الفصل الثاني

ما المنهج؟

(١) مفهوم «المنهج»: تعريف وتحليل

بادئ ذي بدء نلاحظ أن الدور الاستراتيجي لمفهوم «المنهج العلمي» خصوصًا، تكمن من ورائه أهمية استراتيجية أكثر شيوعًا لمفهوم «المنهج» عمومًا، وللمنهجية في كل فكر وفي كل فعل نظاميَّين. إن المنهج بشكلٍ عام آية دقة، ومفهوم محوري ومرتكز أساسي في كل ما ينزع إلى الجدوى والجدية والانضباط.

وبإزاء هذا الرصيد الهائل، لا بد أن نصل إلى «المنهج العلمي» عبْر تعريف مفهوم «المنهج» في حد ذاته، وتحليل دلالته وتطوراته ومتغيراته؛ لكي ننتقل من هذا انتقالًا مشروعًا إلى مفهوم «المنهج العلمي» تحديدًا. إنها تحليلات أولية، تعمل على تمهيد الطريق وتحديد معالمه.

نبدأ بتحليل الدلالة اللغوية والاشتقاقية للفظة «منهج» من حيث الأصول في اللغة العربية والمقابل في اللغات الأوروبية، ثم ننتقل من «المنهج» كلفظة إلى «المنهج» كمصطلح.

وإذا كانت الإتيمولوجيا Etymology هي علم البحث في الأصول اللغوية للفظة، فإن التحليل الإتيمولوجي للفظة «المنهج»، على سبيل استكناه الأصول وعمق الدلالات، يقودنا توًّا إلى صلب في اللغة العربية، وذلك قبل المراسي الشائعة الذائعة في اللغات الأوروبية، التي درجنا على أن نتعلم منها حديث المنهجية!

وقد كانت اللغة العربية وعلومها أولى الدوائر المعرفية في البنية العقلية، التي حملها التراث العربي الإسلامي، وكان لها الدور الفخيم، فلا غرو أن تحمل أصول الألفاظ فيها، وفي مقدمتها لفظة «المنهج»، الكثير الجم من كنوزنا الحضارية المذخورة، التي تنتظر البحث والتنقيب والسبر … أَوَليست اللغة العربية هي البحر في أحشائه الدُّر كامن؟ على أية حال، فإن أصول وتطورات لفظة «المنهج» في اللغة العربية وفي اللغات الأوروبية، معًا، تلقي الضوء الكثيف على طبيعة المفهوم ودلالاته ودوره، وكيفية الاستفادة منه.

لفظة المنهج والمنهاج ومرادفاتهما معروفة في لغة العرب، وهي من ألفاظ القرآن الكريم والحديث الشريف، حتى إن المنهج لفظٌ قرآني، ومصطلح تراثي بامتياز.

«المنهج» في اللغة العربية هو الطريق الواضح المستقيم، الذي يفضي بصحيح السير فيه إلى غايةٍ مقصودة،١ بسهولةٍ ويسر. ومن هذا الأصل جرى استعمال لفظ المنهج، لتعني بوجهٍ عام «وسيلة محددة توصل إلى غايةٍ معينة».٢ نهجَ نهجًا تعني اتخذ منهاجًا أو طريقًا للوصول إلى غاية.٣
ومن عبقرية اللغة العربية نجد اللفظة «نَهَج»؛ أي تلاحقت أنفاسه من سرعة الحركة لوضوح الطريق ويُسْره (ومن هذا الأصل تُستعمل اللفظة أيضًا على عمومها، فيُقال نَهَج من السمنة، أو من سواها). هكذا تتضمن أصول لفظة «المنهج» الإسراع في السَّير في الطريق لوضوحه، أو في إنجاز العمل لوضوح طريقته، ويأتي أصل هذه الألفاظ لغةً من الجذر نَهَج وأنهج، ونهج الطريق نهوجًا بمعنى وضح واستبان، وصار نهجًا واضحًا بيِّنًا، ونَهَجته وأنهجته أوضحته، وأيضًا سلكته. الطرق الناهجة هي الطرق الواضحة. النهج والمنهج: الطريق المستقيم، والمنهاج: الطريق المستمر.٤

