سِرُّ رجل النافذة!

كان تقرير المعمل الجنائي مفاجأةً للشياطين، الذين كانوا متأكِّدين أن «جاك سميث» قد مات مقتولًا لأنهم رأَوا القاتل … وإن لم يتبيَّنوا ملامحه وهو خارجٌ بسرعةٍ من دورة مياه المترو السريع.

أحمد: إنني على اقتناعٍ كامل بأن «جاك» قد قُتل ولم ينتحر!

عثمان: لقد ضلل القتَلة البوليس!

إلهام: إنهم محترفون!

زبيدة: السؤال الآن ماذا سنفعل؟ ووضْعُنَا هنا حرج للغاية!

أحمد: إننا نعمل بصفةٍ سرية … ولا نستطيع أن نعمل في العلن.

استغرق الشياطين للحظاتٍ في التفكير، ثم قطع «أحمد» الصمت قائلًا: أعتقد أننا لا بد أن نتخذ خطوةً إيجابية … سأُرسِل تقريرًا عما حدث لرقم «صفر»، وعلى «إلهام» أن تحصُل على عنوان القتيل؛ فلا بد أن نقوم بزيارة لمنزله، ربما وجدنا هناك ما يساعدنا على فك رموز هذه القضية. أما «زبيدة» و«عثمان» فعليهما متابعة الأخبار حتى نكون على علمٍ بالتطورات الأخيرة.

رشيد: سأتوجه على الفور أنا و«بو عمير» إلى جامعة «ميريلاند»، ربما توصلنا إلى أي أخبار، وسنتقابل هنا في السابعة لمتابعة النشرة الإخبارية.

انطلق كلٌّ من الشياطين لتنفيذ مهمته، وتَوَجَّه «أحمد» إلى غرفة الاتصالات ليُقدِّم تقريره لرقم «صفر»، أما «إلهام» فقد حصلَت على عنوان «جاك سميث» في لحظاتٍ عن طريق الكمبيوتر … وذهبَت إلى الصالة التي كان «أحمد» يجلس فيها شاردًا يفكِّر في انتظار تعليمات رقم «صفر»، وما هي إلا دقائقُ حتى شعر «أحمد» بأزيز جهاز الإرسال، فأسرع لتلقي ردِّ رقم «صفر»، الذي قرأه على «إلهام» و«عثمان» و«زبيدة» … وكان الرد يقول: «سمعتُ بانتحار «جاك سميث» من نشرة الأخبار وقد حزنتُ جدًّا؛ لأنه كان على علاقةٍ قوية بأحد عملائنا في «واشنطن»، وقد اتصل «جاك» به قبل وفاته بساعةٍ فلم يجده لسفر عميلنا إلى «سان فرانسيسكو» لبعض الأعمال، و«جاك» كان غائبًا عن منزله وعن الجامعة في الأيام الأربعة الأخيرة، ولم يعرف أحد مكانه، واتصاله بعميلنا أكَّد لي أنه كان في خطر، وأنه كان في حاجةٍ إلينا … وقد سَجَّل جهاز التسجيل في تليفون عميلنا عبارةً قالها «جاك»: ليس هناك وقتٌ لأشرح التفاصيل فهناك من يتبعُني، ابحث عن «الحصان الفضي» وستعرف كل التفاصيل …

وانقطع الاتصال التليفوني ولم يوضِّح ما هو «الحصان الفضي» وأين يُوجد، والمكالمة أكَّدَت لي أن وراء قَتْله سِرًّا أرجو أن تتوصَّلوا إلى حله في أسرع وقتٍ ممكن …»

صمتَ الشياطين لحظاتٍ قطعها «أحمد» بسؤاله ﻟ «إلهام».

أحمد: هل حصلتِ على عنوان «جاك»؟

إلهام: نعم.

أحمد: إذن سأتوجَّه أنا وأنتِ على الفور إلى هناك، لتفتيش المنزل تفتيشًا دقيقًا، لعلنا نعثر على «الحصان الفضي».

أما أنتَ يا «عثمان» فلتظل في البيت مع «زبيدة» لمتابعة أي أحداثٍ قد تَجِدُّ … وأسرع «أحمد» و«إلهام» تجاه باب الشقة، وبعد دقائق كانا في سيارة «أحمد» السريعة في اتجاه منزل «جاك»، الذي كان يسكن في منطقةٍ هادئة من ضواحي ولاية «ميرلاند» تُسمَّى «وايت أوكيس»، وهي عبارة عن فيلَّاتٍ متباعدة وسط المزارع الخضراء.

وكان منزل «جاك» في نهاية شارعٍ واسع به عدد قليل من الفيلَّات معظمها مُغلق، وكلها من الخشب تتكوَّن من دورٍ واحد أو دورَين على الأكثر تحيط بكلٍّ منها حديقةٌ كبيرة … وسياج من الزرع يفصلها عن الفيلَّات الأخرى. أما منزل «جاك» فكان من دورٍ واحد لونه أبيض مثل لون معظم مباني المنطقة، وقبل أن يصل «أحمد» إلى المنزل، توقَّف بالسيارة على جانب الطريق على مسافةٍ من منزل «جاك»؛ فقد لاحظ «أحمد» أن هناك سيارةً كبيرةً سوداء واقفة أمام المنزل وبها سائق، وكذلك كان هناك رجلٌ آخر يقف أمام الباب وكأنه يُراقب الطريق. وبعد لحظاتٍ خرجَت من البيت سيدة وطفلان ولم يشُكَّ أحدٌ في أن هذه السيدة ليست إلا زوجة «جاك» وخلفهما رجلٌ آخر، ورَكِب الجميع السيارة السوداء وانطلقَت السيارة في سرعةٍ كبيرة، كتب «أحمد» رقم السيارة في ورقةٍ صغيرة، ونظر إلى «إلهام» ثم أدار مُحرك سيارته، واتجه ببطء إلى المنزل، ووقف أمام الباب الخلفي للحديقة، وأوقف «أحمد» المحرِّك ونزل من السيارة وتبعَتْه «إلهام».

