الفصل الثامن

المنهج العلمي والحداثة

(١) أورجانون العلم والعصر

في شريعة الفلسفة وأعرافها لا يجوز الخوض في مفهوم المنهج العلمي دون التوقُّف، كي نزجي التحية لفرنسيس بيكون. كان الأقدر على تجريد وتجسيد روح العصر الحديث المنطلقة بعنفوانها، واستقطاب سؤال العصر/سؤال الطبيعة، وصفها بأنها «المملكة الكبرى للمعرفة البشرية التي يستطيع الإنسان غزوها، والسيطرة عليها عن طريق التجريب»،١ وهي الأم الكبرى للعلوم، وجذع شجرة المعرفة، ولا أمل في التقدُّم إلا بأن ترتد إليها العلوم جميعًا، وتبني الدعوة لمنهج البحث المنصب عليها والملائم لها: المنهج التجريبي شريعة العلم، مؤكدًا أنه «المنهج القويم الذي يقود البشر، من خلال أحراش التجربة إلى سهولٍ تتسع لبداهات المعرفة».٢
اقترن اسم بيكون بعصر العلم الحديث، وعُدَّ وكأنه أبوه الشرعي الذي صاغ شهادة ميلاده الرسمية، حين أصدر كتابه الصغير «الأورجانون الجديد Novum Organon»؛ أي «الأداة الجديدة» العام ١٦٢٠م، في إشارة إلى أن أورجانون أرسطو بات أداة بالية، مؤكدًا ضرورة التخلي عن التوقير غير المناسب للقديم، مستشهدًا باكتشاف العالم الجديد تعبيرًا عن أمله باتساع المعرفة، واكتشافها جديدًا يتجاوز كل ما عرفه الأقدمون، اعتمادًا على منهج التجريب، وقد أصبح الأورجانون الجديد درسًا لا بد أن يردده كل مهتم بأمر مفهوم المنهج العلمي.
شارك بيكون رجالات عصره في الهجوم الضاري على عقم القياس الأرسطي، يقول عن الحاملين إياه: «لقد فقدوا غاية العلوم وهدفها، واختاروا طريقًا خاطئًا باتباعهم منهجًا، ليس من شأنه أن يكشف جديدًا من مبادئ المعرفة، ويكتفي باتساق النتائج مع بعضها، فليكفَّ الناس عن التعجب من أن تيار العلوم لا يجري قُدُمًا في طريقه الصحيح؛ فقد ضللهم منهج البحث، الذي يهجر الخبرة التجريبية، ويجعلهم يلفون ويدورون حول أنفسهم في دوائر مغلقة.»٣ وأعلن منهجًا تجريبيًّا هو الضد الصريح للقياس الأرسطي؛ فكان حاملًا لواء الانقلاب على الماضي والقطيعة مع العصور الوسطى، مجسدًا مَعْلم الحداثة الغربية وشرط إنجازها.

تتوالى فقرات «الأورجانون الجديد» منفصلة متتابعة ومرقَّمة، حاسمة موجزة ومكثفة، مصوغة بأسلوب بليغ عُدَّ من قمم النثر في عصره. تحمل هذه الفقرات تفصيل المنهج التجريبي. وقد جاء على جانبين أو قسمين: القسم الأول سلبي مختص بالتنويه إلى الأخطاء المتربصة بالعقل البشري كي يتجنبها، والآخر إيجابي مختص بقواعد وإجرائيات التجريب، وقد أسماها «صيد بان»، تعبيرًا عن سدادها ووفرة حصائلها؛ لأن «بان» هو إله الصيد عند الإغريق.

في الجانب السلبي تناول بيكون تلك الأخطاء بتعبيره: الأوهام أو الأوثان التي تصرف الذهن عن جادة الصواب، وقسَّمها إلى أربعة أنماط: أوثان القبيلة أو الجنس البشري، بأسره المتربصة بالعقل الإنساني عمومًا، مثل سرعة التعميم والتغاضي عن الأمثلة النافية، وأوثان الكهف وهي التي تأتي بفعل تأثير البيئة التي نشأ فيها الفرد، كأن يتصور المتواضعات الخاصة بها وكأنها حقائق مطلقة، وقد يُقصِر جهوده المعرفية على إثباتها. أما النوع الثالث من الأوهام أو الأوثان، فهو أوثان المسرح الناجمة عن الافتتان بممثلي الفكر القدامى، فيعيش معهم المتفرج أو الباحث وينعزل عن واقعه، وهذه أوثان تشتد وطأتها في ثقافتنا نحن. كان بيكون يقصد أرسطو تحديدًا ولكن الممثلين البارعين كُثُر. وأخيرًا ثمَّة أوثان السوق الناجمة عن الخلط اللغوي وعدم دقة التعبير، مثلما يحدث في السوق من ضجيجٍ ومساومة، وإذا أخذنا في الاعتبار أن فلسفات التحليل اللغوي، التي تهتم بتدقيق المعنى اللغوي من أبرز تيارات الفلسفة في القرن العشرين، أدركنا مدى ثقوب نظر بيكون في التنويه لأخطاء اللغة. والحق أن هذه الأوثان الأربعة، تقنينها وتوضيحها كي يحذرها العقل، إنما هي إضافة ولفتة ثاقبة من بيكون، مثمرة وصالحة لكل العصور، يراها البعض أهم وأبقى من الجانب الإيجابي، الذي يحمل تخطيطًا لإجراءات المنهج التجريبي، ويحمل قصورات المحاولات المبدئية.

الجانب الإيجابي على أية حال هو الذي جعل اسم بيكون يقترن بالعلم الحديث والعصر الحديث، وينقسم إلى قسمين أو مرحلتين: المرحلة الأولى هي إجراء التجارب، حيث تحدَّث بيكون عن أنواع ودرجات التجريب، وهي: تنويع التجربة، تكرارها، إطالة أمدها، ونقلها إلى فرعٍ آخر من فروع البحث، وقلب التجربة وإجراؤها بصورةٍ معكوسة، وإلغاؤها لدراسة الصورة السلبية لموضوع البحث، وتطبيقها لاستكشاف خاصية نافعة، وجمع التجربة لزيادة فعالية مادة البحث بالجمع بينها وبين فاعلية مادة أخرى، وصدف التجربة أي إجراؤها فقط لكونها لم تُجرَ بعدُ.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تسجيل نتائج التجريب في ثلاث قوائم تصنيفية، تنتظم فيها الوقائع التجريبية تمهيدًا لاستخلاص نتائجها، وهي: أولًا قائمة الحضور أو الإثبات؛ حيث يضع الباحث جميع الحالات التي لاحظ عن طريق التجربة، أن الظاهرة موضوع الدراسة تتبدى فيها، وثانيًا قائمة الغياب أو النفي؛ حيث يسجِّل الباحث الحالات التي تغيب فيها الظاهرة، فمثلًا إذا كان موضوع الدراسة هو أثر ضوء الشمس على نمو النبات، نحاول أن نعرف ماذا يحدث لهذا النبات إذا غاب عنه ضوء الشمس، وهذه القائمة تجعل استقراء بيكون منهجًا علميًّا وليس مجرد تعداد ساذج، والنفي أقوى منطقيًّا من الإيجاب، وقوة المنهج العلمي في البحث عن الأمثلة النافية وليس الأمثلة المؤيدة، مثلما يعلمنا منطق التكذيب البوبري. وأخيرًا قائمة التفاوت في الدرجة؛ حيث يسجل الباحث وقائع حدوث الظاهرة محل الدراسة بدرجاتٍ متفاوتة.

