القضاء

(١) القضاء قبل الإسلام

القضاء — ويراد به منصب الفصل بين الناس في الخصومات — قديم، لأن الإنسان لم يستغن عمن يفصل في قضاياه من أول أزمان وجوده، وكان قضاة القبائل عقلاءها وكبراءها، وهم أيضًا حكامها وأمراؤها، فكان الرجل إذا نبغ في عقله وقوته تولى حكومة قبيلته وحكم في قضاياها، وهو حال البدو على فطرتهم، وكذلك كان العرب في جاهليتهم، فقد كانوا يتقاضون إلى وجهائهم وعقلائهم، واشتهر من هؤلاء القضاة قبل الإسلام جماعة كبيرة يحكم كل منهم في قبيلته، فمن تميم حاجب بن زرارة والأقرع بن حابس وربيعة بن مخاشن، ومن ثقيف غيلان بن مسلمة، ومن قريش هاشم بن عبد مناف وعبد المطلب بن هاشم وأبو طالب بن عبد المطلب عم النبي والعاص بن وائل، ومن أسد ربيعة بن جدار، ومن كنانة سلمى بن نوفل، وغير هؤلاء ممن اشتهر في كل القبائل مثل أكثم بن صيفي وعامر بن الظرب وغيرهما، وكان العرب يتقاضون إلى الكهان والعرافين.

(٢) القضاء في الإسلام

وأما في الإسلام فأول من تولى القضاء رسول الله نفسه، ثم تولاه خلفاؤه، لأن القضاء من المناصب الداخلة تحت الخلافة، فكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم ولا يجعلونه إلى من سواهم، حتى إذا اتسع سلطانهم وكثرت مهام مناصبهم، اضطروا إلى استنابة من يقوم عنهم بالقضاء في مركز الخلافة وفي الأعمال، وأول من فعل ذلك منهم عمر بن الخطاب، فولى أبا الدرداء معه في المدينة، وولى شريحًا في البصرة، وولى أبا موسى الأشعري في الكوفة، وكتب إليه كتابًا هو قاعدة الفقه الإسلامي، وعليه تدور أكثر أحكام القضاة إلى اليوم، وهذا نصه:
أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، ساوِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قويم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها، واجعل لمن ادعى حقًّا غائبًا أو بينة أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا استحللت القضية عليه، فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعماء، المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حد، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في نسب أو ولاء، فإن الله — سبحانه — عفا عن الإيمان ودرأ بالبينات، وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم، فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم به الله الأجر ويحسن به الذكر والسلام.١

أما مصر فالقضاء فيها كان موكولًا إلى أمرائها، وهم الذين كانوا يولون قضاتها، وكان عمر بن الخطاب قد أراد أن يولي قاضي مصر، كما ولى قضاة المدينة والبصرة والكوفة، فكتب إلى عمرو بن العاص أن يولي القضاء كعب بن يسار بن ضنة، وكان ممن قضى في الجاهلية، فأبى كعب أن يقبل ذلك وقال «قضيت في الجاهلية ولا أعود إليه في الإسلام» فولى عمرو عثمان بن قيس بن أبي العاصي، وما زال أمير مصر هو الذي يولي القضاة حتى أفضت الخلافة إلى بني العباس، فأرادوا توطيد سلطانهم على مصر فجعلوا تولية القضاة إليهم، وأول قاضٍ ولاه الخلفاء على مصر مباشرة عبد الله بن لهيعة الحضرمي، ولاه أبو جعفر المنصور سنة ١٥٥ﻫ، ثم صارت تولية قضاة مصر إلى الخلفاء.

