الفوز الأكبر

وقع الرعب في قلب السلطان عبد الحميد لفرار القادين وهي حامل، وتشاءم من فرارها، ووجه عنايته إلى مطاردة الجمعية والفتك بها، وجعل معوله على شمسي باشا المشير، ولم يلبث أن أتاه نبأ مصرعه، فخارت قواه وزادت وساوسه ومال إلى العزلة للتأمل والتفكير، وعمد إلى استطلاع الغيب على أيدي المشايخ وهم يطمئنونه. وإنما كان جل تشاؤمه من وضع القادين، فبذل جهده في تعقبها بعد فرارها حتى أخبره جواسيسه أنها في مناستير مع فوزي بك، وكان قد فوض إلى شمسي باشا الأمر بالقبض عليهما فتعجلت الجمعية منيته، ففوض ذلك إلى عثمان باشا فقُبِض عليه، واستحث فيلق الأناضول فلم يجبه فازداد فشلًا. وكان صائب باشا يعلم رغبة السلطان في ذلك، فرأى أن يخدمه بقتل الطفل، إذ يستحيل عليه القبض على القادين أو الأميرالاي بعد فشل الحكومة. فعل ذلك من تلقاء نفسه والسلطان لا يعلم.

وملأ اليأس قلب عبد الحميد وتراكمت عليه الهواجس بذهاب القوة العسكرية من يده في مقدونيا والأناضول، وتضاعفت وساوسه وأصبح يكره أن يرى رسولًا قادمًا نحوه لتوالي أخبار السوء عليه، حتى غدا لا يتوقع خبرًا مفرحًا، ومال إلى العزلة، ولم يعد أحد يجسر على مقابلته، وإن كان في حال المقابلة لا يظهر عليه شيء من القلق لاقتداره الغريب على إخفاء انفعالاته. على أنه كان كيفما توجه تصور القادين ج أمامه، وإذا تصور وضعها شعر بخفقان قلبه.

figure
ولما فض الظرف وجد فيه صورة فوتوغرافية لطفل حالما رآه أدرك أنه ابنه.
وبينما هو في ذلك إذ جاءت محفظة البريد كالعادة فوضعوها على المكتب في غرفة المطالعة وذهبوا، وأتى هو إلى الغرفة في الصباح فرأى المحفظة فلم يفتحها لئلا يكون فيها ما يسوءه. وفي الغداء لم يذق من الطعام قليلًا لكنه أكثر من التدخين، فلما جاء الغروب وانقبضت الطبيعة لفراق الشمس حمله حب الاطلاع على فتح المحفظة، وقد أُنِيرت المصابيح فوق المكتب ففتحها وقلَّب ما فيها من الظروف، فرأى بينها ظرفًا عليه ختم مناستير، وحالما وقع نظره على العنوان تسارعت دقات قلبه لأنه بخط القادين ج، فأخذ في فتحه ويده ترتجف من التأثر، ولما فضه وجد فيه صورة فوتوغرافية لطفل عار ليس عليه من الثياب إلا ملاءة بيضاء ووجهه يضحك كالملاك، فحينما رآه أدرك أنه ابنه، فلم يستطع التفرس فيه طويلًا فقلب الورقة ليخفي الصورة عن عينيه، فرأى على ظهرها كتابة هذا نصها:

هذه يا ظالم صورة ابنك الذي كنت تتعمد قتله وقتل والدته خوفًا من أن يكون وجوده شؤمًا يذهب بدولتك، فها هو ذا قد وُجِد وأمه حية في مكان لا يصل إليه سلطانك. فاعلم أن تنجيم المنجمين قد صدق، ولم يبقَ لك في السيادة مأرب من هذه الساعة. تب إلى الله وارجع.