وخيرُ مفتَتحٍ لورود اللفظةِ في تراثنا قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (سورة المائدة: الآية: ٤٨)، وفي حديث ابن عباس، رضي الله عنه: «لم يَمُت رسول الله حتى ترككم على طرقٍ ناهجة.» وقال يزيد بن الخَذَّاق العبدي:

ولقد أضاءَ لك الطريقُ وأنْهَجَت
سبلُ المكارم والهُدَى تُعْدي
تُعدي معناها أن تُعِين وتُقوي،٥ أما «أنْهَجَت أو أنْهَجَ» فتعني الاتضاح، وشق الطريق الواضح: اتخذه وسلكه.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن المنهج — كما ذكرنا — هو الطريق والطريقة، لكان بنظرةٍ أعمق أكثر ظهورًا في القرآن الكريم؛ إذ ورد عشرات المرات لفظ الطريق والطريقة، وأيضًا السبيل والصراط، «كما ارتبط السياق الذي وردت فيه هذه الألفاظ بالهدى والضلال؛ فالله يهدي إلى سواء السبيل؛ أي الطريق المستقيم، والمؤمنون يدعون الله أن يهديهم الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم فاهتدَوا إلى الطريق، غير المغضوب عليهم، الذين عرفوا الطريق وتنكَّبوه، ولا الضالين الذين ضلوا وتاهوا فلم يعرفوا الطريق».٦اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (سورة الفاتحة، الآيتان: ٦-٧)، يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (سورة الأحقاف، الآية: ٣٠)، الضلال يحمل الزلل المنطقي والزلل الأخلاقي معًا، المعرفي والقيمي.
والسُّنة أيضًا لفظ قرآني تبوَّأ موقعًا فريدًا في الدين الإسلامي وفي التراث العربي، لارتباطه بالدلالة النبوية أو الطريق النبوي، وهو الآخر يعني في أصله اللغوي الطريق، والسُّنن هي الطرائق، وبالتالي يقترب في دلالاته من لفظة المنهج. والخلاصة أن ثمَّة دلالات مشتركة في ألفاظ المنهج والمنهاج والطريق والسبيل والصراط والسُّنة،٧ جميعها تشير إلى طريقٍ مستقيم واضح ميسَّر لسعي الإنسان ليبلغ به غاية مقصودة، تقع في مستوياتٍ مختلفة تبعًا للمقاصد المختلفة، ومساعي الإنسان الشتَّى نحو الغاية النهائية وهي حسن المآل، في الدنيا وفي الآخرة، وتظل «قيمة المنهاج هي اتخاذه طريقًا إلى المقصد، والحركة في اتجاه ذلك المقصد».٨

وفضلًا عن هذا يحفل القرآن — كما أشار طه جابر العلواني — بألفاظٍ منهجية في المقام الأول، لا تنفصل عن نمط ومهام وسبل التفكير المنتج، من قبيل: التعقل، التفكُّر، التفقُّه، التبصُّر، الاعتبار، التدبُّر، النظر، التذكر … ولكن مقصدنا الآن لفظة «المنهج» تحديدًا وتعيينًا.

•••

وفي خطابنا العربي المعرفي المعاصر تُوضَع لفظة منهج كمقابل سديد للفظة Method في الإنجليزية، وméthode في الفرنسية وdie Methode في الألمانية، وسائر البدائل في اللغات الهندوأوروبية، وهي تعني الطريقة والمنهج، وتعود أصولها إلى الكلمة الإغريقية μεθ0δ05، وهي كلمة يستعملها أفلاطون بمعنى البحث أو النظر، كما نجدها كذلك عند أرسطو أحيانًا كثيرة بمعنى بحث، والمعنى الاشتقاقي الأصلي لها يدل على الطريق، أو المنهج المؤدي إلى الغرض المطلوب خلال المصاعب والعقبات.٩

إن المنهج هو الطريق والطريقة، الأسلوب والوتيرة، الديدن والسبيل، المسار والشرعة، الطبع والناموس … وهو كمفهوم مقنن في الخطاب المعرفي، يُراد به تجسيد أسلوب سديد منظَّم ومثمر، ملتزم بالانتقال من المشكلة إلى حلِّها ومن المقدمات إلى الغاية.

