الفصل الثالث

من التجارة إلى الإمارة

من الطمع الكثير أن تتطلع إلى تاريخ مفصل لطفولة عمرو بن العاص، أو لطفولة عظيم من عظماء عصره في البلاد العربية خاصة؛ لأن أبناء العصور القديمة قلما حفلوا بالطفولة أو حفلوا بأخبار الرجال — كبارهم وصغارهم — إلا بمقدار اتصالها بالحوادث الجامعة؛ فهم حينئذ يدخلون في حوزة التاريخ ويذكرون في سباق الحوادث التي لهم بها اتصال.

ولكننا نستطيع أن نقول على ثقة: إن عمرًا الطفل قد تعلم كل ما يتعلمه أطفال العرب المقيمين في الحاضرة؛ لأنها السنة العامة التي لا موجب للشذوذ عنها؛ ولأننا نعلم ذلك وزيادة عليه من أخباره وهو في طور الشباب والكهولة، فنعلم أنه كان يحسن ركوب الخيل والسباحة ويحسن الضرب بالسيف، وينظم الشعر ويعرف الكتابة كما كان يعرفها نفر من أبناء التجار النابهين الذين يرشحهم آباؤهم للعمل في التجارة.

وقد عصمه اعتزازه بالنسب أن ينظم الشعر للتكسب بالمدح والهجاء على عادة «المحترفين» من شعراء زمانه، وإنما كان ينظمه للتنفيس عن نفسه، ويجري به خاطره كما كانت تجري به خواطر الوجوه من رؤساء العشائر في معرض العظمة والاعتبار.

والظاهر من أخبار نشأته الأولى كما أسلفنا أنه بكر بالزواج؛ لأن الفارق بين سنه وسن ابنه عبد الله غير كبير؛ ومن ثم يجوز لنا أن نفهم أنه استقل بمعيشته وهو في ميعة الشباب، ولا سيما إذا ذكرنا أن أمه لم تكن سيدة الدار في كَنَف أبيه.

فربما تزوج الفتى الناشئ من أهل البادية، ولم يستقل بالمعيشة بعد زواجه؛ لأنه يعمل هو وزوجه في رعي الإبل له ولأبيه في محلة واحدة.

أما العربي الناشئ في الحاضرة فالأغلب الأعم أن يستقل بيته وعمله بعد زواجه، ويصدق هذا على عمرو خاصة؛ لأننا لم نقرأ من أخباره وهو عامل في التجارة أنه كان يصحب أباه في رحلاته إلى الحبشة والشام، وربما دل على استقلاله بمعيشته البيتية أنه كان يصطحب زوجه في سفره، كما جاء في النبأ المشهور عن إحدى رحلاته إلى الحبشة، وإنه لكذلك دليل على شبيبة حازمة غير لاهية، جديرة أن تضطلع بأدب الأسرة، ولا تعيث في الغربة عيث الإباحية التي شاعت بين فتوة الجاهلية.

وقد داول في شبيبته بين الجزارة والتجارة، وظل يداول بينهما إلى ما بعد إسلامه وانقضاء صدر من الإسلام إلى قيام الفتنة بين علي ومعاوية؛ ففي مشاورته لولديه بين اللحاق بهذا أو بذاك كان يشكو معيشته بين «جزاري مكة»، ويطمح إلى مقام أكرم له من هذا المقام.

وللتجارة في سيرة عمرو شأن أعظم من شأن المرتزق أو الصناعة التي يكسب بها مئونة عيشه؛ لأنها ولا ريب كانت مدرسته الكبرى التي تعلم فيها ما تعلم من أحوال الحياة وخلائق الناس، بل كانت مدرسته الكبرى في السياسة والفتوح: من سياحاتها تلقى علمه الأول عن الأمم والبلدان، ومن سياحاتها نفذ إلى عيوب الحكم ومواقع الخلل في الدول التي كانت له يد في الإشارة بفتحها وسوق الجيوش إليها، وتهوين الأمر على الخلفاء حين خامرهم التردد في القدرة عليها.

وكانت سياحاته التجارية خليقة أن تطلعه على أسرار دخيلة ليس يفطن لها كل سائح، لامتيازه بنفاذ البصر وبلوغه مرتبة الحظوة عند بعض الأمراء الذين كانت له تجارة في بلادهم، ومن تلك الحظوة أن نجاشي الحبشة قد ألفه وعوَّده أن يلقاه كلما عاد إليه لقاء المودة، ويستمع له في خاصة أهله ويدعوه أحيانًا بالصديق.

وسنجتزئ من أخبار سياحاته بطائفة قليلة فيها الغنى عن سائر تلك الأخبار وفيها كذلك غنى في الإبانة عن كثير مما يستحق الجلاء من خلائقه ومساعيه.

خرج إلى الحبشة في شبابه مع فتى عربيد من بني مخزوم يدعى عمارة بن الوليد، (وقد سبق ذكر هذه الحادثة على إيجاز)، فشربا في السفينة خمرًا، فسكر عمارة ونظر إلى امرأة صاحبه نظرة مريبة وسألها أن تقبله، فكظم عمرو غيظه وقال لامرأته وهو يسر في نفسه شيئًا: قبلي ابن عمك! فقبلته.

وطمع عمارة فلج في غيِّه، وتمادى في مراودة المرأة خلسة وعلانية وهي تمتنع عليه، فظن أن امتناعها لخشيتها من زوجها، وأنه بالغ مأربه إذا قذف به إلى البحر على غرة منه، فأمهل عمرًا حتى دنا من حافة السفينة ودفع به إلى الماء، ثم أمعن في حماقته فصارح عمرًا بسوء قصده، وقد نجا هذا سابحًا من الغرق وعاد إلى السفينة، فقال له قولة تنضح بالحمق والغفلة: أما والله لو علمت يا عمرو أنك تحسن السباحة ما فعلت! أي: إنه كان ينوي له قتلة لا سلامة منها، فنجا وهو كاره لنجاته!

وتمضي الرواية فتنبئنا أن عمارة كان وسيمًا محببًا إلى النساء، فدب إلى حرم النجاشي وخرج يفخر لعمرو بفعلته ويحدثه بنجواه مع خليلته، وعمرو يظهر له التكذيب ليستخرج منه دليل اليقين الذي لا يشك النجاشي في صدقه إذا نمى إليه، حتى ظفر منه بذلك الدليل فأورده موارد الهلكة في خبر طويل لا محل هنا لاستقصائه …!

هذا خبر من أخبار رحلاته إلى الحبشة.

