مدحت وسعيد

وجه الرئيس كلامه إلى رامز بعد انتهاء الجلسة فقال: «لقد شُغِلنا بهذا البحث عن حديث سعيد بك أبيك، هل التقيتما في يلدز؟»

قال: «نعم، وسيكون هنا الليلة أو غدًا.»

فقال حقي بك: «سعيد بك صديق مدحت باشا لا يزال حيًّا؟»

فقال الرئيس: «نعم، ونحمد الله على ذلك. ولعل بعضكم لا يدري مهمة هذا الأخ الجليل، ولهذا أقصها عليكم باختصار: إن سعيد بك صديق مخلص قديم، وكان أكثر الأحرار التصاقًا بأستاذنا مدحت باشا، وشاركه جهاده وأكثر مصائبه ونكباته حتى رافقه أخيرًا إلى منفاه في الطائف، وهو يتعشق الدستور الذي ذهب مدحت ضحيته. وقد قص عليَّ أنباء الفظائع التي قاساها مدحت في منفاه من الجوع والتعذيب إلى أن انتهى الأمر بقتله على مشهد منه بأيدي ضابطين وسبعة من الجنود الخونة، قتلوه خنقًا وقطعوا رأسه وأرسلوه في صندوق إلى يلدز كتبوا عليه أنه يحتوي عاجًا يابانيًّا وأدوات صناعية لجلالة السلطان، قص عليَّ سعيد بك ذلك وهو يبكي. إن عبد الحميد قتل مدحت ولكنه لم يقتل روحه وتعاليمه، ووجودنا هنا وسعينا في سبيل الدستور إنما هو نسمة من تلك الروح الطاهرة. وليس ذلك كل أفضال مدحت، فإنه علمنا تجنب الخطر وعدم الثقة بوعود الطغاة. وقد بعث إلى الأحرار العثمانيين بوصية على يد الأخ سعيد بلغنا إياها، وقال إن هناك وصية مخطوطة كتبها المرحوم وهو في قصر مالطة يوم قبضوا عليه وأخذوا في محاكمته تلك المحاكمة الظالمة، وكأنه أحس بالخطر القريب وهو هناك فاغتنم انفراده وكتب وصية للأحرار ووضعها في مخبأ في قصر مالطة، على أن يحملها معه ويدفعها إلى بعض خاصته بعد خروجه من ذلك القصر، فأُخرِج فجأة ولم يُمهَل ريثما يأخذ الوصية فبقيت هناك، وظن نفسه يعود بعد تقلب الأحوال، فلما يئس من ذلك وأحس بقرب الأجل أسر إلى سعيد خبر الوصية ودلَّه على مخبئها في قصر مالطة، وأوصاه أن يتلوها على الأحرار العثمانيين حيثما وُجِدوا. فلما عاد سعيد من الطائف أخذ يبث أفكار مدحت سرًّا، وأنتم تعلمون أكثرها وأصبح يترقب الفرص للحصول على الوصية، فلم يستطع دخول يلدز بالحيلة إلا منذ بضع عشرة سنة، ونحن في انتظار رجوعه إلى الآن! فأنا أعد خبر خروجه فوزًا لنا وبشارة تدل على قرب النجاة من أسر الاستبداد وإطلاق روح الدستور.»

وكان الجميع سكوتًا لأن هذا الحديث كان جديدًا على مسامع أكثرهم، حتى رامز لم يكن يعرف من هذه التفاصيل إلا قليلًا. فلما فرغ الرئيس من كلامه نهض أنور بك — وكان في أثناء الحديث غارقًا في التفكير — وقال: «هل يطول بنا انتظار الأخ سعيد بك؟»

فقال رامز: «أرجو أن يكون هنا الليلة أو غدًا، ولعله تأخر ليأتي بالوصية معه، هذا ما خطر لي الآن على أثر ما سمعته فقد رأيته يرغب في البقاء هناك يومًا آخر، وقد أوصيت أحد الجيران أن يدله على مجتمعنا إذا أراد أن يأتي.»