ولم يكد يتم القراءة حتى اختلجت أعضاؤه، فاستلقى على كرسي طويل تعوَّد أن ينام عليه أحيانًا، واستغرق في أفكاره وراجع تاريخ حياته وما مر بها من الأهوال، وكم قتل من الأنفس وأنفق من الأموال في سبيل حفظ سيادته والمحافظة على حياته، وكان معوله على الجند فأصبح الجند ضده ولم يعد ماله ينفعه.

ومازال في أمثال هذه الهواجس وقد أخذ التعب منه مأخذًا عظيمًا، فغلب عليه النعاس ونام، فتوالت عليه الأحلام المزعجة، فتراءت له القادين ج تحمل طفلها على ذراعها وتقول له: «هذا هو ابني وابنك، فقد أفل نجم سعدك، دع الملك لأهله.» ثم تراءى له أن البوسفور قد جف ماؤه وانكشف قاعه، وقد نبتت جثث القتلى بين صخوره كالأسفنج، وكل أسفنجة تشبه واحدًا من قتلاه قد حملق بعينيه فيه، وأخيرًا رأى مدحت عائدًا من الطائف يدرج على الأرض جثة بلا رأس، حتى وصل إلى باب القصر فإذا برأسه قد تدحرج من مخبئه واستقر على الجثة بين الكتفين، وأخذ في توبيخه فذكَّره بأمور كانت بينهما لا يعرفهما سواهما، فأجفل واستيقظ، ثم عاد فنام وعادت إليه الأحلام.

وما زال في ذلك إلى الصباح وقد استيقظ على صوت الحاجب جاء ينبئه بقدوم الباشكاتب لأمر عظيم فأمر بإدخاله، فدخل وفي يده رسالة جمعية الاتحاد والترقي في مناستير تطلب الدستور، فدفعها إلى السلطان فحالما فتحها وقرأها لم يستغربها لأنها أقل مما كان يتوقعه على أثر تلك الوساوس. وكان يخاف أن يأتي الأحرار إليه فاتحين، فيقع في خطر القتل وهو يبذل كل شيء في سبيل بقائه حيًّا، فإذا هم يطلبون الدستور فقط بعبارة لطيفة جدًا، فأحس بضعفه وعزم على الإجابة لكنه دعا وزراءه وذوي شوراه وأخذ يباحثهم.

ولم يكن الأحرار يشكون في إجابة طلبهم ولذلك كانوا فرحين، وفي مقدمتهم الفدائيون والأبطال المحاربون أمثال نيازي وأنور. أما رامز فإنه كان منغَّصًا لفقد شيرين.

كان طهماز قد فر من الفندق خوفًا من وشاية خريستو بعد خروجه، لعلمه أنه من حزب رامز وأن هذا له عصبة قوية من جمعية الاتحاد والترقي في مناستير، فرجع بشيرين إلى سلانيك، وسبقه صائب إلى هناك، وعاد إلى التردد والتزلف إلى شيرين ولم يخبرها أحد ببقاء رامز حيًّا. وما زال صائب يطاولها حتى خاف فوز الأحرار بعد مقتل شمسي والقبض على عثمان وإرسال البرقية إلى القصر بطلب الدستور، وشعر بأنه لم يبقَ له عيش، فألح على أبيها أن يعقد له عليها ليسافر بها. فاستخدم طهماز سلطانه الأبوي وخاطبها بلهجة صاحب السلطة الوالدية وفصل لها مزايا صائب باشا وما يرجوه من النعم على يده، وأن رامزًا صار ترابًا، فلم تزدد إلا رفضًا فقال لها: «إن السلطة لي وحدي في تزويجك. وغدًا يأتي القاضي ليعقد عقدك على صائب باشا، إذ لا يجوز أن نخسر بسبب جنونك صهرًا مثل هذا.»

وكانت قد تعبت من تكرار الرفض وملَّت الجدال، وقد أخذ الهزال منها مأخذًا عظيمًا، وأيقنت بموت رامز وكرهت الحياة، فلما خاطبها أبوها بهذه اللهجة سكتت لكنها أعدت خنجرًا ماضيًا خبأته تحت أثوابها، وعزمت إذا لم تجد لها نجاة أن تقتل صائبًا وتنتحر.

