النصارى الشهداء

مات الحكم في سنة ٨٢٢م/٢٠٧ﻫ. بعد أن قضى في الحكم ستًّا وعشرين سنة، ترك وراءها الملك هادئًا بعض الهدوء لابنه عبد الرحمن الأوسط؛ فقد أُخضِع المتسلِّمون في قرطبة بالسيف ثم نُفوا، وتلقى المتزمِّتون من الفقهاء درسًا لا ينسى، ولم يبقَ إلا إطفاء الاضطراب الدائم على التخوم المسيحية، وورث عبد الرحمن الأوسط ميل أبيه إلى التمتع باللذات والاستنامة إلى النعيم، ولكنه لم يرث منه قوة الخلق التي تحوط هذا التمتع وتلك الاستنامة من أن تكون ضعفًا،١ فقد أغرق في اللهو، وحوَّل قرطبة إلى بغداد ثانية، وأخذ يحاكي إسراف هارون الرشيد الذي كان قد انتقل من عهد قريب من عالم الدنيا، ومن مشاهد لهوه ومسرَّاته، إلى عالم نأمُل أن يكون خيرًا له وأبقى.٢
بنى عبد الرحمن القصور، وغرس الحدائق، وجمَّل مدينته بالمساجد والقناطر، وأولع بالشعر كغيره من ملوك الإسلام المثقفين، وكان يرى أن شعره لا يقل في منزلته عن شعر المجيدين، وإن زعم بعض المؤرخين أن كثيرًا منه كان من أقلام غيره، وكان الأمير نقي الذوق، لين الخلق، سهل القياد، ملك زمامه طول حياته أربعة نالوا عنده الحُظْوة الكاملة، وهم: مغنٍّ، وفقيه، وامرأة، وعبد أسود، وكان أشد هؤلاء تسلطًا عليه الفقيه يحيى بن يحيى الليثى، وهو هو نفسه الذي أثار الفقهاء على أبيه الحكم، ولكنه أصبح اليوم صاحب التأثير المطلق والكلمة التي لا ترد لدى الأمير الجديد، وكانت للأميرة «طروب» وعبدِه «نصر» سلطة نافذة في شئون الملك، أما «زِرياب» المغني فإنه استغل حُظوته عند عبد الرحمن في إنهاض الفنون والثقافة، وأبى أن يَزُجَّ بنفسه في أمور الدولة التي قد تكون سيئة المغبَّة.٣

كان فارسيًّا، وكان تلميذًا لإسحاق الموصلي المغني المقدَّم ببغداد، فحدث ذات يوم لسوء طالعه أن فاق أستاذه في غناء صوت بحضرة الرشيد، فحنِق عليه إسحاق وخيَّره بين الموت والنفي، فاختار النفي ورحل إلى الأندلس، فأحسن عبد الرحمن استقباله وبالغ في إكرامه والإغداق عليه، وقرر له راتبًا ضخمًا، ووهب له الدور، وأدر عليه الأرزاق، ومنحه الكثير من الميزات والهدايا، حتى بلغ الذِّرْوة في الجاه والثروة، وزاد إعجاب الملك بمواهبه حتى إنه كان يُجلِسه إلى جانبه ويؤاكله ويُنصت ساعاتٍ إلى غنائه وإلى ما يقصُّ عليه من أخبار الأولين، ومن الحكم والأمثال التي وعتها حافظته من قراءاته الكثيرة.

