الفصل الرابع

فتح مصر

كان الصدام بين العرب والدولة الرومانية قضاءً موعودًا منذ اللحظة التي نشأت فيها الدعوة الإسلامية وكتب لها البقاء؛ لأن الإسلام رسالة تتجه إلى أسماع الناس وقلوبهم؛ ولأن الدولة الرومانية سلطان قائم يحول بين رسالته وبين الأسماع والقلوب.

فلا مناص من التقائهما يومًا من الأيام، على سلام أو على خصام.

وهما إذا التقيا على خصام أو على سلام دخل الإسلام مصر مدافعًا أو غير مدافع.

ويفتح الإسلام مصر على كلتا الحالتين فتح رضوان أو فتح تسليم … وإنما هو كتاب مؤجل إلى أوانه المقدور.

•••

لمح النبي — عليه السلام — هذا المصير بلحظ الغيب قبل أن يحين أجله المقدور ببضع عشرة سنة.

وكتب إلى المقوقس — عظيم القبط — يدعوه إلى الدين الجديد دعوة أهل الكتاب: «أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم القبط: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

وقد تلقى جواب المقوقس مؤذنًا بالأمل، غير قاطع بالإباء، يقول فيه كما جاء في بعض نصوصه: «… فهمت ما تدعو إليه وقد علمت أن نبيًّا بقي، وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام …» ثم يقول: «وقد أكرمت رسلك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مقام في القبط عظيم وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام.»

وتعلقت الحوادث بأجلها الموعود.

وقال النبي جازمًا لصحابته الأقربين: «ستفتحون مصر فهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا.» وعلم — عليه السلام — أنه فتح لا ينام عنه الغالب ولا المغلوب، فقال لصحابته: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض.» فقال أبو بكر — رضي الله عنه: ولم يا رسول الله؟ قال — عليه السلام: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة.»

فما كان من مسلم في حياة النبي — عليه السلام — أو بعد وفاته، إلا وهو يعلم أن مصر مفتوحة للمسلمين على يقين.

وإنما هو الأوان المحتوم في يوم غير معلوم.

وآية ذلك الأوان أن يجيء الخطر من قبل مصر، أو يقوم الروم فيها عائقًا كئودًا في سبيل الدعوة.

وعمرو بن العاص هو الذي قال: إنه رأى الآية بعينيه، وقال: إن العائق كئود إذا أجل، ميسور التذليل إذا عوجل قبل استقراره.

وقالها وهو صادق في مقاله!

غاية ما هنالك أنه رآها بعين العبقرية التي تلمح ما وراء الحجب من بعيد، وأنه فسر الحلم المحقق بوحي الإلهام فأحسن التفسير!

لم يكن هو الذي اخترع عزيمة الإقدام على فتح مصر، فقد كان فتحها في حكم الواقع المفروغ منه منذ سنين.

ولكنه كان هو الذي أعلن الوقت المقدور وأصاب الاختيار، واهتدى إلى الأوان.

ولم يخدع نفسه ولا خدع الخليفة، ولا جازف بالفتح الخطير مجازفة الطيش والجهل بالعقبى، ولكنه عند من يجهل الحقائق مجازف هجام! وعند من عرف الحقائق كما عرفناها اليوم حاسب دقيق الحساب، وحالم مطمئن أصدق في حلمه من الخائف اليقظان!

أفكان عمرو إذن يعرف الحقائق كما جلاها لنا التاريخ بعد مئات السنين؟ لا ولا جدال! …

لم يكن يعرفها مفصلة محصلة كما عرفناها، وذلك فضله الكبير.

ولكنه أحسها جملة، فملأته باليقين الذي يمتلئ به العارف بعد التفصيل والتحصيل.

ففي حياة عمرو بن العاص حدثت في مصر وحول مصر خطوب لن يجهلها مثله، وإن لم يطلع على وصفها المسهب، كما كتبه المؤرخون من أبناء العصور الحديثة.

كان في عنفوان الرجولة يوم أغار الفرس على الروم، ففتحوا ما بين بيت المقدس والإسكندرية في أقل من سنتين.

وكان فتى يعقل الدنيا يوم أغار القائد الروماني نقتاس على الديار المصرية من المغرب، بجيش لا تزيد عدته على ثلاثة آلاف منهم البدو والسودان، ففتحت له الثغور والمدائن بمواطأة من أهل البلاد، ومن بعض الرومان الناقمين على عاهل القسطنطينية.

