الدولة الإسلامية

سعتها وأعمالها

تأسست الدولة الإسلامية في المدينة في السنة الأولى للهجرة والمسلمون قليلون وكل أرض خارج حدود المدينة لا تدخل في زمامهم وكل رجل من غير الصحابة والمهاجرين والأنصار عدو لهم، وحدود تلك الدولة محصورة بيثرب وبعض ضواحيها، وكانت دار الحكومة والقضاء يومئذ المسجد أو بيت النبي أو بيوت الصحابة، وما زال ذلك شأنها إلى السنة الرابعة للهجرة فأضافوا إليها أرض بني النضير، وفي السنة التالية أرض خيبر ثم فدك، فوادي القرى فتيماء، ثم فتحوا مكة فالطائف فتبالة فجرش، ثم مدوا حدودهم شمالًا إلى تبوك وأيلة وجنوبًا إلى نجران فاليمن فعمان فالبحرين فاليمامة.

ولما توفي النبي سنة ١٠ للهجرة كانت سطوة الإسلام قد أظلت كل جزيرة العرب، وشاهد النبي دولة الإسلام تمتد من تبوك وأيلة شمالًا إلى شواطئ اليمن جنوبًا ومن خليج العجم شرقًا إلى بحر القلزم غربًا.

(١) سعتها في زمن الخلفاء الراشدين

فلما تولى أبو بكر وفرغ من الردة بعث الجند لفتح الشام والعراق، وأتم فتحهما عمر بن الخطاب وفتح مصر، وكانت أكثر الفتوح في عصره، وخلفه عثمان ففتح بلادًا أخرى، وشغل المسلمون عن الفتوح بعد مقتله بالفتنة التي شبت بينهم، حتى إذا انقضى عصر الخلفاء الراشدين وضع معاوية يده على أزمة الخلافة ورايات المسلمين تخفق على الشام ومصر والنوبة وإفريقية والعراق وفارس وأرمينية وأذربيجان وجرجان وطبرستان والأهواز وغيرها.

وكان الخليفة يقيم في المدينة (أو الكوفة) ويرسل عُمَّاله إلى الأعمال (الولايات)، وأكبر أعمال المملكة الإسلامية يومئذ الشام وتحتها أجناد حمص وقنسرين والأردن وفلسطين والثغور، ثم العراق وأعظم أعماله السواد وهو ما بين دجلة والفرات وعاصمته الكوفة على الفرات، وما عدا السواد البصرة وقرقيسية والري وأصفهان ونهاوند وأذربيجان وحلوان وهمدان وغيرها، وفي بلاد العرب مكة والطائف والبحرين وعمان وصنعاء، وفي قارة أفريقيا مصر وما يتبعها من أفريقية في بلاد المغرب والنوبة في أعالي وادي النيل، وكان الخلفاء يرسلون عمالهم إلى هذه الأعمال رأسًا من المدينة (أو الكوفة)، إلا الشام فقد كان عاملها يقيم في دمشق وهو يولي عمالًا على ما تحتها من الأجناد، وكذلك مصر، كان عاملها في الغالب يرسل العمال من تحت إمرته إلى أفريقية والنوبة.

وكان عامل الشام في أيام عمر بن الخطاب إلى آخر عصر الخلفاء الراشدين معاوية بن أبي سفيان، ثم صار خليفة ونقل مركز الخلافة إلى دمشق كما تقدم، وتخلفت جزيرة العرب كلها عن بيعته وظلت على بيعة علي ثم أولاده، وبعد مقتل الحسين ظلت الجزيرة على بيعة ابن الزبير، حتى قتله الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان سنة ٧٢ﻫ فانضمت إلى دولة بني أمية.

(٢) سعتها في أيام بني أمية

figure
شارل مارتل يحارب العرب بين تورس وبواتييه بفرنسا.

