خاتمة: مفهوم المنهج العلمي في حاضرنا ومستقبلنا

يظل مفهوم المنهج العلمي فعالية منتجة، والحديث عنه حديثٌ عن إمكانية واقعية حاضرة ومستقبلية ولود مثمرة. ومن قبل أن تتبدَّى معالم ما بعد الحداثة، سبق أن انتهى الفصل السابع إلى أن كل وأي حديث عن الحداثة والتحديث، بات مقترنًا بتمكينٍ وتفعيلٍ لمفهوم المنهج العلمي؛ ومِن ثَم فإن مقاربة وضع هذا المفهوم في حاضرنا ومستقبلنا، إنما هو وجه من وجوه قضية الحداثة ها هنا، وصُلب من أصلاب إشكالية الأصالة والمعاصرة الشهيرة، التي طال انشغالنا بها، دون الوصول إلى الغاية المنشودة، كما فعلت أمم أخرى كالصين ومن قبلها اليابان وسواهما، لم تشارك في الحداثة، لكنها تمكنت من حل هذه الإشكالية، فاستطاعت الاستيعاب والتجاوز، والإسهام في التقدُّم المعاصر.

إن الشغل الشاغل هو الواقع الحاضر ومستقبله، ومن أجله كان الاشتباك بالماضي فيما سبق، وفي أي موضع. رأينا في الفصل الثاني كيف أن مفهوم «المنهج» أصلًا متوطنٌ في ماضينا أو في تراثنا الذي امتلك رصيدًا منهجيًّا هائلًا في مسيرته التاريخية. ورأينا في الفصل السابع كيف قدَّم هذا الماضي عطاءً علميًّا دافقًا من حصاد المنهج العلمي، أسهم في أن يفضي إلى النقلة الحضارية الكبرى وهي العلم الحديث. ألا إن القيمة الحقيقية لمثل هذا الماضي، تكون بقدْر ما يسهم في حاضر جيد ومستقبل أفضل١ … بقدر ما يسهم بمزيدٍ من التحديث والتقدم، يشترط مزيدًا من التفعيل لمفهوم المنهج العلمي.

ونلاحظ أنه على الرغم من ذلك الرصيد التراثي، يبدو المنهج العلمي بُعدًا غائبًا مفتقدًا في واقعنا … في ثقافتنا المعيشة وطرائق تفكيرنا وعوائدنا وسلوكنا وسمات شخصيتنا القومية، بل حتى طباع النخبة فينا، وتلح الحاجة إلى جهودٍ ثقافية مكثفة، أهم مهامها توطين مفهوم المنهج العلمي في حس الجماعة، لنتمرس على مواجهة الواقع الصلب العنيد، الذي يتأبى علينا ونفشل في تطويعه، فنستورد حلولًا لمشكلاته في استنزافٍ للموارد وتعويق لسيرورة نماء وتقدُّم. المطلوب الخروج بمفهوم المنهج العلمي إلى آفاق الثقافة العربية، بمفهومها الأنثربولوجي إن صح التعبير، أو الأيديولوجي إن جاز التعبير، المهم ألا يقتصر على المنظور الترانسندنتالي المتعالي للثقافة، ولا يظل موضوعًا للحوار بين صفوة المثقفين وأبحاث بعض المتخصصين، بل تشريب المواطن بفعاليات المنهج العلمي بوصفه أسلوبًا في الإنشاء وفي الإدارة، في التخطيط وفي التنمية، في الإنتاج وفي الاستهلاك … وفي مواجهة وقائع الحياة اليومية، وهذه مهمة تشارك فيها التربية والتنشئة ومقررات التعليم ووسائل الإعلام والتثقيف، التي لا تزال تطابق أحيانًا بين الثقافة والأدب، وتجعل السهرة الثقافية تعني سهرةً أدبية.

