الدولة الأموية في الأندلس

أول من دخل بلاد الأندلس من المسلمين طريف بن زرعة ثم أعقبه طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة ٩٢ﻫ في عهد الدولة الأموية بالشام، فافتتحاها وتولاها الأمراء باسم الخلفاء الأمويين، فلما أفضت الخلافة إلى بني العباس وأعمل أبو العباس السفاح السيفَ في بني أمية قتلهم جميعًا إلا نفرًا قليلًا منهم فيهم شاب اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك نجا وفر إلى بلاد المغرب واجتاز البحر إلى الأندلس، وكان عليها أمير اسمه عبد الرحمن بن يوسف الفهري، فامتلكها منه وخطب فيها للسفاح زمنًا قصيرًا١ ثم قطع الدعوة عن العباسيين ودعا لنفسه سنة ١٣٨ﻫ وأقام في قرطبة عاصمة الأندلس في ذلك الحين، وخلفه حكام من بيته كانوا يلقبون أنفسهم بالأمراء إلى آخر القرن الثالث، حتى صار الأمر إلى عبد الرحمن الثالث المعروف بالناصر فسمى نفسه خليفة سنة ٣١٧ﻫ وهو أعظم خلفاء بني أمية في الأندلس: حارب الإفرنج مرارًا وردهم على أعقابهم، فلما مات خلفه بضعة عشر خليفة ليس فيهم من يعدل به.

حكم الناصر خمسين سنة تعد العصر الذهبي للسلطان السياسي للإسلام في الأندلس، وقد ساد عبد الرحمن شبه الجزيرة الأيبيرية كلها ودانت له بالطاعة الممالك والإمارات التي قامت في شمال شبه الجزيرة وشمالها الشرقي، ونشر سلطانه على شمالي مراكش الحالية وراسله أباطرة الدولتين البيزنطية والأتونية في ألمانيا.

وخلفه في الحكم المستنصر، وهو أعلم خلفاء بني أمية الأندلسيين، عني بالعلوم والآداب، وأنشأ مكتبة القصر التي تعد أعظم مكتبة عامة أنشئت في العصور الوسطى.

وبعد الحكم المستنصر صار الأمر إلى ابنه هشام الثاني الملقب بالمؤيد، وكان شابًّا ضعيفًا خامل الذهن محدود الذكاء، فسيطر عليه الحاجب أبو محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور وأصبح صاحب السلطان الأعلى في البلاد، ويعتبر المنصور من أعظم السياسيين ورجال الحكم الذين أنجبهم الإسلام في شتى عصوره، وقد ارتقى من صفوف الشعب إلى أعلى المناصب بالذكاء وسعة الحيلة وبعد النظر والمثابرة والدأب على العمل، وجمع زمام الأمور كلها في يده وحرص على أن يواصل نشاط الحملات على الممالك والإمارات الإسبانية الشمالية حتى كاد يقضي عليها، وقد تمتع الأندلس في عهده برخاء لم يعهده في أي عهد مضى.

وعندما مات خلفه ابنه عبد الملك المعروف بالمظفر، فسار على سيرة أبيه دون أن تكون له كفايته، ولكنه استطاع أن يحتفظ بما خلفه له أبوه سبع سنوات، وعاجلته المنية سنة ١٠٠٨ فخلفه أخوه عبد الرحمن ولقب نفسه المأمون، وكان شابًّا مضطرب العقل مستغرقًا في هواه، لم يكتف بأن يحكم باسم الخليفة هشام المؤيد، وأراد أن يجعل نفسه وليًّا للعهد، فبدأت سحب الثورة تتجمع في سماء الأندلس، ثم انفجرت دفعة واحدة فأطاحت بملك بني عامر، وبدأت الفتنة العامة التي تسمى في تاريخ الأندلس بالفتنة الكبرى.

figure
أبو عبد الله آخر ملوك الأندلس كما صوره الإسبان.

بدأت هذه الفتنة التي قصمت ظهر الأندلس من أوائل القرن الخامس الهجري، فانقسمت الأندلس إلى إمارات يتولاها رؤساء أو أمراء أشهرهم بنو حمود في مالقة والجزيرة الخضراء (٤٠٨  /  ١٠١٧–٤٤٩  /  ١٠٥٧) وبنو عباد في إشبيلية (٤١٤  /  ١٠٢٣–٤٨٤  /  ١٠٩١) وبنو زيري في غرناطة (٤٠٣  /  ١٠١٢–٤٨٣  /  ١٠٩٠) وبنو جهور في قرطبة (٤٢٢  /  ١٠٣٠–٤٦١  /  ١٠٦٨) وبنو ذي النون في طليطلة (٤٢٧  /  ١٠٣٥–٤٧٨  /  ١٠٨٥) والصقالبة العامريون في بلنسية (٤١٢  /  ١٠٢١–٤٧٨  /  ١٠٨٥) وبنو هود في سرقسطة (٤١٠  /  ١٠١٩–٥٣٦  /  ١١٤١) وبنو مجاهد العامريون في دانية (٤٠٨  /  ١٠١٧–٤٦٨  /  ١٠٧٥)، ويعرف هؤلاء الرؤساء بملوك الطوائف، وتنازعوا وتغالبوا فيما بينهم وحاربهم الإفرنج، لأنهم طمعوا فيهم على أثر ذلك الانقسام.