هذه القوائم الثلاث محاولة منهجية ناضجة نسبيًّا لتصنيف المعطيات، والتصنيف إجراء له أهميته في البحث العلمي. على أن قائمة التفاوت في الدرجة محض تنويه سطحي لأهمية التكميم، وبيكون قد تحامل على الرياضيات؛ لأنها استنباط خالص ينأى بالباحث عن الطبيعة والتجريب! وفي تعيين ثغرات بيكون وقصوراته، نجده كان يريد من منهجه أن يفضي به إلى معرفة أو اكتشاف الصور Forms؛ أي صور الطبائع البسيطة Simple Natures؛ فقد رأى أن كل شيء في العالم يمكن رده إلى مجموعة من الطبائع البسيطة عددها اثنتا عشرة طبيعة، كالضوء والوزن والحرارة … إلخ، ومن اجتماع هذه الطبائع وتفرُّقها تتكوَّن سائر الموجودات، وهدف العلم الطبيعي هو اكتشاف أسباب هذه الطبائع؛ أي صورها، قائلًا إن الصورة ليست تجريدًا أو فكرة مثالية، بل هي شرط فيزيائي للطبيعة البسيطة، أساس لها ومباطنة فيها، الصورة تمثِّل علة معلولها الطبيعية البسيطة.

تبدو «الطبائع البسيطة» فكرة جوفاء ولا علمية، والأدهى أن بيكون تصوَّر مجموعة من الأبحاث تجرى في بضع سنوات أو عقود تستقصي صور الطبائع البسيطة، فيكتمل نسق العلم الطبيعي! هكذا كان تصوُّره لعالم العلم الطبيعي على قدْرٍ من السذاجة.

ويبقى أهم المآخذ على منهج بيكون في أنه لم يفطن لأهمية الفروض، بل حذَّر منها وأسماها استباق الطبيعة، وكأن المنهج العلمي يمكن أن يقتصر على محض استقراء للوقائع. إن الفروض سر تقدُّم العلم، إن لم تكن هي العلم نفسه، وبغيرها لا جديد.

أضف إلى هذا أن بيكون نفسه، قاضي القضاة وحامل الأختام الملكية، لم يكن عالمًا ولا حتى متابعًا جيدًا لتقدم العلم والخطوات الشاسعة التي قطعها في عصره، لم يهتم باكتشاف طبيبه الخاص وليم هارفي W. Harvey (١٥٧٨–١٦٥٧م) للدورة الدموية. وحتى نظرية كوبرنيقوس ذاتها عارضها بيكون! بوصفها فرضًا أهوج، ما دامت الخبرة الحسية التجريبية تخبرنا بأن الشمس هي التي تدور في سماء الأرض! ولم يقدِّر نظريات كبلر وجاليليو حق قدرها، ولم يعترف بأبحاث جيلبرت في المغناطيسية.

جهوده العلمية متهافتة، لكنه قام بتجربةٍ دفع حياته ثمنًا لها: دفن دجاجة مذبوحة في جليد لندن، ليختبر أثر البرودة في وقف تعفن اللحم، وبعد بضع ليالٍ خرج في يومٍ قارص البرودة ليرى نتيجة التجربة، وكم كانت سعادته حين وجد الدجاجة سليمة، لكنه أُصيب بنوبة برد قاتل ألزمه فراش الموت؛ حيث قال قولته الشهيرة، التي أصبحت شعار العصر: «لقد نجحت التجربة.» فهل يقصد تجربة الدجاج والبرودة؟ أم كان يقصد أن التجربة قد نجحت في فرض ذاتها على روح العصر الحديث وروح العلم الحديث، فبات الأورجانون الجديد شريعة الاثنين معًا.

مهما يكن الأمر ومهما تكن قصورات بيكون، ومهما تكن التطورات التي لحقت بمفهوم المنهج العلمي، والتي رأينا معالمها في الفصل الخامس، فالذي لا شك أنه كان في عصره تمثيلٌ لمنهجية علم وعصر معًا، قال عن نفسه إنه ليس إلا «نافخ بوق»، مهمته تقتصر على الإعلان عن الحرب، ولكنه كان مؤمنًا أكثر من سواه بقوة المنهج العلمي، سبق عصره في التبشير بالعلوم الإنسانية، مؤكدًا أن المنهج التجريبي سوف يمتد ليشمل كل شيء، فنرى قوائم تصنيفية للتجارب المتعلقة بالكره والخوف والغضب، واتخاذ القرارات والامتناع عنها وسائر جوانب الحياة المدنية، تمامًا كقوائم البرودة والحرارة والضوء والنباتات وما إليها٤ … ووضع تصورًا لمدينةٍ فاضلة أسماها «أطلانطس الجديدة»، لا تعدو أن تكون مجتمعًا علميًّا متكاملًا، يضم أمَّةً من العلماء في سائر التخصصات، لكي يحقِّق العلم المنفعة القصوى للبشر، وصف بيكون «بيت سليمان» في هذه المدينة، وهو صورة مثالية للمختبر العلمي وللأكاديميات العلمية، اقتُفيَت خطوطه فيما بعد. وحين تأسَّست الجمعية الملكية للعلوم في لندن، لتضم جهابذة العلم وتنسِّق بين أبحاثهم، وقف المؤسِّسون في حفل الافتتاح عام ١٦٦٢م ليشيدوا بفضل بيكون على تيار العلم الحديث.
يرى فيلسوف التفكير العلمي فؤاد زكريا، أن بيكون ليس فقط فيلسوف الحركة العلمية، بل أيضًا فيلسوف سليلتها الثورة الصناعية، التي جاءت بعد وفاته بمائتي عام. والحق أنه فيلسوف العصر الحديث بأسره، خصوصًا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حظي بالتقدير العميق من رموز لذلك العصر أمثال: ديكارت وجاسندي، وروبرت هوك، وروبرت بويل، رفعه الفيلسوف والرياضياتي الألماني ليبنتز G. W. Leibinitz (١٦٤٦–١٧١٦م) إلى المنزلة العليا، حتى فوق ديكارت، وازداد نجمه سطوعًا في عصر التنوير اللاحق. الموسوعيون الفرنسيون الذين انكبوا على وضع موسوعة شاملة، تعبيرًا عن علم عصر التنوير أمثال: دالمبرت، وديدرو D. Didrot (١٧١٣–١٧٨٤م) وغيرهما، اعتبروا بيكون أبا العهد الحديث، ومجَّدوا اسمه في الغلاف الأمامي ﻟ «الموسوعة» بإهدائها إليه، وقال ديدرو إننا إذا انتهينا من وضعها بنجاحٍ نكون مَدينِين بالكثير لبيكون، الذي وضع خطة معجم عالمي عن العلوم والفنون في وقتٍ خلا من العلوم والفنون. وأطلق دالمبرت على بيكون لقب «أعظم وأبلغ وأوسع الفلاسفة»، ورآه فولتير أبا الفلسفة التجريبية والتنويري الحق. وبعد إهداء الموسوعة الفرنسية، جاء شيخ الفلسفة الحديثة إيمانويل كانط (١٧٢٤–١٨٠٤م)، ليهدي إلى بيكون كتابه الأكبر «نقد العقل الخالص» معتبرًا إياه المعماري الأول للحداثة.٥

تنقش مكتبة الكونجرس الأمريكي في واشنطن اسم بيكون أعلى إحدى بواباتها المذهبة، بوصفه واحدًا من الذين قادوا البشرية إلى العصر الحديث وعلمه الحديث، خصوصًا بفعل قولته النافذة «العلم قوة» وليس ترفًا أو زينة أو دوائر مغلقة؛ فذلك القول هو ملخص قصة الحداثة والعصر الحديث.

