المعركة الأخيرة

جاءَ في إحدى رسائل جرترود بِلْ١ التي كانت ترسلها إلى أمِّها في لندن، إنَّها ذهبت بمعيَّة الأمير فيصل عندما زَارَ طاق كسرى عقب وُصوله إلى بغداد، وبينما كانا يطوفان بذلك الصَّرح المُتداعي، الباقي من بلاط الأكاسرة، وقفَت المِس بلْ إلى جانب الأمير، بالقرب من إحدى النوافذ، وطفقَت تقصُّ عليهِ باللغة العربية، وهي تُرسِلُ الطرْف في السهل المنبسط أمامها، قصةَ الفتح العربي للعراق «كما رواها الطبري في تاريخه.»

سيدةٌ إنكليزية، تروي بلسانٍ عربي لا لكنة فيه، لأميرٍ عربيٍّ من بيتِ الرسول، صفحةً مجيدةً من تاريخ العرب القديم! إنَّه لَأمرٌ فريدٌ في بابه، إنه لَموقفٌ بعيد الدلالة في حقيقته وفي مغزاه، ولكن المِس بِل المبتهجة به ساءلت نفسها، كما تقول في الرسالة لأمِّها، ما إذا كان ابتهاج الأمير أشد من ابتهاجها؟!

وأنَّى الابتهاج لمثله؟! فإمَّا أنَّ المِس بلْ أساءت التعبير، وقد كانت هذه الرسائل بعجلةٍ محرقة، بين أشغالها الجمَّة، وإمَّا أنها ما نَفَذَت ببصيرتها إلى أعماق تلك النفس العربية الشعرية التي لا تعدم التصوُّر في إحساسها الشديد.

وهل يدعو المجد الدَّارس للابتهاج، خصوصًا وقد تَلَتْ ذلك الفتحَ العربيَ فتوحاتٌ آسيوية، تترية وتركية، لا تثير ذكراها في العربي سوى الشجون، ولا ينبغي أن نعودَ إلى ذلك المجد البعيد المضمحلِّ، وما خلفه من طغيان الترك والتتر، لندرك ما كان يجيشُ في صدر الأمير فيصل مِن لواعج الغمِّ والأسى، فإنَّ في ماضي الأمير — هذا الماضي القريب — ما يكفينا مئونة التجوال في ربوع التاريخ وبواديه.

كيف لا والأمير يحمل في صدره أعباء عشر سنوات من خيبةِ الآمال ومن شُؤمِ الجهاد، ها هو ذا في مُستنقعات الملاريا بعسير على رأس حملة تأديبية، وها هو ذا في مُستنقعات الكلام في مجلس المبعوثان بالأستانة، وهاكَه في سوريا أسير الشبهات، وسمير الجزع، وهاكَه في البادية فارًّا من الطَّاغية جمال، بل من القدر والاعتقال؛ أهوال في السياسة تتلوها أهوال الحرب في شرق الأردن. هي خمس سنوات مليئة بالحوادث التي تُثيرُ في صدرِ صاحبها كل عاطفة غير الابتهاج.

وإنَّ ما يتلوها لَأشدُّ وأنكى، فمَن فتح الشَّام الذي ما عتم أن باخ مجده، إلى مؤتمر فرساي الذي كان فيه الأمير، ممثلُ العرب، كالحَمَل بين النمر والأسد،٢ إلى يوم التاج في دمشق، فالمُلك القصير الأجل، فالفرار الثاني، فيوم ميسلون!

سنتان اثنتان لا غير، ولكن الحوادث التي تزاحمت فيهما، وتراكمت في قلب الأمير فيصل، لا تفقد شيئًا من مرارتها لو توزَّعَت على أضعافها من السنين، فأنَّى لذكريات الماضي البعيد، وإن كان مجده لا يزال حيًّا زاهرًا، وأنَّى لها وإن تغنت بها امرأةٌ فاتنة، أن تمحو من قلب الأمير فواجع الأمس القريب، أو تغالبها فتُنسيه إياها؟!

على أنَّ ميسلون لم تكن المعركة الأخيرة؛ فقد خرج من دمشق يُرافِقه بعض صَحْبِه الأوفياء من السوريين والعراقيين والإنكليز، فمرُّوا بدرعا فحيفا، ومنها أبحروا إلى أوروبا. الجهاد، سيستأنف فيصل الجهاد، وسيُجاهد هذه المرَّة بغير السِّلاح الذي حمله على الترك والألمان في شرق الأردن.

ولكن نار الحرب كانت قد أُضرِمَت في جهةٍ أُخرى من الخطِّ العربي الطويل. وإِن لَم تكُن المعركة الجديدة، في صورتها الظاهرة معركة فيصل، فقد كان من المقدَّر أن تخدم أغراضَه السياسية.

فقد قام العراقيون قبل التتويج ببضعة أشهر يُنادون بالاستقلالِ ويُطالبون به، وكان يحرِّضهم على ذلك الضُّباطُ العراقيون في الجيش العربي في سوريا، ومَن عاونهم من الموظفين الإنكليز في الحكومة السورية، أولئك الذين كانوا ناقمين على إخوانهم في العراق و«خطتهم الهنديَّة» في إدارة شئون البلاد. فالضباط العراقيُّون إذن، والموظفون الإنكليز في الشام، شجعوا العراقيين في نهضتهم، وبثُّوا تلك الدعاية التي رُفعت أعلامها أولًا في دير الزور، وأخذت تنتشرُ بسُرعة في البلاد، من الشَّمال إلى الجنوب؛ من دير الزُّور إلى تلِّ عفر، فالموصل، فبغداد، فكربلاء والنجف.

وقد كانت هذه الدعاية من الوجهة الإنكليزية جدَّ مُحزنة؛ إذ إنَّ الفريق الواحد من سياسيي الإنكليز لم يكن يعلم بما يفعل الفريق الآخر، بل كانوا في حقيقة الحال يحملون بعضهم على بعض، وكان العرب وحدهم الغانمين. ومن فواجع الإنكليز، وبعضها يُضحك، أنَّ الحكومة السورية، التي كانت تستمدُّ يومئذٍ قوَّتها المالية من لندن، أمدَّت الوطنيين العراقيين بالمال؛ أجل! قد استُخدم «الخيال الإنكليزي» لطرد الإنكليز من العراق!

هذه النهضة بلغت أَوْجَهَا في شهر آذار سنة ١٩٢٠، أيْ شهر التتويج في دمشق، وما كان فيها سرٌّ أو غموض. هي نهضةٌ وطنيَّة ذات خطَّةٍ محدودة، وهدفٍ معلوم، وكان الهدف سوري الشعار — هاكم سوريا مستقلة، فليكن العراق مُستقلًّا مثلها، وكانت الخطة سورية عراقية — ليكن للعراق كما لسوريا مَلكٌ هاشمي، وخيرٌ من ذلك، مَلكٌ هاشمي للقطرين.