فقال: «أما وقد دنا مجيئه ومعه وصية مدحت فلنؤجل حكمنا في هذا الأمر حتى نتلو الوصية، ولا شك أننا سنجد فيها أمورًا مهمة.»

وبينما هم في هذه الحال إذ سمعوا قرع الباب الخارجي فأنصتوا، وبعد برهة قُرِع باب القاعة ففتح الحارس فدخل أحد الحراس يقول: «إن أجنبيًّا لا أعرفه يريد الدخول فلم نأذن له، فطلب أن يرى الأخ رامزًا.»

فتأكد الرئيس أن القادم سعيد بك فأذن لرامز في الذهاب لاستقدامه فخرج، ولبث الجمع في انتظاره على أحرَّ من الجمر. وبعد قليل عاد رامز ومعه أبوه، فأشار الرئيس إلى الجميع بالنهوض إجلالًا له، وقال الرئيس: «إننا نقف لك ترحابًا بك وإقرارًا بفضلك في خدمة الحرية، لأنك رسول أستاذنا مدحت.»

فحياهم ووقف، فأشار إليه الرئيس أن يقعد على كرسي بجانبه احتفاءً به، فقعد والدهشة ظاهرة في طلعته، وابنه رامز ينظر إليه ويتأمله فرأى فيه الصورة التي يعرفها ولم يلحقها إلا تغيير قليل. ولما استقر الجلوس بسعيد سكت الجميع في انتظار ما يقوله، أما هو فمكث هنيهة صامتًا مطرقًا كأنه تهيب تلك الجلسة أو كأنها أذكرته أمورًا محزنة، ثم التفت إلى صورة مدحت المعلقة بالحائط وتفرس فيها طويلًا والأعضاء ينظرون إليه كأن على رءوسهم الطير، فلحظوا قطرات من الدمع تتساقط على لحيته وهو يتجلد، فأراد الرئيس أن يشغله عن تذكاراته المحزنة فقال: «إن فرحنا بقدومك كثير، ولا سيما بعد نجاة أخينا رامز من خطر القتل، ولا شك أنك تشعر بما في قلوبنا من البهجة بهذا اللقاء، بل نحن نستبشر خيرًا بقدومك يا حامل رسالة أبينا وقدوتنا شهيد الحرية. لا ينبغي أن تحزن عليه فإنه لا يزال حيًّا بيننا حتى نأخذ بثأره ونتم عمله فيبقى ذكره خالدًا … نحن في انتظار الوصية المكتوبة، هل وقفت عليها؟»

فتنهد وقال: «نعم إنها معي، وقد سُجِنت من أجلها أعوامًا، ولكن السجن حال بيني وبينها وهي أقرب إليَّ من حبل الوريد، لأن أهل يلدز ارتابوا في مقاصدي فسجنوني وعذبوني لأطلعهم على غرضي من وجودي في قصر مالطة بلا مناسبة فلم أجبهم، ولم أشأ أن أحتال في الخروج دون الوصول إلى هذه الوصية، حتى أُتِيح لي النجاة أمس مع ولدي كما أخبركم، فطلبت البقاء هناك يومًا آخر فبقيت بلا رقيب، فأخرجت الوصية من مخبئها وخبأتها بين أثوابي بحيث يستحيل الاطلاع على مكانها.»

قال ذلك وأخرج أوراقًا تآكلت أطرافها وتهرَّأت لطول دفنها في التراب، ثم دفعها إلى الرئيس فشخصت الأبصار وتطاولت الأعناق ترقبًا لسماع ما فيها.

ونهض سعيد لمساعدة الرئيس في ترتيب الأوراق ومعرفة أولها وآخرها، وعرف الرئيس خط مدحت فقبله وقال: «هذا خطه رحمه الله!» وعاد إلى الترتيب ثم قال: «إن هذه الوصية مكتوبة على عجل، فأسطرها متقطعة أشبه بالمفكرات منها بالوصية، فأبدأ بما على ظهرها»، وقلب الورقة وقرأ: «الدستور، اطلبوه بالسيف.»