(٢) المنهج العلمي معالم عصر

العلم الحديث الذي كان فرنسيس بيكون «نافخ بوقه»، ليس مجرد مرحلة أعلى شديدة التميز والتألق من مراحل العلم، بل كان أيضًا نقلة حضارية شاملة للثقافة الغربية، تبدَّلت معها طبيعة التفكير ورؤية العالم، ونتج عنها تطبيقات وفعاليات غيَّرت معالم الحياة الإنسانية وتكوين طبقات المجتمع، ثم طبيعة العلاقات بين الدول والأقاليم. إنها متغيرات وتحولات صنعت العصر الحديث، والعقل الحديث والإنسان الحديث في أوروبا.

راح العلم الحديث ينمو ويتصاعد، ليمتثل نصب الأعين فعالية المنهج التجريبي شريعة العلم وناموسه، بدرجةٍ لم تتحقق من قبلُ. الحديث المستحدث فعلًا أن المنهج العلمي كان روح العلم، بقدْر ما كان تجسيدًا لروح العصر الحديث، التي تخلَّقت في الأراضي الأوروبية، بعد أن امتصت الخلاصة من الحضارة الإسلامية الأسبق والمتاخمة لها. وكانت أوروبا بيئة مواتية لهذا التوقُّد والتفجُّر في نجاح العلم التجريبي؛ لأن التجريبية فيها آنذاك لم تكن محض آلية منهجية للكسب المعرفي، بل هي أيديولوجيا العصر الحديث وروحه، حاملةً قيمه ومحكَّاته، وأوضح تعبير عن متغيراته وعن آفاقه المستهدفة. كان العلم التجريبي في الحضارة الإسلامية دائرة من الدوائر المعرفية، التي ترسَّمت حول المركز الحضاري الإسلامي/النص الديني، فكان المنهج العلمي بُعدًا من أبعادٍ عدة لعطائها المعرفي. أما في الحضارة الغربية الحديثة، فلم تكن التجريبية العلمية مجرد بُعد، بل هي المحور. ومفهوم المنهج العلمي هو المركز ذاته، الذي تترسم حوله الدوائر المتوالية. من هذا المركز وإليه تنبع وترتد معالم الحداثة، تترسم القيم وتتشكل أيديولوجية العصر أو إطاره المرجعي.

كان مفهوم المنهج العلمي التجريبي جوهر الحداثة، بقدْر ما كان علامة وإمارة وقوة فاعلة لإغلاق العصور الوسطى وفتح بوابات العصر الحديث، طريق الانتقال من عصورٍ مظلمة إلى مقدمات عصر التنوير. انتهت المرحلة الأوروبية الوسيطة بما حملته من كهنوتٍ كنسي ثقيل وصل إلى محاكم تفتيش، يحمل السلطة المعرفية ويفرض الوصاية على الإنسان. ولئن كان جوهر المنهج العلمي هو التفاعل بين العقل والحواس، فقد باتت فعالياته الحديثة المتوالية إعلانًا وتبيانًا وبرهانًا، على أن الإنسان الذي يملك العقل والحواس، جدير بأن يستقل بذاته وتُرفع من عليه أية وصاية، لينطلق باحثًا عن الحقائق متحملًا مسئولية المعرفة.

اقترن العصر الحديث في أوروبا واقترنت الحداثة برفض السلطة المعرفية على الإنسان وأن يستقل بنفسه. العقل والحواس وسائل يملكها الإنسان لاكتساب المعرفة، والتوصل إلى الحقائق وتمييزها عن الباطل، ولا حاجة إلى سلطةٍ تدله عليها، إنها الثقة في الإنسان التي فتحت الباب لإعلاء الفردية والمبادرة والاستقلال والحرية والمسئولية، وتأدت إلى العلمانية ومنظومة القيم الليبرالية، وذلك بتفاعلها مع متغيرات الواقع الأوروبي آنذاك، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وصعود الطبقة البرجوازية.

لقد بدت العقلانية التجريبية التي يجسِّدها مفهوم المنهج العلمي قوةً تدفع الإنسان إلى التحرر الشامل، غير المقتصر على المفهوم الليبرالي: دعه يعمل، دعه يمر. إنها تعني حرية العقل والفكر والقول والفعل. يتم البحث العلمي عبْر مرحليات مفتوحة، تنتهي إلى وضع النظرية أو القانون. وفي هذه المرحليات جميعًا لا خضوع لأية سلطة زمنية أو روحية. وتأتي حصائلها لتفتح أمام الإنسان آفاق الأمل في معرفةٍ، يستطيع عن طريقها أن يحرِّر نفسه ويحرِّر الآخرين من أعداء الحرية العتاة: الجهل والبؤس والعبودية والفقر والمرض والعجز أمام قوى الطبيعة الغاشمة، تحدوه عقيدة متفائلة مفادها أن «العلم الإنساني والحرية سوف يتقدمان متآزرين، ليدخلا حيزًا لإمكانية كمال إنساني غير محدود».٦ إن المنهج العلمي طريق العلم، طريق الحرية، طريق التقدم المتوالي، طريق الحداثة.

•••

على أن الحداثة الأوروبية التي تمخَّضت قواها عن استغلال وظلم في الداخل، واستبدال طبقة العمال بطبقة عبيد الأرض، وفي الخارج عن جرائم استعمارية تقشعر منها الأبدان، لم تكن محض فيحاء الحرية والمدينة المثالية واليوتوبيا السرمدية، ولا توجد تجربة إنسانية هكذا. إن سلبيات ومثالب وجرائم الحداثة معروفة جيدًا، مشهورة ومذكورة، وقد طرحتها تيارات ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمارية على الملأ الأعلى، أو ببساطةٍ فضحتها، ونحن الذين عانينا الأمرين من جرائم الاستعمارية والإمبريالية، لسنا في حاجةٍ لانتظار جهود كشف وفضح لسلبيات الحداثة. على أية حال، الإيجابيات عظيمة شاهقة وثمَّة سلبيات، في القرن الثامن عشر تبلورت الإيجابيات والسلبيات في ذروة المد الحداثي، وهو ما يُعرف بعصر التنوير.

يتمثَّل التنوير الأوروبي في المقولات الجوهرية المعروضة آنفًا: العقلانية والتجريبية واستقلال الإنسان والفردية والحرية والتقدُّم، بعبارةٍ موجزة، يتمثَّل التنوير في مفهوم المنهج العلمي ومتوالياته، التي تبدو إيجابيات ناصعة.

وكما اتفقنا، المنهج العلمي آلية مفطورة في العقل، مِلك للبشر أجمعين، مشترك إنساني عام، ولكن درجة وحدود تفعيله حجم وطبيعة ونواتج هذا التفعيل … باختصار متوالياته تختلف من حضارةٍ لأخرى. كانت الحداثة الأوروبية تفعيلًا متعاظمًا لمفهوم المنهج العلمي، بدرجةٍ فاقت بها العالمين، وعرفت كيف تستغل متوالياته المتعاظمة بدورها لكي تسود الأرضين، وذلك فيما عُرف بالمد الاستعماري، الذي يرسم بسلبياته قبل إيجابياته تاريخَ العالم الحديث.