وقد بات «منهج البحث» هو الاستعمال الأكثر للفظة المنهج في سياق اللغة التداولية المعاصرة في خطابها المعرفي، حيث يفيد «عموم الطريقة، وتتولَّد منه الإجراءات والأدوات، وتتعلَّق به الغايات أو المقاصد والقيم الحاكمة».١٠ وإذ يغدو المنهج هو «منهج البحث» أو مناهج البحث، فقد بِتنا بإزاء مبتغانا ومقصدنا الذي هو؛ أي منهج البحث، منجمٌ أو مناجم نستخرج منها فرائد العلم والمعرفة. دلالة لفظة «المنهج» هنا تشير إلى استراتيجيات العمل العقلي وأركانه وأداته الكبرى، القوة الحقيقية والمجد الحقيقي للإنسان، الذي جعله تاج الخليقة وبطل الرواية الكونية، فهل لحكمته — سبحانه وتعالى — أن وَرَد الجذر «نَهَج» في القرآن مرة واحدة، وورد الجذر «بَحَث» أيضًا مرة واحدة، وكلاهما في سورة واحدة هي سورة المائدة؟! رأَيْنا «المنهج»: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (سورة المائدة، الآية: ٤٨)، وسبيلنا الآن إلى «البحث».
في القرآن الكريم: فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ (سورة المائدة، الآية: ٣١) بمعنى حفَرها وطلب شيئًا فيها. وفي «المعجم الوسيط»: «البحث» لغةً هو الحفر والتنقيب، ويأتي بمعنى الاجتهاد وبذل الجهد في موضوعٍ ما، وجمْع المسائل التي تتصل به. وفي «المعجم الوجيز»: بحَث عن الشيء؛ أي طلبه وفتَّش عنه أو سأل عنه واستقصى، وبحث الأمر وبحث في الأمر: اجتهد فيه ليعرف حقيقته، وباحثه: أي بحث معه فيه، وتباحثا: أي تبادلا البحث. والبحث في اللغة التداولية المعرفية هو بذل الجهد في موضوعٍ ما وجمع مادته، وهو ثمرة هذا الجهد ونتيجته، ليشمل الاستعلام والاستقصاء، الذي يقوم به الباحث بغرض الوصول إلى نتيجةٍ جديدة، أو تطوير وتصحيح أو تنقيح أو تحقيق نتائج كائنة بالفعل. والخلاصة في «كتاب التعريفات» للجرجاني، حيث: «البحث لغةً هو التفحُّص والتفتيش، واصطلاحًا هو إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين الشيئين بطريق الاستدلال.»١١

يفيد «منهج البحث» طريق الدرس والمعرفة والتفكير، ويعني طريقًا محددًا منظمًا، وهو مفهوم محوري والمرتكز في أية دراساتٍ مقننة، ومقدمة أولية للجهد المعرفي الرصين الجدير بالاعتبار. منهج البحث يلفت الأنظار إلى مفهوم «المنهج» من حيث هو أكثر من مجرد لفظة؛ إنه مصطلح.

ولئن كان المنهج Method كلفظٍ يعني «الطريق والطريقة»، فإن المنهج كمصطلح في أشد معانيه عمومية يعني طريقة تحقيق الهدف، والطريق المحدَّد لتنظيم الجهد والنشاط.

واللافت حقًّا هو دورٌ كبيرٌ لَعِبَه «المنهج»، كمفهوم وكمصطلح في تراثنا، أو بالأحرى دورٌ لعبه تراثنا في مضمار المنهج والمنهجية، وبالوقوف على هذا نخرج بأساسٍ لنظرةٍ أكثر شمولًا وإطلالة على التاريخ المعرفي لمفهوم المنهج، في التراث العربي، وفي التراث الغربي؛ أي لدن الأنا ولدن الآخر.