في أيام بني أمية زادت الدولة الإسلامية اتساعًا ففتحت الأندلس وسائر المغرب غربًا، وأوغل بنو أمية في أوربا من وراء إسبانيا فقطعوا جبال ألبرت — وهي المعروفة بالبرانس — ودخلوا فرنسا وأوغلوا فيها إلى نهر الرون سنة ١١٤ﻫ، فارتعد الإفرنج لذلك وخافوا أن يصيبهم ما أصاب إسبانيا، فتكاتفوا لدفعهم بكل جهدهم، فحصلت بين الفريقين وقائع دموية دامت بضعة أيام والحرب سجال، وانتهت بهزيمة العرب في مكان يسمى بلاط الشهداء بين بلدتي تور وبواتييه في وسط فرنسا الحالية، ولم يذكر العرب من أخبار هذه الوقائع إلا إشارات مختصرة، وأما الإفرنج فإنهم فصلوها مع ما يقتضيه المقام من إعجابهم بالعرب وبسالتهم، وإن كانت الوقائع كما سجلها مؤرخوهم مضطربة أسطورية الطابع، وكان يقود الفرنجة في معركة بلاط الشهداء ملكهم شارل مارتل جد الإمبراطور شارلمان، ولم ينسحب العرب من غالة (وهي فرنسا الحالية) بعد موقعة بلاط الشهداء، وإنما ظلوا مسيطرين على جزء كبير من الجنوب نحو ٣٠ سنة بعد هذه الموقعة (سنة ٧٣٢) وكانت عاصمتهم في هذه الناحية مدينة أربونة (نربون) حتى تخلوا عنها سنة ١٣٣ / ٧٥١.

وقد ورد في تاريخ ابن الأثير ذكر هذه الحروب فقال: إن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أمير الأندلس خرج غازيًا سنة ١١٤ﻫ (وهي تقابل سنة ٧٣٢ تقريبًا) ببلاد الإفرنج فقتل هو ومن معه شهداء. وهذه هي الحملة التي حاربها شارل مارتل المذكور.

ومما يستدعي الاعتبار والتأمل أن العرب لو فازوا في هذه الواقعة لانتشر الإسلام في فرنسا ثم سائر أوربا، لأن الفرنجة — سكان غالة إذ ذاك وهي فرنسا الحالية — كانوا أقوى أمم أوروبا النصرانية على مدافعة العرب يومئذ، ولانتشرت اللغة العربية في تلك القارة كما انتشرت في قارتي آسيا وأفريقيا وسائر العالم الإسلامي.

وامتدت فتوح الأمويين في بلاد فارس فخراسان وما وراءها إلى حدود الهند، وهاك أقسام المملكة الإسلامية في زمن بني أمية:

(٣) أعمال المملكة الإسلامية في زمن بني أمية

  • (١)

    الشام وتقسم إلى أربعة أجناد.

  • (٢)

    الكوفة.

  • (٣)

    البصرة وتشمل فارس وسجستان والبحرين وعمان.

  • (٤)

    أرمينية.

  • (٥)

    مكة.

  • (٦)

    المدينة.

  • (٧)

    إفريقية.

  • (٨)

    مصر.

  • (٩)

    اليمن.

  • (١٠)

    خراسان.

(٤) أعمالها في زمن العباسيين

ولما أفضت الخلافة إلى بني العباس ترتبت الولايات على هذه الصورة:
  • (١)

    الكوفة والسواد.

  • (٢)

    البصرة ومهرجان قباد إلى كور دجلة وما وراءها جنوبًا إلى البحرين فعمان.

  • (٣)

    الحجاز واليمامة.

  • (٤)

    اليمن.

  • (٥)

    الأهواز (خوزستان).

  • (٦)

    فارس.

  • (٧)

    خراسان.

  • (٨)

    الموصل.

  • (٩)

    الجزيرة (بين النهرين وأرمينية وأذربيجان).

  • (١٠)

    الشام.

  • (١١)

    مصر وإفريقية.

  • (١٢)

    السند في حدود الهند.

  • (١٣)

    الأندلس.

ثم اتسع نطاق المملكة الإسلامية على عهد العباسيين حتى صارت إلى أوسع ما بلغت إليه في زمن الإسلام حتى الآن، ولا عبرة بخروج بعض الأعمال من سيطرة العباسيين كالأندلس، لما تولاه بنو أمية، واستقلال بعض الدول الثانوية كالطاهرية والسامانية والأغلبية والطولونية ونحوها، فقد كان أمراء هذه الدولة كلها يخطبون للخليفة العباسي (إلا الأندلس) ومهما اختلفت الدول فالمملكة إسلامية وحكامها مسلمون.