وخبر آخر من أخبار رحلاته إلى تلك البلاد رواه هو فقال ما فحواه: «جمعت رجالًا من قريش بعد منْصرف الأحزاب من الخندق فقلت لهم: إني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علوًّا منكرًا، وإني قد رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فلأن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن يظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلا يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا لرأي، قلت: فاجمعوا له ما يُهدَى إليه، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه وإنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضَّمري من قبل رسول الله، قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، رأت قريش أنني أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد.

فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي! أهديت لي شيئًا من بلادك؟ قلت: نعم أيها الملك قد أهديت لك أدمًا كثيرًا، ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه!

ثم قلت: أيها الملك! إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا.

فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فقلت: والله أيها الملك لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لقتله؟! فراعني ما سمعت وسألته: أيها الملك أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرنَّ على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، ثم بسط يده فبايعته على الإسلام.»

•••

أما رحلاته إلى غير الحبشة فالذي لا شك فيه أنه قد رحل إلى الشام وبيت المقدس، وحمل إليهما بضاعة من اليمن والحبشة والحجاز، ولكن الذي تحيط به الشكوك رحلة له إلى مصر، يوشك — لولا ما فيها من الخرافة — أن تكون أقرب الرحلات إلى التصديق؛ لأن جهله بمصر أدعى إلى الشك من بعض الخرافات، فإن لم تكن رحلة إليها فعلم بها على الأقل يساوي العلم بالمشاهدة والاختبار.

وخلاصة هذه الرحلة، كما تناقلها مؤرخو العهد، أن عمرًا كان يرعى إبله وإبل أصحابه في جبال بيت المقدس نُوَبًا بينه وبين أولئك الأصحاب، فبينما هو يرعى إذ أقبل إليه شماس يكاد يهلك من العطش، فسقاه عمرو حتى روي، وتركه ينام مستريحًا إلى جواره وإنه لنائم إذ خرجت عليه حية عظيمة، فقتلها عمرو قبل أن تصل إليه، فاستيقظ الشماس وشكره وقبل رأسه، وقال له: لقد أحياني الله بك مرتين: مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية، فكم ترجو أن تصيب من تجارتك؟ قال: أرجو أن أشتري بعيرًا فتكون لي ثلاثة أبعرة، فسأله الشماس: كم دية أحدكم بينكم؟ فأجابه عمرو: إنها مائة من الإبل.

فقال الشماس: لسنا أصحاب إبل بل أصحاب دنانير، فكم تكون الدية بالدنانير؟ قال: ألف دينار.

عند ذلك أنبأه الشماس أنه غريب في بيت المقدس، قدم إليه وفاءً بنذر قديم، وسيعود إلى إسكندرية بلده، وعليه عهد الله لئن صحبه إليها ليعطينه ديتين؛ لأن الله تعالى قد أحياه به مرتين.

وسأله عمرو: كم يكون مكثه في هذه الرحلة؟ فأخبره الشماس أنه شهر ينطلق في ذهابه عشرًا، ويقيم بالإسكندرية عشرًا، ويعود في عشر.

فانطلق عمرو وصاحب له حتى انتهوا إلى الإسكندرية، فرأى من عمارتها وثروتها ما أعجبه، ووافق دخوله إليها عيدًا يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم يترامون بكرة من ذهب، ويحفظون فيما اختبروه منها أن من وقعت في كمه لم يمت حتى يملك عليهم، فلما جلس عمرو والشماس على مقربة من ملعب الكرة، أقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو، فتعجب القوم لأنها لم تكذبهم خبرها في مرة من المرات، وتساءلوا: أترى هذا الأعرابي يملكنا؟

ثم حدَّث الشماس قومه حديث إنقاذه على يدي عمرو، فجمعوا له المال الذي وعده به، ورده محروسًا مكرمًا إلى أن بلغ أصحابه.

تلك خلاصة القصة التي تناقلها المؤرخون عن رحلة عمرو إلى مصر قبل إسلامه، وهي قصة مريحة في تلفيقها؛ لأن القارئ لا يتعب في الاهتداء إلى مواضع التلفيق منها، فلا يخفى على قارئ من قراء العصر الحاضر موضع التلفيق من حكاية الكرة، ولا موضع المبالغة من حكاية الدنانير، وشفاعة القصة الوحيدة أنها تروي لنا مدخل عمرو مصر على أقرب الوجوه أن يكون هو الوجه الصحيح، وهو النظر إلى شعبها وحكومتها وعمارتها ومجمل أحوالها في صحبة شماس يريه من أسرار ذلك جميعه ما لا يراه في صحبة رجل غيره، إذ كان الشماسون يومئذ أعرف الناس بحقائق الخلاف بين الحكومة والكنيسة وبين شُعَب الكنيسة في داخلها، وكان عمرو خليقًا أن يعرف منه مصر تلك المعرفة التي هونت عليه الهجوم على فتحها بذلك العدد القليل من الجند، وتلك العدة القليلة من السلاح.

غير أن هذه القصة على أية حال ليست مرجعنا الوحيد في العلم بزيارة عمرو للديار المصرية، فقد روى الكندي أنه كان يحمل التجارة إليها كما كان يحملها إلى بيت المقدس والشام.

والغريب حقًّا ألا يكون عمرو قد زار مصر في جاهليته مرة أو مرات، ويتجاوز حد الغرابة أن يكون قد وصل إلى تخوم مصر تاجرًا ومقاتلًا ولم يسمع من أخبارها الوافية ما فيه غنى عن الزيارة!

فلا شك أنه قد علم من أخبارها في جاهليته وبعد إسلامه شيئًا غير قليل …

•••

وفي وسعنا على الجملة أن نتخيل حياة عمرو في الجاهلية على النحو الذي وصفته لنا حكايات الرحلة إلى الحبشة والشام ومصر، بما يتخللها من أفانين الاختراع والتزويق، فلن تكون على نحو غير النحو المعقول من تلك الحكايات بعد إخلائها من الأخلاط التي لم تخل منها قصة قديمة من قبيلها.

وقد ظهرت الدعوة المحمدية وعمرو بن العاص يعيش في الحجاز هذه المعيشة، أو يضرب فيما حوله على النحو الذي رأيناه.

فكيف كان لقاؤه الأول للإسلام؟ وكيف جاوب هذا الرجل تلك الدعوة الطارئة عليه؟

أوجز ما يقال: إنه جاوبها كما ينتظر أن يجاوبها رجل مثله في مثل طبيعته وعمله وخبرته بما حوله.

