان العارفين. قال الشعراني: إن كتبه مشهورة بين الناس، لا سيما بأرض الروم؛ فإنه ذكر في بعض كتبه صفة السلطان جد السلطان سليمان بن عثمان وفتحه القسطنطينية في الوقت الفلاني، فجاء الأمر كما قال، وبينه وبين السلطان نحو مائتي سنة، وقد بني عليه قبة عظيمة وتكية شريفة بالشام.

قلت: إن السلطان الذي فتح القسطنطينية هو السلطان محمد الثاني بن مراد الثاني، وكان فتحه لها سنة ٨٥٣ للهجرة. وعاش ابن عربي إلى سنة ٦٣٨؛ فإن كان قال شيئًا في صفة السلطان محمد الفاتح قبل ظهوره بنحو مائة وخمس وثمانين سنة فيكون من الخوارق. وأما القبة التي بُنيت على ضريح ابن عربي — رحمه الله — فيقال إنها من بناء السلطان سليم بن بايزيد بن محمد الفاتح، وكانت ولاية سليم سنة ثماني عشرة وتسعمائة، وقد ذكر الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه «نزهة الناظرين» ونقل ذلك صاحب «شذرات الذهب»، ونقلته أنا في تاريخ أمة الترك الذي علقته في حاشيتي على تاريخ ابن خلدون، وطبع من سنتين؛ أن السلطان سليمًا والد السلطان سليمان — فاتح الشام ومصر — عندما دخل الشام أمر بعمارة قبة على مقام الشيخ محيي الدين بن عربي بصالحية دمشق، ورتَّب عليها أوقافًا كثيرة.

ونعود إلى ما قال الشعراني عن ابن عربي، فمن ذلك أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيخ الإسلام بمصر كان يحطُّ عليه كثيرًا، فلما صحب الشيخ أبا الحسن الشاذلي — رضي الله عنه — وعرف أحوال القوم صار يترجمه بالولاية والعرفان والقطبية. قال الشعراني: وقد سطرنا الكلام على علومه وأحواله في كتابنا «تنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء» فراجعه، فيظهر أن الذي نقله المقري في النفح عن الشعراني نقله عن هذا الكتاب.

وأما ابن خلكان فلم يذكر الشيخ محيي الدين بن عربي في «وفيات الأعيان»، وإنما ذكره صاحب «فوات الوفيات» محمد بن شاكر بن أحمد الكتبي، المتوفى سنة ٧٦٤، وقال: إنه ولد بمرسية، وإنه أخذ فيها عن ابن بشكوال، وذكر من تصانيفه ما لم يرد ذكره في نفح الطيب مثل «التدبيرات الإلهية والتنزلات الموصلية»، و«الأجوبة المسكتة عن سؤالات الحكيم الترمذي»، و«تاج الرسائل ومنهاج الوسائل»، وكتاب «التجليات»، و«مفاتيح الغيب»، و«الإعلام بإشارات أهل الإلهام»، و«المدخل إلى معرفة الأسماء»، و«العبادة والخلوة»، و«كُنه ما لا بد منه»، و«النقباء»، و«حلية الأبدال»، و«عقيدة أهل السنة»، و«المقنع في إيضاح السهل الممتنع»، و«مناصحة النفس»، و«تاج التراجم»، و«مشكاة الأنوار»، و«الجلال والجمال»، و«محاضرات الأبرار ومسامرات الأخيار» خمسة مجلدات، وغير ذلك من الكتب والرسائل، وذكر من شعره:

ليت شعري هل دروا
أيَّ قلبٍ ملكوا
وفؤادي لو درى
أيَّ شعبٍ سلكوا
أتراهم سلِموا
أم تراهم هلكوا
حار أرباب الهوى
في الهوى وارتبكوا

وله:

سلام على سلمى ومن حلَّ بالحمى
وحق لمثلي رقةً أن يسلِّما
وماذا عليها أن تردَّ تحية
علينا ولكن لا احتكام على الدُّمى
سروا وظلام الليل أرخى سدوله
فقلت لها: صبًّا غريبًا متيما
فأبدت ثناياها وأومض بارق
فلم أدرِ من شقَّ الحنادس منهما
وقالت أما يكفيه أني بقلبه
يشاهدني من كل وقتٍ أما أما

وله:

درستْ عهودهُمُ وإنَّ هواهمُ
أبدًا جديد في الحشا ما يدرس
هذي طلولهمُ وهذي أدمعي
ولذكرهم أبدًا تذوب الأنفس
ناديت خلف ركابهم من حبهم
يا من غناه الحسن ها أنا مفلس
يا موقدًا نارًا رويدك هذه
نار الصبابة شأنكم فلتقبسوا

وله:

ناحت مطوقة فحنَّ حزين
وشجاه ترجيع لها وحنين
جرت الدموع من العيون تفجعًا
لحنينها فكأنهنَّ عيون
طارحتها ثكلى بفقد وحيدها
والثكل من فقد الوحيد يكون
بي لاعج من حب رملةِ عالجٍ
حيث الخيام بها وحيث العين
من كل فاتكة اللحاظ مريضةٍ
أجفانها لظبى اللحاظ جفون
ما زلت أجرع دمعتي من غلَّتي
أُخفي الهوى عن عاذلي وأصون

هذا شعر يدل على طول باع ورقة طباع، ويسجل لابن عربي بأنه كان من رءوس الأدباء، منضمًّا إلى قول مريديه إنه من رءوس العارفين. ومما رواه المقري في النفح نقلًا عن الإمام اليافعي اليمني أن ابن عربي اجتمع مع الشهاب السهروردي فأطرق كل واحد منهما ساعة ثم افترقا من غير كلام، فقيل للشيخ ابن عربي: ما تقول في السهروردي؟ فقال: مملوء سنَّةً من قرْنِه إلى قدمه. وقيل للسهرودي: ما تقول في الشيخ محيي الدين؟ فقال: بحر الحقائق. ثم قال اليافعي ما ملخصه: إن بعض العارفين كان يقرأ عليه كلام الشيخ ويشرحه، فلما حضرته الوفاة نهى عن مطالعته، وقال: إنكم لا تفهمون معاني كلامه.

وقال صاحب «عنوان الدراية»: إن الشيخ محيي الدين كان يعرف بالأندلس بابن سراقة، وهو فصيح اللسان بارع فهم الجنان، رحل إلى العدوة، ودخل بجاية في رمضان سنة ٥٩٧، وبها لقي أبا عبد الله العربي وجماعة. قال: ثم رحل إلى المشرق وألَّف تواليف فيها ما فيها، إن قيَّض الله تعالى من يسامح ويتأوَّل سَهُل المرام، وإن كان ممن ينظر بالظاهر فالأمر صعب. وقد نقد عليه أهل الديار المصرية وسعوا في إراقة دمه؛ فخلَّصه الله تعالى على يد الشيخ أبي الحسن البجائي؛ فإنه سعى في خلاصه وتأوَّل كلامه، ولما وصل إليه بعد خلاصه قال له؛ أي البجائي: كيف يحبس من حلَّ منه اللاهوت في الناسوت؟ فقال له ابن عربي: يا سيدي، تلك شطحات في محل سكر، ولا عتب على سكران.

وممن ذكر ابن عربي الإمام شمس الدين محمد بن مسدي في معجمه البديع المحتوي على ثلاثة مجلدات، وترجمه ترجمة عظيمة قال فيها إنه كان ظاهري المذهب في العبادات باطنيَّ النظر في الاعتقادات، خاض بحار تلك العبارات، وتحقق بمحيا تلك الإشارات، وتصانيفه تشهد له عند أولي البصر بالتقدم والإقدام. ومواقف النهايات في مزالق الأقدام؛ ولهذا ما ارتبْت في أمره، والله تعالى أعلم بسرِّه. قال المقري: ونقلت من خط ابن علوان التونسي من شعر الشيخ محيي الدين ما يأتي:

بالمال ينقاد كل صعبٍ
من عالم الأرض والسماء
يحسبه عالم حجابًا
لم يعرفوا لذة العطاء
لولا الذي في النفوس منه
لم يُجب الله في الدعاء
لا تحسب المال ما تراه
من عسجد مشرق الضياء
بل هو ما كنت يا بنيَّ
به غنيًّا عن السواء
فكن برب العلا غنيًّا
وعامل الخلق بالوفاء

وقال:

نبه على السرِّ ولا تُفشِهِ
فالبوح بالسرِّ له مقتُ
على الذي يبديه فاصبر له
واكتمه حتى يصل الوقت

وقال وهو في المقام النبوي الشريف:

يا حبذا المسجد من مسجد
وحبذا الروضة من مشهد
وحبذا طيبة من بلدة
فيها ضريح المصطفى أحمد
صلى عليه الله من سيِّدٍ
لولاه لم نفلح ولم نهتد
قد قرن الله به ذكره
في كل يومٍ فاعتبر ترشد
عشر خفيات وعشر إذا
أُعلن بالتأذين في المسجد
فهذه عشرون مقرونة
بأفضل الذكر إلى الموعد

وجاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية ذكر الإمام محيي الدين بن عربي فقالت فيه: إنه متصوِّف شهير قائل بوحدة الوجود، ولد بمرسية في ٢٨ يوليو سنة ١١٩٥ المسيحية، ثم رحل إلى إشبيلية حيث أقام ثلاثين سنة، وقرأ الفقه والحديث في إشبيلية وسبتة، ثم ذهب إلى تونس، ثم ذهب إلى الشرق، فوصل إلى مكة، وزار بغداد، ثم رجع إلى مكة، وذهب إلى حلب، ثم إلى الموصل، ثم إلى الأناضول، وكان صيته سابقًا له في كل مكان، وكان يقدَّم إليه المال فينفقه في الصدقات، واستقرَّ أخيرًا بدمشق، وتوفي في أكتوبر سنة ١٢٤٠ المسيحية وفق ربيع الثاني سنة ٦٣٨، ودفن في سفح قاسيون، حيث دفن إلى جانبه ابناه في ما بعد.