فلم يتمالك أنور أن صاح: «حسن! بالسيف، بالسيف!» فنظر إليه الرئيس بلطف كأنه يوبخه على مقاطعته، ولم يكن أنور بك ممن يقاطعون بل هو من أعلم الناس بالأصول والقواعد لحفظ النظام، ولكنه سُرَّ بمطابقة قول مدحت لرأيه فغلب عليه فرحه فقال تلك الكلمة. أما الرئيس فعاد إلى القراءة فقرأ: «سأذهب ضحية طلب الحرية، ولكنني فرد لا تذهب بذهابه تلك الروح التي أخذت تدب في أنفس العثمانيين وتنتشر في الشبيبة العثمانية، ولا بد أن تزداد انتشارًا كل يوم، فموت واحد من الأحرار أو عشرة أو مائة لا يستطيع أن يقف في سبيلها. ولذلك أكتب هذه الأسطر أخاطب بها تلك الروح الممثَّلة في الشبيبة العثمانية. اثبتوا في طلب الحق فإنكم ستنالونه. لا بد من نيل الدستور لأنه حق، وإن طال الأمد على ضياعه. ولكنني أرشدكم إلى أمور عرفتها بالاختبار الشخصي، ولو عرفتها قبل الآن لم تصل أيدي الظالمين إليَّ ولا أفلت الدستور من يدي، ولكني وثقت ورفقت فذهب سعيي بين الرفق والثقة، فاحذروا. وهذه وصيتي بالاختصار، فإن الوقت لا يساعدني على التطويل، وأنا مطلوب للوقوف أمام تلك المحكمة الظالمة، ولا ألبث أن يُحكَم عليَّ بالقتل أو النفي. فأكتب مختصرًا:
  • أولًا: علِّموا الأمة، رقوا العامة، إن الجهل سبب كل علة. ولا أعني التعليم المدرسي كالصرف والنحو والحساب، ولا الطب والهندسة والقضاء. وإنما أعني تربية الشبان وتدريبهم على الحرية الشخصية واستقلال الفكر وبث روح الوطنية في نفوسهم. وهذا يقتضي تعليم المرأة فإنها روح الأمة، فإذا ارتقت وتثقفت نشأ أبناؤها على مثالها، فالأمة التي نساؤها مثقفات راقيات ينشأ أبناؤها أهلًا للحرية ولو لم يتعلموا، فإن القصد التربية، وهذه لا تثبت إلا إذا غُرِست في الصغر. فأولى وصاياي ترقية الشعب وتدريبه على روح الحرية، ولو كان لهذه الأمة التعسة شيء من ذلك الآن لما رضيتْ بحل مجلس «المبعوثان» وقتل الدستور وأنصاره، وهي نائمة لا ترفع صوتًا ولا تجرد سيفًا.
  • ثانيًا: احذروا الشقاق بين العناصر والأديان. إن الدستور العثماني يحتاج إلى هذه الوصية أكثر منه إلى سائر الوصايا، وذلك لاختلاف العناصر والمذاهب في بلادنا. دعوا التعصب الجنسي أو المذهبي واتحدوا في العثمانية، لا تذكروا الإسلام والنصرانية واليهودية، ولا التركي والعربي والرومي والبلغاري والألباني، غضوا الطرف عن هذه الاختلافات لأنها أكبر سلاح يحاربكم به أعداء الحرية الظالمون، هم يفرقون بين العناصر والمذاهب ليستتب الأمر لاستبدادهم ويأمنوا اجتماع الأيدي على مقاومتهم. كلكم مظلوم وكلكم موتور، إن الظلم لا يخص طائفة دون أخرى ولا مذهبًا دون آخر، فاتحدوا.
  • ثالثًا: اجعلوا معوَّلكم في الدفاع على الجندية، ألفوا الجمعيات السرية وأدخلوا الجند فيها، الجند هم الأمة وبأسيافهم يُحمَى الدستور وتستقر الحرية. إن لم يكن الجند معكم فسعيكم في سبيل الحرية يذهب عبثًا، بالجند حاربنا هذا الطاغية، ولو كانت الجندية معنا لفعلنا كما نشاء، لا تفلح أمة في طلب حق من حكومتها إن لم يكن الجند نصيرها، ويُشترَط أن يكون متعلمًا مثقفًا. عوِّلوا على الضباط، فإن العساكر يجعلهم الجهل أتباعًا لكل ناعق، أما الضابط المتعلم ذو الفضيلة فإنه سيف قاطع. اجعلوا معوَّلكم على الضباط المتعلمين فهم وحدهم يدركون معنى الحرية، وهم وحدهم يحمونها بأسيافهم.