على مستوى الفكر تبلورت متواليات مفهوم المنهج العلمي في عقيدة عصر التنوير، وعلى مستوى الواقع تكاثفت متوالياته ونواتج ممارساته المقننة في الثورة الصناعية المواكبة، التي جعلت الاستعمار لازمة لأوروبا، من أجل حماية الإنتاج بالجملة وضرورة تأمين طرق التبادل التجاري العالمية، وورود المواد الخام من الدول البعيدة المتخلفة الفقيرة، التي لا بد أن تظل هكذا لا تصنع ولا تنتج؛ لتبقى سوقًا لمنتجات المصانع الأوروبية.

هنا ارتد مفهوم التنوير الأوروبي إلى مقولةِ حقٍّ يُراد بها باطل: طريق التقدم هو طريق العلم والعقل والحرية، وهذا الطريق قطعه باقتدارٍ وامتياز إنسان الحضارة الأوروبية الحديثة، الرجل الأبيض، ومن حقه ومن واجبه أن يفرضه على الشعوب المتخلفة طوعًا أو كرهًا، ليغدو الاستعمار حقًّا وواجبًا.

مع الاستعمارية تعاظم شأن الحضارة الأوروبية وحداثتها وثقافتها إجمالًا، حتى تربَّعت على عرش العالمين فيما عُرف بالمركزية الأوروبية Eurocentrism أو المركزية الغربية، التي امتدت إلى الشاطئ الغربي من المحيط حيث الولايات المتحدة الأمريكية، وتعني أن الغرب لا سواه هو الحضارة بأصولٍ تعود فقط إلى الإغريق لتؤكد نقاء العنصر الغربي، وما عدا الغرب هوامش الجهالة والتخلف، بدرجاتٍ متفاوتة تبعًا لدرجة اقترابها من المركز؛ فالرجل الأبيض هو المثال الأعلى والمحك والمعيار لقيم التقدم. هكذا كانت محصلة الحداثة الغربية، وسارت في الطريق الواعد دومًا بالمزيد، وبدا هذا وكأنه الوضعية التي حطَّت عليها نهائيًّا مراحل التطور الإنساني والتقدم الحضاري.

حتى شهدت أواسط القرن العشرين منعطفًا جذريًّا بانتهاء الحرب العالمية الثانية، التي أثارت ويلاتها الشك في قيم الحداثة، والأهم أنها أعلنت إفلاس الاستعمارية الأوروبية ووصولها طريقًا مسدودًا، تزامن مع هذا تصاعد المد القومي في أنحاء العالم ومطالب الحرية والاستقلال. وفي الثلث الثالث من القرن العشرين كان الولوج الصريح إلى عصر ما بعد الاستعمارية، وما بعد الحداثة، وهما وجهان لعملةٍ واحدة، تعني طابعًا نقديًّا حادًّا، وأن الحداثة مرحلة وليست غاية المطاف وسدرة المنتهى، كل مفاهيمها ومنطلقاتها مستحقة للتفكيك، للمراجعة والتعديل والتصويب، ويمكن أن تظفر بطرحٍ أفضل. ولا يُستثنى مفهوم المنهج العلمي.

(٣) مفهوم المنهج العلمي وما بعد الحداثة

ثمَّة آليات ورؤًى تميِّز ما بعد الحداثة، راحت تجوب في رحاب مفهوم المنهج العلمي وتمارس بعض فعلها، نخص بالذكر نقض المركزية decentering والسياقية contextuality والنَّصِّية textuality.
نقض المركزية الغربية تبعه صعود قيمة التعددية الثقافية؛ فليس فقط الثقافة الغربية بل كل ثقافة لها قيمتها واحترامها ودورها في إثراء المشترك الإنساني، وتبع هذا نقض مركزيات عدة، وظهور تعدديات أخرى، بعضهما ذو علاقات بمفهوم المنهج العلمي وتأثيرات عليه. وتأتي السياقية لتعني أن كل مقولة في ثقافة البشر، لا تتأتى إلا في سياقٍ معيَّن وبالنسبة إليه. ويرتبط بهذا صعود النسبوية النسبوية Relativism، وبصدد النسبوية — ونحن في رحاب المنهج العلمي — لا يفوتنا أن موضوعية objectivity العلم المطلقة التي اشتهرت بها الحداثة كمضادة للذاتية قد انهارت بفعل سقوط مطلق نيوتن: الزمان والمكان المطلقين، وصعود نسبية آينشتين، حل محلها البين-ذاتية intersubjectivity أو المشترك بين الذوات. ونذكر في هذا الصدد قول فيل Weyl الرائع: «كل حقيقة مطلقة ذاتية، وكل حقيقة موضوعية نسبية.»
ولعل أخطر الآليات هي النصية؛ أي النظر إلى المقولة المعنية — وهي هنا العلم ومنهجه — كنصٍّ قابلٍ للقراءة أو بالأحرى القراءات المتعددة، وتفعيل الهيرمنيوطيقا؛ أي مناهج التأويل الذي يختلف باختلاف أفق القارئ. وتفتح النصية الباب لمد التفكيكية (Deconstructivism وفي ترجمةٍ أخرى التقويضية) من النصوص إلى ظاهرة العلم.
ويمكن حصر تأثيرات ما بعد الحداثة على مفهوم المنهج العلمي في معاملين، الأول مثيرٌ للجدل والآخر إيجابي ولا شك، وهما:
  • أولًا: العقلانية التجريبية وما تقتضيه من فاعلياتٍ تخصصية مستقلة، محكومة فقط بالأدوات بالإبستمولوجية، كاللغة الرياضية والملاحظة والتجربة ودقة التنبؤ والتفسير، ليست حصرًا لمنهجية العلم؛ فقد شهد العلم عبْر تطوراته المتلاحقة مناهجَ وأساليب عديدة، وليس أقنومًا واحدًا ووحيدًا. وهنا نجد محاولات قد تأتي رعناء من أجل تفكيك العقلانية التجريبية ونقض مركزيتها. واللافت حقًّا ما يتمخَّض عنه هذا من دعوى بتعدديةٍ منهجية في العلم. وعودًا على بدء، يمكن الرد عليها بعين الإجابة على سؤال الفصل الرابع: منهج العلم واحد أم كثير؟ أي بأن العقلانية التجريبية تكمن كثابتٍ بنيوي من وراء وفي صُلب أشكال الإجرائيات أو حتى المناهج العلمية الشتى، ورُبَّ قائل: إن هذا ردٌّ على التفكيكية بالبنيوية؛ أي محض تأكيد لما يُراد نفيه! ويكون الرد بأنه غير قابل للنفي بحكم الخاصة المنطقية المميزة للنظرية أو العبارة العلمية، وإلا كنا لا نتحدث عن العلم بالعالم التجريبي أصلًا. هذا المعامل كما ذكرنا مثير للجدل.
  • ثانيًا: العقلانية التجريبية لا تجري ممارساتها وتفعيلاتها وحصائلها في فراغٍ أو سديم سرمدي، بل في واقعٍ إنساني متعيَّن له وضعه التاريخي والحضاري والثقافي، وبالتالي لا ينفصل مفهوم المنهج العلمي عن اشتباكاته بواقعٍ إنساني حي ونابض، والالتزام بمتعيناته وأهدافه، فضلًا عن ارتباطه بقيم الممارسة العلمية وبأخلاقياتٍ لها أبعادها. وغير صحيح أن المنهج العلمي متحرِّر من القيم ولا علاقة له بها كما زعمت الحداثة، بل الأدنى إلى الصواب أن مفهوم المنهج العلمي لا يُؤتَّى حقًّا إلا في إطار منهجية شاملة، تستوعبه بمعية قيم والتزامات وتوجُّهات، وليس بتجريده وتفريده كما دأبت فلسفات العلم الحداثية والتنويرية.