أما خريستو فما زال يقتص الآثار حتى علم أنهم في سلانيك، فجاءها في صباح اليوم المعين لعقد القرآن، فلما علم بقرب العقد والسفر سارع إلى إرسال برقية إلى رامز بأن صائبًا هناك ليأتي سريعًا. وهو مع ذلك يعلم أن رامزًا يستحيل عليه الوصول إلى سلانيك قبل صباح الغد إذ يكون قد قُضِي الأمر، ولكنه فعل ما يمكنه، وهو لا يستطيع الدخول إلى المنزل للوصول إلى صائب. وأخيرًا عزم على المخاطرة بحياته، فاقتنى مسدسًا خبأه بين أثوابه، وجاء قبل ميعاد العقد بساعتين، وجعل يترقب الفرص للدخول إلى المنزل، فرأى القاضي داخلًا ومعه شاهدان، فأراد أن يدس نفسه معهم فرفسه أحد الشاهدين رفسة ألقته على الأرض. فاستغرب خريستو اهتمام ذلك الشاهد به وارتاب في أمره، فدار من جهة النافذة لعله يقدر أن يصوب المسدس من هناك فلم يجد منفذًا. فرأى أن يخبر شيرين على الأقل ببقاء رامز حيًّا لعل ذلك ينعشها ويساعدها، فكتب كلمتين على ورقة وذهب إلى الجيران وكان يعرف خادمهم وبينهما صداقة متينة، فسلم إليه الورقة ليوصلها إلى شيرين حيثما تكون.

فأخذ الخادم الورقة ودخل من باب المطبخ فلقي الخادم الجديد الذي جاءوا به للمأدبة في ذلك اليوم، فوقف يشاغله ويراقب حركات شيرين حتى رآها أتت المطبخ لتبعد عن أبيها وصاحبه، فأسرع ورمى الورقة في يدها وخرج.

ففضتها فعرفت أنها بخط خريستو فقرأت فيها: «إن رامزًا حي وهو آتٍ لنجدتك. لا تخافي.»

فلم تتمالك أن شهقت من الفرح بغير إرادتها وصاحت: «رامز!» ثم انتبهت وخبأت الورقة، ولما رأت أهل البيت انتبهوا لشهيقها أظهرت أنها أحست بألم شديد في رأسها، فلم يستغرب أبوها ذلك لعلمه بما لحقها من القهر. أما صائب فلمهارته في الجاسوسية لم يصدق حيلتها، وحدثته نفسه بأمر طرأ عليها من جهة رامز، وكان جالسًا في الصالون مع القاضي والشهود فأظهر أنه اهتم بأمر صحتها، فأسرع إلى غرفتها ووقف بالباب وقال لطهماز: «هل أدخل يا سيدي؟»

فقال: «تفضل يا باشا، لعل وجودك يذهب ألمها.»

فدخل وقد أرخت شيرين النقاب على وجهها لتخفي بكاءها، فلحظ في يدها ورقة فأصبح همه أن يتناول تلك الورقة من يدها بالحيلة، فقال: «دعيني أجس يدك لأرى ما بك.» ومد يده نحوها.

فاستلَّت يدها وخبأتها وراء ظهرها، فمد يده إلى هناك فوقفت ونفرت منه، فتبعها وأظهر أنه يريد الاطلاع على تلك الورقة عنوة، فتمنعت وصاحت فيه بلهجة الاستخفاف وقد عادت إليها قوتها لما علمت ببقاء رامز حيًا وأنه آتٍ لنجدتها، فقالت: «ابتعد عني يا رجل …»

فصاح أبوها بلحن التوبيخ: «ما هذه الجسارة يا شيرين؟ ألا تعلمين أنك بهذه الوقاحة تحطين من قدري؟»

فقال صائب: «دعها يا سيدي إنها متألمة، وأنا أحب أن أرى الورقة التي في يدها.» فقالت: «ما لك ولها؟ الأحسن لك ألا تعرف ما بها لأنها تحمل إليك الشر!» فضحك وقال: «وماذا عسى أن يضرني؟» والتفت إلى أبيها وقال: «يظهر أنها حتى الساعة لم تدرك من أنا، فيا لضيعة المحبة! هاتي الورقة.»