جاوبها على سنة الحيطة العملية التي لا تقدم على الأمر إلا إذا زالت جميع الموانع من طريقه، وتبينت دواعي الإقبال عليه فعارض الإسلام في حياة أبيه؛ لأنه كان يعتز باسمه ويعتز بالعصبية التي تعلق بها جميع فخره، أو جميع سلواه من حطة نسبه إلى أمه.

ومات أبوه، فظل يعارض الإسلام لبقية أمل عنده في غلبة قريش وإخفاق هذه الدعوة الواغلة عليها.

وانهزمت قريش مرة بعد مرة، فلم ييأس من رجعة النصر إليها، ولم يستسلم لأمله في انتصاره، بل فكر في الحبشة يلوذ بها وينتظر العاقبة فيها، فيستبقي مودة قريش إذا انتصرت، ولا يصاب بهزيمتها إذا هي أطبقت عليها الهزيمة، ويأمن على نفسه في الحبشة وعند صاحبه النجاشي ما استقر به المقام فيها.

لكنه لقي النجاشي فإذا هو صديق للنبي العربي، لا يُغضبه ولا يفرط في رسله ودعاته …!

ويجوز أن النجاشي قد أحسَّ صدق النبي وعلم ما بين الإسلام والمسيحية من المقاربة والمناسبة، فاستنكر أن ينصر ديانة الأوثان على ديانة التوحيد!

ويجوز أنه نظر إلى الدعوة النامية نظرة حكمة وسداد، فأبى أن يناهض صاحبها وهو موشك أن يسود الطريق بين الحبشة ودولتي الفرس والروم، وأن يشرف على مسالك التجارة بين أقطار العالم المعمور.

وعلى كلتا الحالتين ليس هو بالعون لعمرو في تربصه بالإسلام وكيده لنبي الإسلام من قريب ومن بعيد!

وليس عمرو — في حيطته العملية — بالذي يحارب قضية تؤيدها هذه الطوالع في بلادها وغير بلادها، ولا هو بالذي ينصر قضية لقريش قد خذلتها هذه الخواذل، وحلق بها الفشل من نواحيها، وذهبت مولية تمعن في توليها ولا تؤذن بإقبال …

هنا تفتح الحيطة سبيل التأمل والتفكير …!

ومن دأب أصحاب هذه العقول أنهم يستنفدون أسباب الحيطة أولًا، ثم يتأملون ويفكرون، فلا يمنعهم مانع أن ينفذوا إلى اللباب، وأن يدركوا ما هم أقدر على إدراكه من الآخرين، لولا ما كان يعوقهم من طبيعة التربص والانتظار، وإذا أدركوا فهم كذلك إنما يدركون على ديدن الحيطة والموازنة بين الأمور والمقابلة بين طريق وطريق … فما باله لا يفكر في هذا الإسلام الذي لبث من قبل معرضًا عنه مصرًّا على إبائه؟

ألا يجوز أن يكون خيرًا وأبقى؟ بلى هو خير وأبقى؛ لأنه يكفل حياة الدنيا والآخرة، ويعوض العرب عن ضنك العيش، فلا تكون قسمتهم دون قسمة الفرس والروم، وهم أصحاب العيشة الرخية في هذه الحياة الدنيا.

ففيه مرضاة للعزة العربية ومرضاة للحيطة، ومنفس للأمل فيما بعد الموت، وفيه المحيص حيث لا مَحِيص.

أيفهم من هذا أن عمرًا لم يسلم عن يقين وخلوص نية؟

كلا! بل يفهم منه أنه أسلم كما ينبغي لصاحب هذه الطبيعة أن يسلم أو يؤمن بعقيدة من عقائد الفكر والروح.

فالإسلام لا يمنع اختلاف الطبائع وأساليب التفكير، ولا يستلزم أن يكون طريق الناس إلى فهم العقيدة واحدًا لا تفاوت فيه.

ومن المستحيل أن يكون الرجل مطبوعًا على الحيطة دون أن يكون لذلك الطبع أثر في إسلامه، أو يكون مطبوعًا على الشك والتردد ثم يخلو منها ساعة تفكيره في التدين والاعتقاد، أو يكون شجاعًا ويسلم إسلام الجبان، أو جبانًا ويسلم إسلام الشجاع …!

فإذا أسلم رجل كما ينبغي لطبعه وخلقه، فقد أسلم إسلامه الصحيح، ولا عجب أن يخالفه آخرون في دواعيهم التي جذبتهم إلى الإسلام، فإنما العجب أن يتفق الناس وهم مطبوعون على اختلاف!

ومن سيرة عمرو بعد إسلامه نعلم أنه كان يتعبد ويتصدق ويستغفر من ذنوب وقع فيها، ويقيم الصلاة ويسرد الصوم، ويعيش بين ذويه مسلمًا وكلهم مسلمون، وأدركته الوفاة فبكى لما أضاع من أيامه في جمع الحطام، وود لو يأخذه منه من يحمل وزره، وهو هنا أيضًا يستقبل الموت استقبال المسلم الذي لا شك في إسلامه، وإلا لكان رضاه بترك المال لذويه أولى من أسفه لجمعه وحفظه، ولكنه كذلك لم يخرج عن طوية طبعه الذي لا حيلة له فيه، فهو يأخذ بالأحوط في حفظ المال ما قدر على حفظه، ولا يضيعه إلا وهو قادر على تضييعه ناجيًا من وزره، آملًا أن ينجو من حسابه!

•••

مسلم لا شك في إسلامه، ولا شك في طبعه، ولا شك في اختلاف الطبائع بين المعتقدين جميعًا في كل دين من الأديان ورأي من الآراء.

فلما فتحت له الحيطة باب التفكير في الإسلام أقبل عليه وود لو يغنمه بريئًا من عقابيل الجاهلية؛ لأنه نفض يديه منها وأيقن بضلالها.

قال — وقد اعتزم لقاء النبي عليه السلام — ما فحواه: «فلقيت خالدًا فقلت: ما رأيك؟ قد استقام المَنْسِم والرجل نبي، فقال خالد: وأنا أريده، قلت: وأنا معك … وقال عثمان بن طلحة: وأنا معك … وكنت أسن منهما فقدمتهما لأستدبر أمرهما، فبايعا على أن يغفر لهما ما تقدم من ذنوبهما، فأضمرت أن أبايعه على ما تقدم وما تأخر، فلما بسط يده قبضت يدي، فقال — عليه السلام: ما لك يا عمرو؟ قلت: أبايعك يا رسول الله على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، قال: إن الإسلام والهجرة يجبان ما كان قبلهما فبايعته، والله ما ملأت عيني منه وراجعته بما أريد حتى لحق ربه، حياءً منه.»