وهذا المعامل الثاني قد أدَّى فعلًا إلى معالجاتٍ فلسفية أكمل وأجمل لمفهوم المنهج العلمي، أو بالأحرى لمبحث الميثودولوجيا المعني بهذا المفهوم.

•••

ولئن كان التنوير خلاصة الحداثة، فإن كارل بوبر الميثودولوجي الأكبر في القرن العشرين، الذي حارب الوضعية المنطقية بشراسةٍ، وأنهى النظرة الاستقرائية وأتى بالتكذيبية، ظل ممسكًا بأطراف الحداثة ويحلو له كثيرًا أن يقول عن نفسه إنه آخر التنويريين الكبار، بمعنَى آخر المدافعين عن قيم ومنطلقات الحداثة، وتحديدًا عن العلم التجريبي والعقلانية كطريقٍ للتقدم.٧ وقد أتت الخطوة المميزة التالية في مسار فلسفة العلم ونظرية المنهج بعد بوبر، مع توماس كون الذي يصغره بعشرين عامًا، وبفعل كتابه «بنية الثورات العلمية» (١٩٦٢م)،٨ ومعقباته ومتوالياته، انفتح الباب لتأثيرات ما بعد الحداثة على الميثودولوجيا وفلسفة العلوم، وإلى ما يُسمَّى بفلسفات العلم بعد — الوضعية وبعد — التنويرية، ورؤيتها المستجدة لمفهوم المنهج العلمي.
يمثِّل كتاب «بنية الثورات العلمية» علامةً فارقة في مسار فلسفة العلوم ونظرية المنهج العلمي، لفت الأنظار إلى ضرورة عدم الاقتصار على النظر إلى العلم كمحض نسق منجز؛ لأن العلم ليس نسقًا واحدًا ووحيدًا، بل هو ظاهرة اجتماعية متغيرة عبْر مراحل التاريخ الإنساني، وتتدخل في هذا عوامل خارجية: ثقافية وحضارية وأيديولوجية، والعلم ذاته لا ينفصل عن أيديولوجيا خاصة به؛ لهذا لا يتأتى المنهج العلمي إلا في إطار برادايم Paradigm؛ أي نموذج قياسي إرشادي شامل لكل أبعاد الظاهرة العلمية في المرحلة التاريخية المعنية. وتمثِّل الثورة العلمية معالم التقدُّم الكبرى، وهي انتقال من برادايم إلى آخر، ليعمل العلماء بنظريات وأوليات ومفاهيم مختلفة، ومدلول مختلف للوقائع التجريبية. وهذا الاختلاف يبلغ حد اللامقايسة uncommensurability أي عدم قابلية النظريات العلمية للقياس المتكافئ: للحكم عليها بالمقاييس نفسها وتقييمها بالمعايير نفسها. لكل نظريةٍ إطارها ومفاهيمها وعالمها، أو باختصار نموذجها الإرشادي، ويبدو تاريخ العلم كسلسلةٍ من النماذج المتوالية. والعلم في النهاية صنيعة بشر يعيشون في أزمنةٍ معينة وأمكنةٍ محددة. والنموذج الإرشادي بمثابة أيديولوجيا المجتمع العلمي ذاته، التي تصنع تماسكه وتجانسه في الحقبة التاريخية المعنية. إن التماسك والإجماع واتفاق الأحكام أروع الخصائص المميزة للمجتمع العلمي، تضمحل معها احتمالات الصراع، الذي يبدِّد الوقت والجهد، كما يحدث في مناشط أخرى شتَّى، فيهتف جاستون بشلار: «أي تفاهم ضمني يسود الحاضرة الطبيعانية.»٩ بمعنى مجتمع العلوم الطبيعية، وطبعًا مجتمع العلوم الرياضية أيضًا وقبلًا.
على أن توماس كون يؤكد على مساحةٍ عريضة من التشارك بين ممارسات المنهج العلمي ونموذجه الإرشادي وبين أيديولوجيا المجتمعات التي أنتجت العلم. واللافت حقًّا أن مفهوم البرادايم أو النموذج الإرشادي خرج من رحاب فلسفة العلم، وحقَّق شيوعًا وذيوعًا نادرين في مجالاتٍ شتى، وهذا المفهوم يوضِّح كيف كان توماس كون شديد العناية بالنواحي الأيديولوجية والسوسيوسيكولوجية والقيمية والالتزامات الخلقية وأصول التنظيم والإدارة … إلخ للظاهرة العلمية، من حيث هي — ببساطة — ظاهرة في عالم الإنسان؛ فتلك هي أبعاد الظواهر الإنسانية. ولا يقنع كون بأي خلاف جوهري بين التطور في الفنون والآداب والنُّظُم السياسية والإنسانيات والتقدم في العلم. وله دراسة صريحة حول العلاقة أو التشابه والتماثل بين هذا وذاك.١٠ ربما كان ثمة إرهاصات سابقة، ولكن ما كان يتأتى هذا التماثل بثقةٍ إلا في عصر ما بعد الحداثة.

•••

ويتقدم باول فييرآبند P. Feyerabend (١٩٢٤–١٩٩٤م) الذي يمكن اعتبار فلسفته تمثيلًا لما بعد الحداثة في قضية مفهوم المنهج العلمي. اشتط وحاد في ترجمة درس توماس كون العظيم، ليكون حامل لواء ما أسميناه المعامل الأول المثير للجدل، الذي يحاول إزاحة العقلانية التجريبية من مركزها، وإسقاط الولاء العلمي لها، زاعمًا أن مفهوم المنهج العلمي ليس واحدًا، حتى انتهى إلى أنه لا تحديد لمثل هذا المفهوم أصلًا! وذلك في كتابه الشهير «ضد المنهج: مخططٌ تمهيدي لنظريةٍ فوضوية في المعرفة» (١٩٧٥م)، الذي يرمي إلى إثبات أن العلم لم يكن أبدًا أسير منهج واحد محدد، بل هو مشروع أناركي Anarchic Enterprise؛ أي مشروع فوضوي لا سلطوي١١ لا يعترف بأية سلطة، «وكل المناهج يمكن أن تُجدِي فيه»،١٢ تبعًا لشعار فييرآبند الشهير: كل شيء مقبول Anything goes. وانكب على تأكيد النسبوية والتعددية المنهجية. كل منهج مقبول على الرحب والسعة، طالما يلائم طبيعة المشكلة المطروحة للبحث، فيؤدي إلى حلها والإضافة إلى رصيد العلم، أما تكبيل البحث العلمي بمنهجٍ واحد محدد، فهذا ضد الإبداع، يخنق روحه الضرورية للإنجاز في العلم، والإجماع على رأي واحد — بشأن منهج واحد — يناقض طبيعة نشاط عقلاني على الأصالة كالعلم التجريبي.