وبعد شهرين، أيْ في رمضان، حَدَثَ في العراق حادثٌ خطيرٌ لم يسبق له مثيلٌ هناك؛ فقد قام الشيعيُّون والسنيُّون بمُظاهرةٍ وطنيَّةٍ ولائيَّةٍ كُبرى، وهم يدْعون للاتحاد في سبيل الوطن. ومن مظاهر هذا الاتحادِ حفلاتُ المولد المشتركة التي كانت تُقامُ في الجوامع والمساجد، فيحضرها السنيُّون والشيعيُّون، ويحوِّلون الحفلة، بعد الصلاة، إلى اجتماعٍ سياسي تُلقى فيه الخطب المشعلة لنار الثورة، وتُتلى القصائد المثيرة كالرياح لهيبها.

وعند انقضاء شهر رمضان خَرَجَ من سوريا السيد جميل المدفعي بحملةٍ مجهَّزَةٍ، ينصر إخوانه الهاشميين في العراق، فاجتاز ورجاله نهر الخابور، وغزوا تل عفر، ثم غنموا من سيارات الإنكليز المصفَّحة اثنتين، بعد أن ذبحوا اثني عشر من رجالهم، وفيهم الوكيل السياسي وقائد جيش «الليفي» في الموصل.

هذه هي جذوة الثورة الأولى، التي أُشعلت في الشمال، في الأسبوع الأول من شهر تموز، وبعد أسبوعَين اعتقلت السلطة الإنكليزية في كربلاء وفي الحلة عددًا يذكر من الوطنيين، وفيهم ابن أحد المجتهدين، ثم اعتقلت الشيخ شعلان أبو الجون شيخ عشيرة الظوالم لِدَينٍ عليه أبَى أن يدفعه كما قيلَ؛ فهاجَ عرب الظوالم نافرين له، وجاءوا السراي صاخبين، فهجموا على السجن ودخلوه قهرًا، ثمَّ خرجوا بشيخهم يحدون ويُهلِّلون للثورة.

وعلى أثر ذلك أفتى مُجتهد كربلاء بالجهادِ، فاندلعت من كلِّ جانبٍ ألسنة النَّار ونفرت العشائر للقتال، أمَّا الإنكليز فقد كانوا في سياستهم مُنقسمين، وكان أُولو الأمر في السلطتين المدنيَّة والعسكرية في نزاعٍ شديدٍ مُستمر. زِد على ذلك أنَّ عدد الجيش يومئذٍ، نحو أربعين ألفًا، لم يكن كافيًا للدفاع؛ وأنَّ قائد الجيش السرْ إلمر هلدين، فرارًا من حرِّ الصيف في العراق، نقل المركز العام إلى كرند في جبال العجم؛ ممَّا حمل أحد شُعَرَاء الإنكليز في بغداد على هجوه بقصيدة.٣

•••

ليس من موضوع هذا الكتاب سرد حوادث الثورة مُفصَّلًا، لكن لا بدَّ من القول إنها كانت ثورة ولا كالثورات. وأغرب ما فيها أنها اشتعلت اشتعال النار في الهشيم، دون زعامة تُعرف أو تُرى، إلَّا إذا حُصِرَت في مُجتهدي النجف الذين أضرموا نارها وتواروا، فسكتوا بعد ذلك أو أُسكِتوا.

ومع ذلك فقد انتشرت بسرعة البرق، من الديوانية إلى بعقوبة، ومن النجف إلى تل عفر. وكان رجال العشائر أول من سارعوا للحرب، فحاصروا السماوة والكوفة — الأولى أسبوعين والثانية ثلاثة أشهر — وخربوا سكة الحديد في أماكنَ مُتعدِّدَة، وهاجموا المعسكر في الحلة مرارًا، وكانت خسارة الإنكليز في فرقة «منشستر»، التي خرجت لمُحاربة الثائرين، ١٨٠ قتيلًا و٦٠ جريحًا. بعد هذه الفاجعة أخلى الإنكليز الديوانية.

وكان الثوار على الفرات كذلك موفَّقين، إلَّا أنهم في بعض الحوادث نكَّلُوا بالأسرى؛ فقد غَنِمُوا قافلةً من قوافل التموين، وهاجموا مركبًا في النهر، فساقوه إلى البرِّ، فلاذَ الإنكليز بالفرار، وأطلقوا بنادقهم على الباخرة «فايرفلاي» فدمروها، وأوقفوا الباخرة الأُخرى «غرينفلاي» فأسروا رجالها، وجوَّعوهم، ثم ذبحوهم جميعًا، وقد كانوا في أكثر مواقف الدفاع الشَّاقة ثابتين غير مُنهزِمين، فغنموا السَّيَّارات المصفَّحَة، وأسقطوا برصاصهم الطائرات، ولكنهم كانوا يقتلون من ينجو من رجالها، ويُجْهِزون على الجرحى.

وكانت خسارة العرب مثل خسارة الإنكليز جسيمةً؛ من أهمِّها — بعد الرجال — المفاتيلُ التي هدمها الإنكليز، تلك البروج الصغيرة التي كانت تُعَدُّ بالمئاتِ في سهول العراق، وهي حصن العشائر الحصين،٤ ومع هذه الخسارة كانت الغَلَبَة في الشهرين الأوَّلين للعراقيين، فامتدت الثورة إلى كفري التي غزاها الثَّائرون ونهبوها، ووصلت إلى بعقوبة فجلا الإنكليز عنها، وإلى راوندز في بلاد الأكراد، وإلى البادية الشمالية التي ينزلها عرب شُمَّر، وقد وقت واقعة بينهم وبين الجيش الذي أُرسل عليهم من الموصل، كانوا فيها المنتصرين. على أنَّ الإنكليز، بعد أن وصلت إليهم النجدات، شرعوا في أواخر أيلول يعمِّمُون هجماتهم الناجحة، وكانت نار العرب في تشرين الثاني على وشك الانطفاء.
هذه هي خُلاصة تلك الثورة المرتجلة، ومَن رَغِبَ بالتفصيلِ لحوادثها، يجده في كتاب السر آرنلد ولسون،٥ فهو من التدقيق بمكان، وعلى جانب من الإنصافِ يُشكَر، إذا ما ذكرنا أنَّ سياسة مؤلِّفِه هي من أسباب الثورة. وإنك لَتجد المؤلِّف وافر الأدب، طويل الباع في العلوم السياسية والتاريخية.
أجل، إنَّ السر آرنلد لَمن الأدباء العلماء، ومهما تكُن آراؤه مُخالفة لآرائك، ومُثُله العليا بعيدة عن مُثلك، ومهما يكن من التناقض بين ديمقراطيَّةٍ يَجهرُ بها وسياسةٍ استعماريَّةٍ يُؤيِّدُها، ومهما يكُن مِن تحامُلِهِ على الرجل الذي يظل محمود الذكر،٦ مهما تكن شواذات السر آرنلد؛ فإنَّه خير مثالٍ للرجل الإنكليزي الكريم من رجال الماضي، فهو يُصارِحُ دُونَ أن يُسيء، ويتفلسف دُون أن يزعج، ويتهكَّم دُون أن يتعامَى عن الفضل، ويروي فوق ذلك — في كتابه هذا — مِن أقوال الفلاسفة والمؤرخين، ومِن حِكَم الحكماء والسياسيين، ما يخفِّفُ على نفسه — في الأقل — وطأة النزعات السياسية، ويبرِّر في نظره فلسفته الاستعمارية.