وقد كان ذلك في السنة الثامنة للهجرة على أرجح الأقوال، ويؤخره بعضهم إلى ما بعد فتح مكة بزمن وجيز.

ولقد كانت رحابة صدر النبي — عليه السلام — تسع الناس جميعًا، ولا تضيق بأحد من مختلف الطوائف والطباع: سنة النبي الكريم الذي يدعو الناس جميعًا، ولا يخص منهم فئة دون فئة ولا خليقة دون خليقة، فكان يتقبلهم مرحبًا بهم مشجعًا لهم راجيًا أحسن الرجاء فيهم، كلًّا وما فطر عليه وكلًّا وما تؤهله له فطرته وشأنه، وقلما ذهبت هذه السماحة سدى في نفس مسلم أقبل على الإسلام سمح الإقبال أو مشوب السماحة بشيء من عقابيل الجاهلية؛ فكان أول أثر من آثار هذا الكرم النبوي أن يتسامى المسلم إلى المنزلة التي رفعه ذلك الكرم النبوي إليها، ومنهم من كان يستكثر الثقة الرفيعة التي ظفر بها فيعمل على استحقاقها والمحافظة عليها، ويشفق أشد ما يشفق أن يداخل النبيَّ طائف من الظن بصدق نيته وخلوص إيمانه.

وطالما أشفق عمرو بن العاص هذا الإشفاق، وود لو تخلص له ثقة النبي على أحسن ما يتمناها؛ لأنه ما زال يستكثر الثقة التي ظفر بها، ويرى فيها من كرم النبوة أكثر مما يراه من حقه واستحقاقه.

فلما رشحه — عليه السلام — لبعثة يسلم منها ويغنم، أسرع قائلًا: ما أسلمت من أجل المال، بل أسلمت رغبة في الإسلام!

وظل إلى ما بعد وفاته — عليه السلام — بسنين عدة يسائل نفسه عن تولية النبي له: والله ما أدري أكان ذلك حبًّا لي أم استعانة بي!

ونخال أنه لم يكن يملأ عينه من النبي كما قال؛ حذرًا من هذا الذي يساور نفسه أن يبدو من لحظه، فتلتقي به نظرة من تلك النظرات النبوية النفاذة على ما بها من الطيب والسماحة … وإن طموحه إلى ثقة النبي لهو الذي جعله يقول كما قد قال في بعض أحاديثه: «ما عدل بي رسول الله وبخالد بن الوليد أحدًا من أصحابه في حربه منذ أسلمت!»

غير أن هذا القلق الذي كان يعتاده من حين إلى حين إنما كان مبعثه ما ركب في طبعه من ظنون الدهاء ودخيلة الحيطة، أو المساءلة الباطنية التي لا تريح أصحابها ممن جبلوا على غراره.

أما مسلك النبي معه فقد كان قوامه ذلك الأدب الإلهي الذي لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا ينتظر من نفس إلا ما هي خليقة أن تعطيه …

ولقد عرفه — عليه السلام — كما عرف غيره من الصحابة جد عرفانه.

عرفه وعلم «وسعه» الذي يكلفه، فعلم أنه وسع كبير فيما يحسن وفيما يسيء، وإن في وسعه هذا خيرًا للإسلام هو وشيك أن يستعين به عليه.

وقد ندبه لأمور لا يندبه لها إلا من كان على علم واف بالرجل وما غلب عليه من ظاهر خصاله واستسر في مكنون خلده.

ندبه لغزوة ذات السلاسل ولهدم الصنم «سُوَاع»، ولدعوة جيفر وعبَّاد أميري عمان إلى الإسلام … ثم أقام على الصدقة في تلك الإمارة، فإذا هو — عليه السلام — قد وعى كل خاصة من خواصه التي ظهرت في تاريخه أجمع؛ لأنه اختار له المساعي التي توافق رجلًا معتدًّا بالنسب ولا سيما نسب أبيه، محبًّا للرئاسة وتدبير المال، لبقًا في الخطاب، قديرًا على الإقناع، حذورًا في موضع الحذر، جريئًا في موضع الاجتراء.

كان أخوال العاص بن وائل من قضاعة، ونمى إلى النبي — عليه السلام — أنهم يتأهلون للزحف على المدينة ويعيثون في الطريق، فندب لهم عمرًا يتألفهم إن استطاع، فإن لم يستطع فهو بأن يزجرهم أولى من أن يجيء زجرهم على يد غيره، وأرسله في سرية من ثلاثمائة رجل سار بهم حتى بلغ ماءً يسمى السلاسل، فاستطلع فإذا القوم نافرون مصرون على جفاء، وإذا بهم أكبر عددًا من أن يتصدى لهم بجيشه الصغير؛ فاستمد النبي — عليه السلام — فأمده بكتيبة على رأسها أبو عبيدة بن الجراح، وفيها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وهم أجل الصحابة وأقربهم إلى خلافة النبي — عليه السلام — وأمرهم أن يطيعوه إذا أبى عليهم الطاعة فبلغه بذلك رضاه من الإمارة!

وانهزمت قضاعة منذ الوقعة الأولى …

فلم يغتر عمرو بالنصر، ولم ينس ذمة القرابة واستبقاء الرحم على ما يبدو من مسلكه الذي جمع به بين المصلحة والمودة، فقد أراد جيشه أن يتعقب المنهزمين، فنهاهم عن ذلك، وذهب جماعة من الجيش يصطلون ليلًا، فتوعدهم لئن فعلوا ليقذفن بمن أضرم نارًا في النار التي أوقدها، ووسطوا له أبا بكر فأصر على رأيه ووعيده!

ثم شكوه إلى النبي فكان في عذره بلاغ بيِّن، قال: كرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد، وكرهت أن يوقد المسلمون نارًا فيرى عدوهم قلتهم فيكر عليهم بعد فراره.

•••

أما بعثته إلى سُوَاع فقد كانت لهدم ذلك الصنم الذي عبدته هذيل في الجاهلية، وكان على مقربة من مكة، يقصدونه للحج والعبادة وقضاء النذور، وكانت له خزانة يودع فيها ما يودع من النذور ومن المال المحجر الذي وكل به بنو سهم قبل الإسلام، فكان اختيار زعيم من بني سهم فيه حرص على تحصيل المال نعم الاختيار لتلك البعثة التي لا حرب فيها.