وكان يحفظ في الغناء أكثر من ألف صوت، ويقول إن الجن تلقنه إيَّاها، وهو الذي أضاف إلى العود وترًا خامسًا، وكان في ضربه العودَ منقطع النظير، يوشك من يستمع لضربه مرة أن يأبى الإنصات إلى سواه، وكانت له طريقة غريبة مع المبتدئين من تلاميذه، فكان يأمر من يريد تعلم الغناء أن يجلس ويغني بأعلى صوته، فإن كان ضعيف الصوت أمره أن يعقد حزامًا حول خصره ليزيد في قوة صوته، فإذا كان ألصَّ الأضراس لا يقدر أن يفتح فاه واسعًا، أو كانت عادته أن يزم أسنانه عند النطق، أمره أن يضع في فمه قطعة خشب عدة ليالٍ حتى ينفرج فكاه، فإن استطاع بعد ذلك أن يصيح بكلمة (آه) بأندى ما يكون من الصوت وأن يستمر صوته بمثابة واحدة في العلو، قَبِل أن يعلمه ويمرنه، وإلا أمره أن يذهب إلى حال سبيله، وبذ زرياب الناس جميعًا في تهذيبه وفُكاهته وحسن محاضرته، فأصبح أشهر رجل بالأندلس، وتحكم في الأزياء والعادات كما كان يتحكم فيها «بيترونيس»٤ و«برومل» الوسيم،٥ من ذلك أنه أبطل عادة إعفاء الشَّعر وإسداله مفروقًا إلى الحاجبين والصُّدْغين، وأدخل بالأندلس بقلة الهِلْيَوْن (أسباراجس) وزاد في الأطعمة لونًا كانوا يسمونه بالنقايا، وهو يُصنع بماء الكزبرة مع السنبوسق والكباب، ولونًا آخر سمَّوه تقليَّة زرياب، يطبخ فيه الدجاج أو الأرانب في ماء كثرت به التوابل والأفاويه، وأبدل بالأكواب المعدنية الأكواب الزجاجية، وابتدع النوم على أسرَّة من الجلد، وابتكر أن تكون أسمطة الطعام من جلد كذلك، إلى كثير من وسائل الرفاهية والنعيم، ثم إنه أرشد الناس إلى التأنق في تغيير الملابس بحيث ينزل غلظها على التدريج، من أصفق الملابس في زمهرير الشتاء، إلى أخفها في هجير الصيف، وكانوا يغيرون ملابسهم مرة عند الشتاء وأخرى عند الصيف، وقصارى القول إن هذا الأبيقوري٦ المرح لم يبتدع شيئًا إلا رآه الأندلسيون ضروريًّا جميلًا.
وبينما كان القصر ورجاله منهمكين في تذوق ألوان جديدة من الطعام متأنقين في قص شعرهم، كان فريق من أهل قرطبة يفكر وينهمك فيما هو أعظم وأبعد أثرًا؛ لأن الخطر في هذا الحين لم يدهم الدولة من خارج حدودها، فإن عبد الرحمن الأوسط — على علاته — لم تُعْوزه الشجاعة التي تدفعه إلى خوض معامع القتال، فكثيرًا ما قاد الجيوش إلى نصارى الشمال الذين كانوا بزعامة لويس الجميل الخَلْق والخُلُق لا يفتأون يُغيرون على الحدود، وكثيرًا ما حلق النصر حول رايته،٧ على أن هذه المناوشات لم يكن لها الآن من الشأن والخطر ما يهز ركن الدولة الوطيد، فإن الاضطراب في عهود الدولة الأولى لم يجئ إلا منها نفسها، وقد جاءت الزعازع في هذه الآونة من عدد قليل من النصارى بقرطبة التهبت نفوسهم غيرة وتعصبًا لدينهم، أما جمهرة النصارى بالأندلس فلم يصابوا بشيء من هذه الغيرة العنيفة؛ لأنهم رأوا أنهم يُعامَلون خير معاملة، وأن المسلمين قد تركوهم أحرارًا فيما يعبدون، وأن الحكام لا يتدخلون في شيء من عقائدهم، وأنهم يتجرون كما أرادوا، ويجمعون الثروة حيثما وجدوها، وأنهم يعيشون كما يعيش إخوانهم المسلمون، فما الذي بقي لهم من أمانيِّهم؟ لا شيء، اللهم إلا إذا كانوا يتطلعون إلى استرجاع ملكهم، وشيء من هذا يعد الآن من المستحيلات، فقنعوا بالأمور كما هي، واجتهدوا أن يستفيدوا من سماحة حكامهم ولينهم.

كان هذا الميل عامًّا بين نصارى الأندلس، وإن ظهر هنا وهناك روح طموح متحمس أغاظه هذا الخنوع لحكم المسلمين، وطافت بخيال أصحابه أطياف من قوتهم الماضية وعلو شأن الكنيسة، ولم يستطع القساوسة أن يكبحوا جِماح بغضهم للمسلمين الذين سلبوهم عزهم وسلطانهم، وأبدلوا بالنصرانية دينًا جديدًا، ومن العجب أن تسامح المسلمين كان يزيد في سخط النفوس المتعصبة، فلقد كان أصحاب هذه النفوس يؤثرون أن يُعذَّبوا وأن يُضطهدوا كما اضطُّهد القديسون من قبل، وكانوا يتشوفون إلى الاستشهاد تشوف الظمآن إلى الماء الفرات، وينقمون من المسلمين أنهم لم «يعذبوهم في سبيل دعوتهم الحقة» حتى يضمنوا لأنفسهم الفوز في جنات النعيم، وكان أشد ما يكره هؤلاء المتشددون المتزمتون ما شُغِفَ به العرب من التمتع بلذائذ الحياة، والإغراق في اللهو والسرور، والعيش في ظلال الرَّفْه والنعيم، فكان تمتعهم بالحياة وزينتها وحبهم للغناء والموسيقى وولوعهم بالعلوم من أكبر ما يُثير بغض هؤلاء الزهاد وحقدهم، فإن حياة المؤمن الحق عندهم يجب أن تكون سوط عذاب، وصومًا متصلًا، وتوبة وبكاءً، وتطهيرًا بالآلام، وإماتة للجسد في سبيل إحياء الروح.

