الدولة الفاطمية

نشأت هذه الدولة في بلاد المغرب، وهي تنتسب إلى السيدة فاطمة بنت الرسول عن طريق جعفر الصادق، وأول من ظهر بالدعوة منهم عبيد الله المهدي في أواخر القرن الثالث للهجرة، ولذلك فهي تسمى أيضًا العبيدية، وقد أعانهم على نيل الخلافة رجل اسمه أبو عبد الله الشيعي نحو ما فعل أبو مسلم مع العباسيين، فلما استتب لهم الأمر قتلوه كما فعل المنصور بأبي مسلم، وامتد سلطانهم في أواسط القرن الرابع إلى مصر على يد القائد جوهر الصقلي، وكانت مصر في حوزة العباسيين ففتحها جوهر الصقلي وبنى فيها مدينة القاهرة نحو سنة ٣٦٠ﻫ وسميت القاهرة المعزية، نسبة إلى المعز لدين الله أول من جاء مصر من الخلفاء الفاطميين، وتناوبها خلفاؤه بعده حتى أصابهم ما أصاب الدولة العباسية في بغداد من الاستكثار من جند الأتراك والمغاربة والسودان ومن إليهم.

figure
باب النصر من أبواب القاهرة.

وقد بدأ الفاطميون حكمهم في مصر بدءًا طيبًا وعرفت في أيام المعز لدين الله (٣٤١  /  ٩٥٢–٣٦٥  /  ٩٧٥) والعزيز بالله (٣٦٥  /  ٩٧٥–٣٨٦  /  ٩٩٦) والحاكم بأمر الله (٣٨٦  /  ٩٩٦–٤١١  /  ١٠٢٠) رخاءً عظيمًا واستقرارًا لم تعرفه منذ سنوات طويلة، واتسعت حدودها حتى شملت الشام والحجاز واليمن وبرقة، بالإضافة إلى إفريقية (تونس) التي كانت تدين بالولاء للفاطميين، وقد استمر هذا الازدهار حتى منتصف خلافة المستنصر بالله (٤٢٧  /  ١٠٣٥–٤٨٧  /  ١٠٩٤)، ثم توالت عليها الأزمات والمتاعب بسبب سوء السياسية الاقتصادية التي جرى عليها الفاطميون من ناحية، ثم إسرافهم في استخدام جند الأتراك والمغاربة والسودان، وتنازع طوائفهم فيما بينهم، حتى انتهت البلاد إلى حال من الضعف والاضطراب لم تعرفه فيما سلف من عصورها الإسلامية، وأضيفت إلى ذلك كوارث طبيعية كانخفاض مستوى الفيضان سنين متوالية، مما ذهب بالرخاء جملة، فتوالى الغلاء والمجاعات، وعجز الناس عن دفع الضرائب وازدادت مطالب الجنود وفتك بعضهم ببعض، مما هوى بالبلاد إلى درك سحيق من الفوضى والفقر البالغ.

figure
قلعة القاهرة

واحتاجت الدولة إلى من يضبط الأمر، فاستعان الخليفة المستنصر ببدر الجمالي والي عكا، وكان من أصل أرمني، فأقبل وتولى الأمور، وأظهر كفاية عظيمة، وضرب على أيدي الجند، وساعفته المقادير، فتحسنت حالة الفيضان، وبدأت البلاد تخرج بفضل حزمه وإدارته الرشيدة من الهاوية التي تردت فيها.

بيد أن الخلافة الفاطمية أخذت تتلاشى شيئًا فشيئًا؛ فقد انتقل السلطان بصورة نهائية إلى الوزير ومن يستعين بهم في ضبط الأمور، وتعاقب الوزراء على السلطان واتخذوا لقب الوزراء العظام، وأولهم الأفضل بن بدر الجمالي وآخرهم صلاح الدين يوسف بن أيوب.

وكان معظم أولئك الوزراء على جانب كبير من المهارة والقدرة، ولكن أكبر جانب من اهتمامهم كان منصرفًا إلى المحافظة على مراكزهم بالاستكثار من الجند المرتزقة، وإرهاق الأهالي بالضرائب حتى يستطيع دفع رواتب الجنود، ووجد خلفاء الفاطميين بعد المستنصر أن سلطانهم قد تلاشى تمامًا، فمضوا يكيدون للوزراء ويدبرون المؤامرات للقضاء عليهم كما فعل الخليفة الآمر، إذ دبر اغتيال الأفضل بن بدر الجمالي، واستعان بنفر من الباطنية على ذلك، وتم اغتياله عام ٥١٥ / ١١٢١ وتولى الوزارة بعده كبير المتآمرين المأمون البطالحي، واستمر النزاع بين الخلفاء والوزراء إلى آخر أيام الدولة الفاطمية، وقد خسر الخلفاء المعركة وفقدوا كل سلطان ابتداء من عهد الخليفة الظافر ٥٤٤ / ١١٤٩–٥٤٩ / ١١٥٤، بل إن أحدهم وهو طلائع بن رزيك اتخذ لنفسه لقب الملك الصالح، وهو أمر له دلالته.