وهنا يتمثَّل دورٌ لتجديد التراث وتطوير خطابنا الثقافي، من أجل توطين مفهوم المنهج العلمي وزرعه في ثقافتنا وتجذيره في التربة العربية، يتزامن هذا مع نقض المركزية الغربية وتصاعد احترام التعددية الثقافية، والدعوة إلى أن تضطلع كل ثقافة بمسئوليتها إزاء توطين العلم وتفعيل منهجيته.

ثمَّة سبل متاحة لهذه النوعية من مقاربات التراث، وتجديد الخطاب الثقافي في اتجاه تفعيل مفهوم المنهج العلمي في واقعنا الحضاري، وفي ثقافتنا المُميِّزة لهويتنا، لينطلق هذا التفعيل نحو مستقبل أفضل،٢ في اقتفاء هذه السبل لا تكفي الإشادة بالإنجازات التاريخية، التي تأتت على أساس العناية بقضية المنهج في المجالات الشتى، ولا يكفي أيضًا سرد ماضي المناهج العلمية وإجرائياتها، التي أفضت إلى مرحلة تاريخ العلوم عند العرب التي كانت مزدهرة، يمكن تعميق هذا وذاك عن طريق تنضيد جذر العقلية المنهجية ذاتها، وأصول روحها المنبعثة في أعطاف حضارة، أنتجت تلك المناهج العلمية وممارساتها، وفي هذا، وكما بينَّا في الفصل الثاني، يتقدم علم أصول الفقه كعلمٍ منهجي بامتياز. وعن طريق بحث واستخلاص الآليات والقواعد والسبل الاستدلالية التي انطوى عليها وأسَّس لها، يكشف عن منهجياتٍ مقننة، استنباطية وتجريبية واختبارية نقدية، تشهد بتوطن روح المنهجية في ثقافتنا، وقد كانت واسطة العِقد المنهجي عند الأصوليين في مناهج الاستدلال على العلة.
في علم الكلام القديم هو الآخر احتلت الطبيعة موقعًا متميزًا، لكنها كانت مشكلة أنطولوجية، ولا بد أن تتحول إلى مشكلةٍ إبستمولوجية في علم الكلام الجديد، لتغدو مهمَّته هي تنضيد العقائد الدافعة إلى النظر في العالم الطبيعي.٣ ثمَّة موجِّهات للعقلانية التجريبية ثاوية في آياتٍ قرآنية، ودعوة إلى التفكير المتبصر المسئول في الظواهر والموجودات. وردت مشتقات الجذر «علم» في أكثر من سبعمائة وخمسين آية، وما يقرب من خمسين آية تدعو إلى إعمال العقل، وآيات تحمل الحواس مسئوليتها، وتكفي الآية إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (سورة الإسراء، الآية: ٣٦)، لتحيل إلى المسئولية عن تآزر هذه الأدوات — الحواس والعقل — وتكاملها في المنهج العلمي التجريبي، ومنذ أكثر من مائة عام خلت، عمل محمد إقبال (١٨٧٧–١٩٣٦م)، على لفت الأنظار إلى «الاتجاه التجريبي العام في القرآن»،٤ الذي كوَّن في أتباعه شعورًا بتقدير الواقع، جعل منهم حَمَلة لواء المنهج العلمي التجريبي في عصر سؤددهم. القرآن يحمل قوةً دافعةً وقِيمًا موجهة لتفعيل المنهج العلمي.