وكان يزور بيت المقدس ويصغي إلى حجاجه ورهبانه المقيمين فيه، فيسمع أخبارًا تنم على ما في مصر من قلق الرعية، وضعف الرعاة، واستفحال الشقاق بين طوائف النصارى، وغضب المصريين من الروم، سواء منهم الموافقون لهم في المذهب والمخالفون.

وكان يلقى اليهود في وادي الأردن وكلهم مغيظ من الدولة الرومانية، لما أصابهم على يديها من الذبح والنهب والتشريد، وفيهم من هو أعلم بمصر وبمداخلها وبمخارجها ومواقع الخلل فيها من حكامها الرومان.

وحضر غزوات الشام وسمع بغزوات العراق، فعلم أن جيوش الإسلام على قلتها قد غلبت الفرس وغلبت من غلبوهم في النضال الأخير: غلبت هرقل وهو في أوج مجده، فما أحراها أن تغلبه وهو مهيض بعد هزائم الشام وفلسطين، وقد شاخ وغامت على عقله الوساوس وحاقت به الدسائس، وتلكأ زمنًا بين الحياة والموت! …

فإن لم يكن عمرو قد علم هذا تفصيلًا، فقد علمه جملة وافية، علمه بالقدر الصحيح الذي يتيح له أن يقول للخليفة: إنه يقدم على فتح بلد «ليس أقل منه قوة، ولا أعظم منه ثروة».

ولو أنه علم تفصيل الحوادث التاريخية كما علمناها اليوم، لكان ذلك أحرى أن يزيده إقدامًا، وأن يلهب من شوقه إلى الفتح ما يرسله في سبيله قدمًا، قليل المبالاة بكل تحذير وتهويل!

لأنه كان أحرى أن يعلم أن أهل البلاد يرحبون به، وإن لم يرحبوا بالفرس من قبله؛ لأن الفرس الرهبان والقسوس في طريقهم إلى مصر، ولم يكن من عادة جيوش المسلمين أن يقتلوا أحدًا من الرهبان والقسوس؛ ولأنه يسلك طريقًا بدويًّا يستطيعه البدو، واستطاعوه في قديم ولا يزال سكانه منذ عرفه التاريخ بدوًا يشعرون بعصبية القرابة لهذا الفاتح الجديد.

ولأن الروم أنفسهم كانوا قد فقدوا عزيمة القتال، بل فقدوا ما هو ألزم من ذلك للمقاتل، وهو إيمانه بحقه في النصر وبرضوان الله عليه؛ فقد كان إيمان الروم الغالب عليهم في معارك الشام أنهم استحقوا غضب الله، وأن العرب لهم سوط العذاب الذي يصبه الله على عباده الواقعين في الخطيئة، وصاح بينهم بهذا النذير صائح مسموع الكلمة في مؤتمر أنطاكية الذي اجتمع إليه كبارهم وأحبارهم، فقال لهم — وهرقل يسمع: إن الروم ليلقون من الله جزاء العصاة! وربما كان هرقل نفسه يشعر بذلك الشعور؛ لأنه كان في شيخوخته دائم الندم معذبًا بوسواس الخطيئة، لبنائه ببنت أخته «مرتينة»، بعد علاقة بينه وبينها وهو إثم محرم في دينه!

ولا نخال عمرًا قد غفل عن استطلاع البلاد المصرية برسل من عنده، أو بالاستماع إلى أناس يغنونه عن الرسل، فعلم أن الحصون مهملة، وأن الدساكر معطلة وأن الجنود المفرقين هنا وهناك يدفعون عن معاقلهم في وهن ويأس من المصير، ويعيشون بين شعب يبغضهم ويتمنى لهم الهلاك والضياع، ويجهر بعدائهم ومشايعة أعدائهم، إذا أمن عاقبة الجهر بالعداء، ورجح عنده الأمل في غلبة المغير عليهم! وأي عدو هو أولى بالأمل في غلبته من غزاة العرب الذين صدوا الأكاسرة والقياصرة، واقتحموا عليهم عقر دارهم وهم مجلبون إليهم من قرار سحيق؟ فإذا أصبح لهؤلاء العرب مقام محمي في تخوم مصر وعلى مداخلها، أيشق عليهم إذن أن ينتزعوا مصر من هرقل وليس فيها غير ظل له بعيد؟

•••

تقدم العرب إلى الديار المصرية، وبينهم وبين عدوهم فروق كثيرة في العدد والعدة والحضارة والعقيدة، من الفضول أن نعرض لحصرها في هذا المقام، ومن الإسهاب في غير موضعه أن نتتبع أصولها ونتعقب فروعها في تاريخ الأمتين.

