العصابات الألبانية

قضى سعيد بضعة أيام في ترجمة البيان ونسخه، ثم تنكر بلباس أحد الفلاحين الألبانيين فجعل على رأسه طاقية قصيرة ولبس دراعة (صديرية) مفتوحة فوقها الكبران المرخي الأكمام وحول حقويه التنورة وتمنطق بمنطقة فيها الطبنجة، ولف ساقيه بسيور «الطماقات» واحتذى حذاءً غليظًا ومشى وعكازه بيده، فلا يظن من يراه إلا أنه من عامة الألبان.

وكان في ألبانيا من جهة مناستير عدة عصابات من البلغار والألبان كلٌّ منها تُنسَب إلى زعيمها، أشهرها عصابة جرجيس الألباني، وعصابة توفيق الأهوماتلي، وعصابة أمين البيسوجانلي، وعصابة قورطيس النوسلِّي، وكل عصابة مؤلفة من عشرات من الرجال الأشداء يقطعون الطريق على الناس ويقتلون وينهبون بحجة الدفاع عن النصرانية، وأكثر ما يكون تحرشهم بالمارة من المسلمين يأخذون ما معهم ويأسرونهم حتى يفديهم أهلهم. وكانت مهمة سعيد شاقة، لأن في جملتها أن يبلغ منشور الجمعية إلى رؤساء هذه العصابات، ولا يخفى ما في ذلك من الخطر، لكنه كان قوي القلب ثابت الجأش عاشقًا للحرية يتفانى في سبيلها.

وكانت عصابات جرجيس الألباني شديدة البطش، قد ملأت بشهرتها جبال البلقان، وهي تعمل باسمه في غيابه أو حضوره. فأحب سعيد أن يبدأ بها فسافر في طلبها وهي معتصمة في الجبال الوعرة، فطال سفره من جبل إلى جبل مقتفيًا آثارها في تنقلاتها هناك. وقضى في ذلك أيامًا قاسى فيها الأمرَّيْن من المشي والتعب، حتى كاد يعدل عن طلبها. وهو إنما يطلبها لأن جرجيس كان معها وهو يريد أن يبلغه المنشور، فأنبأه بعضهم أنهم في جبل على بضعة ساعات من مكانه، فعاهد نفسه أن يقصدها فإذا لم يجدها عدل إلى سواها.

وكانت الشمس قد تجاوزت الأصيل وهو يمشي في سفح جبل على أن ينزل منه إلى الوادي، ثم يعود من طريق آخر إلى أعلى الجبل المقابل حيث يقيم جرجيس بعصابته. فنزل الوادي ثم أخذ في الصعود حتى اقترب من قمة الجبل، والشمس قد دنت من المغيب، فسمع ضوضاء أعقبها إطلاق الرصاص، فدوَّى الوادي دويًّا عظيمًا، وليس فيه ولا في سفح الجبل بيت ولا خيمة. ولكنه شاهد بعض الخيام في أعلى الجبل ومنها سمع إطلاق البنادق. فلما سمع دوي الرصاص وقف وراء صخرة يحتمي بها وأصاخ بسمعه، ولم يبقَ بينه وبين قمة الجبل إلا خمسون مترًا، وندم على مجيئه متأخرًا لكنه تجلد وصبر، فإذا هو يسمع طلقات أبعد من الأولى وراء الجبل، وسمع لغطًا بين الخيام ووقع حوافر خيل. ثم طرق أذنه صوت امرأة تستغيث بالتركية، ولم يسمع من كلامها إلا قولها: «أمان جانم، ما الذي تريدونه منا؟ اتركونا في سبيلنا.» ثم سمع صوت رجل يجاوبها بالتركية أيضًا بقوله: «لا تخافي من هؤلاء الكلاب ولو كانوا مائة.» فأدرك سعيد أن عصابة جرجيس تعترض بعض المارة، ولكنه توسم في صوت الرجل البسالة والقوة. فحدثته نفسه أن يصعد خلسة حتى يشرف على المعركة وقد خيم الظلام فلا يخاف أن يراه أحد، فتسلق الصخور بخفة حتى أصبح وراء إحدى الخيام فأشرف على المعركة، فرأى رجال جرجيس محدقين بركب مؤلف من أربعة أنفس من بينهم رجل وامرأة واثنان على الأقدام هما خادمان، وتفرس في الرجل والمرأة فلم يعرفهما، لأن المرأة ملثمة ويظهر من مجمل حالها أنها من أهل النعم، وكذلك حال الرجل مع أنه كان ملتفًّا فوق أثوابه بالعباءة ويغطي أكثر وجهه باللثام. فتربص سعيد ليرى ما يكون وقد استغرب مرور هؤلاء في ذلك الطريق الوعر، وأصبح شديد الميل إلى استطلاع حقيقتهم، ولم يخف على نفسه لأنه يبحث عن جرجيس من زمن طويل وقد سره أنه وصل اليه.