سأله سادن الصنم: ماذا تريد؟

قال: أمرني رسول الله أن أهدمه.

قال السادن: إنك لا تقدر على ذلك.

فتقدم عمرو إلى الصنم وكسره، وأمر أصحابه بهدم الخزانة فإذا هي خاوية!

فأقبل على السادن يسأله: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله رب العالمين.

•••

وكانت رسالته إلى عمان أشبه الرسائل به وأولاها بانتدابه؛ لأنها كانت مجالًا مستجمعًا لكل ما فطر عليه من اللباقة والدهاء والجرأة وحب الرئاسة والثراء.

كتب النبي — عليه السلام — إلى جَيْفَر وعبَّاد ابني الجلندي كتابًا يدعوهما فيه إلى الإسلام، قال فيه بعد السلام على من اتبع الهدى: «أما بعد، فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما …»

فحمل الكتاب عمرو بن العاص، وكان عند ظن النبي به في مقدرته ودهائه، فبدأ بأصغر الأخوين عباد؛ لأنه لم يكن على ولاية الملك، فهو أقرب إلى حسن الإصغاء فاحتفى به وأصغى إليه، ووعده أن يوصله إلى أخيه ويمهد له عنده.

ثم لقي جيفرا فإذا هو أصعب مراسًا من عباد؛ فطفق يسأل عمرًا عن نفسه وعن أبيه: هل أسلم من قبله أو مات على غير الإسلام؟ وسأله عما صنعت قريش فلخص له موقفها أوقع تلخيص حيث قال: «إما راغب في الدين وإما مقهور بالسيف …» ثم عقب كلام وجيز فيه وعد ووعيد، فقال له: «وأنت، إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل، فأسلم تسلم فيوليك على قومك، وتبقى على ملكك مع الإسلام، ولا تدخل عليك الخيل والرجال، وفي هذا ومع سعادة الدارين راحة من القتال.»

وأتبع هذا الوعيد بما يوائمه من قلة الاكتراث لجيفر حين لج هذا في عناده، وأعلنه بلقاء المسلمين دون أرضه وصدهم عن حوزة ملكه، فانصرف وقد ألقى في روع عباد ما ألقى، فإذا بعباد قد أتم له ما بدأه من النذير والنصيحة، وإذا بالأخوين ومن تبعهما مستجيبون للإسلام.

وكان جزاء عمرو على هذا التوفيق أن عقد له النبي ولاية الزكاة، يأخذها من الأغنياء ويفرقها على الفقراء، وهو عمل حبيب إلى طبعه لما فيه من تدبير المال ومشابهة للمهمة التي تولاها زعماء بني سهم في الجاهلية، وله منها نصيب يرضيه؛ لأن الزكاة كما نص القرآن الكريم في الصدقات: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة: ٦٠].

فله منها نصيب العاملين …

•••

فإذا كان النبي — عليه السلام — قد اختاره لتلك المهام المرتبة، فإنما اختاره وهو يعرف من اختار، ولم تكن مرضاته كل ما توخاه — عليه السلام — بل هي مرضاته من طريق الخير لجميع المسلمين.

وقد أبقاه — عليه السلام — على ولاية الصدقة حتى توفاه الله، فلم يشأ أبو بكر — رضي الله عنه — أن يعزله عنها إلا برأيه ومرضاته؛ إيثارًا للسنة التي التزمها من إقرار كل ما أقره النبي — عليه السلام — في حياته، وألا يحل عقالًا عقله رسول الله ، ولا يعقل عقالًا لم يعقله، كما أوصى عمرًا نفسه يوم أبلغه نعي النبي الكريم.

ولم ير عمرو قط في حزن كالحزن الذي غمره يوم ورد إليه ذلك الكتاب فبكى طويلًا، وجلس يتلقى العزاء كما يتلقاه في أقرب الناس إليه.

ثم جاءت حروب الردة، فكان موقفه منها الموقف المنتظر من مثله كيفما نظرنا إلى أسباب تلك الحروب، فقد كانت ثورة الإسلام وثورة من البادية على الحاضرة، وثورة من القبائل على قريش، وثورة على الزكاة من فرائض الدين خاصة … وإن أحق الناس أن يبغض تلك الردة لهو عمرو المسلم القرشي العامل على الزكاة.

فلما كان في طريقه من عمان إلى المدينة، نزل ببني عامر، فإذا بزعيمها قرة بن هبيرة يهم بالردة ويقول له: «يا عمرو! إن العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة، فإن أعفيتموها فستسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم.» فلم تأخذه في الأمر هوادة، بل اشتد فيه كما اشتد أبو بكر، وصاح بزعيم بني عامر: «ويحك! أكفرت يا قرة؟ تخوفنا بردة العرب! فوالله لأوطئن عليك الخيل في حَفْش أمك.» أي: في خبائها!

ثم أبى إلا أن ينبئ الخليفة بما سمع من قرة، غير مبق منه بقية يسترها مخافة عليه، فلما جيء بالرجل مأسورًا وانطلق عمرو يروي ما سمع منه، ووصل إلى ذكر الزكاة صاح به الرجل: مهلًا يا عمرو، فقال: كلا والله! لأخبرنه بجميعه.

وكان هذا الموقف منه أول ما استحق به الثقة والرعاية في عهد الخلافة.

•••

وواقع الأمر أن ثقة الخليفة الأول كانت مكفولة لكل من تولى عملًا للنبي — عليه السلام — ومات النبي وهو راضٍ عنه.

فلما وقف عمرو من حروب الردة ذلك الموقف الذي حمده أبو بكر خاصة، لاشتداده في قمع هذه الحركة الخبيثة، أصبح عمرو من أقرب المقربين في العهد الجديد، ونظر أبو بكر فيمن حوله يوليه حرب قضاعة، فلم ير أمامه خيرًا من صاحبه عمرو، وقد تولى حربها قبل ذلك في عهد النبي، وكان الخليفة الأول يومئذ من جنوده … فأبلى في تأديب قضاعة أحسن بلاء ولم يرجع عنها إلا وقد سلمت بحق الزكاة وثابت إلى شرعة الإسلام.