(٢) مفهوم المنهج في التراث الإسلامي

لم يَغِب عن أعلام التراث الإسلامي في عصره الذهبي، أن طريق البحث والمعرفة على رأس الطرق طُرًّا؛ فورد مفهوم «المنهج» كمصطلح؛ أي كطريق للبحث والنظر والعمل. وجاء في «كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي ليعني: «ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره، ولا بد أن يكون متعلقًا بكيفية تحصيله، فهو متعلق بكيفية عمل.»١٢

وتصدَّر مصطلح المنهج عناوين مصنفات عديدة رائدة في تراثنا، ونضرب مثالًا بواحدٍ من غلاة العقليين هو ابن رشد وكتابه «مناهج الأدلة في عقائد الملة»، وواحد من غلاة النقليين هو الإمام ابن تيمية، لنجد مثلًا كتابه «منهج السنة النبوية في نقد كلام الشيعة القدرية» وسواهما. وليس الأمر مجرد ورود لفظة أو مصطلح؛ فقد شهدت الحضارة الإسلامية منذ بواكير نهضتها نشأة واعدة للمنهجية والفكر المنهجي والممنهج، وفي هذا أهم عوامل تفسير الدور المعرفي الناهض، الذي لَعِبته في مرحلتها التاريخية.

ولا مبالغة في القول إن أهم إنجازات تراثنا تأتَّت في مجال المنهج والإنجازات المنهجية. وبخلاف مناهج المتكلمين الجدلية، ومناهج الفلسفة الإسلامية الأفلاطونية المحدثة من ناحية، والبرهانية من الناحية الأخرى، ومناهج المتصوفة الذوقية العرفانية، ومن قبل ومن بعد مناهج العلوم الرياضية والتجريبية عند العرب، التي كانت المقدمة الشرطية المفضية منطقيًّا وتاريخيًّا وجغرافيًّا إلى مرحلة العلم الحديث في أوروبا، بخلاف كل هذا الرصيد المنهجي يتقدَّم علم أصول الفقه بموقعه الفريد في منظومة علومنا النقلية/العقلية، لنجده في جوهره لا يعدو أن يكون علمًا لمناهج البحث.

كان موضوع هذا العلم رسْم الطريق المؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية من الأدلة التي نصبها الشارع؛ أي منهج استنباط الأحكام الشرعية، فأخرج مدرسة كبرى في منهجية الاستنباط، تجعل علم أصول الفقه يتقدم كعلمٍ منهجي بامتياز، يمثل في تراثنا جذرًا للعقلية المنهجية ذاتها، وأصول روحها المُنبثة في أعطاف حضارة، أنتجت تلك المناهج العلمية وممارساتها.١٣
وعن طريق بحث واستخلاص الآليات والقواعد والسبل الاستدلالية التي انطوى عليها وأسَّس لها علم أصول الفقه، يكشف هذا العلم عن منهجيات مقننة، استنباطية وتجريبية واختبارية نقدية، تشهد بتوطن الروح المنهجية في ثقافتنا؛ هذا بخلاف المناهج الفرعية التي قام بصياغتها، أو بنقلها من العلوم الأخرى أو بتشغيلها وتطويرها، من قبيل الكلام على التواتر والآحاد، والقراءة الشاذة وحكمها، والأحوال الراجعة إلى متن الحديث أو طريقه، والجرح والتعديل، والناسخ والمنسوخ … إنها تعطينا تمثيلات لمناهج بحث وطرق استدلالية دقيقة، وتبقى واسطة العِقد المنهجي فيما أسماه الأصوليون مناهج الاستدلال على العلة، فضلًا عن المنهجية الاختبارية في «السبر والتقسيم» وفي مبحث القوادح، والألية التقنينية في تقسيمات الأحكام … إلخ. على الإجمال يكشف علم أصول الفقه كما يقول حسن حنفي عن «قدرة العقل الإسلامي على تحويل الدين إلى عِلم، والوحي إلى منطق، والنص إلى منهج».١٤

وكان التطور اللافت في علم أصول الفقه وصورته العامة، بعد مرحلة التأسيس على يد الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت٢٠٤ﻫ/٨٢٠م)، إنما في استفادته من العلم الوافد: المنطق الإغريقي الذي أسهم في أن يكتمل أصول الفقه كمنظومةٍ ممنهجة، يُعنى بالترتيب والتقديم والتأخير، وتحديد الأصول والفروع، وفي أن يبدأ بجهازٍ مفاهيمي يتحدد بالتعريفات الدقيقة، اللغوية والمنطقية معًا. وشبيه بهذا ما حدث في علم الكلام/علم أصول الدين، أواصر القربى وثيقة بين هذين العِلمين أو الأصولين اللذين تشاركا في كثيرٍ من الطرق، وقد التقيا على الطريق المنطقي المفضي إلى الفلسفة.