من السهولة بمكان أن نتبيَّن في هذا محاولة تفكيكية صريحة، من حيث إنها تنكِر أي تعريف نهائي للمفهوم، وأي ارتباط حاسم بين دالٍ ومدلوله، وتزعم — على دأب التفكيكيين — كشف الآليات المراوغة التي تسعى إلى الاستئثار بالسلطة المعرفية، فيواصل فييرآبند مساره الفوضوي اللاسلطوي، حتى يرفض تنصيب السلطة المعرفية للعلم بالذات، فيجاهر بأن العلم الحديث ليس نظامًا مقدسًا، يستلزم الكفر بما عداه، بل هو نظام عقلاني وجب أن ينمو ويزدهر وسط الأنظمة المعرفية الأخرى، إنه شكلٌ من أشكالٍ عديدة للمعرفة، وجب أن يتسع لها جميعًا المجتمع الديمقراطي الحر، ولا ينبغي أن يكون ذريعةً لفرض النموذج الحضاري الغربي ووأد الثقافات الأخرى، لا سيما ثقافات العالم الثالث، فتُحرم البشرية من خصوبةٍ وثراء وتعدُّد جوانب، إن نعمت بها تنعم بالعلم أكثر. لماذا نجعل العالم الغربي مطية للخواء والإجداب، حين نقهر الثقافات الأخرى تحت اسمه المجيد، حتى لا يبقى سوى الحضارة الغربية؟!

لقد كان فييرآبند كفيلسوف بعد حداثي ناقدًا جريئًا حقًّا للاستعمارية ولأسطورة الغرب المعيار، وللحضارة الغربية العلمانية إجمالًا، ربما لدرجةٍ جديرة بالإعجاب، ولكنه في سبيله لهذا غالى وبالغ في تفعيل مقولات النسبوية واللاسلطوية واللامقايسة، حتى كاد مفهوم «التقدم العلمي» ذاته يفقد معناه، والأخطر أن فييرآبند بذينك المغالاة والشطط، قد جار كثيرًا على حدودٍ منطقية مصونة للعلم، ترتد إلى مفهوم المنهج العلمي، فكان أن شنَّ حربه التفكيكية الشعواء على هذا المفهوم الأثير.

عن طريق تفعيل اللامقايسة التي قال بها كون والإسراف فيها يرفض فييرآبند حتى سلطة العلم الراهن في مضمار المعرفة العلمية ذاتها، يتمسك بأن تحتفظ كل نظرية بمكانها في تاريخ العلم وفي الوعي العلمي، كل نظرية لها دورها، والحكم عليها يجب أن يكون بالنسبة إلى سياقها، لظروفها وتحدياتها؛ لأن النظرية العلمية في جوهرها محض طريقة للنظر إلى العالم، تُوضع بجوار طرق أخرى، ويشدِّد على قدرة النظريات القابعة في تاريخ العلم على إخصاب الواقع العلمي الراهن، وطرح مداخل ومنظورات مختلفة لحل المشكلات المطروحة للبحث، ويواصل شططه، ليزعم أن اللامقايسة ليست بين النظريات فحسب، بل أيضًا بين الأنماط المعرفية ذاتها، فلا يعود ثمَّة مبرِّر لادعاء الأفضلية المطلقة للعلم على أشكال المعرفة الإنسانية الأخرى، إنها شكية التفكيكية وجنوحها للإطاحة بكل الثوابت في مغامرةٍ غير مأمونة العواقب.

شطحات التفكيكية كثيرة، ومعظمها مما لا يقبله المنطق. والمشكلة مع مفهوم المنهج العلمي أنه لا ينفصل عن منطقه، فلا يمكن نفي العقلانية التجريبية، قد لا نكتفي بها ولكن لا يمكن إلغاؤها. نفيها أو إلغاؤها يعني أننا لا نتحدث عن المشروع العلمي أصلًا! وهذا خلف محال، فعن أي منهج نتحدث؟! على أية حال، انتهى فييرآبند إلى أن العلم مجرد تقليد معرفي ضمن تقاليد معرفية عدة، والعقلانية التجريبية منهج للعلم ضمن مناهج عديدة له، وكما ذكرنا تلك قضية مثيرة لجدلٍ لا ينتهي، والحق أن فييرآبند نفسه أكثر فيلسوف علم مثير للجدل على الإطلاق، اندفاعاته الفلسفية بلا حدود، أعلن أن هدفه حماية العلم من شوفنية الروح العلمية وطغيانها، وحماية الفلسفة من أساتذتها المحترفين إياها، وحماية الحضارة الغربية من توجهها الغربي. باقٍ أن نقول: وكان يريد قَبلًا أن يحمي مفهوم المنهج العلمي من عقلانيته وتجريبيته!

الأجدى أن ننتقل الآن إلى المعامل الثاني، الذي جعل ميثودولوجيا ما بعد الحداثة أو الميثودولوجيا الراهنة، تقدِّم مفهومًا للمنهج العلمي أكثر تكاملًا، نابضًا حقًّا بالحيوية والفاعلية والخصوبة والدفء، وقد بلغ هذا ذروته مع الفلسفة النسوية.

(٤) مفهوم المنهج العلمي: رؤية نسوية

النسوية من أبرز المعالم التي صاحبت مجيء القرن الحادي والعشرين، وتمثِّل الآن واحدًا من أهم اتجاهات الفكر الراهن والفلسفة المعاصرة. النسوية ليست مذهبًا، بل هي تيار أو اتجاه، يضم مذاهب عديدة، أحيانًا تكون نقاط الاختلاف بينها أكثر من نقاط الالتقاء، ولكنها جميعًا، وبمجامعها، تشارك في معركة فييرآبند المقدسة، أو بالأحرى معركة ما بعد الحداثة، ضد فلول الاستعمارية والمركزية الغربية، واتخاذ العلم الغربي الحديث ذريعة لهذا وذاك.١٣ وتستبسل النسوية من أجل خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر، بما تنطوي عليه من بنيةٍ تراتبية هرمية (هيراركية)، سادت لتعني وجود الأعلى والأدنى، المركز والأطراف، السيد والخاضع، امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلى الدولة إلى الإنسانية جمعاء، فكانت أعلى صورها في الاستعمارية والإمبريالية، وتعمل على فضح وتفكيك كل هياكل الهيمنة والاستبداد وأشكال الظلم والقهر والقمع، وإعادة الاعتبار للآخر المهمَّش والمقهور، والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عمليةٍ من التطور والارتقاء المتناغم، الذي يقلب ما هو مألوف ويؤدي إلى الأكثر توازنًا وعدلًا.

إنها ليست مجرد بحث عن حقوق المرأة أو إثبات لذاتها، فقد اكتسبت نضجًا فكريًّا، وهدفت إلى رؤيةٍ ثقافية حضارية جامعة، وتقديم صياغة نظرية عن الهوية النسوية، وبدلًا من التماهي مع النموذج الذكوري، لا بد من العمل على إبراز الأنثوية كجانبٍ جوهري للموجود البشري، كان قمعه اعتوارًا طال السكوت عليه، ونزفًا حضاريًّا لإمكانياتٍ هائلة، يمكن أن تُكسب الإنسانية شيئًا من التوازن.

الفلسفة النسوية — كتمثيلٍ لما بعد الحداثة وما بعد الاستعمارية — هي منطلق نقدي للحداثة، تلقي الضوء على المثالب والقصورات والحيودات، باحثةً عن رؤيةٍ متكاملة، تستوعب منظورات وقيمًا، يمثلها جانبٌ طويلًا ما جرى تهميشه؛ أي الجانب الأنثوي، ولعلها لا تعبِّر عن نظرةٍ خاصة بالنساء، بقدْر ما تعبِّر عن نقدٍ وتطوير لما هو عام وشامل للبشر أجمعين، لا تزعم أن النساء يمتلكن الحقيقة، بل فقط أن الرجال لا يستأثرون بها، وذلك لإحداث توازن وتكامل مأمول بين جانبي الموجود البشري: الذكورة والأنوثة، بدلًا من انفراد الذكورية بالميدان، فتأتي المحصلة أكثر سخاء.