فإنها لتجتمع كلها في فرق واحد يغني من وعاه عن كل تفرقة بعدها، مسهبة كانت أو مقتضبة، وهو الفرق بين قوم ضيعوا كل ثقة في النصر، وقوم ضيعوا كل شك فيه وآمنوا بحقهم في النصر كل إيمان.

ضاعت ثقة هرقل في نفسه، وضاعت ثقة الروم في صلاحهم للحكم، وضاعت ثقة الأعوان في صلاح العاهل والدولة، ولم تبق لهم إلا بقية من تمسك يقيمها الخوف من عقاب الرؤساء، ويوشك أن يذهب بها خوف أعظم منه وهو الخوف من بأس المغيرين!

ومن الجانب الآخر ملك العرب كل ثقة بالنصر وكل إيمان بحقهم فيه، واطمأنوا إلى خليفة قوي، وقائد قوي، وصبر قوي على كل بلاء! وعلم عدوهم هذا منهم فوصفهم بعد رؤية وخبرة بأنهم «قوم الموت أحب إليهم من الحياة! والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة! ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة!»

ومع هذا الفارق الذي هو خلاصة جميع الفوارق، لم تكن الثقة وحدها هي العدة التي رجح بها العرب وانخذل بها الروم، بل ظهر من تقابل الفريقين في شتى المعارك أن العرب كانوا أخبر بفنون القتال — ولا سيما في المفاجأة — من قادة الروم الذين كلوا وكلت عقولهم بالإهمال والاستنامة إلى الترف والغرور.

فقد كان عمرو يوجه خطط القتال كما يشاء منذ تخطى الحدود وأوغل في جوف البلاد، وكان يضطر أعداءه إلى تبديل خططهم وتحويل معسكراتهم كلما تحرك في الشمال أو الجنوب حركة مفاجئة لا يدرون ما يعقبها، فبينما هم يتجمعون في الفيوم إذا هو يزحف إلى منف شمالًا، ويوهمهم أنه موغل في الجنوب إلى تخوم النوبة، وقد أعانه على المفاجأة خفة العدة وقلة الزاد وسرعة الخيل العربية في سهول الريف ورمال الصحراء، ومن هذه المفاجآت البارعة تلك المفاجأة التي دهم بها الروم عند الجبل الأحمر، وفقدوا بها جيشًا يقارب عشرين ألفًا لم يبق منه إلا بضع مئات، وكان قائدهم «ثيودور» قد خرج للقاء عمرو عند عين شمس، فاستعد له عمرو بقلب جيشه، وأقام من جناحيه كمينًا عند الجبل الذي يلي المكان المعروف بالعباسية الآن، وكمينًا آخر عند «أم دنين» حيث قامت الأزبكية الحديثة، واستمر القتال بين الجيشين، والروم يحسبون أنهم يواجهون الجيش العربي كله، ويستنفدون الجهد أجمع في الغلبة عليه، فما راعهم إلا الجيشان الكمينان ينقضان على حين غرة، فيبتعد الأمل القريب ويدب اليأس في مكانه إلى القلوب، ويرجع القوم بثلاثمائة مشردين من ألوف ربما تجاوزت العشرين!

وكلما خطر للروم أن يأخذوا العرب بحيلتهم ويرتدوا عليهم بمفاجأة من مفاجآتهم، حبطت الحيلة في أيديهم ووجدوا العرب أيقاظًا لهم كأنهم كانوا على علم بنياتهم ومكائدهم، فما خرجوا من معاقلهم المحصورة في ليل ولا نهار ليدهموا العرب على غرة، إلا تجمعت لهم أهبة الجيش كله في لحظات معدودات، فإذا هم المأخوذون بما دبروه، كأنهم سيقوا على كره منهم إلى شرك منصوب.

فالعرب لم ينتصروا اتفاقًا ولا جزافًا، ولكنهم انتصروا بخير ما يكفل النصر للمجاهدين: بالثقة والخبرة، ثم بشيء آخر يعين الثقة والخبرة أيما عون في الميادين البعيدة عن ديار المعسكرين المقاتلين، وهو اطمئنان العرب إلى أهل البلاد من حيث خَشِيهم الروم وتوقعوا منهم كل مكروه؛ لأن العداء بين المذهب الملكي — وهو مذهب الروم — والمذهب اليعقوبي — وهو مذهب القبط — لم يدع مكانًا لتوفيق بين الكنيستين، ولم يبق في النفوس بقية للرحمة ولا للصلح والهوادة، وبلغ من لدد هذا العداء أن الروم أمهلوا ثلاثة أيام للخروج من حصن بابليون، فقضوا يومًا منها في تعذيب القبط وتقطيع أيديهم وأرجلهم ليتركوهم في حالة لا يفرغون فيها لشماتة بعدوهم المهزوم.