وقد بلغت حدود هذه المملكة شمالًا إلى أعالي تركستان في آسيا وجبال ألبرت (وهي المعروفة اليوم بالبرانس) في شمال إسبانيا، وجنوبًا إلى بحر العرب والمحيط الهندي وقاصية الصحراء الإفريقية الكبرى، وشرقًا إلى بلاد السند والبنجاب من بلاد الهند، وغربًا المحيط الأطلنطي، وزادت مساحتها بذلك على ضعفي مساحة أوربا.

ولبيان عظمة تلك المملكة الواسعة نأتي بأسماء أعمالها ثم نبين مقدارها:

السواد مهرجان قذق الموصل
الأهواز الأبغارين ديار ربيعة
فارس قم وقاشان أرزن ومياقارقين
كرمان أذربيجان طوران
مكران الري طريق الفرات
أصبهان قزوين قنسرين والعواصم
سجستان طبرستان حمص
خراسان تكريت دمشق
همذان شهر زور الأردن
ماسبذان الدامغان فلسطين
مصر حلوان أرمينية
جيلان الكوفة آمد
برقة البصرة ديار مضر
إفريقية زنجان اليمن
الجزيرة والديارات قومس اليمامة والبحرين
والفرات وموقان وكرخ جرجان عمان
مكة والمدينة

هذه أعمال الدولة الإسلامية العباسية ما عدا مملكة بني أمية في الأندلس، وكانت معاصرة لها وقد فتحت صقلية ومالطة وغيرهما من جزر البحر المتوسط، وكان على كل عمل من هذه الأعمال والٍ أو عامل يوليه الخليفة أو وزيره أو نائبه كما سترى، فبلغ عدد هذه الأعمال — أو الولايات في اصطلاح هذه الأيام — ٤٨ ولاية، لكل منها بيت مال وديوان خراج وقاض أو أكثر، وسكانها هم أمم العالم المتمدن في ذلك الحين، وفيهم العرب والفرس والأتراك والأكراد والمغول والتتر والأفغان والهنود والأرمن والسريان والكلدان والروم والقوط والقبط والنوبة والبربر وغيرهم، وكانوا يتكلمون العربية والفارسية والبهلوية والهندية والرومية والسريانية والتركية والكردية والأرمنية والقبطية والبربرية وغيرها، فمنهم من أصبحت اللغة العربية لغتهم وضاعت لغاتهم الأصلية كأهل الشام ومصر والمغرب والعراق، ومنهم من اختلطت العربية بلغاتهم الأصلية كأهل فارس وتركستان والهند والأفغان وغيرها، ولا تزال كثير من أمم آسيا وأفريقيا تكتب لغاتها بالحروف العربية إلى الآن، أثرًا لذلك التمدن العظيم.

(٤-١) إحصاؤها

وكان يحسن بنا في هذا المقام النظر في إحصاء هذه البلاد في تلك الأيام، ولكن ذلك غير مستطاع، لأن العرب قلما اهتموا بتعداد سكان ممالكهم، وإنما ننظر في إحصاء سكان هذه البلاد اليوم فنأتي بما يقابلها واسم الدولة التي هي تابعة لها وعدد سكانها ثم نقابل بين أحوالها سنة ١٩١٤ وأحوالها في تلك الأيام، وهذا هو إحصاؤها:

أسماء البلاد الدولة التابعة لها عدد سكانها
٩٥٢٧٦٠٠٠
إيران كلها مستقلة ٩٥٠٠٠٠٠
أفغانستان مستقلة ٤٥٠٠٠٠٠
السند وبلوخستان إنجلترا ٣٥٠٠٠٠٠
تركستان روسيا ٦٠٠٠٠٠٠
القوقاز روسيا ١١٠٠٠٠٠٠
أرمينية وكردستان تركيا ٢٥٠٠٠٠٠
العراق والجزيرة تركيا ٢٥٠٠٠٠٠
سوريا وفلسطين تركيا ٣٧٦٥٠٠٠
جزيرة العرب تركيا ٥٠٠٠٠٠٠
القطر المصري تركيا ١٢٠٠٠٠٠٠
النوبة وبعض السودان السودان ٢٠٠٠٠٠٠
طرابلس الغرب إيطاليا ١٠٠٠٠٠٠
جزائر الغرب فرنسا ٥٢٣١٠٠٠
تونس فرنسا ١٥٠٠٠٠٠
مراكش مستقلة ٥٠٠٠٠٠٠
إسبانيا مستقلة ٢٠٠٠٠٠٠٠
قبرص إنجلترا ٢٦٠٠٠٠
كربد تركيا ٣١٠٠٠٠