وفي هذا السياق تقدمت النسوية بفلسفتها للعلوم، واستطاعت حقًّا تطوير مفهوم المنهج العلمي، وتقديم نظرة ميثودولوجية، تمثِّل إضافة إيجابية.١٤

العلم — فيما ترى النسوية — كأية بنيةٍ ثقافية أخرى في الحضارة الغربية البطريركية: مؤسسة موسومة بالمركزية الذكورية والجنوسة والتحيز الجنساني، ويكون أفضل لو أنه عُولج من غلواء هذا، بل إن العلم الحديث أكثر استحقاقًا للمعالجة النسوية وقيمها الأنثوية؛ لأنه أكثر من سواه تجسيدًا للقيم الذكورية، اعتبر كل ما هو أنثوي حميم كالعاطفة والحنو والشعور والانفعال وعمق الارتباط بالآخر … لا علم وضد المنهج العلمي، وانطلق بروح الهيمنة والسيطرة على الطبيعة وتسخيرها، مما تمخض عن الكارثة البيئية، واستغلال قوى العلم المعرفية والتكنولوجية في قهر الثقافات والشعوب الأخرى، وبهذا القالب الذكوري المصمت يبدو العلم خشنًا جافًّا، يُوضع كنقيض للإنسانيات، في حين أنه الأكثر إنسانية وحيوية وإبداعية.

ترفض فلسفة العلم النسوية هذا التفسير الذكوري الأوحد للعلم، وتحاول إبراز وتفعيل الجوانب والقيم المختلفة الخاصة بالأنثى، لكي تضيف إلى مفهوم المنهج العلمي قيمًا أنكرها، ليغدو أكثر إنتاجية ومواءمة إنسانية. وفي محاولاتها لتقديم البديل الأفضل، تركت بصماتها على مسارات فلسفة العلوم، بحيث جعلتها أكثر التحامًا بالواقع وبالحياة، وأسهمت بثقلها في الانتقال من مقولة العلم «المتحرر من القيم» إلى وضع «العلم المحمل بالقيم»، والمتحمل لمسئولياته الاجتماعية والثقافية. وتتقدم ساندرا هاردنج الرائدة حقًّا لفلسفة العلم النسوية، لتؤكد أن «التحرُّر من القيم لا يجعل العلم موضوعيًّا أبدًا، بل كلما كان العلم محملًا بالقيم، كلما كان أكثر موضوعية»،١٥ وبالتالي صادرت على أن أهم أهداف فلسفة العلم النسوية، إثبات أن المعرفة العلمية والممارسة العلمية محملتان بالقيم، وضرورة إنهاء الصورة الرديئة للعلم المجرد من القيم. وبهذا تقدِّم النسوية مفهوم المنهج العلمي المسئول أخلاقيًّا، وقيل إن الدور العظيم للميثودولوجيا النسوية، يتمثَّل في عقْد الصلة بين فلسفة العلم وفلسفة الأخلاق، والإسهام في القضاء على الانفصال البائن الذي كان بينهما.
النسوية في بحثها عن صورةٍ جديدة متطورة للعلم والممارسات العلمية، تقدمت بمفهومٍ للمنهج العلمي يشتجر بالقيم الأنثوية الحميمة، من قبيل الاعتماد المتبادل والتفكير السياقي، الحدس والانفعال، الشعور والعاطفة، الترابطية والاتصال بدلًا من التفرُّد والانفصال والاستقلال الذاتي في الذكورية، فضلًا عن أخلاق الرعاية الحانية والمسئولية في الموقف الحياتي المعني، بدلًا من أخلاق القاعدة الصورية والقوانين المجردة والمبادئ العمومية في الذكورية. إنه البحث عن الكيفيات والخصائص والحالات الفردية والوقائع المتعينة، وعن إعادة الاعتبار للمناهج الكيفية حتى لا ينفرد الأسلوب التكميمي والمعدلات الإحصائية بالميدان. وفي مقابل العجلة في البحث العلمي وسرعة الإنجاز، وأسبقية الكشف والنشر، يمكن التوقف بإزاء قيمة أنثوية خاصة هي التعهد والرعاية و«المقاربة طويلة المدى، التي تكشف عما لا يكشف عنه عشرات البحوث العجلى».١٦
تبحث الميثودولوجيا النسوية عن علاقات بين الباحثين تقوم على رفض السلطة والتراتب الهرمي، سواء بين العلماء أو بين المؤسسات العلمية أو بين فروع العلم، وتنزع إلى نسائج من التفاعلات، وإلى تعاونٍ بين العلماء يقوم على الاحترام المتبادل والعمل في انسجام، بدلًا من التنافس المحموم، وفي هذا تُعلي من قيمة التزامل collaboration واستراتيجيات الأبحاث المصممة، بحيث يشترك فيها أكثر من باحث، إن التزامل يشجع التشارك في اتخاذ القرار، ويخلق مجتمعًا متعاونًا بلا تراتبٍ هرمي، كما تروم النسوية دائمًا. ومن الإيجابيات أيضًا العناية بأساليب تدريس العلوم وكيفية جعل العلم جذابًا للطلبة وللطالبات خصوصًا،١٧ واجتذاب الهواة، وإدخال العلم في نسيج الثقافة العامة، فلا يكون كهنوتًا مقصورًا على الصفوة، وهذه بالذات قضية اتفقنا عليها منذ مقدمة هذا الكتاب.
الميثودولوجيا العلمية النسوية تبحث عن الإنصات إلى الطبيعة، وتلقي رسالتها كصديقٍ يحكي لك عن نفسه … كزهرةٍ تتفتح أمامك، و«يغدو العلم حوارًا مع الطبيعة بدلًا من أن يكون محكمة تفتيش»،١٨ واستنطاقًا واستجوابًا. أكدت بربارة ماك كلينتوك — الحائزة على جائزة نوبل عن أبحاثها في جينات نبات الذرة — كثيرًا على «الإنصات» لما تقوله الطبيعة، ورأت فيه منهجيةً حوارية تقوم على ارتباطٍ شعوري عميق بموضوع البحث.

إنه اكتشاف طرق إضافية للفهم، وتقدِّم النسوية عقلًا علميًّا يلعب فيه الشعور دورًا أكبر. إن الشعور مصدر من مصادر الفهم، وبالمثل نتيجة من نواتج الفهم، ليتوشج الشعور في مفهوم المنهج العلمي، تخليصًا للعلم من جفافه، وتخلصًا من الفوارق القاطعة بين المناشط العقلية، ومن سائر التصنيفات القاطعة. القيم الأنثوية تعني انفتاح البحث العلمي على الطبيعة والعالم، بتصوراتٍ نسوية تداوي أحادية الجانب، من أجل توازن مأمول وتكامل منشود.

المثيودولوجيا التقليدية بعقلانيتها التجريبية تركِّز على العقل والحواس، وقد تضيف الخيال والحدس، لكن ماذا عن الشعور والإحساس والعاطفة والوجد والانفعال والتذوق والاستمتاع والمعايشة والعلاقات مع الزملاء والارتباط بالمؤسسة العلمية … النسوية ترى أن يُؤخذ كل هذا أيضًا في الاعتبار إذا رُمْنا تفسيرًا متكاملًا للمنهج العلمي، أكثر حيوية ودافعية، أكمل وأجمل وأشد حضورًا.