وكان القضاة أول الأمر يولون على الأقاليم قضاة من قبلهم، فيولون لكل ناحية قاضيًا، فلما عمرت المملكة واتسعت، تعدد القضاة حتى صاروا يولون في المدن الكبرى عدة قضاة، كل قاض في جانب من جوانبها، والخليفة هو الذي يولي كلًّا منهم بنفسه، إلى زمن الرشيد وقد اتسعت بغداد في أيامه، ونبغ يومئذ القاضي أبو يوسف الشهير، وكان الرشيد يكرمه ويجله فدعاه قاضي القضاة، وهو أول من دعي بذلك، وكان أبو يوسف عالي الهمة فخدم هذا المنصب خدمة جليلة وميز العلماء بلباس خاص بهم، وكانوا من قبله يلبسون مثل سائر الناس، وصار قاضي القضاة بعده هو الذي يولي قضاة مدينة بغداد، ثم صار يولي قضاة الأقاليم، واقتدى بالعباسيين من عاصرهم وخلفهم من الخلفاء في الأندلس ومصر، وصاروا يولون قاضي القضاة وهو يولي القضاة.

(٣) عمل القاضي

وكانت وظيفة القاضي في صدر الإسلام محصورة في الفصل بين الخصوم، ثم صاروا يتعاطون أمورًا أخرى على ما تقتضيه الأحوال بحسب اشتغال الخلفاء بأمور السياسة، فأضيف إلى أعمال القاضي استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين، كالنظر في أموال المحجور عليهم من المجانين واليتامى والمفلسين وأهل السفه، وفي وصايا المسلمين وأوقافهم، وتزويج الأيامى عند فقد الأولياء … ثم امتدت سلطتهم أحيانًا إلى النظر في مصالح الطرقات والأبنية، وتصفح الشهود والأمناء والنواب، واستيفاء العلم والخبرة فيهم بالعدالة والجرح، وتوسع بعض الخلفاء حتى جعل للقضاة قيادة الجهاد في عساكر الصوائف، منهم يحيى بن أكثم، فقد كان يخرج في أيام المأمون بالصائفة إلى أرض الروم، كذلك منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر الأموي بالأندلس، وولى العزيز بالله الفاطمي القاضي علي بن النعمان القضاء بمصر، وأضاف إليه قضاء الشام والحرمين والمغرب وجميع مملكة العزيز، والخطابة والإمامة والعيار في الذهب والفضة والموازين والمكاييل، ثم تولى القضاء أبو محمد البازوري سنة ٤٤١ﻫ، وأضيفت إليه الوزارة، وهو أول قاض جمع بينهما ثم أضيفت إلى غيره بعده.

فترى مما تقدم أن منصب القضاء كان واسعًا جدًّا، على أنه لم يكن كذلك في كل العصور، وإنما اختلف باختلاف الدول كما رأيت، ثم إن الخلفاء كانوا في أوائل الإسلام لا يولون القضاء إلا أهل عصبيتهم، من العرب أو مواليهم بالخلف أو بالرق أو بالاصطناع، ممن يوثق بكفايته أو غنائه فيما يدفع إليه، فلما تحولت الخلافة الإسلامية من الغرض الديني إلى الغرض السياسي، وصار الأمر كله ملكًا أو سلطانًا، ضعف هذا الشرط، ثم تحولت أزمَّة الأحكام إلى الأعاجم، فتقاصرت واجبات القاضي بالتدريج إلى الفصل بين الخصوم والحكم في الأحوال الشخصية، ثم انحصرت في الأحوال الشخصية بالمحاكم الشرعية كما هو اليوم.

وكان القضاة يجلسون في المساجد للحكم بين الناس فإذا جاءهم الخصوم حكموا بينهم هناك، وكانوا يعدون القضاء من الأعمال الشاقة الخطرة بالنظر إلى الدين، لما فيه من تحمل التبعة فيما قد يخطئ به القاضي، فيحكم على صاحب الحق فيظلمه وهو مسؤول عنه، فكثيرًا ما كان العلماء ورجال التقوى يأبون ولايته، كما رأيت في أمر كعب بن يسار لما ولاه عمر قضاء مصر، وكما فعل الإمام أبو حنيفة النعمان لما أراد أبو جعفر المنصور أن يوليه القضاء فإنه قال له «اتق الله ولا ترع في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو تلغي الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، ولا أصلح لذلك»، وكانوا إذا ولوا القاضي جاءوا به الجامع، واحتفلوا هناك بقراءة السجل الصادر له بذلك.

figure
مجلس القضاء في غرناطة.