وأما من جهة الشرع فكان ابن عربي ظاهريًّا على مذهب ابن حزم الأندلسي، ولكنه لم يكن مقلدًا، ومع أنه كان يوصي بممارسة شعائر الدين على الوجه الأكمل كان في الحقيقة يسير بحسب نور وجدانه الباطني الذي كان يعتقد أنه ينيره، وكان يقول بوحدة الكائنات وأنها كلها مظاهر الألوهية فالأديان جميعها في نظره تختلف اختلافًا نسبيًّا وكان يعتقد أنه رأى محمدًا، وأنه يعرف اسم الله الأعظم وأنه يعرف الكيمياء بالتنزيل لا بالتعليم واتهم بالزندقة وهو في مصر وكادوا يقتلونه.

ثم ذكرت المعلمة الإسلامية كتابه «الفتوحات المكية»، وقالت إنه طبع في بولاق سنة ١٢٧٤ للهجرة، وفي القاهرة سنة ١٣٢٩، وذكرت كتابه «فصوص الحكم» الذي أكمله في دمشق سنة ٦٢٧ للهجرة، وقد طبع في بولاق مع تفسيره بالتركية، وقالت: إن ابن عربي لما كان في مكة تعرَّف بامرأة من العالمات الفاضلات، وفارق مكة، ثم رجع إليها فنظم شعرًا غزليًّا يذكر فيها محاسن تلك السيدة وهيامه بها، ولكنه بعد ذلك بسنة عاد فشرح أغزاله بها شرحًا يجعل فيه لهذه الأغزال معاني صوفية، وقد تُرجمت هذه الأشعار إلى الإنكليزية بقلم «نيقولسن»، وهي ترجمة ديوان «ترجمان الأشواق»، ولم يشتهر في أوروبة من تآليف ابن عربي سوى هذا الكتاب، وكتاب آخر في اصطلاحات الصوفية، وكتاب آخر اسمه كتاب «الأجوبة» تُرجم إلى الإنكليزية.

ومما طبع من كتب ابن عربي «محاضرات الأبرار»، فقد طبع في مصر سنة ١٢٨٢ للهجرة ثم سنة ١٣٠٥، وقد طبع ديوان شعره في بولاق سنة ١٢٧١، ثم في بومباي. وله تفسير للقرآن طبع بالقاهرة سنة ١٢٨٣، وطبع له كتاب «الأخلاق» مع ترجمةٍ له بالتركية وكتاب «الأمر المحكم»، كلاهما طبع في استانبول، وأيضًا طبع في استانبول «تحفة السفَرَة إلى حضرة البرَرَة» مع ترجمة تركية له. وطُبع له «مجموع الرسائل الإلهية» في القاهرة سنة ١٣٢٥، و«مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم» في السنة نفسها، والمحفوظ من تآليف ابن عربي ١٥٠ تأليفًا، ويقال إنه نصف عدد تآليفه هذا، وكثيرٌ من العلماء يطعنون عليه ويتهمونه بالقول بالحلول، وله أنصار كثيرون، فبينما ابن تيمية والتفتازاني وإبراهيم بن عمر البقاعي يشنعون عليه ويكفرونه، نجد الفيروزآبادي والسيوطي وغيرهما يؤيدونه وينصرونه. انتهى.

قلنا: وقد كان أشد الناس على ابن عربي بين علماء السنة الإمام ابن تيميَّة كما هو معلوم. ثم إنه ظهر في هذه المدة تأليف خاص بابن عربي من قلم الكاتب المصري الكبير الأستاذ زكي مبارك اشتمل على فوائد جليلة ومعانٍ طريفة فنوصي الناس بمطالعته.

ومن مفاخر بلنسية الإمام الحافظ الكاتب الناظم الناثر المؤلف الراوية أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي الشهير، أبوه من أندة بلد القضاعيين من أعمال بلنسية، وقد تقدمت ترجمة أبيه نقلًا عنه من كتابه «التكملة» الذي جعله تتمة لكتاب «الصلة» لأبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، وهو الكتاب الذي وصل به ابن بشكوال كتاب القاضي أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي المعروف بابن الفرضي، المؤلَّف في تاريخ علماء الأندلس من الرواة والفقهاء والقضاة والنبهاء والمقرئين والأدباء، والقادمين عليها من غير أهلها، فتكون هذه الكتب الثلاثة أشبه بكتاب واحد، التالي منها تكملة للسابق. وأحدثها عهدًا وأغزرها مادةً تكملة ابن الأبار القضاعي هذا، وعنه أخذنا تلخيصًا تراجم أكثر رجال العلم الذين نبغوا في الأندلس بين القرنين السادس والسابع للهجرة، كما هو مبيَّن في هذه التراجم، وأما ترجمة صاحب التكملة نفسه فقد جاء منها في نفح الطيب قوله إنه كتب ببلنسية عن السيد أبي عبد الله بن السيد أبي حفص بن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، ثم عن ابنه السيد أبي زيد، ثم كتب عن الأمير أبي مردنيش، ولما نازل الطاغية بلنسية بعثه الأمير زيَّان بن مردنيش مع وفد أهل بلنسية بالبيعة للسلطان أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن حفص (صاحب تونس)، وفي ضمن ذلك استصرخه لدفع عادية العدو، فأنشد السلطان قصيدته السينية التي مطلعها:

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا
إن السبيل إلى مَنْجَاتها درسا

وقد أوردناها كلها في آخر هذا الجزء. ثم لما قُضِيَ الأمر ولم ينجع في أمر بلنسية علاج، واستولى الإسبانيون عليها وعلى مملكتها الاستيلاءَ النهائي، هاجر ابن الأبَّار بأهله إلى تونس. قال المقري في النفح: إن ذلك كان غبطة بإقبال السلطان عليه، فنزل منه بخير مكان ورشَّحه لكتب علامته في صدور مكاتباته مدة. ثم أراد السلطان صرفها لأبي العباس الغساني؛ لكونه يحسن كتابتها، فكتبها مدة بالخط المشرقي، وكان آثر عند السلطان من المغربي، فسخط ابن الأبَّار أَنَفَة من إيثار غيره عليه، وافتأت على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه لقصور الترسيل يومئذٍ في الحضرة عليه، وأن يبقى موضع العلامة منه لكاتبها، فجاهر بالرد ووضعها استبدادًا وأنفة، وعُوتِب على ذلك فاستشاط غضبًا ورمى بالقلم، وأنشد متمثلًا:

اطلب العز في لظًى وذر الذلْ
لَ ولو كان في جِنَان الخلود

فنمى ذلك إلى السلطان فأمر بلزومه بيته. ثم استعتب السلطان بتأليف رقعة إليه عَدَّ فيه من عوتب من الكتَّاب وأُعتب، وسماه «إعتاب الكتَّاب»، واستشفع فيه بابنه المستنصر؛ فغفر السلطان له وأقال عثرته وأعاده إلى الكتابة. ولما توفي السلطان رفعه أمير المؤمنين المستنصر إلى حضور مجلسه، ثم حصلت له أمور معه كان آخرها أنه تقبَّض عليه وبعث إلى داره فرُفعت إليه كتبه أجمع، وأُلفي أثناءها فيما زعموا رقعة بأبيات أولها:

طغى بتونس خلف
سموه ظلمًا خليفه

فاستشاط السلطان لها، وأمر بامتحانه ثم بقتله، فقُتل قعصًا بالرماح وسط محرم سنة ٦٥٨، ثم أُحرق شِلوهُ، وسيقت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه، وكان مولده ببلنسية سنة ٥٩٥، وقال في حقه ابن سعيد في «المُغرب» ما ملخصه: حامل راية الإحسان، المشار إليه في هذا الأوان، ومن شعره يصف الياسمين:

حديقة ياسمين لا
تهيم بغيرها الحدقُ
إذا جفن الغمام بكى
تبسَّم ثغرها اليفقُ
فأطراف الأهلة سال
في أثنائها الشفقُ

وهو حافظ متقن، له في الحديث والأدب تصانيف، وله كتاب في متخير الأشعار، سماه «قِطَع الرياض»، وله «تكملة الصلة» لابن بشكوال، و«هداية المعترف في المؤتلف والمختلف»، وكتاب التاريخ، وبسببه قتله صاحب إفريقية؛ قال في نفح الطيب: وأُحرقت كتبه على ما بلغنا — رحمه الله تعالى — وله «تحفة القادم» في شعر الأندلس، و«الحلة السيراء في أشعار الأمراء». انتهى ملخصًا.