ولكنه لم يكن في العراق من الموفَّقِين، وماذا في طاقة امرئٍ مثله، وقد كان في صيف ١٩٢٠ وحده يُدير شئون البلاد، فلا المس بِلْ بعلومها واختباراتها العربية وبصداقتها لرؤساء العشائر استطاعت أن تُساعده، ولا الوكلاء السياسيُّون المحدَّدة أعمالهم، وقد قَتَلَ الثَّائرون عددًا منهم، وباتَ الآخرون في مراكزهم مهدَّدين على الدوام بالهلاك.

لقد طلب السر آرنلد من حكومته بلندن سُلطةً مُطلقة، فجاءه بدلها الجنرال هالدين، طلب التصريح بسياسةٍ مقرَّرَةٍ ثابتة، فجاءته بدلها «مبادئ» ولسون الأربعة عشر، حاول أن يؤسِّس في العراق حُكومة هنديَّة وحماية بريطانية، فَجَاءَهُ مِن «ويتهال»٧ عن طريق «سملا»٨ البرقية تلو الأُخرى؛ المقيدة، المبلبلة، المكربة: «أعلِمْنا ما هو الرأي العام – تحقق رغبات الأهالي – انتظر إلى أن يتمَّ السلم بيننا وبين الأتراك – انتظر إلى أن يصدر صك الانتداب – كن حازمًا وبصيرًا في مهمتك التي هي – لا شيء.» فلا عجب إذا تبرَّمَ وتغيَّظَ، ولجأ إلى كتب الأدب والتاريخ.

وهاكه في طائرةٍ يُحلِّق، وفي حقيبته كتاب من الكتب الخالدة، إنها لَطيرةٌ مدهشة؛ طيرة هذا الجندي السياسي والعالم الأديب، وهو يحملُ دُررًا من الحكمة وكنوزًا من التعاليم السامية، أوَلا ترى جميل التناسب بين مَن يحلِّق عاليًا حقيقةً ومعنًى؟ قال الفيلسوف إمرسون: «اقطر مركبتك بأحد النجوم.»

وقد قطرها السر آرنلد، فراحت تشقُّ بخشمها الفضاء، وتستشمُّ أريج الكون الأعلى. هي الحقيقة، ولا أَثَرَ فيها للخيال؛ فعندما امتدَّت نيران الثورة إلى جنوب بلاد الأكراد، ركب الطائرة إلى أربيل، وفي جيبه كتابٌ لبيكون هو «المقالات»،٩ وكانت مهمته سياسيةً كردية؛ أمَّا الوسطاء فرؤساء الأكراد، وأمَّا الهدف فقلوبهم؛ أجل، يجب أن يستولي على قلوبهم، ليظلُّوا مُوالين في هذه الثورة للحكومة. وها هو ذا يستعينُ بالفيلسوف بيكون، فيفتح الكتاب ويقرأُ ما يقوله في الجسارَةِ والإقدامِ، في مجالس الشورى، وفي ساحات العمل.

وكان يومه يوم الاثنين، يوم الشورى ويوم العمل، فطارَ على جناحَي الجسارة والإقدام توًّا إلى قلوب الأغوات. جادل، وجامل، وأقنع الأغوات، وعندما كان يُخامره شيءٌ من الريب بنفوذ كلماته كان يلجأُ إلى كتابٍ آخرَ صغير، يحمله دَائمًا، وقد دوَّن فيه لبعض الوزراء المشهورين كلماتٍ حكيمةً بليغة في العراقِ وشئونه.

من هذا الكتيِّب كان يتلو الآياتِ على مسامع أغوات الأكراد؛ هذه العبارة السَّاحرة هي من كلمات لويد جورج، وهذه العبارة الذهبيَّة هي من كلام تشرشل، وهذه الآية الرَّائعة … وما كان يغمس في الماء الورقة التي كُتِبَت فيها الآية، ويُعطِي حضرة الأغا الماء ليشربه، لا، لم يكن السر آرنلد من أُولي الكرامات، ولكنه كان يؤكِّدُ للأغوات في أربيل أنَّ هؤلاء السياسيين العظام «يَصْدقون فيما يقولون، ويبرُّون بما يعدون.»

على أنَّ هنالك من كانوا يعلمون بما يعلم، ويستشعرون الصبر عليه، وهل كان يا ترى يجرؤ السر آرنلد ولسون أن يفتح كتيِّبه في حضرة الأمير فيصل؟! دعْ عنك هذا، وعُد معي إلى الموضوع الذي أوجب هذا البحث. ليس في سياسة السر آرنلد — على صوابٍ كان فيها أو على خطأ — ولا في نِزاعه والسلطة العسكرية، إنْ بَرَّرتِ الحوادث موقفه أوْ لم تبرِّره؛ ليس فيها ما يهمنا غير ما يتعلَّقُ بناحية من الثورة؛ فقد خدمت الثورة أغراض الأمير فيصل خصوصًا، والقضيَّة العربية عمومًا، وكانت الأيام تعجِّلُ بساعة الحكم النهائي؛ لأن وزارة المستعمرات كانت حائرة في حلٍّ لمعضلة العراق يرضيها، ويُرضي الحُلَفَاء، ويُرضي كذلك العراقيين.

كان الأمير في تلك الأيَّام بلندن، وهو يحملُ كتاب قضيته وقضيَّة العرب، ليتلو منه الآية بعد الآية على مسامع السياسيين العظام، أولئك الذين دوَّن السر آرنلد ولسون كلماتهم السَّاحرة في كتيِّبه، وهو يُقاسي، في غير مواقفه السياسية العراقية، شيئًا من أَلَمِ النَّفس — من الحيرة والتردد — في إخلاصه لأصحابها، وإعجابه بهم.

وقد كان أولئك السياسيُّون يفكِّرون بملكٍ للعراق، وبالبيتِ الهاشمي قبل وُصُول الأمير فيصل إلى لندن، فيُعيدون النظر من حينٍ إلى آخر في صور أنجال الحسين. وها هي لديهم كلها: علي، عبد الله، فيصل، زيد. الرجل الصالح، والرجل الجامح، والشاب الذي لا يزال في المدرسة بأكسفورد، والرجل الذي خبرناه في ساحات الحرب، وفي دوائر السياسة، الرجل الأقرب بعقليته إلى العقل الأوروبي وإلى القلب الإنكليزي؛ فيصل.