    وهنا حدثت تمتمة، ولو أُتِيح للسامعين الكلام لصاحوا: «لتحيَ الجندية!» ثم عاد الرئيس إلى القراءة فقال:

  • رابعًا: وهذه وصية خاصة أحرضكم على العمل بها فقد كلفتني حياتي وحياة كثيرين أمثالي من الأحرار: إن الحر الصادق سريع التصديق كثير الوثوق، وقد يجره وثوقه إلى الخطر لأن الناس حوله على غير ذلك، ولا سيما عبد الحميد. إذا وصلت وصيتي إليكم وهو حي فأوصيكم ألا تثقوا بأقواله ولو أقسم فإنه كاذب. احذروا الوثوق به، فإن الوثوق جرني إلى الموت، لا تصدقوه ولو أقسم وظهرت علامات الصدق في وجهه، فإن ذلك الوجه لا مثيل له من حيث التلون، إن فيه شيئًا لا أعرفه في سائر الوجوه يوهمك منظره أنه صادق وما هو كذلك، له قدرة غريبة على إقناع مخاطبه، وقد يتظاهر بالبكاء ندمًا وأسفًا وهو ينوي غير ما يقول فاحذروه.

    فلما بلغ الرئيس إلى هنا وقف أنور بك وقال: «أستأذن الأخ الرئيس في أن أقول: فليحيَ مدحت أبو الأحرار! هذا هو الرأي الصواب، وقد جاء قوله فصل الخطاب.»

    فابتسم الرئيس وعاد إلى القراءة فقرأ:

  • خامسًا: بقيت وصية ربما تعجبون منها: فإن الحرية تقتضي العدل والرفق وحجب الدماء ولكنها لا تُنال إلا بسفك الدماء، فافتكوا بالأفراد الذين يقفون في سبيل أغراضكم، لأن رجلًا واحدًا شريرًا قد يكون وجوده سببًا في خراب أمة أو ضياع حقوقها، فإذا كان الحق لا يقضي بقتله فالسياسة تقتضيه. افتكوا بالأشرار، اقتلوهم. وإذا كانت الجندية معكم فليس أهون عليكم من ذلك. كل من تأكدتم سعيه ضد الحرية والدستور فاقتلوه وأنا المسئول عن ذنبكم بقتله. إنكم بمثل ذلك تحيون أمتكم، ولو أُتِيح لي أن أعرف ذلك من قبل لكنتم الآن رافلين في بحبوحة الدستور، ولكن تلك سنة الله في خلقه يستفيد الأبناء من اختبار الآباء.