نعم، إن التضارب كثير فيما كان من موقف القبط بين حكامهم الروم، وبين المسلمين المغيرين على أرضهم، ولكنه تضارب لا غرابة فيه، ولا موجب لاتخاذه دليلًا على كذب الأخبار في جملتها، ولا لتقييد المؤرخ بترجيح قول منها على قول؛ فإن التضارب حالة لا محيص عنها في الموقف كله، وفي أقوال المؤرخين الذين كتبوا عنه بعد زمن طويل أو قصير.

فكراهة القبط للروم ثابتة لا جدال فيها ولا يتطرق الشك إليها، فإذا جاء في بعض التواريخ أنهم أظهروا المودة للعرب، وجاء في تواريخ أخرى أنهم لبثوا على موالاة الروم إلى ما بعد الهزيمة الحاسمة، فليس سبب ذلك أنهم أحبوا أولئك وكرهوا هؤلاء، ولكنما السبب أنهم ترقبوا جلاء الموقف بين الجيشين المقاتلين، وأنهم كانوا يعملون متفرقين، لامتلاء البلاد بالمعسكرات التي تقطع الصلة بين أجزائها، فيكون قوم منهم على مقربة من جند الروم تارة ومن جند العرب تارة أخرى، ويكون الأقوام المتفرقون على نية متشابهة وأعمال متخالفة على حسب الحوائل والأحوال.

وعلينا أن نترقب تضاربًا كهذا في أكثر الأخبار التي تصل إلينا عن فترة الفتح، وعن حركات الجيوش ومفاوضات الصلح في خلالها.

فمن العبث أن نجزم باستحالة حركة من هذه الحركات قياسًا على أعمال الجيوش التي جرى بها العرف في غير هذه الأحوال؛ لأن الاستحالة والجواز إنما يحسبان هنا بحساب لا يتكرر كثيرًا في جميع الحروب.

ففي غير هذا «الفتح» يجوز مثلًا أن يسأل السائل: كيف استطاع عمرو بن العاص أن يترك حصن بابليون ويوغل في الصعيد، ومن ورائه جيش أعداء يقطع عليه الرجعة ويحصره حيث كان؟ ويجوز تبعًا لذلك أن نستبعد الحركة كلها ونحسبها من تلفيق المؤرخين.

ولكننا إذا اصطنعنا هذا القياس هنا، وجب أن نستبعد الفتح كله من ألفه إلى يائه؛ لأن أربعة آلاف مقاتل يتفرقون من العريش إلى بابليون لا يفتحون قطرًا يسكنه شعب كبير وتحميه دولة كبيرة، فإن لم يتفرقوا وساروا جميعًا إلى حصن بابليون، فقطع الرجعة عليهم أيسر الأمور لو سارت الحركات العسكرية على المألوف في سائر الحروب، وما أعجب حصر الإسكندرية مثلًا وهي مفتوحة من البحر إلى القسطنطينية! وما أعجب التقصير في إمدادها خلال الفتح كله، وهو أول ما يخطر على بال!

فالحساب في هذا الفتح غير الحساب في سائر الفتوح.

وأولى أن يقال: إن جند الروم — لا جند العرب — هم الذين كانوا على حذر من الإيغال في جوف البلاد ومن إحداق الأعداء والرعية بهم في مأزق غير متوقع، فالتناقض في هذه الأخبار وما شابهها هو طبيعة الموقف التي لعلها توجب الميل إلى قبولها ولا توجب الشك فيها، وعلينا كما أسلفنا أن نترقبه في كل شيء، وفي كل مرحلة من مراحل هذا التاريخ العجيب، وقد نستغني عن تعداد شواهده الكثيرة إذا أضفنا إلى ما أسلفنا تناقضًا آخر نحتم به هذه الملاحظة التي لا بد منها، وهو التناقض الذي أحاط باسم الوالي الروماني الذي تلقى العرب ثم صالحهم على تسليم البلاد، فمن هو «المقوقس» هذا، وما حقيقة الأمر فيه؟ أهو روماني أو مصري؟ وهل هو من رجال الحرب أو من رجال الدين؟ وهل كان محبوبًا في شعبه أو كان مبغضًا إليه؟

قيلت جميع هذه الأقوال فيما كتبه العرب والرومان، ولكنه في أرجح الأقوال — كما سيأتي تفصيله — رجل من غير الروم ومن غير المصريين الأصلاء الأقدمين، تولى من قبل هرقل سلطانًا دينيًّا مقرونًا بسلطان الدنيا، ومضى في سياسته على سنة النهازين للفرص من خدام الدول المتداعية، فأغلظ للشعب الضعيف مرضاة للسادة الأقوياء، ثم بدا له أن سادته الأقوياء ذاهبون، فأحب أن يستقل بكرسيه، وأن يأوي إلى جناح الفاتحين لعلهم يشكرون له صنيعه، ويحمونه من أعدائه في مصر والقسطنطينية.