وكان قضاء مصر على مذهب الإمام الشافعي منذ ظهور هذا المذهب، ولكن القاضي كان يستنيب من شاء من قضاة المذاهب الأخرى، وفي سنة ٥٢٥ﻫ عين أبو أحمد بن الأفضل أربعة قضاة يحكم كل منهم في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم توالى ذلك على هذا المنوال في أيام المماليك.

وكان منصب قضاء الجند تارة يضاف إلى القاضي الحنفي، وتارة يضاف إلى القاضي الشافعي، وتارة ينفرد به قاض حنفي، وما ذاك إلا لأن قاضي العسكر إنما ينتفع به في الجهاد ووقت خروج العسكر، وتقع وصايا من الأمراء وشهادات بينهم ولا يوجد في العسكر الجالسين في المراكز أحد، يحتاج إلى إثبات ذلك عند القاضي الشافعي فلا يسمع شهادة العسكر فيتعطل إثبات ذلك، فتبطل وصاياهم وشهاداتهم، فلهذا السبب ولى الملك الظاهر بيبرس القاضي الحنفي لما اتفق له في الجهاد مثل ذلك، وامتنع القاضي الشافعي في ذلك الوقت من شهاداتهم، ثم بتداول الأيام ودخول أكثر الممالك الإسلامية في قبضة الدولة العثمانية المقلد جمهور حكامهم لأبي حنيفة النعمان، انتهى الأمر إلى أن صار حصر القضاء على مذهب إمامهم.٢

(٤) راتب القاضي

وأما راتب القاضي فيختلف باختلاف الدول والأزمان، فقد رأيت في غير هذا المكان أن عمر بن الخطاب ولى شريحًا قضاء البصرة وفرض له مائة درهم في كل شهر ومؤونة من الحنطة، وظلت رواتب القضاة على نحو ذلك في سائر أيام الراشدين، ثم تصاعدت في أيام بني أمية مثل تصاعد رواتب الجند وسائر العمال، فلما كانت أيام العباسيين أصبح راتب قاضي مصر ثلاثين دينارًا في الشهر، وأول من اقتضى هذا الراتب ابن لهيعة الذي ولاه المنصور — كما تقدم — ثم تصاعد الراتب تصاعدًا عظيمًا في أيام المأمون، فبلغ عطاء عيسى بن المنكدر قاضي مصر يومئذ ٤٠٠٠ درهم أو نحو ٢٧٠ دينارًا، وهو راتب فاحش، وربما جعل كذلك لغرض خاص، لأنه أجيز فوق هذا الراتب بألف دينار، وعاد راتب قاضي مصر بعد ذلك ببضع وعشرين سنة إلى ألف دينار في السنة، وأول من تقاضى هذا الراتب بكار بن قتيبة الذي تولى قضاء مصر على عهد أحمد بن طولون سنة ٢٤٥ﻫ، وزاد ذلك في الدولة الفاطمية فأصبح راتب القاضي وهو قاضي القضاة يومئذ، ١٢٠٠ دينار في السنة ما عدا المؤونة والهدايا، ولعلها استمرت على ذلك في دولة الأيوبيين ومن تلاها.

figure
قاضي العسكر في الدولة العثمانية في القرن السادس عشر.

أما بغداد فاختلف راتب القاضي فيها باختلاف الأزمان، وكان في زمن المعتضد نحو ٥٠٠ دينار في الشهر، بما فيه أجور عشرة من الفقهاء وخليفة القاضي، ثم دخل القضاء في الالتزام، فصار القضاة يضمنون دخل القاضي بمال يؤدونه إلى الخليفة أو السلطان، وأول من ضمن القضاء عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب سنة ٣٥٠ﻫ في أيام معز الدولة بن بويه، فقد سمي قاضي قضاة بغداد، والتزم القضاء على أن يؤدي ٢٠٠ ألف درهم كل سنة، ثم صار ذلك أمرًا مألوفًا، وصاروا يضمنون الحسبة والشرطة.