على أنَّ الجهر باسمه، بُعَيد فاجعة دمشق، لم يكن مناسبًا، خُصوصًا وأنَّ الجارة عبر بحر المانش تستاءُ، وقد تحسب الاختيار امتهانًا لكرامتها العزيزة، وإنَّه في نظرها، لكذلك؛ فقد جاء الاعتراض على فيصل من اﻟ «كاي دورساي». وكيف لا تعترض والكرامة الفرنسية لا تزالُ طريَّة العودِ. لننتظرْ قليلًا إذن ريثما تسمك قشرتها، ويكثف حسُّها فنعمل إذ ذاك ما نشاء.

وإن هي إلَّا بُرهة من الدَّهر، أُخمدت خلالها نار الثورة في أهمِّ نواحيها فأُقيلَ السر آرنلد ولسون من منصبه، وتعين السر برسي كوكس (في تشرين الأول سنة ١٩٢٠) مندوبًا ساميًا في العراق. وقد كانت مُهمَّته الأُولى أن يؤسِّس حُكومةً عربية طِبقًا للانتدابِ الذي وَكَلَت عصبةُ الأمم أمره إلى الحكومة البريطانية. وقد أدرك أرباب هذه الحكومة أنَّ أسلوب الاستيلاء القديم أصبح مُستنكرًا، فصارَ ينبغي — حتَّى لأشدِّهم تمسكًا به — أن يُغلِّفُوهُ بشيءٍ عصريٍّ مُستحب، فعقدوا النيَّة على أن تكون للحكومة الجديدة، صورةٌ عربية الوجه فحسب، ولا يغيبنَّ ذلك عن بالك، أيها المندوب، «البناء إنكليزي والوجه عربي، هذا كل المستطاع.»

قد كان السر برسي كوكس عالمًا بذلك كل العلم، ولكنه ما نسي أن جنود بريطانيا، منذ وطئت أقدامهم البصرة إلى يوم دخولهم بغداد، كانوا مُتيقِّنِين أنَّهم فتحوا العراق، لا للعراقيين ولا للعرب، بل لإنكلترا وشفيعها القديس جرجس. وهل الذنب ذنبه إذا عبثت السياسة بآمالهم وقَضَت على ذلك اليقين؟ فقد كان يومئذٍ عميد الحملة العسكرية في العراق، وهو اليوم عميد الحكومة البريطانية، وعُصبة الأمم – والرئيس ولسون!

إن مهمته هذه لَأصعب جدًّا من تلك، ولا سيما ومسئوليتُه الآن عجيبة، مُنقطعة النظير. هي مسئولية مثلَّثة الزوايا، وعليه أن يَحشر في المثلث أمَّةً فتيَّةً جديدة، ويضمن لها الخير والسلامة.

عندما باشر السر برسي العمل، كان من أعوانه الأولين المستر فلبي — الحاج عبد الله اليوم، «المستوهب» — والمس بِل المستعربة، وكانت وظيفتهما ذات متنٍ واحدٍ كثير الحواشي؛ فمن ترجمة الرسائل والبلاغات، إلى استقبال الزائرين، إلى مُجاملة طُلَّاب الوظائف، إلى مُقابلة ذوي النفوذ والجاه في بيوتهم، إلى … وكل ذلك تمهيدًا لتأسيس المجلس الوطني لحكومة الانتداب، أو بالحري لتشييد الوجه العربي للبناء الإنكليزي.

وقد تمَّ بعد قليل ما ابتغوه، وكان النقيب المستسنُّ المبشر بالخِير على الدوام، السيد عبد الرحمن الكيلاني، الركنَ الأول في البناء. وهناك نقيبٌ آخر بارزٌ بين الأركان، هو السيد طالب الكيلاني، سيستوقفنا بعد حين.

تأسَّس المجلس الوطني وباشر أعماله، ثمَّ دُعِي السر برسي كوكس وغيره من الحكام الإنكليز في البلدان العربية لحضور المؤتمر الذي عقده في القاهرة (في آذار ١٩٢١) المستر ونستون تشرشل، وزير المستعمرات يومئذٍ، للبحث في تأسيس دائرةٍ خاصَّةٍ في وزارة المستعمرات، تتوحَّدُ فيها المصالح والمسئوليات البريطانية في الشرق الأدنى، «رغبة في تخفيفِ عبءِ الضَّرائب على المكلف البريطاني بأسرع ما يمكن.» كما جاء في التقرير الرسمي.

وما جاء شيء، صراحةً أو تلميحًا، في التقرير عن الأمير فيصل، الذي أمَّ كذلك القاهرة في ذلك الشتاء، وكانت أغراضه تتَّصِلُ، مُباشرة وضمنًا، بالمكلَّف البريطاني المذكور. وكيف لا وفي العراق حمله الأثقُل. وها هو ذا الأمير، وقد تسلح بالاقتصاد، يُحارب الآن بنفسه، لا لنفسه والعراق فقط، بل للمستر تشرشل كذلك، فالسبيل القويم إلى تخفيض الضرائب في بلادكم، يا حضرة الوزير، هو أن تُؤسِّسُوا في العراق حكومةً عربيَّة وطيدة الأركان.

وكان السر برسي كوكس مُوافقًا، بل كان يحمل في جيبه لائحة لتخفيضِ خمسة عشر مليون ليرةٍ إنكليزية من ميزانية بلغت خمسة وثلاثين مليونًا. ويستمر في التخفيض كل سنة عملًا بما يُبرِّرُه تقدُّم الحكومة الوطنية، وخصوصًا في تأليفِ جيشٍ وطنيٍّ يُغْنينا عن قوَّات الدفاع البريطانية، ومن رأي الأمير والعميد أنَّ على الحكومة البريطانية أنْ تدعم هذه الحكومة العربية دعمًا أكيدًا، دُونَ أن يكُونَ ظاهرًا، أمَّا شكل الدعمة ومَدَاها فلا العميد يدري، ولا الأمير. لتُتْرَكْ للأيَّام تُكيِّفها وتقرِّرُ شأنها. فأطرق المستر تشرشل هنيهة ولسان حاله يقول: في المسألة غموضٌ مفيدٌ. ثمَّ فاهَ بكلمة الاستحسان، بَيدَ أنَّه ظلَّ يقلِّب في فكره «البناء الإنكليزي ذا الوجه العربي».

عاد السر برسي كوكس في الشهر التالي إلى بغداد، وسافَرَ الأمير فيصل إلى مكَّة يستمدُّ بركة أبيه. وقبل أن أُعلن رسميًّا ما تقرَّرَ في مُؤتمر القاهرة، كانت أسلاك البرق بين العراق والحجاز تنبضُ بأنباء التهنئة والمسرَّة.

على أنَّ الجو ما خلا من الغيوم؛ فقد اعترَت الحكومةَ الموَقَّتة نزعاتٌ سياسيةٌ عجيبة، تمثَّلت في السيد طالب النقيب وزير الداخلية والمستر فلبي مستشاره، وما اتفق الاثنان إلَّا ليقتلا الأمير، على أنهما اختلفا في الوسيلة إلى الغرض المنشود؛ فقد كان فلبي يدعو للجمهورية، والسيد طالب لملكيَّة غير هاشمية. فطافَ السيد في البلاد، خلال تغيُّب المندوب السَّامي، يخطب ويبشِّر بملكٍ عراقيٍّ قُحٍّ، وبتاجٍ لا يصلُحُ لغير النقيب، وهو كذلك نقيب ابن نقيب، وكان الله محب النقباء.