وضاق بنو عباد ذرعًا في حرب ألفونس السادس ملك ليون، فاستنجدوا ملك المرابطين من المغرب، فأقبلوا بقيادة يوسف بن تاشفين اللمتوني، وانضم إليهم عدد كبير من ملوك الطوائف وجنودهم وتمكنوا من الانتصار على ألفونس السادس في موقعة الزلاقة عام ٤٧٨  /  ١٠٨٦ انتصارًا حاسمًا أنقذ دولة الإسلام في الأندلس إلى حين، ثم عاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب حاسبًا أن أمراء الطوائف سيصلحون من أحوالهم، ولكنه تبين أنهم عادوا إلى ما كانوا فيه، فرجع إلى الأندلس مرة أخرى واستنزل ملوك الطوائف جميعًا عن عروشهم، عدا بني هود أصحاب سرقسطة، وجعل ما بقي بيد المسلمين من الأندلس جزءًا من دولة المرابطين، وظل الأمر على ذلك حتى سنة ٥٤٠  /  ١١٤٥ عندما تغلب الموحدون على المرابطين في المغرب وأزالوا ملكهم وحلوا محلهم، وأنشأوا إمبراطورية واسعة شملت المغرب الإسلامي كله وما بقي بأيدي المسلمين من البلاد الأندلسية.

ونشأت في نهاية العصر الموحدي إمارات صغيرة في بلنسية ومرسية وغيرهما من قواعد الأندلس، أهمها في غرناطة الدولة النصرية أو دولة بني الأحمر، نسبة إلى مؤسسها أبي عبد الله محمد بن نصر الملقب بابن الأحمر … وكان في أول أمره فارسًا يعمل في خدمة بني هود أصحاب شرق الأندلس، ثم ضبط قاعدة أرجونة وحصنها وانتهز فرصة ضعف بني هود فاستقل عنهم، وأخذ يوسع حدود مملكته، فاستولى على جيان وأطاعته بياسة ووادي آش ومالقة وغرناطة، ثم نقل مركز دولته إلى ذلك البلد الأخير، واختار ضاحية من ضواحي غرناطة تقوم على تلال حمراء على ضفة نهر حداره أحد نهيرات نهر شنيل المتفرع من الوادي الكبير، وهناك أنشأ حصونًا وقصورًا وزودها بكل ما يلزم المدن، وتلك هي المعروفة بالحمراء، ونقل إلى الحمراء مركز الحكم، وأدار عليها وعلى غرناطة سورًا، وتكشف عن كفاية إدارية وعسكرية مكنت له من تدعيم أسس الدولة التي أنشأها وقدر لها أن تكون آخر معاقل الإسلام في إسبانيا، واستمرت تقاوم عناصر الفناء المحيطة بها والمتأصلة في كيانها ٢٥٤ سنة ابتدأت من سنة ١٢٣٨ وانتهت في يناير سنة ١٤٩٢، وانتهى معها سلطان الإسلام في شبه الجزيرة الأيبيرية بعد أن دام ٧٨١ سنة.

وقد زهت الأندلس في أيام بني نصر وظهر فيها الشعراء والأدباء على نحو ما كانت عليه في أيام عبد الرحمن الناصر، لكن الإسبان ما زالوا يهاجمون المسلمين ويناوئونهم وهم يدافعونهم إلى أواخر القرن التاسع للهجرة فهاجم غرناطةَ فرديناند وإيزابلا سنة ٨٩٧  /  ١٤٩٢ ففر ملكها أبو عبد الله وهو محمد الحادي عشر من تلك الدولة، فانقضت بفراره دولة المسلمين في الأندلس.

وللأندلس شأن عظيم في التاريخ الإسلامي، فقد نبغ فيها العلماء والشعراء وأنشئت فيها المدارس والمكاتب وشيدت الأبنية والقصور، وسنأتي على كل شيء في موضعه.

١  ابن الأثير ٢٣٥ ج٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