كان مبحث الألفاظ والتعريفات، أو المفاهيم بمصطلحاتنا، هو الذي استفاد فعلًا من المنطق وتأثَّر به، أكثر من مبحث القياس؛ لأن القياس الأصولي يختلف عن القياس المنطقي، مهما استفاد منه وسخَّره، وفي هذا نستطيع القول إن الإسلاميين لم يتعلموا المنهجية من المنطق الإغريقي، بل إن منهجيتهم الخاصة بهم — والتي تتبلور في علم أصول الفقه — استفادت منه، فألقَوا درسًا في كيفية الاستفادة من الوافد، وتوظيفه وتشغيله في إطار حضارتهم.

•••

لقد كان المنطق الأرسطي أول ما نقله العرب من علوم اليونان، وظل حاضرًا في الحضارة الإسلامية في استيعابه وتطويره ونقده. يزدهر المنطق في الأوساط المعنية باللغة، وعناية الحضارة الإسلامية باللغة العربية كانت غير مسبوقة، بسبب لغوية الحدث القرآني؛ الحدث الأكبر في تاريخها. وقديمًا قالوا المنطق هو نحو العقل، والنحو هو منطق اللغة.١٥ ويظل المنطق في مراحله وتطوراته المختلفة هو الظهير المتين، وركن ركين لمناهج البحث في تطوراتها وتحولاتها.
وفي رحاب الحضارة العربية الإسلامية قام المسيحيون السريان في سوريا والعراق، في أواسط القرن التاسع الميلادي/الثالث الهجري بترجمة الكتب الأربعة لأرسطو في المنطق إلى اللغة العربية، راجعها على الأصل اليوناني ونقَّحها وهذَّبها الجيل الثاني من المترجمين، وعلى رأسهم حنين بن إسحاق وولده إسحاق بن حنين، وترجموا أيضًا شروحًا وتعليقات. أصبح المنطق الأرسطي مطروحًا بوضوح في الحضارة الإسلامية، وانفتح المجال لتوالي جهود العرب وإسهاماتهم المنطقية، دشَّنتها دراسات الكِندي — أول الفلاسفة العرب — وتوالت إنجازات المناطقة العرب من فِرَقٍ شتَّى، ونذكر في هذا الصدد الجهود المتحمسة لابن رشد في شرح منطق أرسطو. ومنذ البداية أُرسي هذا العلم في الحضارة العربية تحت اسم «المنطق»، وهو علم الميزان إذ به تُوزن الحجج والبراهين، يقول التهانوي: «إنما سُمِّي بالمنطق لأن النطق يُطلق على اللفظ، وعلى إدراك الكليات وعلى النفس الناطقة، ولما كان هذا الفن يقوى بالأول ويسلك بالثاني مسلك السَّداد، ويحصل بسببه كمالات الثالث، اشتُقَّ له اسم منه وهو المنطق، وهو عِلم بقوانينَ تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إلى المجهولات وشرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر.»١٦
وهكذا فإنه في إطار انفتاح الثقافة العربية الإسلامية النادر على منجَزات الآخر، على ميراث الحضارات والثقافات الأخرى، جاءت العناية المشهورة لأعلام التراث العربي آنذاك بنقل المنطق الأرسطي، الذي يمكن اعتباره أول محاولة متكاملة لمَنهجة الاستدلال والتفكير. وأيضًا انفتح أسلافنا على ما طرحه المنهج الأرسطي في أخص خصائص العرب؛ أي فن القول في مجالَي الشعر والخطابة. الخلاصة ومن المنظور التاريخي الإنساني بشكلٍ عام، أو من حيث المشترك العام، أنْ مثَّل المنطق العربي مدرسة كبرى في تاريخ المنطق،١٧ وانعكست محصلة هذا الوعي المنطقي في مزيدٍ من تقنين المنهجية في رحاب الحضارة العربية الإسلامية، وانتظمت في تراثنا مفاهيم ومصادرات وفروض أولية وقواعد وأصول استدلالية وسواها من عناصر فاعلة في منهج البحث، فاكتملت لديهم آلياتٌ للبحث وطرائقُ للتفكير، وكان التراث الرائع الذي خلَّفوه في شتَّى مجالات الدرس النظامي، مرة أخرى بسبب هذا الدور الكبير ﻟ «المنهج» في حضارتهم كمفهومٍ وكمصطلح.