فلما تكاثر رجال العصابة وكادوا يظفرون بالقوم تقدم الزعيم جرجيس، وقد عرفه سعيد من طول قامته ونوع لباسه واسترسال شعره وما عليه من الأسلحة الثمينة، وكان قد لبس الجاكت والبنطلون والطماقات وحول وسطه المنطقة فوق الجاكت وفيها الطبنجات والخناجر، وعلى رأسه طاقية قصيرة مسطحة وفي مشيته تيه وإعجاب. فخاطب الرجل بالتركية وهو ضعيف فيها قائلًا: «لا فائدة من دفاعكم، وإنما أنتم تعرضون أنفسكم للقتل، ونحن لا نريد أنفسكم وإنما تكفينا أموالكم، فإن لم تسلمونا إياها قتلناكم. ولا تخافوا على المرأة فنحن لا نتعرض للنساء.»

فخاطبت المرأة رفيقها بلحن الاستغاثة قائلة: «يكفي جانم يكفي، أعطهم ما يريدون.»

فأبى الرجل ذلك وقال: «أليس من العار أن أرضخ لهؤلاء اللصوص برغم أنفي؟ ولكن …» وصر بأسنانه وأشار نحو المرأة وهز رأسه أسفًا، يريد أن وجودها معه يلجئه إلى القبول والتسليم. على أنه استوقف فرسه ووقف وقفة أسد ولم يتحرك، فمشى جرجيس نحوه بجأش هادئ وقال له: «لا يصعب عليك التسليم، فان أعظم منك سلموا لنا، وقد رحمناك لأننا أردنا أن نستبقي حياتك إكرامًا لهذه المرأة.»

فتراجع الرجل وقال: «وما الذي تريدونه منا؟»

قال: «نريد ما تحملونه على هذه البغال.»

فالتفت إلى المرأة وقال: «وما هو رأيك؟ كيف نسلم؟»

فقالت: «لا بأس يا فوزي، أعطهم ما يطلبون فإنهم يرتزقون بهذه الحرفة. قبح الله ذلك الطاغية الملعون! كم أفسد من أخلاق رعاياه!»

فلما سمع سعيد اسم فوزي وذكر الطاغية، اعتقد أن هذه هي القادين ومعها الأميرالاي فوزي بك كما أنبأهم جاسوسهم في رسالته، فأخذ يبحث بنظره عن شيرين فلم يجد معهم من النساء غير القادين. فرأى من الحكمة والمروءة أن يتوسط حينئذٍ، وفي توسطه جرأة كبيرة لكنه تعود ركوب الأخطار.

وكان الظلام قد تكاثف، وهناك نار موقدة أمام الخيام، ورأى رجلًا من العصابة أشعل عودًا من الكبريت أنار به مصباحًا ومشى نحو جرجيس، فظهرت عند ذلك سحنة الأميرالاي، وكان ملثمًا وعليه ثياب السفر. فتقدم سعيد ونادى: «جرجيس، أيها البطل!»

فالتفت الجميع نحو الصوت وأجفلوا، إذ لم يكن أحد منهم يتوقع أن يسمع صوتًا من وراء الخيام، فأجابه جرجيس: «من أنت؟»

قال: «إني ضيف عليك، وقد قضيت أيامًا وأنا أطلبك لأؤدي لك أمانة عندي، فهل أقدمها؟»

فاستغرب ذلك الطلب، وأومأ إلى رجاله أن يحيطوا بفوزي والقادين وينزلوهما في إحدى الخيام، وتحول نحو سعيد فرأى رجلًا ليس في لباسه ما يدعو إلى التهيب، فصاح به: «ويلك! من أنت؟»

قال: «أنا رسول إليك من أمة برمتها، أعرني سمعك وأجلسني معك لأقص عليك خبري.»

فبُغِت والتفت إليه باحتقار وقال: «من أنت لتخاطبني بهذه اللهجة؟! إنها جرأة غريبة!»

قال: «قلت إنك ستعرف من أنا، ومتى عرفتني وعرفت من هو خصمك الذي عفوت عن نفسه واقتنعت بماله، لا تندم على الإصغاء إليَّ.»