(٥) مقدار العمارة

هذا هو تعداد سكان تلك البلاد لغاية سنة ١٩١٤ ولكن كثيرًا من المدن الإسلامية أصبح خرابًا بعد ذلك، في أواخر العصور الوسطى بالقياس إلى ما كان عليه في عهد الدولة الإسلامية، وخصوصًا العراق أو السواد، وعلى الأخص بغداد والبصرة والكوفة وسائر مدن العراق، وقد وصف الأصطخري مدينة البصرة وصفًا يمثل ما كانت عليه أرض العراق من العمارة في عصره قال:

(٥-١) البصرة

«البصرة مدينة عظيمة لم تكن في أيام العجم وإنما مَصَرها العرب … وليس فيها مياه إلا أنهارًا، وذكر بعض أهل الأخبار أن أنهار البصرة عدت أيام بلال بن أبي بردة فزادت على مائة ألف نهر وعشرين ألف نهر يجري فيها الزوارق، وقد كنت أنكر ما ذكر من عدد هذه الأنهار في أيام بلال، حتى رأيت كثيرًا من تلك البقاع، فربما رأيت في مقدار رمية سهم عددًا من الأنهار صغارًا تجري في كلها زوارق صغار، ولكل نهر اسم ينسب به إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي يصب فيها … فجوزت أن يكون ذلك في طول هذه المسافة وعرضها».

فاعتبر المسافة التي تحفر فيها ١٢٠٠٠٠ نهر أو ترعة كم يمكن أن يكون سكانها؟ وهذا مستغرب عند أهل هذا الزمان لكنه يدل على كل حال على عمران تلك الأرض.

(٥-٢) بغداد

وناهيك ببغداد مدينة الخليفة ودار السلام، فقد ذكر الأصطخري أيضًا في وصفها كما شاهدها في أيامه في القرن الرابع للهجرة، قال: «وتفترش قصور الخلافة وبساتينها من بغداد إلى نهر بين فرسخين على جدار واحد، حتى تتصل من نهر بين إلى شط دجلة، ثم يتصل البناء بدار الخلافة مرتفعًا على دجلة إلى الشماسية نحو خمسة أميال، وتحاذي الشماسية في الجانب الغربي الحربية فيمتد نازلًا على دجلة إلى آخر الكرخ، إلخ.

figure
بغداد وجسرها ممتد فوق دجلة.

ثم قال: «وبين بغداد والكوفة (أو بين دجلة والفرات) سواد مشتبك غير مميز تخترق إليه أنهار من الفرات» ثم عدد الأنهر التي تمتد من الفرات إلى دجلة.

فأين هذه العمارة صارت إليه بغداد عند اضمحلالها إبان العصر التركي؟ فإن إحصاء ولاية البصرة كلها قبيل الحرب العالمية الأولى ٢٠٠٠٠٠ نفس، وتعداد ولاية بغداد ٨٥٠٠٠٠، ونظن إحصاء الولايتين جميعًا كان إذ ذاك أقل كثيرًا مما كانت تحويه مدينة بغداد وحدها.

وقس على ذلك مدينة دمشق وغيرها من المدن التي ضعف أمرها اليوم وهناك مدن أخرى كانت يومئذ في إبان مجدها فأصبحت الآن اسمًا بلا مسمى، مثل الفسطاط في مصر، والكوفة في العراق، والقيروان في إفريقية، وبصرى في حوران، وغيرها مما لا محل للكلام فيه هنا.