(٥) ديوان المظالم

وهو من توابع القضاء، ويشبه ما نسميه اليوم «مجلس الاستئناف» بعض الشبه، والغرض منه استماع ظلامات الناس من القضاة أو غيرهم، وكان العرب في جاهليتهم يلتفتون إلى هذا الأمر فيتحالفون على رد المظالم، كما فعلت قريش قبل الإسلام، وذلك أنهم لما تعدد فيهم الزعماء وكثر التغالب والتجاذب، اجتمعت بطونهم وعقدوا حلفًا على رد المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم، وهو حلف الفضول المشهور الذي عقد في مكة والنبي عمره ٣٥ سنة، وموضوعه ألا يُظلم أحد في مكة إلا أنصفوه وأخذوا له حقه.

ولم يجلس للمظالم أحد من الخلفاء الأربعة، لأن الناس في الصدر الأول كانوا بين من يقوده التناصف إلى الحق أو يزجره الوعظ عن الظلم، إلا عليًّا فإنه احتاج إلى النظر في المظالم، ولم تكن في الحقيقة كما صارت إليه بعدئذ، على أنه لم يفرد لسماع الظلامات يومًا معينًا أو ساعة معينة، وإنما كان إذا جاء متظلم أنصفه، ثم أفردوا يومًا خاصًّا للنظر في أقوال المتظلمين وتصفح قصصهم، وأول من فعل ذلك عبد الملك بن مروان، ولكنه كان إذا وقف منها إلى مشكل واحتاج فيه إلى حكم رده إلى قاضيه ابن إدريس الأزدي، فكان ابن إدريس هو المباشر وعبد الملك الآمر، وأول من ندب نفسه لمباشرة المظالم عمر بن عبد العزيز الشهير، ثم أهملت بعده إلى أيام الدولة العباسية فجلس لها خلفاء بني العباس، وأول من جلس منهم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم المأمون، وآخر من تولاها منهم المهتدي بالله محمد بن الواثق.

وكانوا يسمعون ظلامات الناس وينصفونهم، وفيهم من يتظلم من الولاة أو من العمال أو من جباة الأموال أو من كتاب الدواوين، في تقصيرهم بشيء من رواتبهم أو من أحد أبناء الخلفاء أو الأمراء أو نحوهم من أهل الوجاهة ممن يغتصبون الأموال أو الضياع، أو من القضاة، لأنهم لم ينصفوهم في أحكامهم، أو من أي إنسان كبيرًا كان أو صغيرًا، فهو أوسع دائرة من مجلس الاستئناف، وأطول باعًا وأشد وقعًا وأسرع نفوذًا، ومن أمثلة ما ردوه من المظالم على هذه الصورة أن عمر بن عبد العزيز خرج ذات يوم إلى الصلاة فصادفه رجل من اليمن فاستغاثه فقال «ما ظلامتك؟» فقال «غصبني الوليد بن عبد الملك ضيعتي» فقال «يا مراجم ائتني بدفتر الصوافي» فوجد فيه «أصفى عبد الله الوليد بن عبد الملك ضيعة فلان» فقال «أخرجها من الدفتر وليكتب برد ضيعته إليه ويطلق له ضعف نفقته».

وحكي عن المأمون أنه كان يجلس للمظالم يوم الأحد، فنهض ذات يوم من جلس نظره فلقيته امرأة في ثياب رثة وتظلمت إليه في ابنه العباس، فأوقفه بجانبها ورد ظلامتها، وبعد المهتدي لم يجلس الخلفاء العباسيون للمظالم، على أنهم كانوا كثيرًا ما يعهدون بهذا المنصب إلى وزرائهم، كما فعل المأمون ليحيى بن أكثم والمعتصم لأحمد بن أبي دؤاد، فلما غلب السلاطين على بني العباس صار النظر في المظالم إلى السلاطين.