هوامش

(١) ذكر الحميري في الروض المعطار عدة حصون لمرسية أحببنا ذكرها هنا؛ منها «حصن شنغيره»، قال: هو على أربع مراحل في شرقيها، مشهور بالمَنَعَة، ظفر به في الصلح محمد بن هود سنة ٦١٤ ومعه خمسمائة من أجناد الرجال، فغدر به؛ لأن أبا سعيد بن أبي حفص الهنتاتي لما طاف على حصون الأندلس يتفقدها في أيام الهدنة نظر إلى هذا المعقل وهو بارز إلى السماء مع وثاقة بنائه فأعجبه، وقال: كيف أخذ الروم هذا الحصن من المسلمين؟ فقيل: غدروا به في زمان الصلح. فقال: أما في أجناد المسلمين من يجازيهم بفعلهم؟ فسمعه ابن هود فأسرَّها في نفسه إلى أن تمَّت له الحيلة؛ فطلع في سلَّم من حبال، فذبح السامر الذي يحرس بالليل، ولم يزل يطلع رجاله واحدًا واحدًا إلى أن حصلوا بجملتهم في الحصن، وفرَّ الروم الذين خلصوا من القتل إلى برج مانع، فقال ابن هود: إن أصبح هؤلاء في هذا البرج جاءهم المدد من كل مكان؛ فالرأي أن تطلق النيران في بابه. فلما رأوا الدخان وأبصروا اشتعال النار طلبوا الصلح على أن يخرجوا بأنفسهم؛ فكان ذلك، واستولى المسلمون على الحصن.
وكان الروم قد أرسلوا في الليل شخصًا دلَّوه من البرج، فأصبحت الخيل والرجال على الحصن وقد أحكم المسلمون أمره؛ فانصرف الروم في خجلة وخيبة، وترددت في شأنه المخاطبات إلى مراكش. فقال الوزير ابن جامع لابن الفخَّار: أخذناه في الصلح كما أخذ منا في الصلح. ومن هذه الوقيعة اشتهر ابن هود عند أهل شرق الأندلس، وصاروا يقولون: هو الذي استرجع شنغيره. ا.ﻫ.
وذكر الحميري حصنًا صغيرًا أيضًا على نهر مرسية اسمه «الصخور» — وقد ورد ذكر هذا الحصن في الإحاطة، وعبَّر عنه لسان الدين «بالصخيرات» — قال الحميري: في هذا الحصن دعا لنفسه محمد بن هود، وأبو العلا إدريس المأمون في إشبيلية، وقد صفت له، وكان عازمًا على التحريك إلى بر العدوة، فبينما هو يروم ذلك إذ وصله الخبر بقيام ابن هود هذا، وكان من الجند ولم يكن إذ ذاك أحد من أكابر الأندلسيين يطمع في ثروة ولا يحدِّث بها نفسه، فبنو مردنيش في بلنسية، وبنو عيسى في مرسية، وبنو صناديد في جيَّان، وبنو فارس في قرطبة، وبنو وزير في إشبيلية، لانتظام البرَّين على طاعة الدولة الممهدة القواعد ورجوع أمورها إلى إمامٍ واحد، حتى اتفقت ثورة (في الأصل ثيارة وكررها مرارًا ولم نجدها بمعنى ثورة) العادل بمرسية، ثم ثورة البيَّاسي ونكبته، ثم مبايعة أبي العلا بإشبيلية؛ ففتحوا على دولتهم بابًا رحَّلة منه غيرهم، فأوقع الله تعالى في خاطر ابن هود هذا أنه يملك الأندلس، وتحدَّث بذلك مع من يثق به، وذكر أنه محمد بن يوسف بن محمد بن عبد العليم بن أحمد المستنصر بن هود.
واحتقره السيد الذي كان في مرسية من قِبَل أبي العُلا؛ فجمع أصحابه وخرج بهم إلى الحصن المعروف بالصخور فدعا لنفسه، واجتمع له جمع من القطَّاع ودُعار الشعاري والضياع، وقال لهم: أنا صاحب الزمان، وأنا الذي أردُّ الخطبة عباسية. وخاطب بذلك أبا الحسن القسطلِّي — قاضي مرسية يومئذٍ — وأعلمه أنه إن تمكن من هذا الغرض فإن الدولة تكون في يده؛ فأصغى الشيخ إليه إصغاءً أذهله عن حتفه الذي بحث عنه. ثم حضر القاضي القسطلي عند السيد الملقَّب بأبي الأمان وقد لاحت عليه دلائل الخذلان، فقال: يا سيدي. هذا الرجل الذي كان في الصخور ما زال خديمكم؛ فكتبنا له نرغِّبه في الطاعة ونعده بما يكون من الخير في أثر ذلك حتى أذعن، وها هو قد وصل ليقبِّل يديكم الكريمة، وسيدنا يرتب له ولأصحابه ما يكفُّهم عن الثيارة، ويرى أن ينتفع بهم في قطع الفساد عن جهات هذه البلاد؛ فابتهج السيد وأنفذ إليه بالمبادرة، فلم يمرَّ إلَّا القليل حتى دخل ابن هود وأصحابه مرسية وبيدهم السلاح، فبعدما مالوا لتقبيل يده قبضوا عليه ثم حبسوه، وأجلسوا ابن هود في مكانه، وخطب في أول جمعة للمستنصر العباسي، ثم لنفسه بالمتوكل على الله أمير المؤمنين، وعندما وصل الخبر بذلك إلى أبي العُلا وكان عزم على جواز البحر تمثَّل:
إن الطبيب إذا تعارض عنده
مرضان مختلفان داوى الأخطرا
وصرف وجهه إلى مرسية؛ ففي أول منزلة نزل بها قام الأستاذ أبو علي الشلوبين فابتده، وقال: «ثلَّمك الله ونثَّرك»، يريد سلمك الله ونصرك، وكان يردُّ السين والصاد ثاءً، وقام بعده أبو الحسن بن أبي الفضل فأنشده قصيدة أولها:
خدمتك السيوف والأقلامُ
وأناخت لأمرك الأيامُ
وقام الكاتب البلوي فأنشد قصيدة منها:
إن تك مرسية قد عصت
فما قد بقي طائعًا أكثرُ
منابرنا لك قد أصبحت
فما ضر أن قد عصا منبر
فكره أبو العُلا ما أتوا به، واسودَّ وجهه؛ فتطيَّر الحاضرون بذلك، وامتنع أبو العُلا بعد هذا المجلس من كلام الخطباء وإنشاد الشعراء في هذه القضية، وأقام محاصرًا لابن هود حتى رحل في السنة الثانية، وعلم أهل مرسية أنهم لا ينفعهم معه إلا التجريد عن ساعد الجد، وعلم هو أنه لا تجوز عليهم حيلة، ولا تنفع فيهم موعظة، وكان الأمر على ما نطق به القدر على ألسنة أولئك. ا.ﻫ.
وذكر الحميري من بلاد مرسية بلدة يقال لها «عَفْص» قال إنه كانت فيها وقيعة للروم على أهل مرسية، ذهب فيها من أهل مرسية بين قتيل وأسير نحو أربعة آلاف رجل، وكان الروم أغاروا على تلك الجهة فخرج إليهم أهل مرسية، وكانوا عابوا على أهل إشبيلية مثلها حين وقعت عليهم الهزيمة بفحص «طلياطة»، ونسبوهم إلى الضعف والخور وقلَّة الدربة بالحروب، فلم تمض الأيام حتى امتحنهم الله بهذه الوقيعة، وكان صاحب جيش هذا اليوم أبو علي بن أشرقي. قال صاحب الملتمس: كائنة عفص هي أخت كائنة طلياطة المتقدمة في سنة ٦٢١، كانت هذه في غرب الأندلس وهذه في شرقها، وكان عبَّاد الصليب قد وصلوا إلى عفص فخرج عسكر مرسية ومعهم العامة، فقتل منهم كثير وأُسر كثير، وفيها يقول أحد المرسيين:
بوقعة عفصٍ وطلياطة
تكامل إقبال أيامنا
فبالغرب تلك وبالشرق ذي
أناخوا على شُم أعلامنا
وفي وسط الأرض قيجاطة
ولوشة قمنا بأحلامنا
(٢) قال الحميري في الروض المعطار: مرسية بالأندلس، وهي قاعدة تدمير بناها الأمير عبد الرحمن بن الحكم، واتخذت دارًا للعمَّال وقرارًا للقواد، وكان الذي تولى بنيانها وخرج العهد إليه في اتخاذها جابر بن مالك بن لبيد، وكان تاريخ الكتاب يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول سنة ٢١٦، فلما بناها ورد كتاب الأمير عبد الرحمن على جابر بن مالك بخراب مدينة «ألُّه» من المضريَّة واليمانية. وكان السبب في ذلك أن رجلًا من اليمانية استقى من وادي لورقة قُلَّةً، وأخذ ورقة من كرم لرجل من المضرية، فغطَّى بها القلة فأنكر ذلك المضري وقال: إنما ذلك استخفافًا بي إذ قطعت ورق كرمي، وتفاقم الأمر بينهما حتى تحارب الحيَّان وعسكر بعضهم إلى بعض، واقتتلا أشد قتال.
ومرسية على نهرٍ كبير يسقي جميعها كنيل مصر، ولها جامع جليل وحمَّامات وأسواق عامرة، وهي راخية أكثر الدهر رخيصة الفواكه كثيرة الشجر والأعناب وأصناف الثمار، وبها معادن فضة غزيرة متصلة المادة، وكانت تصنع بها البسط الرفيعة الشريفة، ولأهل مرسية حذق بصنعتها وتجويدها لا يبلغه غيرهم.
ومن مرسية أبو غالب تمَّام بن غالب المعروف بابن التيَّاني اللغوي المرسي صاحب الموعب، وكان أبو الجيش مجاهد بن عبد الله صاحب دانية قد تغلَّب على مرسية، وأبو غالب إذ ذاك بها، فأرسل إليه ألف دينار على أن يزيد في ترجمة الكتاب أنه ألَّفه لأبي الجيش مجاهد؛ فردَّ الدنانير وأبى من ذلك، وقال: والله لو بُذلت لي الدنيا على ذلك ما فعلت ولا استجزت الكذب؛ فإني لم أجمعه له خاصة، وإنما جمعته لكل طالب علم.
وعلى أربعين ميلًا من مرسية عين ماء عذب يقصدها من عَلِق العلق بحلقه فيفتح به، فيسقط لحينه، وذلك بإقليم «إبلش»، وقال بعضهم: هذا طبٌّ عام يوجد في كل ماء عذب بارد إذا فتح فيه عليه من علق العلق به أسقط في الأغلب؛ وذلك لأن العلق إنما ينشأ في الماء العذب فيطرأ عليه من خلاف ذلك المزاج ما يستروح منه إلى الماء، وكثيرًا ما يطبُّ به الأطباء فيستغنون به عن شجر «أناغليس» الذي من شأنه قتل العلق، وعن العكُّوب، وعن الخل، وأمثال هذه الأشياء.