واكتفى هؤلاء أولَ الأمر بإظهار جانب الزهادة المسيحية والتحرج بين الأهلين، ولكن الأيام دارت دورتها ونشأ في المسيحية جيل جديد، فإذا تحمُّس مفاجئ عميق الغور يأخذ مكان التهاون القديم، وإذا حُمَّى حب الموت والاستشهاد في سبيل المسيحية تظهر في كل مكان.

وكان من المحزن المستدر للرحمة حقًّا أن ترى رجالًا يقذفون بأرواحهم وأرواح غيرهم في سبيل حُلْم كاذب، فإن هذا الانتحار الديني لم يكن أكثر تعقلًا أو أدخل في باب الدين، مما كان يقاسيه قساوسة «بال» الذين كانوا يقطعون أجسامهم بالسكاكين، أو مما يفعله زهاد الهنود الذين كانوا يدخلون أظفارهم في راحهم ثم يتركونها لتنمو فيها، وجنون الشهداء في سبيل أشرفَ وأعلى من سبيل هؤلاء لن يجعلهم أقل منهم جنونًا، إن المسيحية لا تعلِّم دُعاتها أن يطوحوا بحياتهم هَدَرًا لمحض التمتع بالتعذيب والقتل، على أن نصارى الأندلس لم يضطهدوا ولم يَحُل بينهم وبين شعائر دينهم حائل، ولم يكن المسلمون يجهلون المسيحية أو يحتاجون إلى من يلقنهم تعاليمها؛ فقد كانوا يعرفون من الكتاب المقدس أكثر مما يعرف نصارى الأندلس أنفسهم، وكانوا لا يذكرون اسم عيسى من غير أن يُتْبعوه بالصلاة والتسليم؛ لأن قدسية المسيح وإحاطة اسمه بالإجلال والتبجيل من أظهر مبادئ الإسلام، وكل ما في الأمر أن المسلمين كانوا يؤثرون دينهم، فلم يكن للنصارى من عذر في الظهور بمظهر المضطهدين المستذَلِّين بعد أن ترك لهم المسلمون دينهم، وفي الحق إننا لا نجد سببًا معقولًا لتهافت النصارى على الموت ما دام المسلمون قد سمحوا لهم بإقامة شعائرهم، وأجازوا لهم أن يعظوا وأن يعلِّموا من غير عائق أو حائل.

ليس هناك من علة مشروعة لبحث هؤلاء عن حتفهم بِظلفهم، إلا إذا أرادوا أن يتنكبوا عمدًا طريق الإنجيل، وأن ينبذوا جانبًا تعاليم المسيح الذي يقول: «أحبُّوا أعداءكم، اعملوا الخير لمن يُبغضكم، واستغفروا لمن يظلمونكم أو يضطهدونكم.» إنهم لم يُظْلَموا ولم يُضطهدوا ولم يمس المسلمون جمهرة النصارى بسوء، نعم إن بعض العامة كان يسخَر أحيانًا من القساوسة، ولكن طبقات المسلمين الأخرى لم تشترك في شيء من هذا، مع كل هذا التسامح وهذا العطف واللين أبى هؤلاء النصارى المساكين أن يحبوا أعداءهم، وتجاوزوا جادَّة الصواب في سبهم ولعنهم وإثارة غضبهم، لا لشيء إلا لحملهم على قتلهم ليموتوا شهداء في سبيل الدين.

ومن الأحكام المعروفة في بلاد المسلمين أن يعاقب من يسب النبي أو دينه بالقتل، نعم إنه حكم شديد قاسٍ، ولكن الدنيا شهدت من القوانين ما لا يقل عنه قسوة وشدة؛ فقد كان الناس يحرقون بين صيحات السرور في إسمثفيلد وأكسفورد في عصور تلي هذا العصر الذي نكتب فيه.٨

ليس من المسيحية أن تثير عمدًا عراكًا دينيًّا أو تسب دينًا غير دينك، وليس استشهادًا بل انتحارًا أن تتعدى مختارًا حدود شريعة يجرُّ تعديها إلى الموت، إن الرحمة التي تثير نفوسنا لشهداء قرطبة هي بعينها الرحمة التي تخالجنا لمن أصيبوا بالخُبَاط (الهيستريا)؛ لأن من قتل منهم كان في الحقيقة شهيدًا لمرض نفسي، وحالُ هذا تستدعي من الرحمة ما يستدعيه موت المستشهد في سبيل الدين.