أما في مصر فأول من نظر في المظالم أحمد بن طولون لما استقل بحكم مصر سنة ٣٥٧ﻫ فكان يجلس لذلك يومين في الأسبوع، ثم صار خلفاؤه يولون من يقوم بها دونهم، حتى فتح الفاطميون مصر وبنوا مدينة القاهرة فاهتموا في أمر المظالم، وجلس لها أولًا قائدهم جوهر فاتح مصر، وكان يوقع على قصص المتظلمين بيده، ثم صار الخلفاء بعده يعهدون بذلك إلى قاضي القضاة، أو إلى بعض علماء الدولة، فلما ضعف أمر الفاطميين واستبد وزراؤهم بالحكم، صارت المظالم إلى الوزراء وأشهرهم في ذلك الأفضل بن شاهنشاه، فقد كان يجلس للمظالم بنفسه، واقتدى به من جاء بعده، وكانوا يجعلون بباب الديوان مناديًا ينادي «يا أرباب الظلامات!» فيحضرون إليه فيأمر بإنصافهم.

(٦) دار العدل

ولما أفضت الحكومة في مصر إلى السلاطين الأيوبيين، بنوا دارًا للنظر في المظالم سموها «دار العدل»، وكان قد سبقهم إلى بناء مثل هذه الدار في دمشق الملك العادل نور الدين زنكي، وكان الأيوبيون يجلسون في دار العدل للنظر في المظالم، وجرى سلاطين المماليك بعدهم على ذلك، وكانت لهم عناية كبرى بإنصاف الناس، وكانوا يحترمون مجلسهم للمظالم فلا يقعدون فيه على تخت الملك، ولكنهم يجلسون على كرسي بجانبه حتى تلحق أرجلهم الأرض، فإذا جلس السلطان على ذلك الكرسي يجلس قضاة من المذاهب الأربعة على يمينه، ووكيل بيت المال وغيرهم من أرباب الوظائف والحرس والخاصة بين يديه، وفيهم من يقرأ الظلامات للسلطان، فيراجع القضاة أو أمراء العسكر فيما يرى مراجعتهم فيه ثم يمضي بما يراه.

وكان لسلاطين المسلمين وأمرائهم عناية كبرى بالنظر في مظالم الرعية، وكانوا يبذلون الجهد في رفعها، ولو كان المتظلم منهم أو من أولادهم، وأمثلة هذه الحوادث كثيرة في تاريخ الإسلام، فتعود الناس أن يرفعوا شكواهم إلى خلفائهم وسلاطينهم في أيام معينة، وساروا يحسبون ذلك فرضًا واجبًا، فإذا أمسك الخليفة عن النظر في المظالم يومًا أو بضعة أيام ضجروا وملوا، وكان بعض الخلفاء يقسم المظالم إلى فروع، بعضها للنظر في مظالم الجند، وبعضها للنظر في مظالم العمال، وبعضها لغير ذلك.

(٧) الحسبة

هي منصب ديني من قبيل القضاء، وصاحب الحسبة (المحتسِب) يبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدن مثل المنع من المضايقة في الطرقات، ومنع الحمالين ومنع أهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة، والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب إذا بالغوا في ضربهم للصبيان، وله النظر في الغش والتدليس في المعايش وغيرها وفي المكاييل والموازين، والأصل في الأمور التي ذكرناها أن تكون من واجبات القاضي، لكنهم جعلوها عملًا مستقلًّا، تنزيهًا للقاضي عن استقصاء هذه الأمور بنفسه، على أنها كثيرًا ما كانت تجعل في جملة أعمال القضاة في عهد الفاطميين بمصر والأمويين في الأندلس، فلما انفردت وظيفة السلطان عن الخلافة وصار نظره عامًّا في السياسة اندرجت الحسبة في وظائف الملك وأفردت بالولاية.