وأين المس بِلْ تنصح للسيد طالب وتهديه؟ إنها كانت في مؤتمر القاهرة تُساعدُ في إنارة ذهن المستر تشرشل وهديه، وعندما عادت ورفاقها إلى العراق استقبلهم روح الشغب والشقاق، وقد سادت تلك الروح العشائر أكثر من سواهم، وهم موالون للسيد طالب، متشيِّعون له. فلا عجب إذا هدَّدَ بهم الإنكليز، فقد أدب مأدبة لبعض الصحفيين منهم، وخطب خطبة أشار فيها إلى رؤساء العشائر الذين كانوا حاضرين، وأنذر الحكومة البريطانية إذا كانت لا تقوم بتعهداتها التي عبَّرَ عنها بكلمتين: العراق للعراقيين.

أيهددنا هذا النقيب بثورةٍ أُخرى؟ لقد طَفَحَ الكيل، وانقطَعَ حبل الصَّبر حتَّى في صدرِ السر برسي الرَّحب الهادئ، فطلب من القائد العام أن يهتمَّ حالًا في تسفير السيد طالب. فصدَرَ الأمر وأزفت الساعة، ولكن الرواية في طريقة الاعتقال روايتان، صدقت منهما غير الرسمية؛ فقد جاء في تقرير المندوب السامي أنَّه «أُلقي القبض على السيد طالب في الشارع العام.» والحقيقة هي خلاف ذلك، إلَّا إذا حسبنا الجنينة أمام دار الانتداب شارعًا عامًّا.

وما شأن السيد بتلك الجنينة، ومن ذا الذي اصطاده هناك؟ لا تعجب إذا قلتُ لك إنَّ المس بل نفسها هي الصَّائدة؛ فقد أطلقت صقرها على طير البصرة وكانت ظافرة، وكان ذلك منها في سبيل التكريم لبطل العراق؛ أجل، قد أرسلت المس بل تدعو السيد طالب للشاي في دار الانتداب، فَقَبِل السيد وكان في أثناء التكريم أسير لطف سيدتَين؛ اللايدي كوكس وصاحبة الدعوة. وعندما خرج من الدار استقبله عند الباب في الجنينة آسرون لا آسرات؛ آسرون مُسلَّحون، فأدخلوه السيارة، دُون سلام ودُون كلام، وساروا به مُسرعين إلى البصرة؛ حيث كانت تنتظر الباخرة التي أقلَّته إلى جزيرة سيلان.

«ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل.» وفي سبيل الوطن؛ فقد كان السيد طالب مغوارًا في وطنيته، جبارًا في أعماله، طيَّارًا في آرائه وآماله، وكان شديد الإيمان، حتَّى في ساعات شرابه، بما حواه ذلك الرأس القائم بين كتفَيه كبرجٍ من العاج. إنِّي لأذكُرُ اجتماعنا في جدة في خريف سنة ١٩٢٤، وأذكر من الأحاديث حديثًا عن العراق؛ فقد قصَّ علينا بعض وقائع أيَّامه تلك، ونحن نشرب الوسكي والصودا، ثم وضع الكأس على المائدة، ورفع يده إلى ذلك الرَّأسِ اللامع الشريف يمسحه ويربته قائلًا: «إنَّ ها هنا شيئًا لا يُغلَب، لا يغلَب.» وكان يفكِّرُ بالعودة إلى العراق وإلى السياسة، كان لا يزال يحلم الأحلام الذهبيَّة، فقال يستأنِفُ الحديث: «الأمور مرهونة بأوقاتها، وستسمعون عندما أعودُ ما يدهشُ ويسرُّ إن شاء الله، وسأطلبك يومئذٍ يا أستاذ وأُعَيِّنك وزير المعارف.»

هي الأحلام تهدم صروحها الأيَّام. عاد السيد طالب إلى البصرة، فحال — وا أسفاه! — القدرُ دون أمانيه؛ فلا كان ولا كنت أنا من الموفَّقين، ولكنه خصَّني بحلمٍ من أحلامه، رحمه الله ورحم «وزير المعارف». فإني لا أزالُ أسير هذا اللقب الفاتن — الفاتن صاحبه، أيها القارئ العزيز — ولا يزال «صاحب المعالي» طيفًا من الأطياف السابحة في سماء الخيال …

لنعُد إلى حقائق الحياة الدنيا، إلى موضوعنا، قد أشرتُ إلى الغيوم في سماءِ الأمير فيصل العراقية، وأسميت غيمتَين منها، بدَّدَ الدهر إحداهما. وهُناك غير الواحدة الباقية؛ أيْ غيمة الجمهورية في شخص فلبي؛ ممَّا كان يُقلِقُ خصوصًا دار الانتداب؛ فقد كان المحافظون — وعلى رأسهم السيد عبد الرحمن النقيب — مَلَكيين، شريفيين، وبإذن الله فَيصليِّين — لا يفوتنَّك أنَّ بعضهم كانوا متشيعين لأخيه الأمير عبد الله — وكان الوطنيُّون المتطرِّفُون، وأكثرهم مِن الذين أداروا من سوريا الدعاية للثورة وعادوا إلى بغداد، من دُعاة الأمير وأنصاره قلبًا وقالبًا، بقي أهل الشيعة وهم على الإجمالِ في حالٍ غامضةٍ كان يصعُبُ التكهُّن بها، والعشائر وهم متردِّدُون متقلقلون، والأقليَّات — المسيحيون واليهود — الذين كانوا يَحسبون القوة المسيطرة ملجأهم الأول، وحصنهم الأدْوَم.

ولكن القوة المسيطرة كانت تنظرُ إلى الجميعِ في تلك الأيَّام نظرها إلى الأقليَّات، هي للكل بما ستُقيمه من الحقِّ، وتضمنه من الحقوق، وتحميه من المصالح العامَّة — إن شاء الله — وإنها لَمستعينةٌ على ذلك بالأمير فيصل، جهرتْ بهذا مرارًا، وكانت فيما تجهر صادقة.

أجل، قد كان الإنكليز يعوِّلون حقًّا على الأمير في سياستهم الجديدة، وكانوا ينتظرون منه، لما علموا وتحققوا من مواهبه وسجاياه، أن يكوِّن بنفسه الدعاية الكُبرى لنفسه، والبرهان السَّاطع على حُسن اختيار البريطانيين.