    ولما وصل الرئيس في الوصية إلى هنا تنفس الصعداء، ولم يتكلم أحد إلا الشاب الملازم ك، فإنه تنحنح تصديقًا لما سمعه. وعاد الرئيس إلى القراءة فقال:

  • سادسًا: إذا أُتِيح لكم الفوز بالدستور فاحذروا أن تبقوا هذا الطاغية على كرسي السلطنة، وإن ظهر لكم أنه تاب ورجع، فإنه يظهر غير ما يضمر.
  • سابعًا: لي وصية أخرى تتعلق بتوارث الملك في الدولة العثمانية: إن طريقة التوارث الجارية إلى اليوم لا تخلو من الخطر على الدولة، إذ يكون ولي العهد شخصًا معينًا هو أكبر أبناء السلاطين سنًّا، فقد يتفق أن يكون غير كفء لإدارة أمور الدولة، فإذا أُعلِن الدستور وصارت الحكومة العثمانية دستورية أصبحت مقاليدها في أيدي النواب، فينبغي أن ينظروا في توارث الملك، إنه عظيم الأهمية إن لم يكن حال الانقلاب فبعده عند سنوح الفرصة. والذي أراه أن يبقى حق السيادة في آل عثمان يتوارثونها على أن يكون كل بالغ من أبنائهم مرشحًا لولاية العهد، وإنما يكون للأمة أو مجلس نوابها أن يختار منهم من يجد فيه الكفاءة لهذا المنصب. لا أنكر ما يعتور هذه الوصية من العقبات ولكنها لازمة.
  • أخيرًا: أستودعكم الله وأنا ذاهب لأموت في سبيل الدستور. (مدحت.)

وقعد الرئيس بعد تلاوة الوصية ثم قال: «قد سمعتم هذه الوصايا الثمينة، وبعضها قد سمعناه شفاهًا من أخينا سعيد، وبعضها جرتنا إليه الحوادث واقتضته الأحوال. فما رأيكم؟»

فنهض المحامي رفيق بك وقال: «إن بعض هذه الوصية قد عملنا به على قدر الإمكان وبعضها يحتاج إلى نظر، فنرجو من حضرة الأخ الرئيس أن يعرض هذه المسائل واحدةً واحدةً ويأخذ الآراء في شأنها.»

فقال الرئيس: «إن تربية الأمة أمر اقتضته طبيعة العمران، وإن كنا لم نستطع شيئًا كثيرًا لوقوف حكومة الاستبداد في طريقنا. أما الجمع بين العناصر فإننا ساعون فيه، ووصية أبينا وأستاذنا مدحت تجعلنا نسير فيه إلى النهاية. وهكذا وصيته في التعويل على الجندية فإنها خطتنا الجديدة، وقد وصلنا إليها بعد طول الاختبار، ونِعم الرأي هو! أما تحذيره إيانا من عبد الحميد وعدم الركون إلى مواعيده فقد أتى إبَّان الحاجة إليه ونحن في اضطراب وتردد، وأظن هذه الوصية تكفي للفصل في هذه المسألة، فهل تترددون في رفض اقتراح عبد الحميد الذي أتانا به الأخ رامز؟» وأشار إلى الأعضاء يطلب رأيهم في ذلك، فصاحوا بصوت واحد: «مرفوض».

فقال الرئيس: «والفتك، ما رأيكم فيه؟ إن غرضنا حتى الساعة أن ننال الدستور بلا فتك ولا قتل، ولكن أستاذنا مدحت يلح في تحريضنا على الفتك، فما قولكم؟»

فوقف أنور بك وقال: «إن أستاذنا حدد الحالة التي يجوز فيها الفتك، إذا وُجِد شخص كثير الأذى للأحرار وكان وجوده حجر عثرة في سبيل مقاصدنا فلنقتله. إن هذه سياسة يقضي بها العقل والعدل، فإن قتل شخص واحد أفضل من ضياع حقوق أمة برمتها!»