والظاهر من بعض الروايات أن عمرًا تولى لأبي بكر أعمالًا أخرى تدل على ثقة الخليفة به واعتماده عليه، ففي رواية الحافظ أبي عبد الله شمس الدين محمد الذهبي أنه «قدم دمشق رسولًا من أبي بكر إلى هرقل.» ويغلب على الظن — إن صح نبأ هذه الرسالة — أنه إنما أوفد من قبل الخليفة لاستطلاع حال العرب في طريق الشام، مستنفرًا إياهم إلى حرب الروم إذا وقع المتوقع من الحرب بينهم وبين المسلمين، فذلك أشبه المهام بما يندب له عمرو بن العاص، وليس في تواريخ الإفرنج أو العرب ما يعزز نبأ رسالة من الرسائل حملها إلى هرقل من أبي بكر الصديق.

ثم ترامت أخبار الأهبة الكبيرة التي تأهب بها هرقل للقضاء على الدولة الإسلامية في نشأتها، ونمى إلى الخليفة أنه جمع مائة ألف أو يزيدون على مقربة من حدود فلسطين، فجرد جيشًا من ثقات المسلمين الذين لم يختلط بهم في بادئ الأمر أحد من أهل الردة، وعقد لواءه لخالد بن سعيد بن العاص — أخي عمرو لأمه — وأمره أن يستعين بالعرب في طريقه، وأن ينزل بتيماء مترقبًا لا يبرح مكانه إلا بإذنه ولا يقاتل إلا من بدأ بقتاله، ولعله أراد بتجريد هذا الجيش تأمين الطريق من انتقاض أهل البادية حينما سمعوا بتحفز الروم للهجوم على بلاد المسلمين، ثم استطلاع الخبر وتعويق حركة الروم حتى يجمع لهم كفايتهم من الجند والقواد.

وقد كره عمر بن الخطاب ولاية خالد؛ «لأنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة والتعصب»، فسعى عند الخليفة في عزله، فعزله وعقد لواءه ليزيد بن أبي سفيان.

هنالك جاشت مطامع عمرو، فسمت به همته إلى قيادة الجيوش الإسلامية التي تصد الروم وتفتح الشام، ورأى أن خالد بن الوليد صاحبه القديم تكفل بدولة الأكاسرة، فليكن هو إذن كفيل المسلمين بدولة القياصرة، ولم يشأ أن ينتظر حتى يبرم الرأي في مسألة القيادة العليا وهو غائب عنها، فلما أخذ الخليفة في تجريد الجيوش وعقد الألوية لها، ذهب إلى عمر بن الخطاب فقال له متلطفًا: «يا أبا حفص! أنت تعلم شدتي على العدو وصبري على الحرب، فلو كلمت الخليفة أن يجعلني أميرًا على أبي عبيدة، وقد رأيت منزلتي عند رسول الله، وإني أرجو أن يفتح الله على يدي البلاد ويهلك الأعداء.»

فأجابه عمر بصراحته الصادعة: «كلَّا! ما كنت لأكذبك! وما كنت بالذي أكلمه في ذلك، فإنه ليس على أبي عبيدة أمير! ولأبو عبيدة عندنا أفضل منزلة منك وأقدم سابقة، والنبي قال فيه: «أبو عبيدة أمين الأمة.» فلم ييأس عمرو من إقناعه بعد ما سمع، وراح يقول له: «ما ينقص من منزلته إذا كنت واليًا عليه.» فانتهره عمر قائلًا: «ويلك يا عمرو! إنك ما تطلب بقولك هذا إلا الرئاسة والشرف، فاتق الله ولا تطلب إلا شرف الآخرة ووجه الله تعالى.»

واستقر رأي الخليفة على البعوث وقوادها، فأنفذ أبا عبيدة بن الجراح إلى حمص، ويزيد بن أبي سفيان إلى دمشق، وشرحبيل بن حسنة إلى وادي الأردن، وعمرو بن العاص إلى فلسطين، وخشي أن يقع الخلاف مرة أخرى على الرئاسة، فقال له وهو يودعه: «… كاتِب أبا عبيدة وأنجده إذا أرادك، ولا تقطع أمرًا إلا بمشورته.» وأوصاه أن يذهب في طريق العقبة إلى فلسطين.

ويقدر عدد الجيش الذي قاده عمرو بتسعة آلاف مقاتل، معظمهم من أهل مكة والطائف وهوازن وبني كلاب، وعدد الجيوش الإسلامية كافة بسبعة وعشرين ألفًا من الفرسان والمشاة.

وكان ذلك في أواخر السنة الثانية عشرة للهجرة، على القول المشهور، أو في أوائل السنة التي بعدها، على قول آخر.

•••

إلا أن دهاء عمرو أنزله من هذه الجيوش منزلة المشورة والمراجعة، وإن لم ينزله بينها منزلة الرئاسة العامة والقيادة العليا.

فلما اقترب جند المسلمين من مواقعهم التي قصدوا إليها سمعوا بأهبة العدو، فإذا هو يزحف إليهم في جحافل جرارة تبلغ عدتها مائة وخمسين ألفًا، من حاملي الشكة السابغة والعدة الكاملة، فترددوا وتشاوروا وكتبوا إلى عمرو بن العاص وإلى الخليفة، فوافاهم الجواب منهما معًا بالاجتماع للقاء الروم في موقع واحد، وكان رأي عمر أن يتراجعوا إلى اليرموك وينتظروا جيوش الروم هناك …

وأقبل خالد بن الوليد يطوي الصحراء بأمر الخليفة لنجدة القواد من إخوانه المبعوثين لحرب الشام، فألفاهم متفرقين لا يجتمعون على قيادة، واقترح عليهم ذلك الرأي الذي تواترت به الروايات، وهو تداول الإمارة بينهم، وأن تكون الإمارة إليه في اليوم الأول وقد وقع في تعيين تاريخه خلاف كبير.

قيل: إن عدة المسلمين يومئذ لم تجاوز خمسين ألفًا، وارتفع الطبري بعدة جيش الروم إلى مائتين وأربعين ألفًا، وهبط بها بعضهم إلى أقل من نصف هذا العدد وليس هو بقليل.

وكانت ملحمة الرجاء المستميت واليأس المستميت، وتنادى أبطال المسلمين على عهد الموت لا يرجعون إلا منتصرين، أو يقعوا مكانهم مستشهدين، وتزمل اليائسون من الروم في أماكنهم ينتظرون القتل إيثارًا له على الفرار، فانجلى النهار عن هزيمة اليأس وغلبة الرجاء، واشتهرت هذه المعركة باسم معركة أجنادين على اختلاف في الموقع والتاريخ لا يعنينا هنا أن نتقصاه.