ومرسية في مستوٍ من الأرض، ولها ربض عامر آهل، وعليها وعلى ربضها أسوار وحظائر متقنة، والماء يشق ربضها، وهي على ضفة النهر، ويجاز إليها على قنطرة مصنوعة من المراكب، وبها أرحاء طاحنة في مراكب تنتقل من موضعٍ إلى موضع، وبها شجر التين كثير، ولها حصون وقلاع وقواعد وأقاليم معدومة المثال. ومنها إلى بلنسية خمس مراحل، ومنها إلى قرطبة عشر مراحل. ويخرج من نهر مرسية جدول على مقربة من قنطرة «أشكابة» قد نقرته الأوَل في الجبل وهو حجر، وجابوه نحو ميل، وهذا الجدول هو الذي يسقي قبلي مرسية، ونقبوا بإزاء هذا النقب في الجبل الموازي لهذا الجبل نقبًا آخر مسافته نحو ميلين أخرجوا فيه جدولًا ثانيًا، وهو الذي يسقي جوفيَّ مرسية، ولهذين الجدولين مَنَافِس في أعلى الجبلين ومناهد إلى الوادي تنقى الجدولان منه بفتحها وانحدار الماء مما اجتمع من الغثاء فيهما. ولا يُسقى من نهر مرسية شيء بغير هذين الجدولين إلَّا بما رُفع بالدواليب والسواني. وبين موقع هذين النَّقرين ومرسية ستة أميال. ا.ﻫ.
ومما ذكره صاحب الروض المعطار من عمل مرسية بلدة «قَرَبَاكَة»، وقد يقال: قراباقة بالقاف، وهي من إقليم «مُولَة» قال: وهي قرية بها عين ماء تولِّد الحصى بطبعها، وإذا طال مكثه في الإناء من النحاس أو غيره تحجَّر بجنباته حتى تتضاعف زِنَة الإناء، وعين ماء أخرى تفتت الحصى بطبعها. ا.ﻫ. ثم ذكر بلدة ثانية يقال لها: «قربليان» بفتح فسكون ففتح فسكون، ثم قال: إن بينها وبين أوريولة عشرين ميلًا، وهي كثيرة الزيتون، وبها سقي كثير. ثم ذكر قرطاجنة وقال: إنها فرضة مرسية، وهي مدينة قديمة أزلية لها ميناء ترسو فيه المراكب الكبار والصغار، وهي كثيرة الخصب والرخاء المتتابع، ولها إقليم يسمى «الفُندُون»، وقليلًا ما يوجد مثله في طيب الأرض وعذوبة الماء، ويحكى أن السنبل يحصد فيه عن مطرة واحدة، وإليه المنتهى في الجودة. ومن مدينة قرطاجنة إلى مرسية في البر أربعون ميلًا قال: وبقرطاجنة هذه هزم عبد العزيز بن موسى بن نصير تدمير بن عبدوس الذي سميت به تدمير، هزمه وأصحابه ووضع المسلمون فيهم السيف يقتلونهم كيف شاءوا حتى نجا تدمير في شرذمة من قلال أصحابه إلى حصن أوريولة، وكان مجربًا بصيرًا ذا هيبة، فلما رأى قلة أصحابه أمر النساء فنشرن شعورهن، وأمسكن القصب بأيديهن في من بقي من الرجال وقصد بنفسه كهيئة الرسول، واستأمن فأمن، وانعقد الصلح له ولأهل بلده، وفُتحت تدمير صلحًا، فلما نفذ أمره عرَّفهم بنفسه وأدخلهم المدينة؛ فلم يروا بها إلا نفرًا يسيرًا من الرجال؛ فندم المسلمون على ما كان منهم، وكان ما انعقد من صلح تدمير مع عبد العزيز على إتاوةٍ يؤديها وجزية عن يدٍ يعطيها، وذلك على سبع مدائن منها أوريولة ولقنت وبلانة وغيرها، تاريخ فتحها سنة ٩٤، وقد تقدم هذا الكلام في موضعٍ آخر.
وقد ورد ذكر قرطاجنة في الروض المعطار لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد المنعم الحميري، الذي جمعه سنة ٨٦٦، وذلك باسم «قرطاجنة الخلفاء»، كما في الطبعة التي طبعت بمصر بمطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، بتصحيح الأستاذ المستشرق لافي بروفنسال، ولا معنى للفظة «الخلفاء» هنا، وإنما هي «الحلفاء» بالحاء المهملة؛ هذا النبات المعروف الذي يكثر هناك، وقد كنا نظن أنه مجرَّد تصحيف، ولكن تكرار اللفظة مع النقطة على الحاء، جعلنا نعتقد أنها «الخلفاء» جمع خليفة، وهو غلط هنا.
(٣) ذكر ليفي بروفنسال من الكتابات التي وجدت في مرسية ونواحيها كتابة على قبر في قرية يقله Yecla من قرى مرسية، وهي بعد البسملة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِالله الْغَرُورُ، توفي عمر بن إدريس … يوم الثلاثة في يومين من شهر جماد الأول الذي من سنة أحد وستين وثلاثة مائة.
ظاهر من الكتابة أنها عامية تقريبًا، والبلاطة المكتوب عليها بسيطة، ولكن الخط بالكوفي.
وذكر كتابة قبرية أخرى وجدت في أساس بيت كذلك بالكوفي، ونصها بعد البسملة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِالله الْغَرُورُ. هذا قبر أحمد بن جناح، توفي — رحمه الله — باقي لرجب اثني عشر يومًا سنة سبع وخمسين وأربعة مائة، كان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله.
وذكر كتابة أخرى على قبر لم يعرف مكانه، تاريخها سنة ٥٤٠ للهجرة، والذي يقرأ منها هو ما يلي … بن … ون الأزدي … رحمه الله، ليلة … لثلاث عشرة … في سنة … وأربعين و… كان يشهد … لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله .
وذكر أيضًا كتابة على قبر سيدة من آل مردنيش الذين منهم أبو عبد الله محمد بن سعيد بن مردنيش ملك شرقي الأندلس، وُجدت هذه الكتابة في صومعة كنيسة «سانتا كتالينا» في مرسية، وهي محفوظة في متحف مرسية العربي الذي زرناه بنفسنا، والكتابة هي هذه: … ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت إن الله عليمٌ خبير. هذا قبر الحرَّة الفاضلة بنت ذي الوزارتين القائد الأجل المجاهد أبي عثمان سعد بن مردنيش بن محمد، توفيت … سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
قال بروفنسال إنه من المؤسف امِّحاء قسم من هذه الكتابة؛ لأن القائد محمد بن مردنيش الذي بعد سقوط دولة المرابطين غلب على بلنسية ومرسية ووادي آش وغيرها، وصار له ذكر عظيم، كان المسيحيون يعرفونه باسم الملك لب Rey Lobo، والسيدة المدفونة هي كريمة سعد بن مردنيش بن محمد، فسعد يجب أن يكون إما والد الملك لب المذكور محمد بن سعد بن مردنيش أو جده. وكان هذا الرجل قد قتل في واقعة أفراغة سنة ٥٢٨ للهجرة وفق سنة ١١٣٤ للمسيح، وهي واقعة ظهر فيها المسلمون على النصارى.
وفي هذه الكتابة التي على قبر هذه السيدة مذكور لقب ذي الوزارتين، وهو لقب كان شائعًا في الأندلس لذلك العهد. فإذا كان ذو الوزارتين المكتوب اسمه هنا — أي سعد بن مردنيش بن محمد — هو والد الملك أبي عبد الله محمد بن سعد بن مردنيش؛ فتكون المدفونة أخت الملك المذكور، وقد كان له أيضًا أخوان؛ أحدهما اسمه أبو الحجاج يوسف، والثاني اسمه عبد الله. وقد كان يظن أن مردنيش المحرَّف عن الاسم الإسبانيولي Mardines أو Martinez هو اسم الجد الثالث للملك محمد بن مردنيش، والحال أنه ظهر من هذه الكتابة كون مردنيش هو والد سعد الذي هو والد الملك أبي عبد الله محمد بن سعد، فتكون الكتابة مخالفة للمعروف إلى الآن من نسق ترتيب أجداد هذا الرجل. ا.ﻫ.
قلنا: إن المعروف في تواريخ العرب أن نسب الملك أبي عبد الله محمد بن سعد صاحب شرقي الأندلس هو هكذا: محمد بن سعد بن محمد بن أحمد بن مردنيش الجذامي. قال لسان الدين بن الخطيب: إنه على يد والده سعد جرت الواقعة الكبرى بظاهر أفراغة على ابن ردمير Alphonse le batailleur، فجاءت الشهرة وعظمت الأثرة. قال بعضهم: تولى أبوه سعد قيادة أفراغة وما إليها وضبطها، ونازله ابن ردمير فشُهر عناؤه بها في دفاعه وصبره على حصاره إلى أن هزمه الله — عز وجل — على يد ابن غانية، وظهر بعد ذلك فحسن بلاؤه وبعُد صيته، ورأس ابنه محمد (أي الملك أبو عبد الله محمد بن سعد) ونفق في الفتنة، وكان بينه وبين ابن عياض المتأمِّر بمرسية صهر ولاه لأجله بلنسية. فلما توفي ابن عياض بادرها ابن سعد، وبلغه أثناء طريقه غدر العدو بحصن حلَّال، فكرَّ إليه وفتحه، وعاد فملك بلنسية. وقد ارتفع له صيت شهير، ثم دخلت مرسية في أمره واستقام له الشرق وعظمت حاله. انتهى.
بحسب كلام لسان الدين يكون والد الملك المذكور اسمه سعد، ويكون جده اسمه محمد، ويكون والد جده اسمه أحمد، ويكون جد جده اسمه مردنيش، والحال أن الكتابة التي على القبر تجعل بين والده سعد وجده محمد رجلًا اسمه مردنيش، وكتابة القبر المنقوشة على الحجر هي أصحُّ من كتابة التواريخ، لا سيما وقد وقع فيها الاختلاف؛ فإن ابن خلدون مثلًا يقول عن هذا الملك: إنه محمد بن أحمد بن سعد بن مردنيش؛ فقد دخل هنا اسم آخر وهو أحمد.
قال بروفنسال: ليس لدينا ما نقدر أن نحكم به في هذه المسألة بعد أن تعارضت كتابة المؤرخين مع الكتابة المنقوشة على هذا القبر.
ثم ذكر بروفنسال كتابة قبرية أخرى وجدت في مرسية في أثناء هدم دير قديم اسمه «سانتودومينكو Santodomingo» بمرسية، وهذه الكتابة محفوظة في المتحف الأثري بمجريط وبالخط الكوفي والبلاطة من الرخام، والمقروء منها هو هذا: إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِالله الْغَرُورُ. هذا قبر ذي الوزارتين القائد الأجل أبو عمران موسى بن يحيى المدعو بابن الأزرق الفهري، توفي — رحمة الله عليه ونضَّر وجهه وقدَّس روحه وبرَّد ضريحه — في نصف ليلة الأربعاء … من جمادى الأ … سنة ست وستين وخمسمائة، وهو تشهد … رسوله أرسله بالهدى …