كان يولوجيوسُ الروحَ المثيرةَ لهذه الانتحارات، وهو قسيس ينتمي إلى أسرة عريقة بقرطبة، اشتهر بحماسته الدينية؛ فقد قضى سنوات في الصوم والصلوات والإنابة وتعذيب النفس، حتى وصل إلى حال من الذهول دفعته في سبيل إخلاصه لدينه إلى الجرأة والتهور، وعزف به الزهد عن الميل إلى الحياة الدنيا، فلم يفكر يومًا في نفسه، ولم يطمح إلى مأرب دنيوي، بل كانت كل أمانيه ومقاصده أن يصب اللعنات على دين المسلمين، وأن يوقظ روح التضحية السامية بين النصارى، وأعانه على الوصول إلى غايته شاب غني بقرطبة يدعى «الفارو» ثم عدد قليل من متحمسي القساوسة والرهبان والنساء والمسيحيين، وكان بين من أُعجبوا بهذا القسيس الشابِّ المخلصِ فتاةٌ على غاية من الجمال تدعى «فلورا» كان أبوها مسلمًا وأمها نصرانية، فنشَّأتها سرًّا على النصرانية، وبقيت فلورا عدة سنين مسلمة في ظاهر أحوالها، ولكنها فرت بعد ذلك من دار أخيها، وكان أبوها قد فارق الحياة، والتجأت إلى النصارى متأثرة بروح التضحية والتعصب التي أثارها يولوجيوس في سامعيه، وبما سمعت من بعض فقرات في الكتاب المقدس هاجت شعورها مثل: «إن الذي يجحدني أمام الناس سأجحده أمام أبي في السماء.»

ولما افتقدها أخوها المسلم بحث عنها في كل مكان فلم يُجْدِ بحثُه شيئًا، فاتهم القساوسة فقُذِفَ كثير منهم في السجن لتآمرهم على اختطافها، ولما لم تُرِدْ فلورا أن يؤذى أحد في سبيلها عادت إلى دارها وأعلنت نصرانيتها في صراحة وجرأة، وبذل أخوها أشد الوسائل وأعنفها لقسرها على العودة إلى الإسلام فلم يفلح، حتى إذا يئس في النهاية ساقها إلى القاضي متهمًا إياها بالردة، ومن المقرر أن الإسلام يعُدُّ ابن المسلم مسلمًا وإن كانت أمه نصرانية، ويعاقب على الردة بالقتل، ولا يزال هذا الحكم قائمًا إلى اليوم بتركيا، وإن تغافل الحكام عن تنفيذه من أربعين سنة.

ولن يُنتظَر من عرب الأندلس الذين سبقوا عهد الترك بألف سنة أن يكونوا أكثر تسامحًا من الترك نحو المرتدين، ومع هذا أظهر القاضي الذي حضرت أمامه فلورا بعض الشفقة على الفتاة التعِسة فلم يحكم بقتلها كما يوجب الدين، ولم يحكم بسجنها، ولكنه أمر بها فضربت ضربًا شديدًا، وطلب من أخيها أن يأخذها إلى داره ويلقنها تعاليم الإسلام، ولكنها فرت ثانية والتجأت إلى بعض أصدقائها، وهناك قابلت أول مرة يولوجيوس الذي أكنَّ لهذه الفتاة الجميلة البائسة المخلصة حبًّا طاهرًا حنَّانًا يشبه حب الملائكة، فإن سمو نفسها وورعها وشجاعتها التي لا تُغلب جعلتها قديسة في عينيه، حتى إنه بعد ست سنوات من هذه المقابلة لم ينسَ ما تركته في نفسه من الأثر حينما كتب إليها:

لقد تفضلتِ أيتها الأخت القديسة أن تريني عنقك وقد مزقته السياط، وقد قص الظَّلَمَةُ من حوله تلك الخُصَل الجميلة التي كانت تتدلى فوقه كأسلاك الذهب، فعلت ذلك لأنك عددتني أبًا روحانيًّا، واعتقدتِ أن نفسي كنفسك صافية طاهرة، وقد وضعت يدي برفق على هذه الجروح، وودِدْت أن أبرئها بشفتي لو استطعت، وحينما فارقتك كنت كمن يمشي في حُلْم، واستمرت زفراتي وتأوهاتي.