ذلك هو أقل الغرائب في وصف هذا الرجل الغريب، ولكنه على ذلك ليس بالوصف القاطع الوثيق، وأوثق ما يقال عنه: إنه رجل كان يرهن مصيره بمصير البلد الذي أقام فيه.

•••

تقدم عمرو من طريق الساحل إلى العريش، فلم يجد بها أحدًا يصده من قبل الروم، ثم تقدم إلى «الفرما» فحاصر حاميتها واستولى عليها في أقل من شهرين، ثم مضى في طريقه حتى نزل بلبيس، فهزم بها جيشًا رومانيًّا يقدره بعض المؤرخين بثلاثة أضعاف الجيش العربي، وانقض من ناحية الصحراء على «أم دنين» فاستولى عليها، وجاوزها إلى حصن «بابليون»، أو قصر الشمع كما سماه العرب، على الضفة الشرقية من النيل … واختلفوا فيمن كان يقود حاميته، فقال أناس: إنه «جورج» أو الأعيرج كما سماه العرب، وقال أناس: إنه هو «ثيودور» الذي نازل العرب غير مرة، وقال غيرهم: إنه هو «أريطيون» صاحب عمرو القديم.

وصل الجيش العربي إلى جوار «منف» عاصمة الفراعنة، في شتاء ٦٤٠ للميلاد — ١٩ للهجرة — وعرض على والي البلد شروطه التي هي شروط المسلمين قبل كل قتال، وهي الإسلام أو الجزية أو السيف، وعمد إلى التأثير الأدبي في إقناع الحامية ومن يلوذ بها من أهل البلاد، كما عمد إلى الخدعة والبسالة، فكان إذا جاءه الرسل من قبل الروم أبقاهم بين جنوده يومًا أو يومين ليروا بأعينهم زهد المسلمين في الدنيا واستخفافهم بالموت، وصبرهم على الشدة وإقدامهم على الكريهة في سبيل ما هم مؤمنون به وساعون إليه.

غير أن أدوات الحصار في جيش عمرو لم تكن من القوة بحيث تعينه على اقتحام سريع للحصون التي كانت توصف بالمناعة في تلك الأيام، فطال لبثه أمام حصن بابليون قياسًا على حصار الفرما وبلبيس، ولم يشأ أن يقضي الوقت كله في الإقامة على جوانب الحصن حتى تضيق الحامية ذرعًا بالحصار فتستسلم إليه، ولم يكن ميسورًا له أن يُنفِذ السرايا إلى مصر السفلى نحو الإسكندرية وما جاورها؛ لأن ابتداء الفيضان في النهر وجداوله الكثيرة حال دون ذلك، فحوَّل سراياه إلى الصعيد وأطراف الفيوم، ويبدو لنا أنه لم يقصد بها الفتح والاستيلاء على المدن في المرحلة الأولى من القتال، وإنما قصد بها أن يشغل جنده مخافة عليهم من فساد الراحة وطول الانتظار، وأن يعرف بالتجربة المحسوسة مدى التعويل على ولاء أهل البلاد، وأن يضطر حاميات الروم القليلة في الصعيد إلى البقاء حيث هي، والعدول عن إمداد الحامية في حصن بابليون ببعض رجالها إذا خطر لها هذا الخاطر؛ لأن تهديد الصعيد من حين إلى حين يوجب عليها أن تحمي مواقعها قبل التفكير في إمداد غيرها، فإنما كانت حركات السرايا في الصعيد مناورات للتعمية والاستطلاع، ولم تكن حملات للفتح «والاحتلال».

وفي هذه الفترة خيل إلى قائد الروم أنه قادر على أخذ العرب بالمباغتة كما يأخذونه، فتأهب للهجوم على جيش عمرو في قاعدته الكبرى بعين شمس، وكانت تلك المعركة التي أسلفنا الإشارة إليها ودارت فيها الدائرة على الروم، فتجلت فيها مهارة عمرو في القيادة، كما تجلت فيها يقظته لحركة أعدائه وثباته لقوتهم وهي أضعاف قوته في الرجال والسلاح.