•••

إنه توظيفٌ للرصيد التراثي في استحضار واستنطاق ممكنات إيجابية في مكوِّنات خصوصيتنا الحضارية، قادرة على القيام بدورها في إفساح المجال لتفعيل مفهوم المنهج العلمي، والإسهام في إزالة عقبات أو معوقات تَحول دون تشريب واقعنا وثقافتنا المعيشة بروح هذا المفهوم،٥ أولى هذه المعوقات تكمن في الزعم بغيابها عن تراثنا وعن ثوابت ثقافتنا وغربة العلم عنا، وأنه صنيعة الآخر الغربي، ويرتبط بهذا النظرة التجديفية للعلم؛ فقد دخل ذات مرة — أو مرات — في صراعٍ مع الكنيسة ومع الدين. وقد ننطق «العلمانية» خطأ بكسر العين، بعد أن نضعها كضد مقابل للدينية، ثم نستنفد الجهد في خيارٍ عقيم وعصيب وزائف، وغير مطروح في ثقافتنا. وثمَّة أيضًا معوقات آتية من النظرة التبجيلية التعجيزية للعلم؛ فهو مَنْشَط البلدان المتقدمة، والصفوة من أزكى الأفراد وأفضلهم، ومَن عداهم لا شأن لهم بالمنهج العلمي. ومثلها النظرة الترفية للعلم، فهو يحتاج لتمويلٍ واستعدادات وإمكانيات ضخمة لا قِبلَ لنا بها، وبالتالي لا شأن لعمومنا وعوامنا بآلياتها، وعلى رأسها المنهج، ليتكرَّس همنا الثقافي فيما نستطيعه وما هو أكثر إلحاحًا في عالمنا، وحسبنا التعليم لا العلم. وأيضًا فكرة العلم النافع والعلم غير النافع، ليقتصر اهتمامنا على العلوم ذات التطبيقات التقانية المباشرة، التي تتحول على الفور إلى ما ينفع ويفيد، ودع عنك العلوم البحتة أو العلوم الأساسية، فضلًا عن الأساس الأعمق لكل هذا وهو المنهج. وهذا التصور ناتج عن نظرةٍ شائهة لمنظومة العلم، وكأنه بضعة أشياء نأخذ منها وندع! وليست نسقًا محكومًا بعلاقاتٍ منطقية.

الإيجابيات الماثلة لمفهوم المنهج العلمي، وارتهان التحديث والتقدم بفعالياته، لا يتيح لنا خيارًا سوى العمل على إزالة مثل هذه العقبات وسواها، من أجل شحذ تفعيله في واقعنا … نشدانًا لحاضرٍ منجز ومستقبل أفضل.

١  جامعة أحمدُ بلو في شمال نيجيريا، التي أعمل أستاذ الدراسات العليا بها حين كتابة هذه الصفحات، هي ثاني أكبر جامعة في أفريقيا بعد جامعة القاهرة، وحيث إن الدراسة فيها باللغة الإنجليزية، يضع قسم التاريخ في كلية الآداب على لافتته هذه العبارة النافذة: «To build objective past for a better tomorrow لبناء ماضٍ موضوعي من أجل غدٍ أفضل».
٢  وهذا ما فصَّلناه في بحثنا: «نحو توطين المنهجية العلمية في العالم الإسلامي: رؤية فلسفية»، في: مجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد الثاني من المجلد الثالث والأربعين، أكتوبر–ديسمبر ٢٠١٤م، ص١١٩–١٧٨.
٣  عُرضت هذه القضية في: د. يمنى طريف الخولي، «الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل»، الطبعة الثالثة، دار رؤية، القاهرة، ٢٠١٠م، وحاز هذا الكتاب في طبعته الأولى على جائزة جامعة القاهرة للبحوث المستقبلية في مجال الإنسانيات، العام ١٩٩٨م.
٤  محمد إقبال، «تجديد الفكر الديني في الإسلام»، ترجمة عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط٢، ١٩٨٦م، ص٢١.
٥  عالجنا هذه المعوقات بالتفصيل في ورقة بعنوان: «المنهج العلمي … كيف يفيد المشروع الحضاري» أُلقيت في الندوة الفلسفية الرابعة «نحو مشروع حضاري جديد» التي عقدتها الجمعية الفلسفية المصرية في ٢٧–٢٩ يونيو ١٩٩٢م، ونُشر في مجلة القاهرة عدد نوفمبر ١٩٩٢م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