وكانوا يتوقعون منه فوقَ ذلك أن يأتي ببعض المعجزات، هو ذا العراق وأهله، قُضاتك اليوم، وشعبك غدًا، فيجبُ عليك أن تسحر الشيعيين، وتَفْتِنَ السنيين، وتقنع النصارى، وترضي اليهود، وتبعث خوف الله في قلوب العشائر. يجب عليك، وأنت الساحر، أن تستولي على العقول والقلوب في الشيوخ والشباب، في المُحافظين والمتطرفين، في المعممين والمتطربشين. عليك أن تفتنهم، تسحرهم جميعًا، وتسحر معهم ذلك الخليط الأثري من الشعوب؛ أيِ الأقليات المسيحية واليزيدية والبهائية والصابئة واليهودية.

فإذا كان ذلك كله في استطاعة الأمير، رضيت الأمَّة عنه (والتاج لا يزال رهن رضاها) وهانت مهمة الانتداب. على أنَّ للمسألة وجهةً أُخرى؛ فإذا جاء بالمعجزات، أفلا يطمع بعد ذلك بالحكم المطلق؟ أفلا يصبح في الأقل فوق طاقتهم، هو ذا المشكل الأكبر الذي وجب حله على السر برسي والمس بل وأعوانهما، وما رأوا له غير حلٍّ واحدٍ؛ هو في حفظِ التوازن بين الفريقَين، وفي مسلكِ الاعتدالِ لكليهما. فيجبُ على الأمير أن يذكر على الدوام أن لولا الإنكليز لَمَا كان في العراق، ولا يغيبُ عن بال الإنكليز أنَّ مصاعبه هي مصاعبهم، فيجب عليهم أن يُساعدوه في مُقاومتها وفي التغلُّبِ عليها.

علينا إذن أن نحمل الميزان من أجل البلاد — أية بلاد؟! — وأن نحافظ على التعادل بين كفتيه، علينا نحن المسيطرين ألَّا نقيد أنصار الأمير المتطرفين كل التقييد، وأن نساعد المحافظين ليزدادوا قوَّةً ونشاطًا، ولا يتمُّ لنا ذلك بغير الكياسة والمرونة، فنرعى ذمام أهل الوجاهة في البلاد، ونُعالج العداوات بالتي هي أحسن.

إنِّي أُعطيك بكلمةٍ أَوْضحَ فكرة المسيطرين: ينبغي ألَّا يكون الملك بطلًا، وألَّا يكونَ خيالًا، ليس دور السَّاحر دور فيصل إذن، بل هو دور المندوب السامي، وإنَّكَ لتُدرِكُ شيئًا من أُسلوبه السِّحري في موقفه الأوَّل، فهاكَ إلى يمينه المس بل، وهي تمدَحُ في رسائلها إلى أمِّها «وطنيينا الأعزَّاء»، وإلى يساره المستر فلبي، وهو يُرسِلُ كلماته في الجمهورية ولها، فتصلُ حتَّى إلى العشائر على الفرات، أَضِف إلى ذلك المساعيَ الرسمية، وغير الرسمية، التي كانت تُبذَلُ لتأليفِ حزب شريفيٍّ من شتَّى العناصر السياسية والدينية.

وما كان المتطرِّفون قابعين في المقاهي يُدخِّنون الأراكيل، بل كانوا في أعمالهم أشد تيقظًا وأكثر نشاطًا من الأحزاب الأُخرى. وقد سافر وفدٌ منهم إلى البصرة ليُرحِّب بالأمير، ويُعلمه بدقائِقِ الأمور وخفاياها، نعم، أَذِنَت المفوَّضيَّة بالسفر، ولكنها ضنَّت بالأخبار، وما كان في البصرة أحدٌ من الموظَّفين عالمًا بموعدِ وُصولِ الأمير، ولا فَرقَ إن جهلوا أو تجاهلوا؛ فعندما وصل الوفد إلى المرفأ كانت الباخرة راسفة بحبالٍ من مَسَدٍ مشدودَةٍ إلى أوتادٍ من حديد، وكان الأمير قد أَصبَحَ بعيدًا، وهو أسيرُ المرحِّبينَ به من أصدقائه «العاقلين» الإنكليز والعراقيين.

أمَّا في بغداد فالفيصليُّون أعدُّوا مُظاهرةً كُبرى للترحيب، ورَاحت الحكومة الموقتة، يحفُّ بها الأنصار، ترحب بالأمير في المحطة، ولكن أولي الأمر ها هنا كذلك جهلوا أو تجاهلوا موعد وصول القطار، وكان بين الجموع المنتظرة عددٌ وافرٌ من الإنكليز رجالًا ونساءً، فشَكَوا مثل الأهالي التأخير، وتأفَّفُوا من الظهيرة في تموز. وبينا الجموع في هذه الحال، يَشْكون الحرَّ والانتظار، جَاءَت برقيَّة تقولُ إنَّ القطار مُتَأخِّرٌ ساعتَين، فارتأى المندوب السامي — رحمة بالعباد — أن يتأخَّر سبع ساعات بدل الساعتَين، وكان كذلك، فوصل القطار ليلًا، وكان الاستقبال رسميًّا، باردًا.

تحدَّث أحد الإنكليز — رفيق الأمير في رحلته هذه — إلى المس بل، فأخبرها بما كان من فتورِ الترحيب الأهلي، وقد كان الأمير مُتيقنًا أنَّ السلطة المحليَّة في الطريق تستطيعُ — إذا شاءت — أن تجمع الناس، وأنْ تَحُول دون اجتماعهم، بَيدَ أنه أُخبر وهو في القطار أنَّ السر برسي كوكس متردِّدٌ في ولائه، ومتَّخِذٌ موقف الحياد، وأنَّ المستر فلبي يبشِّر بالجمهورية ويدعو لها، وأنَّ المس بل وحدها هي قلبًا وقالبًا من أنصاره. لله در تلك الإنكليزية الكريمة الباسلة؛ فقد طالما سمع الأمير عجيب أخبارها، وعلم شيئًا من ولائها وإخلاصها له وللعرب، فعندما وصل القطار إلى المحطَّة في مساء ذاك اليوم، تقدَّم إليها مُصافحًا شاكرًا. ومنذ تلك الساعة إلى آخر يوم من حياتها العجيبة في بغداد ظلَّ يحترمها، ويعدُّها مِن أخلص أصدقائه الإنكليز، ومِن أكثرهم فضلًا.

ولكنها وهي تخدم «سيدي فيصل» بكلِّ قواها — فيما يتَّفقُ طبعًا وسياسة حكومتها — كانت تُعجَبُ كلَّ الإعجابِ بالسر برسي كوكس، وتجهر دائمًا بأنه رئيسها الأول. وها هي تُساعد الآن، عملًا بمشيئته، لإطفاءِ شعلة الحماسة في صدور المتطرفين الذين شاءوا أن يُنادَى بالأمير ملكًا حين وصوله؛ ذلك لأنَّ ساحر المفوضيَّة الذي وصفه أحد رؤساء العشائر في قوله إنه «رجلٌ ذو أربعين أذنًا ولسانٍ واحد.» — وما أبطأ ذلك اللسان وأحذره! — لا يريدُ أن تكون الكلمة الأُولى في الأمر للمتطرفين، وقد ردَّهم ردًّا حسنًا في قوله أن ينبغي أن يكون العمل شرعيًّا، وذلك لا يتمُّ في يومٍ واحدٍ.