فابتسمت وقد ذهب بعض امتقاع وجهها من ذكرى رامز وقالت: «ألا بد من اطلاعك على هذه الورقة؟ خذها.» ورمتها إليه وجعلت تتفرس فيه لترى ما يبدو منه وقد استعدت للدفاع بالخنجر المخبأ في أثوابها.

فلما قرأ الورقة ضحك ضحكة التهكم وقال: «إنهم يهزءون بك، إن رامزًا أصبح ترابًا نجسًا مثل سائر رفاقه الأغرار، وسترين مصيرهم جميعًا.»

فلم تصبر شيرين على سماع ذلك الطعن في رامز، فخرجت عن تعقلها وصاحت فيه: «اخسأ يا نذل! أبمثل هذا الكلام تذكر رامزًا؟! عار عليك، ولكنك لا تعرف العار لأنك لا تشعر ولا ضمير لك.»

وكان صائب يعلم أن ما في الورقة صحيح، وأن رامزًا لا بد أن يأتي إذا عرف بوجودها، وأن الأحرار فائزون. وتحقق أنها لم تعد تقبل الزفاف إليه، فعزم على الانتقام منها بالقتل قبل أن يأتي أحد لنجدتها فأخرج مسدسه وشهره عليها، وقال: «ألا ترجعين عن غيك؟» ولما رآه طهماز يشهر المسدس حسبه يهددها فأمسك بيد ابنته ليوبخها، فانتثرت منه وقد أصبحت كاللبؤة الهائجة، وهمت أن تستل خنجرها وتطعن صائبًا، فرأت باب الغرفة قد فُتِح بقوة وسمعت طلقًا ناريًّا وقائلًا يقول: «هذا عن جمعية الاتحاد والترقي»، ثم سمعت طلقًا آخر وقائلًا يقول: «وهذا عن رامز.» وصاح صائب صيحة الألم وسقط على الأرض يتخبط بدمه وسقط مسدسه من يده.

فوقع الرعب في قلب طهماز، ونظر نحو الباب فلم يجد أحدًا لأن الضارب أطلق مسدسه ونجا، فتناول الورقة التي كانت في يد صائب وقرأها، فلما علم فحواها خاف لكنه أخذ يصيح: «ويلاه! من ارتكب هذه الجريمة في بيتي؟!» وهُرِع إلى الدار فوجد القاضي ومعه شاهد واحد وهما في خوف، فقال له طهماز: «ما هذا؟! من فعل ذلك؟!»

فقال القاضي: «لا أدرى يا سيدي، ولعل الشاهد الآخر فعله. والظاهر أنه من أعضاء تلك الجمعية السرية وقد تنكر بثياب شاهد ووقف بباب المحكمة الشرعية، فلما طلبت شاهدين أتوني بهذين، وهو واحد منهما.»

وتقاطر الجيران على صوت الرصاص حتى امتلأ البيت بالناس.

أما شيرين فلما رأت صائبًا مجندلًا سرها أنه لم يُقتَل بيدها، لأنها تنزه نفسها أن تكون قاتلة.

فغطت وجهها بكفيها وخرجت إلى غرفة أخرى وأقفلت الباب عليها، وتركت أهل الدار يهتمون بتلك الحادثة. وبعث طهماز رسولًا من قبله إلى مدير البوليس ليبعث أحدا لضبط الواقعة، وأوصى الرسول أن ينبه المدير إلى أن المقتول صائب باشا، ظنًّا منه أنهم يهتمون ويسرعون للبحث عن الجاني من أجله. وصائب إلى تلك الساعة ذو مقام رفيع لدى الحكومة، طوعًا للأوامر الواردة بشأنه من القصر. ومكث الناس في بيت طهماز ينتظرون مجيء البوليس والجثة مطروحة في الغرفة وقد أغلقوا عليها الباب، فطال انتظارهم.