فأشار جرجيس إلى رجاله أن يضيئوا خيمته ويدخلوا إليها الأسيرين. ولحظ سعيد في أثناء تحول القادين عن فرسها أنها تتوكأ كأنها مثقلة، فعلم أنها حامل. ثم دخل جرجيس ودعا سعيدًا وأمره بالجلوس، وأجلس الأميرالاي والقادين على طنفسة هناك، وظل هو واقفًا، فقال سعيد: «تفضل يا حضرة الزعيم، اجلس. إني عارف قدرك، ألست رئيس جمعية طوسقا الألبانية؟»

قال: «نعم، ومن أنت؟ قل حالًا.»

قال: «أما أنا فإني مندوب متنكر جئتك برسالة من جمعية الاتحاد والترقي العثمانية، سأدفعها إليك الآن ولا حاجة بك أن تعرف من أنا.» ومدَّ يده وأخرج ورقة دفعها إليه، فتناولها ودنا من المصباح وأخذ في قراءتها. وأخذ الأميرالاي يتفرس في سعيد فلم يذكر أنه يعرفه، أما سعيد فإنه اغتنم اشتغال جرجيس بتلاوة الورقة وقال للأميرالاي: «ألست الأميرالاي فوزي بك ومعك حضرة القادين ج؟»

فأجفل فوزي بك عند سماعه ذلك التصريح وهو يحسب نفسه بعيدًا عن المعارف لا يعلم به أحد هناك، ولكنه تجاهل وأنكر وقال: «لا أفهم ما تقول، من أنت؟»

قال: «يا للعجب! كم تسألون من أنا وتنكرون من أنتم! لا ينبغي أن تخاف منا، إننا لا نقتل على الشبهة كما يفعل صاحبكم في يلدز، ولا نطلب غير حقنا، فأخبرني أين شيرين رفيقتكما؟»

فلما سمع سؤاله عن شيرين تحقق أنه مطلع على حقيقة أمرهم ولا سبيل للإنكار، وأعظم أمر الجمعية لتيقظها فقال: «إن شيرين فارقتنا في سلانيك.»

وكان جرجيس قد فرغ من تلاوة الورقة فرماها إلى سعيد باحتقار وقال: «هذا كلام لا يمكننا سماعه. نعم، إننا أقرب إلى المصالحة معكم جماعة المسلمين، ولكنكم تحتالون علينا وتضحكون منا فتأتوننا كل يوم ببيان جديد، تكتبون إلينا اليوم بمعنى الاتحاد بين العناصر، وتكتبون إلى المسلمين تحرضونهم علينا. وقد كنا صدقناكم وعزمنا على حل العصابة، فوقع لنا كتاب مرسل منكم إلى المسلمين تبينون فيه فضل الإسلام ومزية المسلم على غيره وتجعلون أموالنا حلالًا لكم.»

فقال سعيد: «أين هذا الكتاب؟! إنه من رجل مفسد. أين هو؟!»

فأشار جرجيس إلى أحد رجاله، فأتاه بمحفظة أخرج منها كتابًا مرسلًا إلى حاكم أستاورة في تلك الجهة عليه الطغراء وقد صدر باسم الخليفة. ثم قال جرجيس: «ألم تقولوا إنكم تطلبون الدستور وفيه حماية الأعراض وحفظ الحقوق لكل الناس على اختلاف مذاهبهم؟ وهذا كتاب من السلطان يقول عكس ذلك، خذ اقرأ. ألا يقول هنا إن سعي جمعية الاتحاد والترقي في طلب الدستور مفسد للأخلاق، وإنه لا يوافق مصلحة المسلمين لأنه يجعل نساء المسلمين يخرجن حاسرات كنساء الكفار؟»

فتناول سعيد الورقة وقرأ فيها نحو هذا المعنى، وأمعن نظره في الإمضاء فإذا هو «صائب»، فعلم أنه جاسوس السلطان الذي ذكره الدكتور ن، وأنه وصل إلى تلك الجهات وأخذ في بث تلك الروح الشريرة التي حذرهم منها الدكتور، فقال سعيد: «يا سيدي، إن كاتب هذه الأسطر أحد جواسيس القصر، وهؤلاء خاصة يعملون على عرقلة مساعينا فلا ينبغي الإصغاء لهم.»

فأدار جرجيس وجهه وأظهر عدم المبالاة بما يقوله سعيد كأنه ندم على مسايرته وسماع حديثه، والتفت نحو الأميرالاي وقال: «أعطونا ما معكم وإلا قتلناكم.»