قال بروفنسال: إن شهر جمادى الأولى وشهر جمادى الثانية من سنة ٥٦٦ توافق ما بين عشرة يناير و٩ مارس سنة ١١٧١، قال: قد توصَّلت إلى تحقيق شخصية المدفون هنا بواسطة كتابة للسان الدين بن الخطيب في الإحاطة عن ابن مردنيش بمناسبة أن ابن الأزرق المذكور هو من قواد ابن مردنيش وندمائه في الشراب. ا.ﻫ. قلت: نعم، في أثناء ذكر لسان الدين لكرم الأمير محمد بن سعد بن مردنيش ذكر في الإحاطة أنه استدعى يومًا ابن الأزرق أحد قواده فشرب معه ومع القرابة في مجلس قد كساه بأحمر الوشي والآنية من الفضة وغيرها، وتمادى في لهو وشراب عامة اليوم، فلما كمل نهاره وهبهم الآنية وكل ما كان في المجلس من الوشي وغير ذلك. ا.ﻫ.
وذكر بروفنسال كتابة وجدت في برج من الأبراج بمرسية، وهي محفوظة اليوم عند الدكتور «فردريكو شابولي نافارو Chabuli Navarro»، وهي ستة سطور بالخط النسخي الأندلسي، وهي بعد البسملة والتصلية ما يلي: ارتفاع هذا البرج الغربي من المدينة خمسة وعشرون لوحًا، بني تحت نظر أبي … بن أبي محمد، وأنفق فيها فما فَضَلَ … الساقية الجوفية في مدة …
قال بروفنسال: إن هذه الكتابة هي من الكتابات المتأخرة، يقرب أن تكون في العهد الذي استولى فيه فرديناند الثالث — ملك قشتالة — على مرسية؛ أي سنة ١٢٤٣، وقال: إن ارتفاع اللوح هو سبعون سنتيمًا كما هو مصطلح عليه في المغرب اليوم، فيكون علو البرج الذي وجدت فيه هذه الكتابة ١٧ مترًا ونصف متر. وذكر أيضًا كتابة وجدت في الكنيسة الكبرى بمرسية، وهذه الكتابة هي آية من القرآن الكريم: الله لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ.
(٤) الذي نعرفه من كتب الزراعة المشهورة من تآليف عرب الأندلس هو كتاب الفلاحة في الأرضين لأبي زكريا يحيى بن محمد بن أحمد بن العوَّام، وهو مترجَم للإفرنسية.
(٥) مرارًا ذكرنا أن أهل الأندلس كانوا يلفظون بالإمالة فيقولون للباب: بيب، هذه إمالة أتوا بها من الشام، وفي بعض بقاع الشام مثل بعلبك يقولون للباب: بيب، سمعت ذلك بأذني؛ فلذلك كان أهل طليطلة عندهم الباب المسمَّى «بيب المردوم»، وفي قرطبة جملة أبواب كان يقال للواحد منها: بيب، ولكني لم أحفظ أسماءها غيبًا، وربما أراجع الكتب فأذكرها عند الوصول إلى مبحث قرطبة. ومثل ذلك أبواب إشبيلية وغرناطة، وقد كنت أجلس بغرناطة في ساحة يقال لها «بيب الرملة»، وكان اللفظ بالإمالة في أكثر كلمات الأندلسيين، فيقولون «للحَكَم» أمير قرطبة في عصره: «الحَكِم» بكسر وسطه، ويقولون لعثمان: «عثمين»، ويقولون لبني آدم بفتح آدَم: «بنو آدِم» بكسر الدال، ويلفظون «غدًا» بكسر آخره فيقولون: «غدي»، كما نقول نحن في بعض أنحاء سورية، ويقولون «نفِس» بكسر أوله، ويقولون: «بلا شِك» بكسر أول الشك، ويقولون «عقب النفيس»؛ أي «عقب النفاس»، ويقول: «عرق المعقِّد»؛ أي «المعقَّد»، وهلم جرًّا.
(٦) إن شاعرًا إسبانوليًّا من رجال القرن الثامن عشر كان يقال له: «كريستوبال لوزانو» وضع كتابًا على فتح العرب لإسبانية بهذا الاسم.
(٧) المعروف في كتب العرب أن عبد العزيز لم يتنصَّر، وإنما تزوَّج زوجة الملك لذريق التي أخذت من يده بلاد الأندلس، وكانت قد صالحت على نفسها وأموالها وقت الفتح وتكنَّت بأم عاصم، وأقامت على دينها في ظل نعمتها إلى أن نكحها الأمير عبد العزيز فحظيت عنده، ويقال إنه سكن بها في كنيسة بإشبيلية، وأنها قالت له: لم لا يسجد لك أهل مملكتك كما كان يسجد للذريق أهل مملكته؟ فقال لها: إن هذا حرام في ديننا. فلم تقنع منه بذلك، وفهم لكثرة شغفه بها أن عدم ذلك مما يزري بقدره عندها؛ فاتخذ بابًا صغيرًا قبالة مجلسه يدخل عليه الناس منه، فيضطرون إلى الانحناء من صغر الباب؛ فأفهمها أن ذلك الفعل منهم تحية له فرضيت بذلك، فنمى الخبر إلى الجند مع ما انضمَّ إلى ذلك من دسيسة سليمان بن عبد الملك لهم في قتل عبد العزيز فقتلوه — سامحه الله تعالى — انتهى ملخصًا عن النفح.
وفي كتاب «أخبار مجموعة» على هذه الواقعة ما يلي: إن عبد العزيز تزوج امرأة لذريق، وكان يقال لها أم عاصم؛ فهمَّ بها فقالت له: إن الملوك إذا لم يتتوجوا فلا ملك لهم، فهل أعمل لك مما بقي عندي من الجواهر والذهب تاجًا؟ فقال لها: ليس هذا في ديننا. فقالت له: من أين يعرف أهل دينك ما أنت عليه في خلوتك؟ فلم تزل به حتى فعل. فبينما هو يومًا جالس معها والتاج عليه إذ دخلت امرأة كان قد تزوَّجها زياد بن النابغة التميمي من بنات ملوكهم فرأته والتاج على رأسه، فقالت لزياد: ألا أعمل لك تاجًا؟ فقال: ليس في ديننا استحلال لباسه. فقالت: فودين المسيح إنه لعَلَى إمامكم. فأعلم بذلك زياد حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، ثم تحدَّثا به حتى علمه خيار الجند، فلم تكن له همة إلا كشف ذلك حتى رأوه عيانًا ورآه أهله صدقًا. فقالوا تنصَّر، ثم هجموا عليه فقتلوه في عقب سنة ٩٨.
(٨) في الأصل الإسبانيولي الاسم مكتوب هكذا: Fadlo ben Amiza Abou Falta.
(٩) أي الناحية الشمالية، وقد تقدم في هذا الكتاب أن الأندلسيين والمغاربة يسمون الشمال جوفًا، وقد بسطنا آراء اللغويين المعاصرين في هذه المسألة.
(١٠) هذه الأسماء وضعناها كما وجدناها في الكتاب الإسبانيولي، ولم نستطع تحقيقها ولا توجيه كل منها إلى أصله العربي؛ إذ لم نعثر على أصولها العربية في كتاب من الكتب، فإذا أمكن معرفة اسم منها ظاهر العروبة مثل بني علال والبلاط والمهاجر وبني هشام وبني منجي، وكان معروفًا لدينا اسم بطروش وتوزر؛ فإن الأسماء الباقية لا يعرف أصلها نظرًا لكون الإسبانيول يحرفون الألفاظ العربية عندما تنتقل إلى لسانهم، وقد تبعد كثيرًا عن أصلها، ومن الحروف ما يكون مثلًا حاءً فيلفظه الإسبانيون فاءً، وهلم جرًّا.
(١١) يريد بعبد الرحمن هذا الخليفة عبد الرحمن الناصر، وهو الثالث، لا عبد الرحمن الثاني الذي كانت وفاته سنة ٢٣٨.
(١٢) يريد به هشام المؤيد بن الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر.
(١٣) يريد بحاجي محمد المنصور بن أبي عامر، وكان اسمه محمدًا.
(١٤) يشير إلى الحروب التي وقعت بين ملوك الطوائف على أثر سقوط الخلافة في قرطبة، وأما سليمان، وفي الأصل الإسبانيولي مذكور اسمه سُليما Zulima، وهو في الحقيقة ترخيم، وإنما هو سليمان بن الحكم، وكانوا استخلفوه في قرطبة ولقبوه بالمستعين بالله، وكان اعتماد سليمان هذا على البربر مما سنذكره عن شاء الله في مكانه من قسم التاريخ.
(١٥) هو زهير الفتى العامري، وكان من فتيان دولة المنصور بن أبي عامر، فلما وقعت فتنة قرطبة انتزى أحد هؤلاء الفتيان، وهو خيران الصقلبي العامري، على مدينة المريَّة، وغلب عليها إلى أن هلك سنة ٤١٩؛ فقام مقامه صاحبه زهير هذا، وامتدت أطناب مملكته من المريَّة إلى شاطبة، ثم وقعت حرب بينه وبين باديس بن حبوس صاحب غرناطة؛ فقضى الله بنصرة باديس مع أن عسكره كان أقل عددًا؛ ففر زهير وجنوده، وتقطعوا في شعاب وعرة ووادي زهير، وجهل مصرعه، كما ورد في كتاب «البيان المغرب» لابن عذارى.
(١٦) من يوغسلافية اليوم، وهي بلاد صقلبية.
(١٧) هو ابن عمَّار الشاعر الشهير الذي كان أعز خلَّان المعتمد بن عبَّاد، وأحظى بطانتِه لديه في بادئ الأمر، ثم بدأت الوحشة بينهما، وما زالت تشتدُّ حتى صارت عداوة بلغت من ابن عمَّار أن هجا مولاه هجوًا مقذعًا فاحشًا، كان سبب حتفه، وتناول فيه امرأته الرميكية وأولادها الذين قال فيهم:
قصار القدود ولكنهم
أقاموا عليها قرونًا طوالا
فلما ظفر به المعتمد حبسه في أول الأمر، وأمل ابن عمَّار أنه ينال عفوه، لكنه عاد فاشتدَّ غضبه عليه وبلغت منه البادرة أن قتله بيده بآلة من حديد ضربه بها على رأسه فثبتت فيه. فقالت الرميكية: عاد رأسه كرأس الهدهد. فكأنها لم تنسَ القرون التي وصفها ابن عمَّار. وجراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جَرَح اللسان.
(١٨) قال لسان الدين بن الخطيب في «الإحاطة» ما يلي:

محمد بن يوسف بن هود الجذامي أمير المسلمين بالأندلس، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب السلطانية بالمتوكل على الله، وهو من وَلَد المستعين بن هود، وألويتهم معروفة، ودولتهم مشهورة، وأمراؤهم مذكورون، خرج من مرسية تاسع رجب عام خمسة وعشرين وستمائة إلى الحضور من جهاتها، وبقي يسير من الأجناد معه، وكان الناس يستشعرون ذلك ويترقبون ظهور مسمًّى باسمه واسم أبيه، ويهتفون بإمرته وسلطانه، وجرى عليه بسبب ذلك امتحان في زمان الموحدين مرات؛ إذ كان بعض الهاتفين بالأمور الكائنة والقضايا المستقبلة يقول لهم: يقوم عليكم قائم من صنف الجند اسمه محمد بن يوسف؛ فقتلوا بسبب ذلك شخصًا من أهل جيَّان.

ويقال: إن شخصًا ممن ينتحل ذلك لقي ابن هود فأمعن النظر إليه ثم قال له: أنت السلطان بالأندلس، فانظر لنفسك وأنا أدلك على من يقيم ملكك، فاذهب إلى المقدم القشيِّ فهو القائم بأمرك. وكان القشي رجلًا صعلوكًا يقطع الطريق وتحت يده جماعة من أنجاد الرجال وسباع البراز قد اشتهر أمرهم، فنهض إلى المقدم وعرض عليه الأمر، وقال: نستفتح بالغارة على أرض العدو على اسمك وعلى سعدك. ففعلوا فجلبوا كثيرًا من الغنم والأسرى، وانضاف إلى ابن هود طوائف مثل هؤلاء وبايعوه في الصخيرات كما ذكر، من عمل مرسية، وتحرك إليه السيد أبو العباس بعسكر مرسية فأوقع به وشرده. ثم ثاب إليه ناسه، وعدل بالدعاء إلى العباسيين؛ فتبعه اللفيف، ووصله تقليد الخليفة المستنصر بالله ببغداد، فانتظم الناس في دعوته، وشاع ذكره، وملك القواعد، وجيَّش الجيوش، وقهر الأعداء، ووفَّى للقشيِّ بوعده؛ فولاه أسطول إشبيلية ثم أسطول سبتة، مضافًا إلى أمرها وما يرجع إليه فثار به أهلها بعدُ وخلعوه، وفرَّ أمامهم في البحر، وخفي أثره إلى أن تحقق استقراره أسيرًا في البحر بغربي الأندلس، ودام زمانًا، ثم تخلَّص في سن الشيخوخة، ومات برباط أسف.