وانقضت السنة ومضت أشهر من السنة التالية، والحصن صامد لا يسلم، ولا يزال الذين فيه يخرجون من حين إلى حين لمناوشة جند المسلمين والعودة إليه، وكان النيل قد هبط في أثناء ذلك، فاستطاع عمرو أن يرسل فرقًا من جيشه إلى مصر السفلى لتعويق حركات الروم قبل التقدم إليه، فكان يهزمهم تارة ويرتد عنهم تارة أخرى، بغير كبير طائل لهذا الفريق أو لذاك.

وظل الفاروق في المدينة يرقب جيشه الزاحف بعين لا تغفل وقلب لا يَوْجل، ولم يزل يمدهم ويسأل عن أخبارهم ويتفقدهم، فلا يرى شيئًا هو أحق عنده بالتفقد من سلاحهم الماضي قبل كل سلاح، وعدتهم اللازمة قبل كل عدة، وهي الإيمان أو قوة الروح، فلما أبطأ الفتح المبين لم يرجع بإبطائه إلى قلة العدد أو قوة العدو، بل رجع به إلى نقص الإيمان ودخل النيات، وكتب إلى المسلمين يقول: «عجبت لإبطائكم فتح مصر، تقاتلونهم منذ سنتين وما ذاك إلا لما أحدثتم وأصبتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تعالى لا ينصر قومًا إلا بصدق ثباتهم.»

ولهذا الاستبطاء معناه التاريخي الجليل في فهم خطط المسلمين صدر الإسلام، وفهم التردد الذي بدا من الخليفة يوم أن عرض عليه عمرو مسيره إلى مصر لفتحها بعد فتح فلسطين، فإن هذا الاستبطاء دليل على أنه لم يتردد في تسيير الجيش إلى مصر استهوالًا لخطب الروم، أو استعظامًا لفتحها على جيش المسلمين، ولكنه تردد على سنته في اجتناب الغزو إلا لدفع خطر، أو اتقاء عدوان منتظر، ولولا ذلك لكان استبطاؤه الفتح بعد استهواله إياه من أعجب الأمور.

وحدث في أثناء ذلك أن مات العاهل هرقل، وشاعت الدسائس في البلاط بعده، وفشا المرض في حامية الحصن حتى هلك به خلق كثير، وتغلب حزب الصلح بعد موت العاهل الذي كان يأباه، واعتز جيش المسلمين بإمداد من الفرسان المغاوير يقدر الواحد منهم بألف مقاتل ولا مغالاة؛ لأن تقديره بألف مقاتل لا يعني أنه يساويهم في العدة والكثرة، بل يعني أنه يبث الشجاعة في الجيش بقدرته ويقينه، فيقاتل الجيش كأنه قد زيد ألف مقاتل، ولم يكن قصاراه زيادة فارس واحد، وليس هذا بعجيب في جيش تقوم عدته الكبرى على الثقة واليقين.

من هؤلاء الزبير بن العوام الذي جاء في بعض الروايات أنه تسوَّر الحصن يتبعه جماعة من المستشهدين، فأوقع الرعب في قلوب الحامية وهي تعاني ما تعاني من اليأس والخوف والسقام، فأسرع أنصار الصلح إلى التسليم بعد ممانعة قليلة من المعارضين، وكان ذلك يوم الجمعة السابق ليوم القيامة سنة (٦٤١).

وبادر عمرو بعد سقوط الحصن إلى إقامة المعابر على النيل لعبوره قبل فيضانه، ثم مضى في طريقه إلى الإسكندرية يقاتل من لقيه من فالَّة الروم أو جموعهم المتربصة في حصون المدن الكبيرة بين بابليون وشاطئ بحر الروم، وضرب الحصار على المدينة الكبيرة، بينما كانت جنوده وهو على رأسهم في بعض الأحيان يشنون الغارة على مدينة بعد أخرى من مدن مصر السفلى، حتى كان أول المحرم سنة ٢١ للهجرة/١٠ ديسمبر سنة ٦٤١، فسلمت الإسكندرية يأسًا وخورًا وهي قادرة على مواصلة القتال سنوات، وانعقد الصلح على أن تؤدى الجزية دينارين عن كل رجل قادر على العمل، وأن تستمر الهدنة أحد عشر شهرًا تجلو الجيوش الرومانية في خلالها عن المدينة، وتحمل معها من متاعها ما تشاء، وأن تباح للمسيحيين عبادتهم، وتصان لهم معابدهم، وأن يؤذن لليهود بالبقاء في الإسكندرية، وأن يضع الروم عند المسلمين رهائن لضمان نفاذ الاتفاق مائة وخمسين من المقاتلين، وخمسين من السراة غير المقاتلين.