فشقَّ على سعيد ما رآه من استخفاف جرجيس بقوله، ولم يصبر على ذلك الضيم فقال: «يا جرجيس، لا يحسن ببطل مثلك ملأت شهرته الخافقين أن يحتقر رسولًا من جمعية حرة تطلب الاتفاق معه على مكافحة الظالمين، أمن أجل رسالة كاذبة من جاسوس منافق ترد أيدي الأحرار الممدودة لمصافحتك؟»

قال: «ومن يؤكد لي أن هؤلاء الأحرار القائمين بطلب العدل والحرية لا يصيرون عبيدًا للظالمين غدًا كما صار سواهم؟ دعني من ذلك وكفى.»

فأطرق سعيد وأعمل فكره في طريقة يقنع بها الرجل بخطئه، وإذا هو يسمع صوت إطلاق النار حول الخيام بكثرة وسرعة، وقد قامت الصيحة في الخيام. فخرج جرجيس للبحث عن السبب، فرأى تلك الخيام قد أحاط بها الجند العثماني من كل صوب، وفر الألبانيون إلا جرجيس فإنه أوشك أن يفر كعادته. ولولا اشتغاله بأمر سعيد ومباحثته واشتغال رجاله بحراسة أولئك الأسرى، لاشتموا رائحة الجند عن بعد وفروا إلى جبال أخرى اعتصموا بها، وامتنع على الجند الوصول إليهم.

فأطل سعيد من الخيمة فرأى ضعف جرجيس وفرار رجاله، فقال للأميرالاي: «امكث هنا مع القادين وسأعود إليكم.» وتقدم نحو الجند فإذا هم فصيلة في مقدمتها ضابط كالأسد الكاسر، واتفق وقوع نور المصباح على وجهه فتبينه، فإذا هو نيازي بك الرسنه لي الذي أوصاه صادق بك أن يستعين به في كشف أماكن العصابات، وكان قد شاهده في مناستير وتعارفا. وكان نيازي لكثرة مطاردته العصابات قد أصبح اسمه كافيًا لبث الفزع في قلوبهم، فهو لم يلقَ عصابة إلا شتت شملها، فبلغه في تلك الليلة نزول جرجيس هناك بنفسه مع عصابته، فأحب أن يبغته ويلاقيه ويباحثه في معنى ما أتى به سعيد، فتسلق الجبل برجاله خلسة وقد عرف المكان من المصباح، فرآهم مشتغلين عن التلصص فلم يشعروا إلا وهم محاطون بالجند ولم تبقَ لهم حيلة. ولحظ نيازي عزم جرجيس على الفرار فصاح فيه: «جرجيس، جرجيس، لا تهرب ولا تخف إني لا أريد بك سوءًا.» فوقف جرجيس.

وقد تعجب سعيد من هذه المصادفة، وتفاءل خيرًا بنجاح مشروعهم الجديد، وتقدم نحو نيازي بك وقال: «نيازي بك؟» فلما سمع صوته عرفه فترامى عليه وقبله وقال: «سعيد بك؟ أنت هنا؟ ما الذي أتى بك؟ هل أصابك سوء؟»

قال: «كلا، إني في خير، وأنا مقيم في ضيافة جرجيس البطل الألباني.»

فلما سمعه جرجيس يقول ذلك خجل من نفسه واحترمه وتقدم إليه وقال: «لم تقل لي من أنت.»

فقال: «ليست العبرة بشخصي، بل العبرة بما جئت به. والآن ما رأيك إذا سمعت هذا القول من نيازي بك نفسه وهو الظافر الآن؟»

فتقدم نيازي إلى سعيد وقال: «أظنك جئت لتبليغ الرسالة الجديدة.»

قال: «نعم، ولكن صاحبنا لم يصدقني، وقد أطلعني على رسالة من بعض رجال القصر تقول عكس قولنا.»

فقال نيازي لجرجيس: «اعلم أيها البطل أني من أعضاء هذه الجمعية المقدسة، ولكي أؤكد لك حسن نيتنا في المنشور الذي أتاك به أخونا سعيد بك هات يدك لأصافحك، ولنتحد معًا على القوم الظالمين. وبدلًا من أن نتقاتل ونحن أبناء وطن واحد نجتمع على مقاتلة المستبدين ونسعى في نيل الدستور.»