وكان شجاعًا ثبتًا، كريمًا حييًّا، فاضلًا وفيًّا، متوكلًا سليم الصدر، قليل المبالاة، فاستعلى لذلك عليه ولاته بالقواعد كأبي عبد الله الرميمي بالمرية، وأبي عبد الله بن رتون بمالقة، وأبي يحيى عتبة بن يحيى الجد الوالي بغرناطة، وكان مجدودًا؛ لأنه لم ينهض له جيش ولا وفِّق لرأي لغلبة الخفة عليه واستعجاله الحركات ونشاطه إلى اللقاء من غير استعداد، وجرت عليه هزائم منها هزيمة السلطان الغالب بالله مرتين؛ إحداهما بظاهر إشبيلية، وركب البحر ثم نجا بنفسه، ثم هزمه في «أسرة» من أحواز غرناطة، زعموا كل ذلك في سنة أربع وثلاثين وستمائة ونحوها.

وفي سنة خمس وثلاثين كان اللقاء بينه وبين المأمون إدريس أمير الموحدين بإشبيلية؛ فهزمه المأمون أقبح هزيمة، واستولى على محلته، ولاذ منه بمدينة مرسية، ثم شغل المأمون الأمر وأهمته الفتنة الواقعة بمراكش، فصرف وجهه إليها، وثاب الأمر للمتوكل؛ فدخلت في طاعته المرية ثم غرناطة ثم مالقة.

وفي سنة سبع وعشرين تحرك بفضل شهامته بجيوش عظيمة لإصراخ مدينة ماردة وقد نازلها العدو وحاصرها، فلقي الطاغية بظاهرها، فلم يتأنَّ — زعموا — حتى دفع بنفسه بين العدو ودخل في مضاربه، ثم لما وجد الناس منهزمين لما غاب عنهم استولت عليه هزيمة شنيعة، واستولى العدو على ماردة بعد ذلك. وفتح عليه في أمور منها تملك إشبيلية سنة تسع وعشرين وستمائة، وولَّى عليها أخاه الأمير أبا النجاة سالمًا الملقب بعماد الدولة.

وفي سنة إحدى وثلاثين رجعت قرطبة إلى طاعته واستوثق أمره وتملَّك غرناطة ومالقة عام خمس وعشرين وستمائة، ودانت له البلاد. وفي العشر الأول من شوال دخل في طاعته الرئيسان أبو زكريا وأبو عبد الله ابنا الرئيس أبي سلطان بن أبي الحجاج بن سعد، وخرجا من طاعة الأمير أبي جميل، وأخذا البيعة لابن هود على ما في أيديهما. وفي سنة ست وعشرين وستمائة تملَّك الجزيرة الخضراء عَنْوةً يوم الجمعة التاسع لشعبان من العام المذكور. وفي العشر الوسط من شوال ورد عليه الخبر ليلًا بقصد العدو مدينة وادي آش، فأسرى ليلة مسرجًا ولحق العدو على ثمانين ميلًا، فأتى على آخرهم ولم ينج منهم أحد.

وإخوته الرئيس أبو النجاة سالم ولقبه عماد الدولة، والأمير أبو الحسن عضد الدولة، أسره العدو في غزوة وفاداه بمالٍ كثير، والأمير أبو إسحاق شرف الدولة، وكلهم يكتب عنه من الأمير فلان. وكان له ولد أبو بكر الملقب بالواثق بالله، أخذ له البيعة على أهل الأندلس، وولي عهده وولي بعده، واستقل بملك مرسية، ثم لم ينشب أن هلك.

وقد دخل غرناطة مرات عديدة إحداها في سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقد وردت عليه الراية والتقليد من الخليفة العباسي ببغداد، وبمصلى غرناطة قرأ على الناس كتابه وهو قائم وزيه السواد ورايته السوداء بين يديه. وكان يوم استسقاء، فلم يستتم على الناس قراءته يومئذٍ إلا وقد جاءت السماء بالمطر، وكان يومًا مشهودًا وصنعًا غريبًا، وأمر بعد انصرافه أن تكتب عنه تلك الألقاب التي تضمنها الكتاب المذكور إلى البلاد.

وقد اختلف الناس في سبب وفاته؛ فذكر أنه قد كان عاهد زوجته أن لا يتخذ عليها امرأة طول عمرها، فلما تصيَّر إليه الأمر أعجبته رومية حصلت له بسبب السبي من أبناء زعمائهم من أجمل النساء، فسترها عند ابن الرميمي خليفته، فزعموا أن ابن الرميمي علق بها، ولما ظهر حملها خاف افتضاح القصة؛ فدبر عليه الحيلة، فلما حل بظاهر المرية عرض عليه الدخول إليها فاغتاله ليلًا بأن أقعد له أربعة رجال قضوا عليه خنقًا بالوسائد، ومن الغد ادَّعى أنه مات فجأة، وأوقف عليه العدول، والله أعلم بحقيقة ذلك.

وكانت وفاته ليلة الرابع والعشرين من جمادى الآخرة عام خمس وثلاثين وستمائة، وفي إرجاف الناس بولاية ابن هود يقول الشاعر:

همام به زاد الزمان طلاقةً
ولذَّت لنا فيه الأمانيُّ موردا
فقل لبني العباس ما هي دولة
أغار بها الحق المبين وأنجدا
فإن الذي قد جاء في الكُتْب وصفُه
بتمهيد هذي الأرض قد جاء فاهتدى
فإن بشرتنا بابن هود محمد
فقد أظهر الله ابن هود محمدا

انتهى كلام لسان الدين.

وجاء في نفح الطيب:

لما كانت سنة خمس وعشرين وستمائة وثارت الأندلس على مأمون بني عبد المؤمن بسبب قيام ابن هود بمرسية، قام في المرية بدعوة ابن هود أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي يحيى الرميمي — وجده أبو يحيى هو الذي كان أخذها النصارى من يده — ولما قام بدعوة ابن هود وفد عليه بمرسية وولاه وزارته، وصرف إليه سياسته، وآل أمره معه إلى أن أغراه بأن يحصِّن قلعة المرية ويجعلها له عدة، وهو يبغي ذلك عدة لنفسه، وترك ابن هود فيها جارية تعلَّق ابن الرميمي بها واجتمع معها، فبلغ ذلك ابن هود فبادر إلى المرية وهو مُضْمِر الإيقاع بابن الرميمي؛ فتغدَّى به قبل أن يتعشَّى به، وأخرج من قصره ميتًا ووجهه في تابوت إلى مرسية في البحر، واستبدَّ ابن الرميمي بملك المرية، ثم ثار عليه ولده وآل الأمر بعد أحوال إلى أن تملكها ابن الأحمر صاحب غرناطة، وبقيت في يد أولاده بعده إلى أن أخذها العدو عندما طوى بساط الأندلس، والله غالبٌ على أمره. انتهى.