ويبقى تقديس الحياة والقيم الإيكولوجية في عصرٍ باتت فيه البيئة من كبريات المشاغل، وهنا تتقدم الميثودولوجيا النسوية بقيمها، لتكون فلسفة بيئية على الأصالة. إن توازن المنهج العلمي بالقيم الأنثوية، التي تقوم على عمق الارتباط بالآخر وانبثاقة الحياة من المرأة والتعهد بها ورعايتها وتنميتها، يُؤذِن بطرحٍ في صالح مشكلة البيئة والمتطلبات البيئية. وتصاعدت النسوية البيئية Ecofeminism التي تعبِّر عن العلاقة الحميمة بين الطرفين: الطبيعة أنثى والأنثى طبيعة.

وهذا ما يؤكده التاريخ العتيق المهدَر لصالح الرجل؛ فقد اكتشف القنص والحرب، واكتشفت المرأة الزراعة والرعي. اخترع الرجل الفأس والبلطة والسكين والخنجر والقوس والسهم والرمح، واخترعت المرأة القدور والأواني والأطباق والأقداح والموقد. صنع الرجل العجلة وصنعت المرأة الردهة والفراش والستائر … والآن بدأ عصر البيئة بكتاب «الربيع الصامت» (١٩٦٢م)، وهو من وضع امرأة. هكذا تملك النسوية مبررات الزعم بأن الحفاظ على البيئة من خصوصياتها. ويبدو مفهوم المنهج العلمي الأنثوي قادرًا على إعادة التصالح مع البيئة، وعلى صونها ورد الاعتبار إليها.

على الإجمال مفهوم المنهج العلمي، يغدو أرقى وأكمل وأكثر إنسانية وأكثر إيجابية، حين يتلاقح بمثل هذه الأبعاد الأنثوية الحميمة.

•••

وأخيرًا فإن القيمة الحقيقية لهذه الرؤية النسوية لمفهوم المنهج العلمي، ليست في إضافة أبعاد أنثوية حميمة ونابضة ومجدية إلى العقلانية التجريبية، بل في فعل الإضافة نفسه وفي حد ذاته.

ألا إن في هذه الإضافة استجابة مثمرة لما طرأ على فلسفة العلم من عدم اقتصار على العناية بالبنية المنطقية للمعرفة العلمية، بل أيضًا في تفاعلها مع سياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي، وهذا هو درس توماس كون العظيم ونموذجه الإرشادي، وتنامي أبحاث سوسيولوجية العلم واشتباكها بفلسفة العلم. ومن ناحيةٍ أخرى تسير هذه الإضافة في سياقٍ متنامٍ مؤخرًا يُعرف بالفلسفة التطبيقية، التي تُعنى بمباحثَ تتحوَّل إلى واقعٍ حي معيش. ومع الرؤية النسوية وما أضافته من أبعادٍ وقيم إلى مفهوم المنهج العلمي، نجد العقلانية التجريبية واقعًا حيًّا معيشًا في إطار منهجية أشمل، تحتويها بمعية أبعاد اجتماعية وثقافية وحضارية معيشة، إنه مثالٌ لتحويل مفهوم المنهج العلمي إلى فعاليةٍ تطبيقية معيشة، وبالطبع يمكن أن يكون ثمَّة مبادرات أخرى وتفعيلات أخرى في أطر منهجية أخرى.

فماذا عن تفعيل المنهج العلمي بعقلانيته التجريبية في سياقنا نحن الثقافي وواقعنا الحضاري.

١  Francis Bacon, Novum Organon, in: The Philosophers of Science, ed. By S. Commins & R. N. Linscott, The Pocket Library, New York, 1954, PP. 73: 158, P. 79-80.
٢  Ibid, P. 119.
٣  Ibid, same page.
٤  F. Bacon, Novum Organum, P. 151-152 (الفقرة ١٢٧).
٥  د. عادل مصطفى، «قراءة في الأورجانون الجديد لفرنسيس بيكون»، تحت النشر.
٦  John Dewey, Freedom and Culture, A Mintor Book, Putnam’s Sons, New York, 1939, P. 137.
٧  في تفصيل هذا مقدمة الترجمة العربية لآخر كتاب لبوبر:
كارل ر. بوبر، «أسطورة الإطار: في دفاعٍ عن العلم والعقلانية»، ترجمة وتقديم د. يمنى طريف الخولي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد ٢٩٢، ٢٠٠٣م، ط٢ عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، ٢٠١٥م.
٨  Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions (1962), The University of Chicago Press, 2nd enlarged ed., 1970.
ولهذا الكتاب المهم أكثر من ترجمةٍ عربية، ولمزيدٍ من تفاصيل رؤية توماس كون، انظر: د. يمنى طريف الخولي، «فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول، الحصاد، الآفاق المستقبلية»، ٤٤٠–٤٥٢.
٩  جاستون بشلار، «العقلانية التطبيقية»، ترجمة د. بسام الهاشم، دار الشئون الثقافية، بغداد، ١٩٨٧م، ص٣٠.
١٠  Thomas Kuhn, Comment on the Relation of Science And Arts, in: Comparative Studies in Philosophy And History, N. XI, 1969, PP. 403–412.
١١  مصطلح أناركية تجري ترجمته، بالفوضوية، وهي ترجمة غير موفَّقة، تصرف النظر عن مرام المصطلح، ويبدو لنا أن الأفضل والأدق هو ترجمته ﺑ «اللاسلطوية»، ذلك أن الألفا A في اللغة الإغريقية تُوضع كمقطعٍ قبلي للكلمة لتفيد النفي واللا.
١٢  Paul Feyerabend, Against Method, Revised Edition, Verso, London, 1992, P. 9.
١٣  في تفصيل هذا من زوايا متعددة حقًّا: ساندرا هاردنج وأوما ناريان (محررتان)، «نقض مركزية المركز: الفلسفة من أجل عالم بعد استعماري متعدد الثقافات ونسوي»، ترجمة وتقديم د. يمنى طريف الخولي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الجزء الأول عدد ٣٩٥، ديسمبر ٢٠١٢م، الجزء الثاني عدد ٣٩٦، يناير ٢٠١٣م.
١٤  عرضنا لفلسفة العلم النسوية، منابتها ومنطلقاتها وأصولها النظرية ودعاويها في كتابنا: «النسوية وفلسفة العلم»، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، ٢٠١٤م.
أما غايات فلسفة العلم النسوية وواقع المنهج العلمي المعيش في الرؤية النسوية، فمن أكمل العروض: ليندا جين شيفرد، «أنثوية العلم: العلم من منظور الفلسفة النسوية»، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع٣٠٦، أغسطس ٢٠٠٤م، فيمكن القول إن هذين الكتابين متكاملان تكامل النظرية والتطبيق، ويمكن العود إلى كتاب ليندا شيفرد لتفصيل خطوط الميثودولوجيا النسوية المجملة هنا.
١٥  Sandra Harding, The Science Question in Feminism, Cornell University Press, Ithaca & London, 1986, P. 27.
١٦  ليندا جين شيفرد، «أنثوية العلم»، ترجمة يمنى الخولي، ص١٩٥ وما بعدها.
١٧  For example: Sue V. Rosser, Female-Friendly Science: Applying Women’s Studies, Methods and Theories to Attract Students, New York: Pergamon Press, 1990.
١٨  ليندا جين شيفرد، «أنثوية العلم»، ١٢٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