نقلت فلورا مع أخت لها تماثلها في الرأي والتعصب إلى مكان خفي أمين، فلم يرها يولوجيوس فترة من الزمن.

وفي هذه الأثناء كان تعصب النصارى بقرطبة قد نضجت ثمرته؛ فقد أُغرِم قسيس مختبل هو برفكيوس بسب الإسلام، فأُخذ وشُنق في عيد الفطر حينما كان المسلمون رجالًا ونساءً يحتفلون بهذا اليوم وينعمون فيه بكل ما يبعث الابتهاج والسرور، وقد زاد شنقُ هذا القسيس في مرح الحشود التي زحمت الشوارع أو ركبت القوارب في النهر أو لعبت بالسهل الفسيح خارج المدينة.

مات هذا القسيس المسكين شجاعًا مرسلًا آخر أنفاسه بسبِّ النبي ودينه، محاطًا بزحام عظيم من المسلمين الساخرين الشامتين، وجاء أسقف قرطبة ووراءه جيش من القساوسة والمخلصين، فحمل جثته ودفنها مع آثار القديس إسيسكلوس من شهداء ديوكلتيان، وكان برفكيوس واعظًا بكنيسته، ثم خلع عليه لقب القديس، وفي مساء ذلك اليوم غرق مسلمان فعُدَّ ذلك غضبًا من الله لقتل برفكيوس، ومات نصر العبد الأسود في أثناء السنة وكان مشرفًا على تنفيذ الإعدام، فزعم المسيحيون في شماتة بأن برفكيوس هو الذي قضى عليه، وأن موته كان انتقامًا آخر.

وطلب بعد ذلك بقليل راهب يدعى إسحاق مقابلة القاضي بحجة أنه يريد الدخول في الإسلام فأذن له، وما كاد القاضي ينتهي من شرح مبادئ الإسلام وأصوله حتى انبرى له ذلك الذي جاء ليتسلم، وأخذ يصب على الإسلام أقذر الشتائم والسباب، فلم يكن عجيبًا من القاضي — وقد أخذته الدهشة — أن صفعه على قفاه ثم قال: أتعلم أن ديننا يأمر بقتل كل من يجرؤ على أن يقول ما قلت؟! فأجاب الراهب: نعم، أعلم ذلك، فاحكم علي بالقتل فإنني أتشوق إليه، لأنني أعلم أن الله يقول: «ما أسعد الذين يُضطهدون في سبيل الحق، إن لهؤلاء مملكة السماء.» حزن القاضي للرجل، وألح على الأمير أن يتجاهل ذنبه فلم يفلح، وقُطِع رأس إسحاق فأصبح قديسًا، وكان المسيحيون عامة ينسبون إليه كثيرًا من الخوارق، ويدَّعون أن هذه الخوارق لم تظهر منذ طفولته فحسب، بل ظهرت من قبل أن يولد!

ثم ظهر بعد ذلك سانشو (شانجة) أحد حراس الأمير، وكان تلميذًا ليولوجيوس فسب محمدًا وفقد رأسه، وفي يوم الأحد التالي أسرع ستة من الرهبان إلى مجلس القاضي وصاحوا: إنَّ رأينا كرأي أخوينا القديسين إسحاق وسانشو فاقتلنا، ثم أخذوا يسبون محمدًا ويصرخون بالقاضي: انتقم لسيدك محمد، وعاملنا بكل ما لديك من وحشية، فقطعت رءوسهم، وتقدم يوم القصاص من هؤلاء ثلاثة من القساوسة أو الرهبان أصيبوا بحمى الانتحار فقدموا أعناقهم إلى الجلاد مغتبطين، وهكذا قتل أحد عشر رجلًا في أقل من شهرين في صيف سنة ٨٥١م/٢٣٧ﻫ.