فلم يَسَعْ جرجيس عند ذلك إلا الإذعان، ومد يده وصافح نيازي، وأقسما على العمل معًا، وأن يكون ذلك سرًّا مكتومًا حتى يأتي وقته. فأشار نيازي إلى رجاله أن يتفرقوا ويستريحوا، فدعاه جرجيس إلى الاستراحة، فتقدم سعيد وقال لنيازي همسًا: «ألم يبلغ شعبتكم في رسنة خبر القادين التي فرت من يلدز مع أحد القواد الألبان؟»

قال: «بلى، ومعها شيرين خطيبة صديقي العزيز رامز.»

قال: «تعالَ فأريك القائد والقادين. أما شيرين فقالا إنهما تركاها في سلانيك.»

ومشى نيازي إلى تلك الخيمة، فدخل سعيد وقدمه إلى الأميرالاي فوزي بك والقادين. فأثنى الأميرالاي على ما شاهده من بسالة نيازي وحميته، وأُعجِب بما رآه من تفانيهم في سبيل الدستور، إلى أن قال: «الآن تأكدت فوز الأحرار وأن ذلك الطاغية مغلوب على أمره.»

فقال سعيد: «إننا لا ننفك عن الطلب حتى ننال ما نريده أو نموت.»

فقال فوزي بك: «ألا تخبرني كيف عرفتني وقد خرجنا من يلدز ولم يطلع أحد على خبرنا؟»

قال: «نحن هنا في هذه الجبال ونطلع على أخبار عبد الحميد في أبعد قصوره، ونعرف ماذا يأكل أو يشرب.»

فقال: «وفقكم الله إلى ما تريدون! ونحن لم نترك يلدز إلا لنكون معكم في هذا السبيل، فماذا نفعل؟»

قال: «تنزلون مناستير، وسنلتقي هناك ونتعارف ونتعاون. والآن قد تعبتم، وأظن جرجيس يغض النظر عن مطالبه منكم.» والتفت إلى جرجيس وضحك، فقال جرجيس: «بل أنا في خدمتكم إلى حيث تريدون.»

فقال نيازي: «لا نكلفك هذه المشقة فأنا أتولى إيصال حضرة الأميرالاي إلى مكانه، وإنما أطلب منك المحافظة على العهد الذي عقدناه في هذه الليلة.»

قال: «إني على ما تريدون.»

فودعوه وعادوا، فمشى نيازي ورجاله في خدمة فوزي بك حتى وصلوا إلى الطريق السلطاني وهناك افترقوا. فعاد نيازي إلى بلده وهو غارق في بحار التفكير لأمر خطر له وهو يخاطب جرجيس في تلك الليلة، سيكون له شأن في نيل الدستور.

سار سعيد بك وفوزي بك يطلبان مناستير، فقص هذا حديثه عن القادين وأنه كان يتعشقها قبل أن تصير قادين، وهي لا تلتفت إليه لاشتغالها بعبد الحميد، وأنها كانت تظهر انعطافها نحوه وكان لها يد في ترقيته حتى صار من الياوران وتولى رياسة إحدى فرق الحرس. فلما علمت بعزم السلطان على الغدر بها بسبب حملها بعثت إليه فدبر أمر تهريبها مع شيرين. فسأله عن شيرين أين هي، فقال: «جئنا معًا إلى سلانيك بعد أن طال سفرنا في الطريق لأننا جئنا على الأفراس في طرق بعيدة عن المدن، خوفًا من عيون عبد الحميد. فلما وصلنا إلى سلانيك نزلنا في فندق متنكرين وهي معنا، ثم استأذنتنا في الذهاب إلى بيت أبيها لعلها ترى والدتها هناك لأنها فارقتها في ذلك البيت، فمضت مع خادمها ولم تعد. فبعثنا خادمنا في اليوم التالي يبحث عن خبرها فعاد وقال إنه وجد أباها، وهو يعرفه منذ كان في يلدز، وإن صائب باشا الجاسوس معه، وقد اعتزم أن يزفها إليه، وكأنها يئست من بقاء رامز فقبلت. ولم يعد بإمكاننا البقاء في سلانيك خوفًا من كشف أمرنا، فسافرنا نطلب بلدًا لنا من ولاية مناستير، فاتفق لنا ما رأيت.»

فشق خبر شيرين على سعيد لعلمه أنه يغضب رامزًا غضبًا لا مزيد عليه، وفكر قليلًا فتذكر الكتاب الذي قبض عليه عند جرجيس بإمضاء صائب يبث فيه روح الشقاق، فتحقق أنه إذا عرضه على الجمعية حكمت على صاحبه بالموت فيُقتَل على أهون سبيل، لكنه يجب أن يعرف مقره وأن يبلغ رامزًا ذلك، وهو لا يعرف أين هو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