يكتسب هذا المصطلح — وأي مصطلح — موقعًا متميزًا ويُناط به أدوار مترامية النطاق، حين يغدو مصطلحًا فلسفيًّا.

(٣) المنهج كمصطلح فلسفي

كانت الفلسفة قد نشأت وتطورت في منطقة حوض البحر المتوسط وأقاليم متاخمة، على مدى ما يربو على خمسة وعشرين قرنًا من الزمان، ومثَّلت الفلسفة الإسلامية حِقبة هامة من حِقَبها وجانبًا متينًا من جوانبها. إن الفلسفة في جملتها تجريدٌ وتجسيد لمسار الحضارة الإنسانية، وفي مراحلها المتعاقبة هي دائمًا الانعكاس المجرَّد الواعي لمرحلتها الحضارية. وقد عُنيت الفلسفة أيما عناية بمصطلح المنهج، ومنهج البحث تحديدًا. هذا من حيث إن الفلسفة معنية دائمًا بالمعرفة وطرائقها، وذلك في واحدٍ من أهم مباحثها وهو مبحث الإبستمولوجيا (= نظرية المعرفة)، وكما هو معروفٌ يمكن اعتبار المباحث الكبرى الثلاثة للفلسفة بجملتها، هي نظرية المعرفة ونظرية الوجود ونظرية القيمة (أو الإبستمولوجيا والأنطولوجيا والأكسيولوجيا).

«المنهج» كمصطلح فلسفي على وجه الخصوص يعني: وسيلة المعرفة، طريقة الخروج بالنتائج الفعلية من الموضوع المطروح للدراسة، والطريقة المتبعة في دراسةِ موضوعٍ ما للتوصل إلى قانون أو نتائج أو محصلة عامة. والمنهج في الفلسفة هو أيضًا فن ترتيب الأفكار ترتيبًا دقيقًا، بحيث تؤدي إلى الكشف عن حقيقةٍ مجهولة أو البرهنة على صحة حقيقة معلومة.١٨ هكذا نجد التعريف الفلسفي لمصطلح المنهج، لا يخرج عن التعريف المعمول به في شتَّى العلوم، أَوَليست تُنعَت الفلسفة بأنها أم العلوم.
والواقع أن سبل الفلسفة خيرُ السبل لتحديد المفاهيم والمصطلحات، هذا من حيث إن وظيفة الفلسفة أصلًا هي توضيح وتقنين المفاهيم، حتى قيل إن الفلسفة ليست «حب الحكمة»١٩ بقدر ما هي «صداقة المفاهيم». وهذا تعبيرٌ أثيرٌ في الفلسفة الفرنسية الراهنة على وجه الخصوص. وفي عصرنا الثائر المضطرب، الملبَّد بالغيوم والضباب الكثيف، لم تَعُد الفلسفة تستطيع مواصلة الزعم بأنها حب الحكمة، أين هي الحكمة التي يتجلى حسنها وبهاؤها وضياؤها؟ لنتبتل في محرابها ونتصبب بوجدها، ونحن نحيا في عصر التعددية والنسبوية وانهيار المطلقيات. انهارَ مُطلَق نيوتن والمطلق في المعرفة إجمالًا، والمطلق في الفن وفي الأخلاق وفي السياسة … وفي أعقاب انهيار المطلق انهارت يقينيات عديدة. إننا في عصر اللايقين واللاحتمي واللاتعين والاحتمالية والشواش … في مثل هذه الأجواء حريٌّ بالفلسفة أن تكتفي بصداقة المفاهيم.
إن الفلسفة كمبحث نظامي ومَنْشَط دراسي محدَّد وتخصص أكاديمي، إنما ينصب موضوعها ومجالها على المفاهيم تاركة الوقائع للعلوم التجريبية؛٢٠ فلئن كانت الفلسفة بشكلٍ عام تعبيرًا عن مجمل قصة الفكر البشري، في سعيه الدءوب المتواصل نحو المعرفة، وكانت الفلسفة هي الانعكاس المجرَّد الواعي لسيرورة وصيرورة الحضارة الإنسانية، فإن «المفاهيم» هي لَبِنَات هذه القصة ومرتكزات هذا الانعكاس المجرَّد ووحداته الأولية.