ويؤخذ من المصادر المختلفة أن عمرًا قد اشترك في أكثر حروب الشام بين دمشق وفلسطين، وأن شجاعته فيها جميعًا كانت كفاء دهائه وحزمه، فلم يكن يرضى لنفسه مقامًا في الشجاعة دون مقام أحد من القواد أيًّا كان حظه من سمعة البأس والإقدام. وذكروا في وصف وقعة اليرموك أن الروم هجموا في بعض حملاتها بقضهم وقضيضهم على فريق من المسلمين، فانكشف المسلمون وولى صاحب رايتهم، فلحق به خالد بن الوليد وعمرو بن العاص يتسابقان لأخذها من يده، فأخذها عمرو واندفع بها يقاتل المتقدمين من الروم حتى كر إليه المسلمون وتجمعوا حوله، فأدبر الروم منهزمين.

•••

وكأنما شاءت الأقدار للخليفة الأول — أبي بكر الصديق — أن يفارق الدنيا وقد اطمأن إلى غزوة الروم، التي اضطلع بتبعاتها المرهوبة وهو عظيم الهمِّ بها، شديد القلق من عواقبها؛ فانتهت أيامه بهذا النصر المؤزر الذي أوشك أن يكون حاسمًا كل الحسم في معارك الشام وفلسطين.

وأسلم الزمام إلى خير يد تُلقى إليها الأزمَّة من بعده، فبويع لعمر بن الخطاب بالخلافة والنصر مقبل، والحوادث مواتية لمن يتولاها بالحزم الذي هو أهله، وبالروية التي كانت قرينة لحزمه.

وكان عمر بن الخطاب من أعظم الناس ثقة بأبي عبيدة بن الجراح، لما سمع من تزكية النبي له، واختبر من أمانته وإيمانه في طويل الصحبة بين الرجلين العظيمين، وكان يبلغ من هذه الثقة أنه هم أن يبايعه بالخلافة في عجلة الموقف بعد وفاة النبي — عليه السلام — وأنه كان يقول وهو يجود بنفسه: «لو كان أبو عبيدة حيًّا لعهدت إليه.»

فلم يلبث غير قليل أن وضع هذه الثقة في موضعها، فأسند إليه القيادة العامة في حرب الروم، واعتمد على رأيه فيما يأتيه من أخبار ذلك الميدان الفسيح.

والظاهر أن توحيد القيادة كان أعون على توزيع العمل بين القواد في أنحاء الميدان كله، فاستقل عمرو بن العاص بغزوات فلسطين وما جاورها، وتم على يديه فتح سواحلها وحصار بيت المقدس ومنازلة صاحبها «أريطيون» بالجرأة تارة وبالمكيدة تارة أخرى، وكلتاهما من الصفات التي اشتهر بها عمرو بن العاص.

واتفقت المصادر على التنويه ببلاء عمرو في هذه الغزوات، فوضح منها جميعًا أنه لم يكن يألو ذلك العمل الجُسَام الذي وكل إليه جهدًا من شجاعته ولا من تدبيره، وربما جشمته موارد التدبير مخاطر لم يتجشمها في موارد القتال!

من أمثلة ذلك ما رواه الكلبي حيث قال: «لما فتح عمرو بن العاص قيسارية سار حتى نزل غزة، فبعث إليه عِلْجها أن ابعث إلي رجلًا من أصحابك أكلمه، ففكر عمرو وقال: ما لهذا أحد غيري! وخرج حتى دخل على العلج فكلمه، فسمع كلامًا لم يسمع قط مثله! فقال العلج: حدثني، هل في أصحابك أحد مثلك؟ قال: لا تسأل عن هذا، إني هين عليهم إذ بعثوا بي إليك، وعرضوني لما عرضوني له ولا يدرون ما تصنع بي، فأمر له بجائزة وكسوة وبعث إلى البواب: إذا مر بك فاضرب عنقه وخذ ما معه، فخرج من عنده فمر برجل من نصارى غسان فعرفه، فقال: يا عمرو، قد أحسنت الدخول فأحسن الخروج، ففطن عمرو لما أراده ورجع فقال له العلج: ما ردك إلينا؟ قال: نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع بني عمي، فأردت أن آتيك بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية، فيكون معروفك عند عشرة خيرًا من أن يكون عند واحد! فقال: صدقت، وبعث إلى البواب أن خلِّ سبيله، فخرج عمرو ودخل عليه العلج قال له: أنت هو؟ قال: نعم، على ما كان من غدرك …» ا.ﻫ.

وهذه القصة التي أشرنا إليها غير مرة لا تؤخذ على علاتها في تفصيلاتها، ولا يلزم أن تصح أصولها ولا فروعها، ولكنها تدل — ولو كانت مؤلفة — على أشياء قريبة من الحقيقة، بل لا بد أن تكون قريبة منها؛ لأن صدق الأخبار عامة لا يستقيم ولا ينتظم بغيرها، فمن تلك الأشياء شهرة عمرو بالدخول في أمثال هذه المداخل العويصة التي يجرب فيها حيلته كما يجرب إقدامه، ومنها أن عرب الشام كان فريق منهم على الأقل ينظر إلى الحرب بين الروم والمسلمين نظرة العصبية الجنسية، على ما بينهم من الفارق في العقيدة، فلم يعتذروا كذبًا حين زعموا بعد هزيمة الروم أنهم أكرهوا على القتال في صفوفهم وهم يودون لهم الهزيمة، ويتمنون الظفر لإخوانهم في الأصل واللغة، ومن تلك الأشياء أن عمرًا كان معروفًا بين أهل غسان، فلا يبعد أن يصدق ما خطر لنا عن رسالته إلى أنحاء دمشق من قبل الخليفة الصديق، وأنها كانت رسالة إلى عرب القبائل الشامية لتحريضها واستطلاع أحوالها قبل الشروع في قتال الروم …

وجماع تلك الأخبار التي لا خلاف في لبابها — وإن وقع الخلاف على قشورها — أن عمرًا كان بطل الغزوة الشامية في ميدان فلسطين، وأنه ربما كان بطل الغزوة من طلائعها الأولى، يوم كانت بعد في طور التأهب والاستطلاع.

وليس رأي الخليفة الجديد في عمرو بمجهول، فربما كانت ثقته باقتداره واستعداده لعظيمات الأمور أكبر من ثقة أبي بكر الذي تابع في استعماله سنة النبي — عليه السلام — فعمر بن الخطاب هو الذي قال فيه: «لا ينبغي أن يمشي أبو عبد الله على الأرض إلا أميرًا.» وهو الذي كان يقول كلما رأى رجلًا يلجلج في كلامه: «خالق هذا وخالق عمرو واحد.» وهو الذي تبين صواب هذه الثقة في غزوات فلسطين نفسها، فجعل يقول لإخوانه: «رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب.» يعني أريطيون الذي كانت تصحفه قلة النقط والشكل في الحروف العربية يومئذ إلى أرطبون.