وكان هذا الصلح على هوى المقوقس، ولم يكن على هوى الكثيرين من غلاة الجند وأصحاب الأموال في العاصمة التجارية الكبرى فثاروا بالمقوقس، وأحاطوا بقصره متوعدين منذرين، وخرج لهم باكيًا يعتذر لهم بمشيئة الله من أزل الآزال ولا راد لقضاء الله، فاستمعوا إلى الرجل الذي يكلمهم بلسان الدين ولسان الدنيا وشاركوه في البكاء!

تقدمت الإشارة إلى بسالة عمرو في حصار الإسكندرية، ومجازفته بنفسه في اقتحام حصونها مع طلائع المقتحمين، فما هو صحيح من أنباء تلك البسالة فهو شاهد بخلق قد شهدت به معارك كثيرة ومآزق شتى، وما ليس بصحيح فهو من مبالغة الخيال في تكبير الواقع، وليس مما ينقص ذلك الخلق المتفق عليه.

على أن العظمة التي ثبتت لعمرو بن العاص بعد فتح مصر لا تقل عن عظمة الفاتح الجريء ولا عظمة القائد الضليع بفنون الخدعة والإقدام.

فقد عرف مصر وهو مقبل على حكمها، كما عرفها وهو مقبل على فتحها، فإذا هو صالح للعمار والقرار صلاحه للهجوم والحصار.

انتهى دور الفاتح بتسليم الإسكندرية، وبدأ دور الحاكم الذي يسوس رعاياه.

وكان رأي عمرو أن مصر أخذت فتحًا، ولم تؤخذ صلحًا كما يفهم من الصلح بغير قتال، وفي ذلك يقول: «قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر عليَّ عهد ولا عقد، إن شئت قتلت وإن شئت خمست، وإن شئت بعت.»

ولكنه مع هذا شاء غير القتل وغير التخميس وغير البيع، فعامل الرعية في أمور دينها ودنياها معاملة رضيتها وأطلقت ثناءها، وجعلت البطريق بنيامين يسمي عهد العرب بعهد السلامة والأمان، وعهد الرومان بعهد الجور والطغيان.

وكان هذا البطرق مبعدًا عن مكان الرئاسة الدينية لمخالفته مذهب الكنيسة الملكية، فاستقدمه عمرو واحتفى به ورده إلى مكانه.

وأقبل على سياسة البلد وتدبير مصالحه وتوفير خيراته، فعلم أن الرخص والغلاء مرهونان بفيضان النيل، وأن سياسة مصر هي سياسة النهر في ارتفاعه وهبوطه، فكتب إلى الخليفة أن أهل مصر يجهدهم الغلاء إذا وقف النيل عند حد مقياس لهم، فضلًا عن تقاصره، وشرح له علل الغلاء فقال: «إن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، ويدعو الاحتكار إلى تصاعد الأسعار بغير قحط.» ثم أتبع ذلك فقال: «إني وجدت ما تروى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعًا، والحد الذي تروى منه سائرها حتى يفضل منه عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعًا، والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان وهما الظمأ والاستبحار اثنا عشر ذراعًا في النقصان وثمانية عشر ذراعًا في الزيادة.»

وقام بأمر الخليفة على بناء المقاييس، فبنى مقياس حلوان ومقياس أسوان، وأشرف على صيانة الجداول والجسور، وكان سكان البلاد يعتمدون على وسائل خرافية لاستدرار ماء الفيضان، منها إلقاء قربان في النيل يقال في بعض الروايات الضعيفة: إنه عذراء بقيد الحياة، ويقال على الأرجح: إنه دمية من الطين على هيئة فتاة تمثل الأرض الزراعية التي «يتزوج» بها النيل أو يثمر منها ثمراته، فكتب عمرو إلى الخليفة في ذلك، فجاءه منه الأمر بإبطاله بعد أن فكر هو في مثل ذلك، فأبطل هذه العادة الخرافية، واعتمد على الوسائل المعقولة من تنظيم الماء ومناوبة الري حسبما تهيأت له الأسباب العلمية في ذلك الزمان.

وترفق في جمع الأموال من جزية الرءوس وخراج الأرض، فوزعها على ثلاثة أقساط في العام، ولم يزد محصول السنة على اثني عشر مليون دينار: ثلثاها من جزية الرءوس على حساب أربعة ملايين عدد الذكور العاملين، ومنها نحو ثلاثة ملايين دينار خراج الأرض على حساب مليون ونصف مليون فدان، وهو دون الخراج الذي كان يجبى في عهد الرومان والفراعنة غير ما كانوا يستصفونه غصبًا من الخيرات والثمرات.