وكان العمل شرعيًّا، فقد قرَّرَ مجلس الوزراء، في ١١ تموز، أن يكون الأمير فيصل بن الحسين ملكًا على العراق، وأن يكون الحكم دستوريًّا نيابيًّا ديمقراطيًّا. فأشارَ المندوب أن يثبت القرار بالمبايعة أو ما نُسمِّيهِ اليوم بالاستفتاء، ثم شرعت الحكومة تعدُّ العدَّة لهذا الاستفتاء، الذي تولَّى إدارته وأشرَفَ عليه في أكثر النَّواحي الوكلاء السياسيون. وقد وضع المبايعون في بعض المدن، منها البصرة والرمادي، شرطًا فرضتْه دار الانتداب رأسًا؛ لأن مجلس الوزراء رفض أن يثبته في القرار؛ أمَّا هذا الشرط فهو أن يقبل فيصل بمشورة الإنكليز.

قلت إنَّ دار الانتداب فرضت هذا الشرط فرضًا، فقُبل في بعض المدن، وما كان ذلك منها إلَّا لأنَّ السر برسي رأى الاستئثار في العمل خيرًا من النزاع بينه وبين المجلس، ولكن هذا الأسلوب في تنفيذِ الأمور لا يُبشِّر لسوء الحظ بحسن المصير. إنَّنَا نسلم بالمستطاع من حقَّكِم، ونتمسك بالباقي الذي هو حقنا، فننفذه بالأمر وإنْ تعدَّدَت أساليب التنفيذ. هو ذا موطن الضعف في سياسة السر برسي كوكس، وقد طالما زاد هذا الاستئثار — المقنَّع تارة، المكشوف طورًا — في سوءِ التفاهم وسوءِ الظَّنِّ، وبما كان ينشأ عنهما من النزاع والعداء بين الحكومة العراقية ودار الانتداب. إن الجرح يبرأ من الأسفل فصاعدًا، وإذا سارع الطبيب في لَأمِهِ قبل الأوان، استحال قرحةً مُزمِنَةً.

ولكن السر برسي كوكس كان يؤْثر الفصل في الأمر ولو مساومة على العلاج الطويل البطيء، فيقطع العُقدة في بعض الأحايين ويمشي دُونَ أن يقف أو يتلفَّت ليرى ما عسى أن تكون نتيجة عمله، وهو كذلك في هذه المهمَّة الملكية، فقلَّما كان يدرك وهو يقيم ملكًا ويوازن القوات السياسية حول عرشه، أو قلما كان يهمه ما قد يتبع القطع السريع أو اللأْم من التقرُّح، بل من الانفجار.

على أنه في بداءة أمره استبشر بالأمير فيصل، الذي كان في أحاديثه، وخطبه ذلك الأمير المنتظر؛ فقد حقَّقَ آمال الإنكليز والعراقيين.

وقد حذا خصوصًا في خُطَبِهِ حذو جده الرَّسول، فجعل كلامه على قدرِ عقول النَّاس؛ فجاء عفو القريحة، خلوًا من التعمُّل والتفوق، سهلًا واضحًا، صريحًا فصيحًا، وكان فوق ذلك يخص كل فريق من النَّاس وكلَّ وفدٍ مِن الوفود، بكلمةٍ تُوحيها إليه تقاليدهم ونزعاتهم السياسية والدينية، فيتمثِّل لهم فيها معاني الثقة والكرامة والفلاح.

كأنِّي الآن أسمعه يُناشد الشيعة بوحدة الإسلام والإخاء الإسلامي: «أوَلا نُؤمنُ نحن وإيَّاكم بالله وبالرسول، ونُكبر آل البيت؟! أوَليس السادة والأشراف جميعًا من سُلالةٍ واحدةٍ؟!» وأسمعه يتلو على أهلِ السنة من صفحاتِ العباسيين الذهبية آيات المجد والنور، فيُذكِّرهم بالرشيد وبالمأمون، وبما كان في عهدهما المجيد من فضل العرب على الأوروبيين، ثم يحثهم على النهوض والتعاضد لتجديد ذلك المجد والزيادة فيه. وكان يصرح ويؤكِّد للأقليَّات أنَّه مقيمٌ على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين الرعية، على اختلاف المذاهب الدينية، فيعيد ما قاله مرارًا: «كنَّا عربًا قبل موسى وعيسى ومحمد.»

وكان يحدِّث المعتدلين في ثقة المرء بنفسه، وفي الشجاعة والإقدام، وفي الحماسة التي تضرم في نهضات الشعوب نار الإيمان، وتُكلِّلها بالنصرِ والفلاح. وكان يحذر المتطرفين من المزالق والأخاديد الظاهرة والخفيَّة، ومن شر الردَّات التي تنجم غالبًا عن استعجال الأمور، وعن الفوز الذي يجيءُ ناقصًا قبل أوانه. وكان يختم كل حديث وكل خطبة بهذه الكلمات: «إنِّي أُطمئنكم وأؤكد لكم أنَّ مساعدة الإنكليز للعراق هي كمساعدة الصديق للصديق، وإنَّنَا نقبل هذه المساعدة كأُمَّةٍ حُرَّة من أمَّة حرَّة، دُونَ أن نفادي بشيء من المصلحة أو من الكرامة.»

ومع ذلك كله فقد تخلَّلَ أصوات الاستحسان وهتاف الإعجاب، غنَّات من الريبة، وخنَّات من التردُّد، وقد كان في استطاعة الإنكليز، بعد أن ظهر الأمير في أصدق مظاهر التناسب والتضامن التي كانوا يُحبِّذُونها وينشدونها، بل بعد أن برهن بنفسه على أنَّه عونهم الأكبر في نجاح المهمَّة، وفي تحقيق الاستقرار، كان في استطاعتهم — أقول — أنْ يُغْنوه عن استماع شيء بنفسه من تلك الغنات والخنات بين أصوات الإعجاب والثناء.

وما كانوا في هذه الفعلة صريحين كلَّ الصراحة، فقد سمع الأمير أنَّ بعض القبائل مترددة في ولائها، بل مُعادية له، فأرادوا أن يتحقَّقَ الأمرَ بنفسه في زيارةٍ دبَّروها، ولكنهم جهروا بشيءٍ وكتموا أشياءَ.

زار الأمير عشائر العمارات والدُّليم في مضاربهم، وكان في معيَّته بعض أولئك الإنكليز أصحابه، وفي مقدمتهم جرترود بل، التي وَصَفَت في إحدى رسائلها ما شاهدتْ يومئذٍ وسمعتْ.