أخذت الدهشة جمهور المسيحيين من تعصب إخوانهم الطائش إذ لم يكن يُعرَف عن الإسبانيين شيء من هذا التحمس حتى هذا الحين؛ فقد مسَّتهم المسيحية مسًّا خفيفًا، حتى إن الكثير منهم هُرِعُوا إلى الإسلام راغبين راضين، فامتزج الدينان وعاش الفريقان في خلطة وصداقة وحسن معاملة، وأخذ النصارى يبغضون لغتهم اللاتينية القديمة ويصدفون عن آدابها، فتعلموا العربية واستطاعوا بعد حين أن يكتبوا بها كما يكتب العرب أنفسهم، وقد ندد يولوجيوس نفسه بهذه الحال؛ إذ يقول: «إن النصارى يولعون بقصائد الشعر العربي وقصصه، ويهجرون الكتاب المقدس وآثار القديسين، ومما يوجب الحزن والأسى أن الجيل الناشئ لا يعرف غير العربية، فهو يقرأ كتب المسلمين بشغف وينشئ لها الخزائن ويراها جديرة بالإعجاب، في حين أنه يبخل بنظرة إلى كتاب مسيحي.» ثم يقول: «لقد نسي النصارى لغتهم، ومن العسير أن نجد واحدًا منهم في كل ألف يكتب حرفًا لاتينيًّا كتابة سائغة، وهم مع هذا يستطيعون أن ينظموا شعرًا عربيًّا رائعًا.»

وفي الحق إن النصارى وجدوا في قصص العربية وشعرها متعة ألهتهم عما كتبه آباء الكنيسة، وكانوا يتدرجون إلى الاستعراب ويقتربون من العرب شيئًا فشيئًا، حتى أصبحوا أعظم مدنية وأتم صقلًا وأكثر تهاونًا بالفروق الدينية، وكانوا يشكرون للعرب رفقهم بهم وحسن معاملتهم إياهم إلى أن صدمهم العداء الفجائي الذي أظهره إخوانهم المتعصبون، فحاولوا جهدهم صد تلك العاصفة الهوجاء قبل هبوبها، وأخذوا يصارحون إخوانهم بعقم ما يعملون، ويجادلونهم ويذكرونهم بسماحة المسلمين ولينهم، وينبهونهم على ما جاء في الكتاب المقدس من الدعوة إلى الرفق والسلام، فإن من آياته: «لا يدخل الشتَّامون العيابون مملكة السماء»، ويحدثونهم بأن المسلمين لا يأبهون لمن يقتل من المسيحيين؛ لأنهم يرون أن دينهم لو كان حقًّا لانتقم الله لشهدائه.

كان هذا رأي جمهور المسيحيين الذين لم تسيطر عليهم وساوس التعصب، والذين لم يروا في الدنيا خيرًا من أن يحسنوا إلى جيرانهم وأن يؤدوا صلواتهم في هدوء وسلام، وهؤلاء حاولوا جهد المستميت أن يردوا من جماح المتعصبين فلم يفلحوا، وخافوا مغبة الأمر؛ لأنهم أدركوا أن استمرار الطعن في الإسلام وما يتبعه من عقاب متوالٍ سيؤدي حتمًا إلى اضطهاد حقيقي للمسيحيين، ولكن يولوجيوس الذي نصب نفسه للرد على كل ما اعترضوا به عليه مستدلين بنصوص الكتاب المقدس وكتاب حياة القديسين — كان يتمنى هذه العاقبة، وكان أمثاله من المتعصبين لا يرغبون في شيء رغبتهم في انتشار اضطهاد المسلمين للنصارى وتأجج ناره، غير أن سلطات الكنيسة أبت أن تسمح باستمرار روح العصيان من غير ردع، وكانت في ذلك متأثرة بالفريق المعتدل وبسماحة الحكم العربي، فاجتمع الأساقفة في مجلس يرأسه أسقف إشبيلية وأصدروا قرارًا خطيرًا لم يوجهوا فيه نقدًا لحوادث الاستشهاد السابقة؛ لأن الكنيسة دونت أسماء أصحابها في سجل الشهداء، ولكنهم أمروا أن يمنع كل شغب من هذا القبيل، وذاع هذا القرار بين الناس، وكان من أثره أن أُلقي المتعصبون في غيابات السجون.