وقد كانت قلة الخراج عن القدر المنظور في أول الأمر مدعاة سؤال كثير من قبل الخلفاء، فراجعه عمر في ذلك وانتهت مراجعة عثمان إياه إلى عزله، فزاد الخراج على عهد ابن أبي سرح، وقال عثمان لعمر: أشعرت أن اللقاح درت بعدك ألبانها؟ قال عمرو: لأنكم أعجَفْتُم أولادها!

ومهما يكن من تصرف عمرو في مال الخراج — أو من طمعه المشهور — فما نظن أن طمعه في المال المحصل كان سببًا ظاهرًا لذلك النقص الذي لحظه الخلفاء؛ لأنه كان يستطيع أن يجمع ما يكفيه ولا يلحظ نقصه لو آثر الجور على القصد في السياسة. وإنما عمل بالعهد الذي كتبه للمصريين ونظر إلى طول البقاء في الولاية، فمضى على السياسة التي تكفل له ولاء الرعية، وتصلح شئون العمارة في البلاد على حد قوله: «إنه لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل.»

وكان من أهم أعمال التعمير التي تمت على يديه بأمر الخليفة فتح الخليج الذي سماه بخليج أمير المؤمنين بين نهر النيل والبحر الأحمر، فكان ممرًّا صالحًا للسفن التي تحمل الميرة من مصر إلى الحجاز، وطالما احتاج الحجاز إلى تلك الميرة في أعوام القحط والمجاعة.

وبنى مدينة الفسطاط حول مسجده المعروف باسمه إلى اليوم، وإذا صح ما قيل في سبب تسميتها بالفسطاط، فقد بقي عمرو «الشاعر» يقظان الحس والخيال تحت آكام السياسة وأنقاض الحروب، قيل: إنه أراد أن يقوِّض فسطاطه فرأى يمامة قد باضت في أعلاه فقال: لقد تحرَّمت بجوارنا وأمر الجند أن يقرُّوا الفسطاط حتى تطير فراخها، فبقي حتى بُنيت المدينة في مكانه وسميت بالفسطاط، أو لعل السياسي هنا كان أيقظ من الشاعر؛ لأن حماية يمامة وديعة في جوار وال لهي أجدى له من البأس والرهبة في استمالة القلوب العصية إلى «الحماية» الغريبة التي فرضت عليها.

•••

ومن تمام القول في سمعة الحكم الإسلامي بعد فتح مصر، أن نعرض لمسألة طال فيها الأخذ والرد بين المؤرخين وناقدي الإسلام، وهي مسألة إحراق المكتبة الكبرى بالإسكندرية!

وخلاصة هذه المسألة أن عمرًا رفع إلى الفاروق خبر المكتبة، فجاءه الجواب بما نصه: «أما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتقدم بإعدامها.» فوزعت الكتب على أربعة آلاف حمام بالمدينة، ومضت ستة أشهر وهي تستخدمها في وقودها.

ولم تذكر هذه الرواية إلا بعد انقضاء ستة قرون على تاريخ الفتح، فلم يعرض لها البطرق يوتيخوس الذي توسع في الكلام على فتح الإسكندرية، وكذبها ظاهر من المبالغة في عدد الكتب التي تغني أربعة آلاف حمام عن الوقود ستة أشهر! مع العلم بأن الرق الذي كانت الكتب تسطر عليه في تلك العصور لا يصلح للوقود، وأن الوالي الذي يريد إعدامها لا يسلمها لمن لعله يبيعها أو يحفظها ولا يفوته أن يعهد في نقلها إلى أصحابها وقد حملوا معهم متاعهم الذي طلبوا حمله وهم ذاهبون إلى أرض الروم، وقد حدث أن هذه المكتبة أحرقت مرات في عهد يوليوس قيصر، وعهد العاهل ثيودسيوس الذي أباد آثار الوثنية، سواء من الكتب أو التماثيل.

وكفى لتكذيب هذه الأسطورة أنها لا تشبه عملًا من أعمال الفتح الإسلامي الذي اقترن بالتعمير ولم يقترن قط بالتنكيل والتدمير، ومهما يكن من صدق القول المعزو إلى عمرو في وصف مصر: «أن نيلها عجب وترابها ذهب، وأمراءها جلب، وهي لمن غلب.» فإنه لم يأخذها قط بسلطان الغلبة والرهبة، ولم يشرع فيها شرعة إلا كان رائده فيها الرفق والمودة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