وإنِّي فيما أقصُّ عليك الآن معوِّل على روايتها؛ لأنَّها صادقة بتفاصيلها — كما علمت بعدئذٍ من الملك فيصل نفسه — بعد أن وصفت المشهد الرائع ببداوته، وباجتماع قبيلتَين من أكبر قبائل العراق، قالت: «وقف الأمير يخطب فيهم بتلك اللهجةِ الفخمة لهجةِ الصحراء، وبذلك الصوتِ الجهوري صوتِ البدو، فاستحثهم على الاتِّحادِ والتضامن، وذكَّرهم بما عليهم من الواجبات في رعي العهود والمُحافظة على الأمن في البادية، ثم قال: ومن هذا اليوم وهذه الساعة — وقف ها هنا ليسأل تاريخ ذاك اليوم فأجابه أحد الحضور، فأعاد كلامه مؤرخًا — إني وليُّ أمركم ومسئولٌ عنكم، فمن تجاوز حدوده فحسابه عندي. سأقضي بينكم بالعدل في مجالس يحضرها شيوخكم، وهذا حقِّي عليكم أنا ولي أمركم.»

فسأله شيخ طاعن بالسن: «وحقوقنا؟ أليس لنا حقوق؟!»

– «بلى، لكم حقوق، وسأقوم بواجبي في المحافظة عليها.»

وعندما فرغ من خطابه تقدَّم الشيخ فهد الهذال أمير العمارات، والشيخ علي سليمان أمير الدُّليم، فوقفا أمام فيصل وقالا: «إنَّنَا نُبايعك؛ لأن الإنكليز قابِلون بك.»

هذا ما أراد الإنكليز أن يسمع الأمير، لولانا ما بايعوك، هذه هي الطَّعنة التي دُبِّرَت من أجلها، بعلم المِس بِل، تلك الزيارةُ، فتلقَّاها الأمير بصدرٍ رحبٍ، هادِئَ البالِ، وأدارَ بوجهِهِ إلى الصديقة الفاضلة وهو يبتسمُ ابتسامة دقيقة المغزى، ثمَّ قال: «إنَّ علاقتي مع الإنكليز معروفة ولا أحدٌ يشكُّ فيها، وموقفي العربي هو كذلك معروف، إنَّما يجب علينا أن نُصلِحَ شئوننا نحن العرب، ويجب علينا وحدنا أن نحسم كل ما بيننا من خلافٍ.»

ثمَّ قالت المس بل: «وعندما نظر الأمير إليَّ النظرة الثانية، رفعتُ يديَّ مضمومتَين، الواحدة على الأُخرى، رمز الاتِّحادِ بين العرب والحكومة البريطانية، إنَّه لَمشهدٌ رائعٌ؛ مشهد اثنين من كبار رجالات العرب لعبَا دورًا خطيرًا في تاريخ عهدهما١٠ وفيصل بينهما، أشرف مثالٍ حيٍّ لشعبه١١ ونحن الإنكليز حلقة الوصل!»

سألتُ الملك فيصل رأيه في الحادث، وأطلعته على ما جاءَ في رسالة المس بل التي لم يكن عالمًا بها، فقال: «أحسنَت المس بل فيما كتبتْ، وأَساءت فيما فعلت، رحمها الله.» وما زاد كلمة على هذا.

وسألتُ أديبًا من أدباء إنكلترا بعد أن قصصتُ الخبر عليه، فقال: «لا عجبَ، إن ابتهاجها بكوننا نحن الإنكليز حلقة الوصل بين الملك والقبائل أنساها كل شيءٍ آخر، ولا أظنها فكَّرت في تلكَ السَّاعة بالأمير فيصل كرجلٍ يُكرَمُ أو يُهانُ، بل كرمزٍ لمجد الإنكليز لا غير.»

رحم الله المس بل؛ فقد كانت — على ما تزاحم في حياتها من الأضداد — أولَ العاملين في سبيلِ فيصل، المخلصين له في تلكَ الأيَّام، ولا أظنُّ أنَّ أحدًا في دارِ الانتداب كانَ أشد منها سرورًا بنجاح الاستفتاء ذلك النجاح الباهر؛ فقد حازَ الأمير ستَّة وتسعين صوتًا من كلِّ مائة من أصوات الأمة.

وجاء يوم التتويج، وصدق المثل العربي في المستر تشرشل الذي له في كل عرس قرص؛ فقد استمر يقلِّب في فكره «البناء الإنكليزي ذا الوجه العربي» وهو حائرٌ في أمره؛ فيقرِّر في الصباح صحته كاملًا، وفي الأصيل صحة نصفه، وفي المساء فساده كله، وفقًا لمهبِّ الرياح حول الدولاب السياسي في لندن وجنيف، ولكنه أرسل في الساعة الأخيرة برقية مصعقة — هي الصاعقة بعينها — ولا يعلم غير الله ما كانت تحدث في الحفلة، بل في العراق، لو لم تسقط بموضعٍ غير موصل في دار الانتداب.

قال المستر تشرشل في برقيته: «من الواجب على فيصل أن يعترف في خطبة التتويج أن السلطة العليا في البلاد هي دار الانتداب البريطاني.»

أُقيمت الحفلة في باحة السراي (في ٢٣ آب ١٩٢١) وكان فيصل في خطبته عراقيًّا وطنيًّا، وعربيًّا قحًّا؛ فما فَاهَ بكلمةٍ تُشيرُ، حتى إشارةً، إلى «السلطة العليا» أو إلى الانتداب، إنَّما حصر كلامه بالمعاهدة التي ستُعقد بين العراق وبريطانيا، وتعهَّدَ بأن يرعاها، فيدخلها في صلب الدستور الذي سيسنُّه المجلس.

فهتف النَّاس: «عاشَ الملك فيصل ملك العراق.»

وهمس إبليس في أذن الزمان: «عاش المستر تشرشل.»

لقد انتهت الحرب، وما انتهى القتال.

١  The Letters of Gertrude Bell.
٢  أيْ كليمنصو رئيس وزراء فرنسا ولويد جورج رئيس الوزارة البريطانية.
٣  عارض الشاعر في قصيدته قصيدة تينيسون Tennyson المشهورة التي مطلعها:
Half a league, half a league, half a league onward.
فقال هو:
Half a lakh, half a lakh, half a lakh, squandered.
٤  راجع «ملوك العرب» الجزء الثاني.
٥  A Clash of Loyalties, by Sir Arnold Wilson.
٦  هو الرئيس ولسون النَّاقم عليه السر آرنلد ولسون؛ لأنه المبدع للانتداب، الواضع والجنرال سمطس نظامه.
٧  مقر وزارة المستعمرات بلندن.
٨  مقر نائب الملك في الهند.
٩  The Essays of Bacon.
١٠  كان الإنكليز يدفعون لهذين الاثنين «من كبار رجالات العرب» مُشاهراتٍ مالية، وكانا في تلكَ السَّاعة يمثلان الدور الذي تُوجبه عليهما المشاهرة.
١١  أليس هو أهلًا إذن لأن يُبايعه شيخان مأجوران من مشايخ البدو دُونَ أن يرضى الإنكليز عنه؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١