وفي هذا الحين، التقى يولوجيوس بفلورا مرة ثانية، ذلك أنها بينما كانت تصلي في الكنيسة بقنوت وخشية إذ رأت إلى جانبها زميلة متعصبة، هي ماري أخت إسحاق الراهب الذي لقي حتفه في طليعة الشهداء، فأخبرتها ماري بشدة رغبتها في اللحاق بأخيها بمملكة السماء، وعزمت فلورا أن ترافقها في هذه الرحلة، فذهبتا إلى القاضي، وبذلتا ما في وسعهما لإثارة غضبه بالإكثار من سب محمد ودينه، وكانتا فتاتين جميلتين تدينان في ورع وإخلاص بالدين الذي يدعو إلى «السلام في الأرض وبذل الخير والمحبة للناس»، وقد وقفتا أمام القاضي وشفاههما تقذف بالحقد والسباب ونعت دينه بأنه من عمل الشيطان، ولكنهما لم تثيرا غضب هذا القاضي الكريم بالسهولة التي ظنَّتاها؛ فقد مجَّت نفسه هذا الجنون الخُبَاطي، وكثيرًا ما تصامم حينما كان الناس يحاولون قذف أنفسهم إلى الموت، فأشفق على هاتين الفتاتين، وتمنى لو كانتا أقل طيشًا وجنونًا، وحاول أن يقنعهما بالرجوع عن رأيهما أو أن يتجاهل إقذاعهما، ولكن الفتاتين أصرتا على التمسك بما زعمتاه من بطولة وتضحية، فاضطر إلى إلقائهما في السجن.

وقد أثرت مدة السجن الطويلة في الفتاتين أشد تأثير، فأوشكت أن تخفف من غُلَوائهما وأن تزحزحهما عن حماستهما القاتلة، لولا اتصالهما بيولوجيوس الذي قواهما وقضى عليهما.

ولقد كان عمله هذا أشق عمل في الحياة، ذلك أنه كان يستحث إلى خشبة الجلاد المرأة التي أحبها وسكنت سويداء قلبه؛ لأنه — على الرغم من كل شعور طبيعي أو إنساني — راضَ نفسه على إثارة التعصب والنفخ في نار الاستشهاد، وانغمس في هذا العمل المضني المؤلم دون أن يَهِنَ أو يضعف لاعتقاده أنه السبيل الحق لنصرة الدين، حتى إنه كتب مقالًا رائعًا لفلورا يقنعها فيه بجلال الاستشهاد وجماله الروحي، وما كانت فلورا في حاجة إلى إقناع أو تحريض، واستمر ليله ونهاره يقرأ ويكتب ليطرد من قلبه الشعور بالرحمة والحب اللذين كانا يهددان عزيمته بالتردد والخور، ولكنها كانت أثبت من الجبال.

وثبتت فلورا وماري على عزمهما فلم تتحولا عنه على الرغم مما بذله القاضي من جهود لإنقاذهما، فحكم عليهما بالموت، وقبل أن يحكم عليهما قابل يولوجيوس فلورا آخر مرة، وقد كتب عن هذا اللقاء فخورًا بهذا الفوز الروحي: «لقد تصورتها ملكًا كريمًا، وقد أحاطت بها هالة قدسية وأشع وجهها بالسعادة والفوز، كأنما كانت تحس بمباهج جنات النعيم، ولقد حاولت حينما سمعت الكلمات التي تحدرت من فمها العذب أن أثبت إيمانها، فأريتها التاج الذي أعد لاستشهادها، لقد عبدتها وجثوت أمام هذا الملك السماوي، ثم رجوتها أن تذكرني في صلواتها، وحينما بعث حديثها في نفسي قوة واعتزامًا عدت إلى سجني الموحش.»

قتلت فلورا وصاحبتها في الرابع والعشرين من نوفمبر سنة ٨٥١م/٢٣٧ﻫ وكتب يولوجيوس بعد موتها قصيدة تفيض بالسرور والبهجة تمجيدًا لهذا الحادث الذي ظنه انتصارًا عظيمًا للكنيسة.

بعد ذلك بقليل أطلق سراح يولوجيوس وغيره من القساوسة، وفي السنة التالية مات عبد الرحمن الأوسط وخلفه ابنه محمد، وكان قاسيًا جامد العاطفة موصوفًا بالأثرة، مصادرًا لوزرائه، فأبغضه الناس عامة، ونعوا عليه جشعه وفسولته، ولم يحبه إلا الفقهاء؛ لأنهم توسموا أنه سيبطش بالمسيحيين الذين سخروا من المسلمين ومن دينهم، وكان هذا التوسم صادقًا؛ فقد هُدِمت الكنائس، واتخذت وسائل عنيفة للاضطهاد، فأسلم كثير من النصارى بعد الأفواج التي دخلت في الإسلام حينما قرر مجلس الأساقفة استنكاره حوادث الانتحار الذي دُعِيَ استشهادًا.

واغتبط يولوجيوس والفارو بهذه الشدة، وزعما أنها دعت كثيرًا من المتسلمين إلى العودة إلى المسيحية، وتغيرت تلك السياسة الحكيمة الشفيقة، سياسة عبد الرحمن الأوسط ووزرائه التي كانت تغمض العين عن نزوة المسيحيين وطيشهم، وتلتها سياسة قاسية عسوف، فلم يكن عجيبًا أن يفر المسيحيون بأنفسهم إلى الإسلام.