فاستأذن الملازم ك للكلام، وهو شاب في حدود الخامسة والعشرين من عمره، وقد امتلأ صدره حماسة ولمعت عيناه ذكاءً وحدَّةً، فبشَّ له الرئيس وأذن، فقال: «إذا كانت السياسة لا تقضي بهذا الفتك بأعدائنا فالحق يقضي به، إن أهل القصر وأتباعهم أعداء لنا، وهم يقتلون منا العشرات فضلًا عن قتل الحرية وإماتة الشعائر. وشريعة الحرب تجيز أن نقتل منهم من يقف في طريقنا، هم يقتلون منا طلاب الدستور ونحن نقتل من يسعى في قتل الحرية والأحرار، وكل واحد منا يساوي مئات منهم.» قال ذلك وعيناه تبرقان وصدق اللهجة ظاهر في كل حركة من حركاته.

فأشار له الرئيس مبتسمًا أن يقعد، وقال مخاطبًا الأعضاء: «هل توافقون على الفتك عند الحاجة؟ هذه خطوة جديدة في جمعيتنا، فتأملوا قبل إقرارها إنها خطوة مهمة جدًّا. فما قولكم؟»

فاستأذن سعيد في الكلام فأذن له، فقال: «إن هذه السُّنة قديمة، وأنا أعتقد أنها ستكون الدواء الناجع لهذه الحالة. إنكم تفتكون ببضعة من كبار الظالمين حتى تصغر نفوسهم ويهابوكم، إذ يعلمون أنكم لا تقتصرون في الدفاع عن الحرية والمطالبة بها على الأقلام ولكنكم تدافعون بالسيوف أيضًا. وهؤلاء القوم لا يفهمون إلا بالإرهاب، فخاطبوهم بلسانهم وأنا الضمين بفوزكم بإذن الله.»

وكان لكلام سعيد وقع عظيم في نفوس الحضور حتى لم يبقَ إلَّا من وافق على هذا الرأي، ولما عرضه الرئيس على الأكثرية وافقوا عليه بالإجماع. وكان رجال العسكرية أكثر سرورًا به لأنهم أهل سيف. ومع ذلك وقف الرئيس وقال: «نقبل هذا القرار رغم إرادتنا، لأنه مخالف للخطة التي رسمناها من أول إنشاء جمعيتنا، لكننا قبلناها أولًا لأنها وصية أستاذنا، وثانيًا لأن السياسة تقتضيها، وقد أقرها الأعضاء.»

ثم عرض مسألة بقاء عبد الحميد على العرش إذا حصلوا على الدستور، فاختلفت الآراء فيه واتفق الرأي على أن يُنظَر في ذلك فيما بعد، فإذا وُفِّقوا إلى نيل الدستور تصرفوا حسب الأحوال.

ثم أوعز الرئيس إلى الكاتب أن يبلغ هذا القرار إلى شُعَب الجمعية في مناستير وغيرها فأجاب مطيعًا، ثم سأله الرئيس: «كم الساعة؟»

فقال الكاتب: «الثانية بعد نصف الليل.»

فقال الرئيس: «لم يأتنا خبر حتى الساعة من الأخ المقيم في يلدز، وقد عودنا أن يرسل الأخبار كل يوم أو يومين.»

فقال الكاتب: «لم يتأخر عن الإرسال، فقد أتتني رسالته في هذا المساء وهي مكتوبة بالشفرة كالعادة، ولم أتمكن من حلها قبل مجيئي.»

فاستأذن رامز في أن يساعده في حلها، لأنه خبير بذلك فأذن له. ثم أعلن الرئيس رفع الجلسة عشر دقائق ريثما يفرغ الكاتب ورامز من حل رموز تلك الرسالة، فنهضوا وخرجوا إلى قاعة الاستراحة، والتفوا جميعًا حول سعيد بك وجعلوا يسألونه عما مر به من الأهوال ويتحادثون ويتفاوضون، وتناولوا بعض المنعشات. ثم عادوا إلى الجلسة فقال الرئيس للكاتب: «هل في رسالة أخينا شيء جديد؟ اقرأها.»