وقد بات مفهوم المنهج على العموم، ومفهوم المنهج العلمي على أخص الخصوص، في صدارة هذه المفاهيم أو اللبنات، منذ القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وذلك حين أنجبت أم العلوم/الفلسفة مؤخرًا، أو في مرحلةٍ حديثة نسبيًّا من تاريخها الطويل، واحدًا من أعز بَنيها، المعبِّر عن روح التقدم المعرفي التي نحياها الآن؛ أي «فلسفة العلوم».

والمبحث الذي يتصدر مباحث فلسفة العلوم, وهو علم مناهج البحث أو الميثودولوجيا Methodology، إنه المبحث الفلسفي المعني بالمنهج العلمي على وجه التحديد، ويمكن اعتباره من أهم فروع الفلسفة المعاصرة، وفي الآن نفسه يمكن أن يفيد شتى العلوم.

لقد بات السبيل ممهدًا لأن ندخل في صلب الموضوع: العلم ومنهجه.

١  د. جميل صليبا، «المعجم الفلسفي»، الجزء الأول، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٧٣م، ص٢١. ولمزيدٍ من التفاصيل انظر كتابنا: «محاضرات في منهج العلم»، دار الثقافة العربية، القاهرة، ط٦، ٢٠١١م، ص١٨، وما بعدها، وقارن بحثنا: «مفهوم المنهج: تحليلات أولية» في: أعمال الندوة الدولية، قضايا المنهج في الدراسات اللغوية والأدبية: النظرية والتطبيق، جامعة الملك سعود، الرياض، ٢٠١٠م، ص٢٩–٥٢.
٢  مجمع اللغة العربية، «المعجم الفلسفي»، المطابع الأميرية، القاهرة، ١٩٧٩م، ص١٩٥.
٣  د. منى أبو الفضل، ود. طه جابر العلواني، «نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية: مراجعات منهجية وتاريخية»، دار السلام، القاهرة، ٢٠٠٩م، ص٦٩.
٤  د. فتحي ملكاوي، «المنهاج والمنهجية: طبيعة المفهوم وأهميته والمفاهيم والمصطلحات ذات العلاقة، في: المنهجية الإسلامية»، لفيف من المؤلفين، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ودار السلام، القاهرة، ٢٠١٠م، الجزء الأول، ص٢٩–١٠٨، ص٣٥-٣٦.
٥  المرجع نفسه والصفحة نفسها. ونقلًا عنه راجع: ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين، «لسان العرب»، بيروت، دار صادر ودار بيروت، بدون تاريخ، مجلد ٢، ص٣٨٣. وانظر أيضًا: ابن دريد، «جمهرة اللغة»، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٨٧م، ص٤٩٨، وأيضًا القرطبي: «الجامع لأحكام القرآن»، مؤسسة مناهل الفرقان، بيروت، ج٦، ص٢١١، وذلك في تفسير الآية: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (سورة المائدة، الآية: ٤٨)، ولا نعدم نفرًا ذهب إلى أن الشِّرْعة هي ما ورد في القرآن، والمنهاج هو ما ورد في السُّنة كنموذج للعقول المصمتة التي تريد الفكر الديني ظاهرة مصمتة مثلها.
٦  د. فتحي ملكاوي، «منهجية التكامل المعرفي»، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، فرجينيا، ٢٠١١م، ص٦٩.
٧  نفسه، ص٦٩-٧٠.
٨  نفسه، ص٧١.