فلما استبطئوا الرسول أرسلوا سواه وسواه ولم يعد أحد، وفيما هم في ذلك سمعوا ضوضاء في الشارع والناس يصيحون: «الحرية والمساواة والإخاء. الدستور، الدستور. ليحيَ الجيش! لتحيَ الأمة!» فأطلوا فرأوا جماعات الناس يحملون الأعلام ويطوفون الأسواق، يهنئ بعضهم بعضًا ويتعانقون ويتصافحون على اختلاف مذاهبهم وعناصرهم وهم ضاحكون فرحون، وقد قام الخطباء والشعراء يخطبون وينشدون فرحًا بالدستور.

ولم يكن طهماز ولا جيرانه أو غيرهم ممن في تلك الدار يعلمون شيئًا من ذلك، ثم علموا أن السلطان أجاب طلب الأحرار بإعلان الدستور في ذلك اليوم، وأن الجند ورجال الحكومة مشغولون بالاحتفال والفرح، وأن مدير البوليس وغيره من صنائع القصر هربوا واختبئوا، وصارت السيادة إلى أعضاء جمعية الاتحاد والترقي. فرأى طهماز أن التستر أولى به، وأصبح خائفًا على نفسه، فأشار إلى القاضي أن يدبر غسل صائب ودفنه بعد أن يخرجه من منزله، ودفع إليه المال اللازم. وأصبح همه مرضاة ابنته لعلمه أنها من الأحرار، وأن رامزًا لا يزال حيًّا وهو آتٍ، فعزم على استرضائها.

وكانت شيرين قد أغلقت الغرفة عليها لتنسى منظر صائب الأخير، وأخذت تفكر فيما قرأته عن رامز وقرب مجيئه، ثم سمعت الضوضاء في الدار فلم تعبأ بها لأنها كانت تتوقع شيئًا من ذلك ريثما تُضبَط الواقعة، فتحولت نحو نافذة تطل على بستان فرأت خادمها خريستو يتشوف إليها، فأشارت إليه أن يأتي فهرول نحوها وهو يرقص من الفرح، فقالت: «أين رامز؟»

فقال: «ربما يأتي في صباح الغد.» وقص عليها ما فعله باختصار، ثم قال: «يظهر أن مقتل صائب أزال عن الأمة المصائب لا عنك فقط.»

فقالت: «وكيف ذلك؟»

قال: «ألم تسمعي الضوضاء في الأسواق والناس يصيحون فرحين بنيل الحرية والدستور؟»

وكانت خالية الذهن من كل شيء، لأنهم منعوا عنها الجرائد والأخبار فصاحت: «الدستور؟! الدستور؟! ماذا تقول؟!»

قال: «نعم يا سيدتي، قد طلب الأحرار من السلطان أن يمنحهم الدستور فأطاعهم، ولذلك حديث ستسمعينه من سيدي رامز أفندي.»

فلم تصدق نفسها لغرابة الخبر، وقد تراكم عليها الفرح من كل ناحية حتى ظنت نفسها في حلم، ثم تذكرت أمها فقالت: «ووالدتي أين هي؟»

قال: «هي في خير بمناستير، وربما تأتي مع سيدي رامز. اصبري إلى الغد.»

وبينما هي في ذلك إذ سمعت قرعًا بباب غرفتها فسألت: «من؟»

فأجاب: «أنا طهماز والدك.»

فنهضت وفتحت الباب، فرأت الدمع في عينيه وقد أكب على ابنته يقبلها ويقول: «أهنئك يا حبيبتي بنيل الدستور وببقاء رامز حيًّا. قرب الله خطواته لنفرح به وبك!»