فقرأ: «خذوا حذركم، إن المسألة أخذت دورًا جديدًا. انتبهوا جيدًا، إن الطاغية بعث إلى ناظم بك قومندان سلانيك أن يفتك بالجمعية ويقتل على الشبهة، فمن قدر أن يقبض عليه ويرسله إلى سلانيك أرسله، وإلا فهو مفوض بالقتل سريعًا، وله الجوائز على ذلك. وأخشى أن يطلع على محل الجمعية فيباغتكم برجاله … خذوا حذركم.»

وكان الكاتب يقرأ والقوم صامتون مبغوتون، فلما فرغ من القراءة ضج الحضور، وكان أعلاهم صوتًا الملازم ك، فإنه قال: «قد اقترب أجله، قولوا: رحمة الله عليه!»

فعجبوا من تعبيره وفرحوا بحماسته، وقال الرئيس: «قد سمعتم ما جاءنا من أخينا في يلدز عن ناظم بك، فما قولكم؟»

فقال أنور بك: «ينبغي أن يذهب هذا الرجل من الوجود.»

فقال الرئيس: «إن هذا العمل يستلزم أن يكون في الجمعية فدائيون يبذلون أرواحهم في هذا السبيل كما في الجمعيات السياسية بأوروبا، ونحن لم نتعود ذلك بعد فينبغي أن ندبر تدبيرًا جديدًا.»

فوقف رامز وقال: «إن ناظم هذا أساءني، وأنا أولى الناس بقتله.»

فتصدى الملازم ك وضحك وهو يقول: «لا تتعدَّ يا رامز على ما ليس من شأنك، إنما أنت أهل لكتابة المقالات ونظم الأشعار، فإذا احتجنا إلى ذلك يومًا فلا غنى لنا عنك. أما إعدام هذا الرجل فعليَّ أنا، أقول ذلك وأطلبه بإلحاح، أنا أعدم ناظم بك من الوجود غدًا.»

فأُعجِب الجميع بشجاعته وثبات جأشه، وقال له الرئيس: «تتعهد بقتل ناظم؟ أنت إذن أول فدائي في سبيل الدستور، فإذا بقيت حيًّا فلك الفضل يتناقله الناس، وليس في الأحياء من العثمانيين من عمل عملك، وإذا متَّ فليس في الأموات منهم من سبقك إلى ذلك.»

ونهض الرئيس ودعاه إليه فقبله في رأسه ودعا له بالنجاة من ذلك الخطر، فقال الشاب: «لم أقدم على هذا العمل وأنا خائف من الموت، لا بد من الخطر في سبيل الحرية، فإذا مت فاذكروني عند أهلي.»

ثم اجتمعوا جميعًا في وسط القاعة حول القرآن والإنجيل والمسدس، وأقسموا على الثبات والكتمان حتى يقضي الله بما يشاء. وودع بعضهم بعضًا وقد قرب الفجر، وأخذوا في الخروج من باب سري غير الذي دخلوا منه يؤدي إلى زقاق ضيق لا يفطن له أحد.

وبينما هم في ذلك إذ استوقفهم أحد حراس المحفل فرجعوا فقال: «شاهدت رجلًا متنكرًا أكثر من المرور ذهابًا وإيابًا في الشارع المؤدي إلى المحفل في هذه الليلة، ويظهر من مشيته وحركاته أنه ناظم بك القومندان أو رجل يشبهه.»

فلما سمعوا قوله أجفل رامز والتفت أبوه إليه وقال له: «ألم أقل لك إنه سيراقب خطواتك؟»

فمد الضابط الملازم يده إليهم وقال: «لا تتعبوا أنفسكم بالحذر من هذا الملعون، فإنه لن يملك فرصة يستفيد بها من معرفة مكاننا.»

فتحمس القوم عند إظهار هذه البسالة وقالوا له: «بورك فيك من فدائي شريف، ووقاك الله غائلة الظالمين، وجعلك قدوة أقرانك في هذا السبيل الجديد! أنت أول فدائي في طلب الدستور.» ثم أخذوا في الانصراف متسللين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