(٥-٣) مصر

وأما مصر فيؤخذ من كلام مؤرخي العرب أنها لما فتحها المسلمون كان عدد الذكور فيها ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك «ليس فيهم امرأة ولا صبي ولا شيخ» ثمانية آلاف ألف (٨٠٠٠٠٠٠) منهم في الإسكندرية وحدها ٣٠٠٠٠٠، فإذا أضفنا إلى ذلك عدد الإناث والأطفال والشيوخ زادت جملته على ٣٠٠٠٠٠٠٠ وهو نحو ثلاثة أمثال سكانها اليوم.

وقد يطعن في صحة هذه الرواية، ولكن يستدل من مجمل أقوالهم في مصر أنها كانت في رغد ورخاء، وكان عمرانها بالغًا حد النهاية.

وذكر ياقوت في معجم البلدان «أن المقوقس قد تضمن مصر من هرقل بتسعة عشر ألف ألف دينار، وكان يجبيها عشرين ألف ألف دينار، وجعلها عمرو بن العاص عشرة آلاف دينار أول عام، وفي العام الثاني اثني عشر ألف ألف دينار، ولما وليها في أيام معاوية جباها تسعة آلاف ألف دينار، وجباها عبد الله بن سعد بن أبي سرح أربعة عشر ألف دينار،١ وقد أجمع المؤرخون المحدثون تقريبًا على تقدير سكانها في تلك الأيام بنحو ٢٠٠٠٠٠٠٠ نفس.
قال المقريزي: «إن هشام بن عبد الملك (سنة ١٠٧ﻫ) أمر عبيد الله بن الحبحاب عامله على خراج مصر أن يمسحها، فمسحها بنفسه فوجد مساحة أرضها الزراعية مما يركبه النيل ٣٠٠٠٠٠٠٠ فدان»٢ مع أن مساحة الأرض الزراعية في وادي النيل (١٩١٤) مع ما تبذله الحكومة في العناية في إخصابها وتعميرها لم تتجاوز ستة ملايين فدان كثيرًا، ومساحة وادي النيل كلها أي الوجه البحري والصعيد على جانبي النيل لا تزيد على هذا القدر إلا قليلًا، فيستحيل أن تكون مساحتها في أوائل الإسلام خمسة أضعاف ذلك.

ولكن يظهر أن العرب زرعوا ما يجاور هذا الوادي من الشرق نحو البحر ومن الغرب إلى وادي النطرون، لأن مساحة مصر بما فيها من الواحات في صحراء ليبيا والأرض بين النيل والبحر الأحمر وبينه وبين بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) إلى العريش تزيد على ٤٠٠٠٠٠٠ ميل مربع وذلك يساوي نحو ١٨٧ مليون فدان، فلا غرابة إذن أن يكون العامر منها ٣٠ مليون فدان، وأن يكون سكانها ٣٠ مليون نفس.

ويؤيد ذلك أن مؤرخي العرب كانوا يقدرون مساحة مصر نحو ما تقدم تقريبًا، قال المقريزي: «وآخر ما اعتبر حال أرض مصر فوجد مدة حرثها ستين يومًا ومساحة أرضها ١٨٠٠٠٠٠٠٠ فدان، يزرع منها في مباشرة ابن المدبر (في أواسط القرن الثالث للهجرة) ٢٤٠٠٠٠٠٠ فدان، وأنه لا يتم خراجها حتى يكون فيها ٤٨٠٠٠٠ حراث يلزمون العمل بها دائمًا …» إلخ.٣

واعتبر نحو هذا العمران أيضًا في مدن الإسلام الكبرى في الأندلس، مثل قرطبة وغرناطة وطليطلة، وفي العراق والشام بلاد لا تحصى كانت في تلك الأيام مدنًا كبرى وأصبحت الآن قرى صغيرة.

فإذا اعتبرنا كل ما تقدم لا نستبعد أن يكون إحصاء المملكة الإسلامية في إبان عمرانها نحو ٢٥٠٠٠٠٠٠٠ نفس إلى ٣٠٠ مليون وهو نحو تعداد سكان أوربا كلها الآن، وسنعود إلى ذلك في كلامنا عن ثروة المملكة.

١  معجم البلدان ٢٥٢ ج٤.
٢  المقريزي الخطط، ج١ ص٩٩.
٣  المقريزي: الخطط، ج١ ص١٠٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