ودار «أحمد» حول المنزل دورةً كاملة، فلم يجد أي شيءٍ يلفت النظر … ثم اتجه إلى الباب الأمامي ودقَّ الجرس. وانتظر لحظاتٍ وبدأ «أحمد» في فتح الباب … ولم تمُرَّ أكثر من خمسِ دقائقَ حتى كانت «إلهام» داخل البيت الذي كان واضحًا أنه تعرَّض لعمليةِ تفتيشٍ دقيقة؛ فقد كان الأثاث مبعثرًا. وبدأ «أحمد» في البحث وسط هذه الفوضى في محاولةٍ للعثور على «الحصان الفضي» الذي ذكره «جاك» في مكالمته التليفونية، وكانت مهمة «أحمد» صعبة.

قالت «إلهام»: ربما من سبقونا في تفتيش البيت قد وجدوا «الحصان» … ولكن من هم الذين فتَّشوا البيت؟ هل هم رجال البوليس؟ أم الذين قتلوا «جاك»؟

أحمد: أعتقد أن هذه ليست طريقةَ تفتيش البوليس.

ثم لفَت نظره شيءٌ آخر كان هناك رقمٌ مكتوب على الحائط فوق جهاز التليفزيون، فنقلَه في مذكِّرته، ثم اتجه إلى غرفة نوم «جاك» وزوجته التي لم تنجُ حجرتها من التفتيش أيضًا. ولم يجد هناك ما يلفت النظر، ثم لحقَت به «إلهام» التي بدأَت تبحث في دولاب الملابس الخاص بزوجة «جاك»، فرفعَت فستانًا ونظَرَت إليه «إلهام» نظرةً فاحصة.

قالت «إلهام»: هل تُلاحظ؟ …

لكن «إلهام» لم تُكمل جملتَها؛ فقد سمعَت صوت سياراتٍ تقف أمام الباب الأمامي للمنزل … فأسرعا إلى الباب الخلفي حيث كانت سيارة «أحمد» التي حملَتهما بعد لحظاتٍ بعيدًا عن المنزل … وفي الطريق المؤدي إلى مقر الشياطين لم يتبادل «أحمد» و«إلهام» الحديث.

ثم أخرج «أحمد» الورقة الصغيرة التي دَوَّن بها رقم السيارة السوداء الكبيرة، وطلب من «إلهام» أن تتحرَّى عن هذا الرقم، عن طريق جهاز الكمبيوتر المركَّب في السيارة، وبعد لحظات ظهر على شاشة الجهاز أن السيارة باسم رجلٍ يُدعى «راند بيكر» … يملك فندقًا في مدينةٍ صغيرة تُسمَّى «جرين تري»، في ولاية «فرجينيا».

سأل «أحمد»: ما علاقةُ رجلٍ مثل «راند» هذا ﺑ «جاك» … ولماذا تذهب زوجة «جاك» وطفلاه معه؟ … أرجو يا «إلهام» أن تبحثي عن هذا الرقم أيضًا، وأخرج رقم التليفون الذي دَوَّنه من على حائط منزل «جاك» …

وبعد لحظاتٍ عرف «أحمد» أن هذا الرقم تابع لجمعية رعاية شئون الهنود في ولاية «ميريلاند» … كانت السيارة قد وصلَت إلى مقر الشياطين، الذين كانوا قد تجمَّعوا لمشاهدة نشرة الأخبار ولم يكن «رشيد» و«بو عمير» قد تمكَّنا من التوصُّل إلى أية معلوماتٍ تفيد القضية بعد زيارتهما لجامعة «ميريلاند» حيث كان يعمل «جاك».

وقَصَّ «أحمد» و«إلهام» ما حدث في الزيارة القصيرة التي قاما بها لمنزل «جاك»، وعن رقم السيارة ورقم التليفون اللذَين حصل عليهما «أحمد»، وعند ذلك أعلن المذيعُ الانتقال إلى منزل «جاك» لإجراء الحديث التليفزيوني، وفعلًا تم الانتقال وكان المنزل غير ما تركه «أحمد» و«إلهام» فقد كان مُرتبًا وكل شيء في مكانه. وبدأَت الزوجة التي كانت ترتدي السواد في الحديث عن أحوال زوجها في الفترة الأخيرة، وكيف كان متغيرًا منطويًا يمر بحالةٍ نفسية سيئة.

قالت «إلهام»: ألا تلاحظ شيئًا يا «أحمد» على هذه السيدة؟

أحمد: ماذا تقصدين؟

إلهام: إن مقاسات الملابس التي رأيتُها في دولاب المنزل … كانت أكبر من مقاسات هذه المرأة.

عثمان: أتقصدين أن هذه ليست زوجة جاك؟

إلهام: إنني متأكدة من ذلك.

نظر «عثمان» إلى «إلهام» باستغراب. ثم نظر إلى التليفزيون … ثم انطلق من مقعده إلى جهاز الفيديو ليُسجِّل ما يراه، فسألَه «أحمد» قائلًا: لا أظن أن حديث هذه السيدة به ما يفيدنا أو يفيد البحث!

عثمان: لا أقصد الحديث ولكن انظر، وأشار «عثمان» إلى خلف السيدة … حيث ظهر وجه رجلٍ يسير خلف النافذة التي تجلس أمامها المرأة.

أحمد: لا أفهم ماذا تقصد.

عثمان: هذا الرجل كان أحد الرجلَين اللذَين طاردا «جاك» في المترو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