ومن هنا يعلم أن الأمير الذي غدر بابن هود لم يكن اسمه عبد الرحمن كما قال الإسبانيولي صاحب تاريخ مرسية، وإنما كان اسمه محمد بن عبد الله بن أبي يحيى بن الرميمي، وأن سبب خنقه إياه وهو نائم لم يكن اختلاف السياسة بينهما، ولكن قضية الجارية المذكورة.
أما استيلاء النصارى على مرسية، فالأرجح فيه رواية الإسبانيولي المذكور، وهو أن أهالي مرسية خافوا على بلادهم من استيلاء ابن الأحمر صاحب غرناطة، وطالت الفتنة فيما بينهم؛ فالتجئوا إلى ملك قشتالة، ووضعوا أنفسهم تحت حمايته، وكان ذلك بموافقة أميرهم من بني هود، والمؤرخ الإسباني يجعل اسمه «ابن هذيل» ويقول مع ذلك إنه هو ابن الأمير ابن هود، وهو غريب؛ لأنه بعد أن ذكر ولاية المسمَّى أبي زيد على مرسية وكيف ثار به أهلها لظلمه فخرج إلى قراباقة، يذكر أنهم بايعوا علي بن يوسف بن هود أميرًا عليهم ولقبوه عضد الدولة، فإن كان هذا صحيحًا فيكون علي بن يوسف بن هود أخًا لمحمد بن يوسف بن هود المتوفَّى مخنوقًا بالمرية كما تقدم الكلام عليه.
ثم إن المؤرخ الإسبانيولي يذكر أن الأمر لم يستتبَّ لعلي بن يوسف بن هود، وأن أبا جميل بن مظفر بن يوسف بن أسعد الجذامي ثار به وقتله، ولكن حزب علي بن يوسف بن هود بايعوا ابنه؛ أي ابن علي المذكور، إلا أنه جعل اسمه ابن هذيل، وهذا هو المستغرب؛ لأنه إن كان ابن هود فلا يمكن أن يكون ابن هذيل، بل ربما كان يكنى بأبي هذيل. وعلى كل حال كان دخول مرسية في طاعة النصارى على يد أمير من بني هود.
وقد ذكر صاحب نفح الطيب أن العدو استولى على قرطبة يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال سنة ست وثلاثين وستمائة ٦٣٦، قال: وكان تملك العدو مرسية صلحًا ظهر يوم الخميس العاشر من شوال، قدم أحمد بن محمد بن هود — ولد والي مرسية — بجماعة من وجوه النصارى، فملَّكهم إياها صلحًا، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم. انتهى.
فظاهر أن النصارى دخلوا مرسية سنة ٦٣٦؛ أي سنة استيلائهم على قرطبة، ولا تعارض بين رواية نفح الطيب ورواية المؤرخ الإسباني صاحب تاريخ مرسية إلَّا في التفصيل والإجمال؛ فالمؤرخ الإسباني يفصِّل وصاحب النفح يجمل، ومن جهة الأسماء فإن المقري صاحب النفح يجعل أمير مرسية يومئذٍ أحمد بن محمد بن هود، ويقول: إن والده كان واليًا على مرسية حال كون المؤرخ الإسباني يسميه ابن هذيل ويقول: إنه هو ابن علي بن يوسف بن هود، وإن أباه كان أميرًا على مرسية.
أما أبو جميل فقد ورد ذكره في الإحاطة عند ترجمة محمد بن يوسف بن هود، ويظهر أنه كان مناوئًا لبني هود، اتفقت في ذلك رواية لسان الدين بن الخطيب مع رواية الإسبانيولي مؤرخ مرسية.
(١٩) وتقدم أن «موله» هي من جملة القرى التابعة لمرسية.
(٢٠) من المعلوم أن العرب كانت تنقسم في أكثر الأحيان إلى قيسية ويمانية، وتقع بين الفريقين الوقائع، وطالما كانت هذه المنافسة من عوامل انحطاط العرب وتغلب الأعاجم عليهم. ولما مات يزيد بن معاوية بايع الناس في مكة وفي أكثر البلاد لعبد الله بن الزبير، وكان له في الشام أيضًا أنصار أشهرهم الضحاك بن قيس؛ ولذلك كان القيسية في الشام مع ابن الزبير؛ مما حمل اليمانية أضدادهم أن يتحيزوا لمروان بن الحكم غيظًا بالقيسية، واشتدت الفتنة، وانتهت بواقعة مرج راهط في غوطة دمشق؛ فانهزم القيسية، وقتل ابن الضحاك وكثيرٌ من فرسان قيس، وتأيَّد على أيدي اليمانية ملك بني أمية.
وكأن الله جعل لبني أمية حظ الغلبة على أيدي اليمنية؛ فإنه لما دخل عبد الرحمن الداخل الأموي إلى الأندلس ناويًا اقتطاعها من ملك بني العباس وقاومه يوسف الفهري عامل هؤلاء على الأندلس قام القيسية فيها بنصر الفهري، وخالفهم اليمنية إلى عبد الرحمن بن معاوية، ونصروه نصرًا مؤزَّرًا، وكانوا السبب في استتباب ملكه. فكما كانت اليمن هي السبب في استقرار ملك بني أمية في الشرق كانت كذلك السبب في تأييد دولتهم في الغرب.
(٢١) قد ذكرنا أن قرباقة هي من المدن المضافة إلى مرسية، ولها ذكر دائم في تاريخ مرسية، وقد انتسب إليها من أهل العلم طائفة من جملتهم أبو العباس القرباقي هذا، والحافظ أبو بكر بن القرباقي، ذكره ابن عميرة في ترجمة محمد بن يبقى الأموي، من علماء مرسية.
(٢٢) أقام بسبتة وخطب بها مدة، قال: وكتب إليَّ القاضي أبو الفضل بن عياض بخطه يوثِّقه ويثني عليه. أخذ الناس عنه، وسمعت منه بعض ما عنده، وسألته عن مولده فقال: ولدت سنة ٤٥٣، قال ابن بشكوال: وتوفي — رحمه الله — بقرطبة ودفن عشيَّ الثلاثاء لثمانٍ بقين من ربيع الآخر من سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة، ودفن بالربض.
(٢٣) مكتوب في أول كتاب المخصص تأليفه الشهير المطبوع بمصر هكذا: توفي بحضرة دانية سنة ٤٥٨ وعمره ٦٠ سنة.
(٢٤) ولعمري كم من أغلاطٍ وسقطات مشوهة للكتب لا منشأ لها إلا النساخ، وفي الأعصر الأخيرة المطابع.
(٢٥) يشير إلى أنه ضرير لم يكن يكتب بيده ولا يقرأ ببصره، بل كانوا يقرءون له، وقد تقدم أن ابن سيده — رحمه الله — كان أعمى، وأن أباه أيضًا كان أعمى.
(٢٦) أي: القبر.
(٢٧) بيبش اسم إسبانيولي أصله Vives، وهو من جملة الأسماء التي سمَّى بها العرب الأندلس إما توارثًا أو تشبُّهًا.
(٢٨) لَحِن الرجل — بفتح أوله وكسر ثانيه — فهو لَحِن بفتح الأول وكسر الثاني أيضًا: إذا فهم وفطن لما لا يفطن له غيره، ولَحِنَهُ هو يَلْحَنهُ لحنًا، بكسر الحاء في الماضي وفتحها في المضارع: فهمه، وفي الحديث الشريف: إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحجته من بعض (أي أفطَن لها وأجدل)، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعةً من النار.
(٢٩) هو محيي الدين بن عربي الملقب بالشيخ الأكبر، سنأتي له بترجمة واسعة عند الانتهاء من تراجم أهل العلم المنسوبين إلى مرسية.
(٣٠) ذكر صاحب نفح الطيب نقلًا عن ابن النجار أن أبا عبد الله محمدًا المذكور ولد بمرسية سنة ٥٧٠، ودخل مصر وسار إلى الحجاز مع قافلة الحجاج إلى بغداد وأقام بها يسمع ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالنظامية، ثم سافر إلى خراسان، وسمع بنيسابور وهراة ومرو وعاد إلى بغداد، وحدَّث بكتاب السنن الكبرى للبيهقي، وبكتاب غريب الحديث للخطَّابي، وقدم إلى مصر فحدَّث عن جماعة، منهم أم المؤيد زينب، وأبو الحسن المؤيد الطوسي، وخرج من مصر يريد الشام فمات بين الزعقة والعريش من منازل الرمل في ربيع الأول سنة ٦٥٥، ودفن بتل الزعقة.
وكان من الأئمة في جميع فنون العلم، زاهدًا متورعًا كثير العبادة، فقيهًا مجردًا، متعففًا نَزِه النفس، طيب الأخلاق كريمًا. قال ابن النجَّار: ما رأيت في فنه مثله، وكان شافعي المذهب، وله كتاب في تفسير القرآن سمَّاه «ريَّ الظمآن» كبير جدًّا، وكتاب «الضوابط الكلية» في النحو، وتعليق على الموطأ، وكان مكثرًا شيوخًا وسماعًا، حدَّث بمصر والشام والعراق والحجاز، وكانت له كتب في البلاد التي ينتقل إليها، بحيث لا يستصحب كتبًا في سفره اكتفاءً بماله من الكتب في البلد الذي يسافر إليه. وكان كريمًا، روى أبو حيَّان الأندلسي قال: أخبرني الشرف الجزائري بتونس أنه كان على رحلة، وكان ضعيفًا، فقال له: خذ ما تحت هذه السجَّادة، قال: فرفعت ذلك فوجدت تحته أكثر من أربعين دينارًا ذهبًا؛ فأخذتها.
(٣١) حصن رقوطة من أعمال مرسية.
(٣٢) الطوي الضعيف من جهة الجسم.
(٣٣) صغر الجسم.
(٣٤) يعني العرب بقولهم «بلاد الروم» ما يقال له اليوم: تركيا.
(٣٥) لم أجد في كتاب «دول الإسلام» للذهبي طبعة حيدر آباد ذكر وفاة الشيخ محيي الدين بن عربي بين حوادث سنة ٦٣٨، فلعله كتب ذلك في كتابٍ آخر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