فلم تستغرب هذا الانقلاب من أبيها لعلمها بضعفه، وكثيرًا ما كانت تغضي عن إساءته حتى في إبان ضغطه عليها بشأن رامز، وكانت تعذره لقصر إدراكه، فلما رأته داخلًا على هذه الصورة نسيت إساءته وقبلت يده وقالت: «أحمد الله على ذلك يا سيدي.» ثم قالت: «ادعُ خريستو الخادم، إنه في الخارج.»

فأسرع إليه وناداه فدخل فقالت له: «دبر أمر هذا البيت.»

أما رامز فإن برقية خريستو وصلت إليه في ساعة وصول برقية السلطان إلى الجمعية بقبول طلبها إعلان الدستور، فأصبح في حيرة لا يدري هل يذهب ويترك القوم يفرحون وحدهم أم يبقى!

وأخيرًا استأذن في الذهاب إلى سلانيك في أول قطار، وحمل توحيدة معه، وكان أبوه غائبًا عن مناستير فلم يخبره بسفره. فوصلا في صباح اليوم التالي فوجد خريستو على المحطة في انتظارهما، وقص عليهما ما جرى فتأسف رامز لأنه لم يقتل صائبًا بيده، ولكنه عرف القاتل وهو الفدائي الذي تبرع بذلك في الجلسة الأخيرة للجمعية. وركبوا ورامز يلاحظ حركات الناس في تلك المدينة ومقدار اغتباطهم بالدستور، فلم يكن يجد إلا جماعات يتكلمون عن الدستور ويتبادلون التهاني، والشوارع غاصة بالناس وقد تعانق الشيخ والقسيس والحاخام.

وكانت شيرين قد قضت ليلها أرقة من الفرح بقدوم رامز، فلما أصبح الصباح بعثت خريستو لاستقباله. ولما سمعت صوت المركبة أسرعت إلى النافذة، فرأت والدتها ورامزًا نزلا من المركبة، فأسرعت إلى استقبالهما بالباب، فضمتها والدتها وقبلتها وبكت بكاء الفرح، ثم سلمت على رامز وقلبها يخفق، فرأى رامز تغيرًا كثيرًا في لونها ولم يفته السبب.

ولم يكد يصل إلى الدار حتى استقبله طهماز وضمه إلى صدره وأخذ يقبله والدمع في عينيه، ويقول: «الحمد الله على سلامتك يا عزيزي!» وكان رامز مثل شيرين من حيث حكمها على طهماز، فالتفت رامز إلى شيرين عند ذلك كأنه يستشيرها في شأن أبيها، فأومأت إليه أن يغض النظر عما مضى، فقبل يد عمه، وجلسوا يتحادثون، وأكثر الحديث بين رامز وشيرين، ولو أردنا بسطه لأعدنا أكثر ما جاء في هذه الرواية.

وفي اليوم التالي أتى أبوه ووافق على الإغضاء عن ذنب طهماز لعلمه بضعفه، وقال: «إن جمعية الاتحاد والترقي شأنها الإغضاء عن السيئات، وليس في الدنيا من أساءهم مثل عبد الحميد، فلما نالوا الدستور أغضوا عما مضى وعدوه والدهم وتبركوا به، فكيف بوالد الحبيبة؟ عفا الله عما مضى.»

وبعد قليل تكاثر الأحرار في سلانيك من الضباط والملكيين أصحاب رامز، وكانوا يحبونه لأنه كاتبهم وشاعرهم، فاحتفلوا باقترانه احتفالًا حضره نخبة الأحرار، وفيهم أنور ونيازي والأميرالاي فوزي بك والقادين ج والدكتور ن وكان قد فرغ من مهمته في يلدز، وجمع كبير من الأحرار. وكان فرح العروسين مزدوجًا باجتماع الشمل ونيل الدستور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