ولا يتولى الحسبة إلا رجل من وجهاء المسلمين، لأنها خدمة دينية، وكان صاحب الحسبة يولي عنه نوابًا في سائر الكور والأعمال، وله الجلوس في الجوامع كل يوم، ويطوف نوابه على أرباب الحرف، والمعايش، فكان صاحب الحسبة في مصر يجلس في جامعي القاهرة والفسطاط يومًا بعد يوم، ويبعث نوابه في الشوارع لتفقد اللحوم والمطبوخات، ومراعاة أحمال الدواب فلا يأذنون لأحد أن يحملها فوق طاقتها، ويأمرون السقايين بتغطية الروايا بالأكسية ويلزمونهم بمراعاة المعيار المقدر للروايا وهو أربعة وعشرون دلوًا وكل دلو أربعون رطلًا، ويأخذونهم بلبس السراويلات الزرقاء القصيرة الضابطة لعوراتهم، وينذرون معلمي المكاتب بألا يضربوا الصبيان ضربًا مبرحًا ولا في مقتل، وكذلك معلمي العوام بتحذيرهم من التغرير بأولاد الناس، وللمحتسب النظر في إدارة العيار.

أما في الأندلس فكانوا يسمون هذا المنصب «خطة الاحتساب» ويتولاه قاض، وكانت العادة فيه أن يمشي بنفسه راكبًا إلى الأسواق وأعوانه معه، وميزانه الذي يزن به الخبز في يد أحد الأعوان، وكذلك اللحم تكون عليه ورقة بسعره، ولا يجسر الجزار أن يبيع بأكثر أو دون ما حلله المحتسب في الورقة، ولا تكاد تخفى خيانته، فإن المحتسب يدس عليه صبيًّا أو جارية يبتاع أحدهما منه، ثم يختبر المحتسب الوزن فإن وجده ناقصًا قاس على ذلك حاله مع الناس، ولهم في أوضاع الاحتساب قوانين يتداولونها ويتدارسونها كما يتدارس الفقهاء أحكام الفقه.

(٨) الشرطة

والشرطة في الأصل في توابع القضاء، لأن المراد بها تنفيذ أحكام القضاة أو فرض العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم، وإقامة التعزير والتأديب في حق من لم ينتهِ عن الجريمة، فكانت الشرطة خادمة للقضاء تساعد القاضي في إثبات الذنب على مرتكبه وتساعد الحكومة على تنفيذ الحكم، ويتولى صاحبها أيضًا إقامة الحدود على الزنا وشرب المسكر، وكثيرًا من الأمور الشرعية التي يجلون مقام القاضي عنها.

ثم صار النظر في الجرائم، وإقامة الحدود في الدولة العباسية والأموية في الأندلس والفاطمية بمصر، راجعًا إلى صاحب الشرطة وأفردوها من نظر القاضي، ونزهوا هذه المرتبة وقلدوها كبار القواد وعظماء الخاصة من مواليهم ثم تفرعت الشرطة في الأندلس إلى شرطة كبرى وشرطة صغرى، تحكم الكبرى في الخاصة والزعماء وأهل المراتب والسلطان، فتضرب على أيديهم في الظلامات وعلى أيدي أقاربهم ومن إليهم من أهل الجاه، وأما الصغرى فتنحصر في الأحكام على العامة والرعاع، ونصبوا لصاحب الشرطة الكبرى كرسيًّا بباب دار السلطان، وله رجال يتبوأون المقاعد بين يديه فلا يبرحون عنها إلا من تصريفه، وكانت تعد ولايتها ترشيحًا للوزارة أو الحجابة، وكان صاحب الشرطة يسمى عندهم صاحب المدينة أو صاحب الليل، وفي دول السلاطين كانوا يسمون صاحب الشرطة الوالي، وفي إفريقية يسمونه الحاكم، فكأن الشرطة نشأت مع القضاء، لكنها لم تنفرد بنفسها وتتميز عنه إلا في أيام بني أمية.

١  ابن خلدون، المقدمة، طبعة بيروت، ج٢ ص٣٩٦–٣٩٧.
٢  رفاعة رافع الطهطاوي: مناهج الألباب المصرية، ص٣٨٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