وما زالت ثقة الفاروق بكفاءة عمرو ودرايته تعظم وتتمكن كلما صحبه التوفيق في فتح مدينة بعد مدينة، والغلبة على جيش بعد جيش، حتى فرغ من السواحل والمشارف، واتجه بعزمه كله إلى حصار «إيلياء» أو بيت المقدس حاضرة البلاد.

وقد شدد الحصار عليها حتى يئس أريطيون من مقاومتها وفر منها إلى الديار المصرية، وقيل: إن بطريقها لم يؤجل تسليمها للقائد العربي إلا لأنه أراد أن يكون التسليم بمحضر من الخليفة، فكتب عمرو يستدعيه ويعلمه برغبة البطريق، وتم الصلح في السنة الخامسة عشرة للهجرة بحضور الفاروق.

وما هو إلا أن سكنت الشام إلى الحكم العربي، وخفَّ الطاعون الذي فشا في أرجائها بين السنة السابعة عشرة والثامنة عشرة للهجرة، حتى تطلعت نفس عمرو إلى فتح أكبر وأخطر، ونازعته إلى منزلة أشبه به وأجدر: إلى فتح الديار المصرية التي يعلم المسلمون من القرآن الكريم أنها كرسي فرعون ذي الأوتاد، ويعلمون من أخبار أيامهم أنها درة التاج في دولة هرقل، وأن الروم لا يدعونها ولو غلبوا عليها؛ لأنهم عادوا إليها فانتزعوها من الفرس بعد مقامهم بها اثنتي عشرة سنة، وفاقًا لوعد القرآن أن الروم من بعد غَلَبهم سَيَغلبون.

وهنا تشترك المصادفة والتقدير اشتراكهما في كل عمل جُسَام من أعمال التاريخ القديم والحديث!

ترى كيف كان يخطر هذا الخاطر على بال الفاروق لو لم يفاتحه فيه عمرو بن العاص؟

وترى كيف كان يخطر هذا الخاطر على بال عمرو بن العاص لو لم يكن فاتح فلسطين على طريق مصر، وكان فاتح دمشق أو فاتح السواد؟

وترى كيف كان التردد منتهيًا بالخليفة لو لم ينته وعمرو يغذ السير في طريقه إلى التخوم المصرية؟!

أفضى الفاتح الجسور بأمله وأمل الإسلام إلى الخليفة فاستمع إليه، وتردد فيه بين ما عرف من كفاية عمرو، وما عرف من إقدامه على العظائم في سبيل الشرف والرئاسة.

بل تردد فيه بين دواعي الحرب، وهو لا يرى داعية للحرب إلا درءًا لخطر أو قصاصًا من عدوان.

وكان أقرب الناس إلى الفاروق يترددون مثله، ويرون في طماحة عمرو بن العاص مثل رأيه، منهم من يخلص في حذره، ومنهم من يغار من عمرو أن يكتب هذا الفتح الجليل على يديه!

وفي طليعة المخلصين حذرًا من عواقب هذا الطموح الجموح، عثمان بن عفان، فقد كان يذكر الفاروق بجرأة ابن العاص، وأنه يرد المهالك في سبيل طمعه، وما بالفاروق من حاجة إلى تذكير.

أما ابن العاص فقد كان أخبر بالخليفة وبمصر من أن تفوته وسيلة الإقناع في هذا المقام!

إنه ليعلم حرص الفاروق على جند المسلمين أن يسفك دم واحد منهم في غير خطر واقع أو عدوان محذور.

فلتكن غزوته لمصر إذن دفعًا للخطر الواقع، وضمانًا لأرواح المسلمين، ولقد كانت هي كذلك لا مراء.

ولم يكن عمرو مغررًا بالفاروق، ولا كان الفاروق ممن يجوز عليهم التغرير، فإنه ألقى إلى الخليفة أن «أريطيون» داهية الروم قد فر إلى مصر ليجمع فيها قوة الدولة الرومانية ويكر بها على الشام، فلا أمان للمسلمين في فلسطين أو الشام أو الحجاز نفسه وباب هذا الخطر مفتوح! وإنما يوصد الباب إذا ضربت الدولة الرومانية في مصر، وامتنع منها مدد الجند والمال والطعام لتلك الدولة المتداعية …

فعلم الفاروق أنه يستمع إلى صواب، واستجاب لرأي عمرو وهو بين الإقدام والإحجام، فأذن له في المسير وأنظره كتابًا آخر يأتيه منه في الطريق، وقال له: «سيأتيك كتابي سريعًا إن شاء الله تعالى، فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئًا من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي، فامض لوجهك واستعن بالله واستنصره.»

•••

ولا نعتقد أن الفاروق قد ترك الأمر للقرعة المجهولة، تبرم فيه وتنقض بحسب اتفاقها، ليسلم إليها العنان في هذا العمل العظيم، ولكنه أراد أن يستزيد من المشاورة والتفكير، وأن يشرك معه ذوي الرأي في التبعة التي هو مقدم عليها. فإذا كف عمرًا بعد ذلك قبل أن يطرق أرض مصر فلا ضير من كفه، وإذا جاءه الكتاب وهو في أرضها فقد امتنع الرجوع ووجب المسير؛ لأن الرجوع عن أرض بعد دخولها يكشف للروم ضعفًا من العرب ورهبة من العدو، ويغريهم بالكرة على الشام، ويعينهم على جمع الجموع لاستئناف القتال ولو لم يفكروا فيه قبل ذلك، ويخيف أهل مصر أن يستسلموا للعرب إذا أقبلوا مرة أخرى؛ لأن العرب أنفسهم يقدمون على بلدهم بين الشك واليقين.

قيل: إن كتاب الفاروق أدرك عمرًا في رفح، فأغضى عن الرسول حتى بلغ إلى مكان من مصر غير مختلف فيه، فقرأ الكتاب وقال لجنده: لم يلحقني كتاب أمير المؤمنين حتى دخلنا أرض مصر، فسيروا وامضوا على بركة الله وعونه، وكذلك التقى التدبير والمصادفة مرة أخرى في الصفحة الأولى من هذا التاريخ الكبير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