٩  د. علي عبد الرحمن بدوي، «مناهج البحث العلمي»، وكالة المطبوعات، الكويت، ط٣، ١٩٧٧م، ص١٠.
١٠  د. علي جمعة، المصادر الأساسية للمنهجية الإسلامية في الفكر والبحث العلمي، في: «المنهجية الإسلامية»، م. س، ص٤٦٥.
١١  العلَّامة علي بن محمد السيد الشريف الجرجاني، «كتاب التعريفات: معجم فلسفي منطقي صوفي فقهي لغوي نحوي»، تحقيق د. عبد المنعم الحفني، دار الرشاد، القاهرة، ١٩٩١م، ص٥٢.
١٢  الشيخ المولوي محمد التهانوي، «كشاف اصطلاحات الفنون»، تحقيق لطفي عبد البديع، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٦٣م، ص٦.
١٣  وهذا ما عملنا على إثباته تفصيلًا في الفصل الثالث من كتابنا: «نحو منهجية علمية إسلامية: توطين العلم في ثقافتنا» (مخطوطة تحت الطبع).
١٤  د. حسن حنفي، «دراسات إسلامية»، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٨١م، ص٩٤.
١٥  هو قولٌ مشهور لأبي حيان التوحيدي ذكره في كتابه «المقابسات»، نقلًا عن أستاذه أبي سليمان السجستاني.
ومن ناحيةٍ أخرى يمكن أن نلاحظ في هذا عبقرية اللفظ اليوناني اللوجوس logos؛ فهو يعني العقل ويعني الكلمة/صلب اللغة. ولوجوس logos هو الأصل اللغوي الذي اشتُقَّ منه logic أي علم المنطق في اللغات الأوروبية. وعلى نفس هذا المدار نجد «المنطق» في اللغة العربية، مشتقٌّ من «النطق» والنفس الناطقة، وتعريف الإنسان بأنه الحيوان «الناطق» بمعنى أنه الحيوان «العاقل».
١٦  الشيخ المولوي محمد أعلى بن علي التهانوي، «كشاف اصطلاحات الفنون»، خياط، بيروت، ١٩٦٦م، الجزء الأول (المقدمة)، ص٣٣.
١٧  انظر: نقولا ريشر، «تطور المنطق العربي»، ترجمة د. محمد مهران، دار المعارف بمصر، القاهرة، ١٩٨٥م.
يقدِّم هذا العمل عرْضًا تفصيليًّا لإسهامات الحضارة الإسلامية في مجال المنطق في فترةِ علوِّها وازدهارها وعطائها منذ الخلافة العباسية وحتى القرن العاشر الهجري. على أنه كان عطاءً أسهم فيه مسلمون ومسيحيون ويهود وصابئة، من بلاد العرب والعراق والشام ومصر والمغرب العربي والأندلس ومواطن في أواسط آسيا، تركوا كتابات بالعربية وبالعبرية وبالفارسية … فقد كان هذا جميعه يُنجز في إطار الحضارة العربية الإسلامية ويستظل بظلالها.
١٨  د. توفيق الطويل، «أسس الفلسفة»، دار النهضة العربية، القاهرة، ط٥، ١٩٧٥م، ص١٤٠.
١٩  هذا هو الأصل الإتيمولوجي أو المعنى الاشتقاقي لكلمة «الفلسفة» أو «فيلوسوفيا» في أصلها اللغوي الإغريقي المكوَّن من كلمتين «فيلو = حب» و«صوفيا = حكمة».
٢٠  ثمَّة تعريف وافٍ للفلسفة بمجمل فروعها على أساس أنها المبحث المتخصص في المفاهيم في:
وليم جيمس إيرل، «مدخل إلى الفلسفة: مزود بمعجمٍ فلسفي معاصر»، ترجمة د. عادل مصطفى، مراجعة د. يمنى الخولي، ط٢، دار رؤية، القاهرة، ٢٠١١م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