وآخر خلفاء الفاطميين هو العاضد الذي بدأ حكمه باغتيال طلائع بن رزيك سنة ٥٥٦ / ١١٦١ وأقام مقامه أبا شجاع العادل، وفي سنة ٥٥٨ / ١١٦٣ نازعة في الوزارة شاور والي الوجه القبلي وغلبه وقتله وتولى الأمر مكانه، ولم يدم له الأمر، إذ نافسه فيه ضرغام، وكان أميرًا لفرقة من الجند تسمى البرقية، وطال النزاع بين الرجلين، فاستنجد شاور بنور الدين محمود واستنجد ضرغام بعموري ملك بيت المقدس، وانتهى الأمر باستيلاء نور الدين على مصر وتعيينه أسد الدين شيركوه وزيرًا، فلما مات خلفه ابن أخيه صلاح الدين، فوزر لنور الدين السني وللعاضد الشيعي في وقت واحد، ولكنه تمكن بحسن سياسته من التخلص من العاضد، واستخلاص مصر لنفسه بعد موت نور الدين المبكر، وقد مات العاضد في سنة ٥٦٧ / ١١٧١ وبذلك انتهت الدولة الفاطمية وبدأت الدولة الأيوبية.

وتعتبر الدولة الأيوبية من أقصر الدول التي حكمت مصر عمرًا، فلم تتعدَّ مدة حكمها واحدًا وثمانين عامًا (٥٦٧ / ١٦٧١–٦٤٨ / ١٢٥٠) ولكنها تعد من أخطرها شأنًا، لأن الذي أنشأها كان صلاح الدين الأيوبي أعظم شخصية سياسية وعسكرية في تاريخ مصر الإسلامية، ولأنها نجحت في الخلاص بمصر والدولة الإسلامية عمومًا من أكبر خطر تهددها خلال هذه العصور وهو خطر الصليبيين.

كانت الدولة الأيوبية دولة عسكرية في طبيعتها ووظيفتها، وقد قامت للغرض الواحد الكبير الذي ذكرناه وانتهت بتلاشي الخطر، وقد دفعتها الظروف التي عاشت في ظلالها إلى طلب الجند بأي ثمن والاستكثار من المماليك، وخاصة في أيام سابع سلاطينها الصالح نجم الدين أيوب، فقد اشترى منهم آلافًا أسكنهم بجزيرة الروضة فسموا لذلك بالبحريين، وكان من الطبيعي أن يحوزوا الدولة عندما ضعف أمر السلاطين، وهذا هو الذي حدث بعد موت الصالح نجم الدين أيوب ومقتل ابنه توران شاه، إذ عجزت عصمة الدين أم خليل شجر الدر عن مدافعة المماليك، فغلبها أيبك التركماني وتولى السلطنة سنة ٦٤٨ / ١٢٥٠، وبدأت بذلك دولة المماليك الأولى المعروفين بالمماليك البحرية وقد حكموا ١٣٦ سنة (٦٤٨ / ١٢٥٠–٧٨٤ / ١٣٨٢) وأعظمهم عز الدين أيبك وسيف الدين قطز وركن الدين بيبرس والمنصور سيف الدين قلاوون، وكان البحريون على الجملة قوادًا عسكريين ممتازين وإداريين قادرين، وقد علا اسم مصر في أيامهم واتسعت إمبراطوريتها وزاد رخاؤها وأصبحت مركز العلوم والآداب في العالم الإسلامي كله.

وأعقب المماليك البحرية على ملك مصر مماليكُهم المعروفون بالبرجية، وأولهم الملك الظاهر أبو سعيد برقوق وآخرهم طومان باي الثاني، وقد حكموا مصر ١٣٩ سنة من ٧٨٤ / ١٣٨٢ إلى ٩٢٣ / ١٥١٧ وكانوا قادة عسكريين ممتازين، ولكنهم لم يظهروا أي كفاية إدارية أو مالية، وقد ضعفت مصر في أيامهم شيئًا فشيئًا، واضطربت ماليتها بعد تحول التجارة إلى رأس الرجاء الصالح، وأظهروا قصر نظر مخجل فيما يتعلق بموقفهم من الخطر العثماني، مما انتهى بسقوط مصر في أيدي الأتراك العثمانيين سنة ٩٢٣ / ١٥١٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