ولكن كل هذا لم يطفئ جذوة المتعصبين؛ فقد زادها الاضطهاد اشتعالًا، وامتد شررها إلى خارج قرطبة، ورسمت طليطلة يولوجيوس أسقفًا لها، وحينما أبى الأمير الموافقة على هذا القرار، تُرِك مكان الأسقفية خاليًا حتى تسنح الفرصة ليولوجيوس بشغله.

وقدم على قرطبة راهبان فرنسيان ليستجديا شيئًا من آثار الشهداء، ثم عادا بحقيبة مملوءة بعظامهم لتعرض في باريس، ولكن عاصفة أخرى كانت موشكة الهبوب على المتعصبين، فقد هجرت فتاة أخرى أبويها لتلحق بيولوجيوس، فأُحضِرت هي وأستاذها أمام القاضي، وكانت تهمة يولوجيوس إغواء الفتاة على الارتداد، فعوقب بالجلد بالسياط، ولم يكن هذا القسيس الضعيف الناحل ممن يتحملون السياط، إنه كان شديد الخشوع لله متقبلًا في سبيله كل تضحية، راغبًا أن يَلْقَى في نُصرة دينه كل ضروب العذاب، ولكنه لم يحتمل أن يسوطه المسلمون، فصاح أمام القاضي: عجِّل بسيفك أيها القاضي، وابعث بروحي إلى ربها، وإياك أن تظن أن أُلقي بجسدي إلى سياطك، ثم أَخَذ يقذف الإسلام بسيل من الشتائم والسباب.

وهنا تحرَّج القاضي وأبى أن يحمل تبعة قتل زعيم مثله، فأمر بعرضه على مجلس الدولة، وفي هذا المجلس أخذ بعض الأعضاء يحاجُّه ويهدئ من ثورته، ويعجب كيف أن رجلًا عاقلًا مثقفًا مثله يقذف برأسه طواعية، بين أنياب الموت، ثم قال له: لو فعل هذا رجل أبله أو مجنون ما أثار عجبي، ولكن صدوره من مثل يولوجيوس هو العجب كله، ثم همس في أذنه قائلًا: «أنصت إليَّ؛ إني أرجوك أن تخضع مرة للضرورة، وأن ترجع عما قلته أمام القاضي، قلها كلمة واحدة، تجد نفسك حرًّا طليقًا.»

ولكن هذا النصح جاء بعد أوانه، نعم إن يولوجيوس كان يؤثر تخريج الشهداء وإثارتهم على أن يخط لهم المثال بنفسه، ولكنه رأى أنه لا يستطيع الآن التقهقر موفور الكرامة، وأنه يجب أن يصابر ويثابر إلى النهاية، وحينما أبى أن يتراجع حكم بقتله، فمات شجاعًا مخلصًا في الحادي والعشرين من مارس سنة ٨٥٩م/٢٤٤ﻫ وحين فقد المسيحيون زعيمهم سرى اليأس إلى قلوبهم، ولم نعد نسمع لهم ضجيجًا مرة أخرى.

هوامش

(١) في أخبار مجموعة: وكان الأمير الحكم شجاعًا حازمًا مظفرًا في حروبه، أطفأ نيران الفتن بالأندلس وكسر قرون النفاق، ثم روى أخبارًا تدل على شدته وحزمه في توطيد دعائم الملك.
(٢) مات الرشيد بطوس سنة ١٩٣ﻫ/٨٠٨م.
(٣) دخل الأندلس سنة ٢٠٦ﻫ.
(٤) كاتب قصصي روماني اشتهرت كتابته بالتبكيت والسخرية المستورة، وقد أعجب به نيرون ووصله بحاشيته.
(٥) هو جورج براين، إنجليزي اشتهر بابتداع الأزياء، ولد سنة ١٧٧٨ ومات سنة ١٨٤٠.
(٦) نسبة إلى أبيقور أحد فلاسفة اليونان، ومذهبه أن خير ما في الحياة التمتع بالحياة.
(٧) في أخبار مجموعة: أنه غزا ماردة سبعة أعوام ولاء، فلما اشتد عليها الحصار في العام السابع وسمع صراخ النساء وعويل الأطفال أمر برفع الحصار عنها إبقاء على الولدان ومن لا ذنب له، ولم ينتقل إلى محلة حتى أتته رسلهم بطاعتهم والإلقاء إليه بأيديهم.
(٨) كثر إحراق الأشخاص لمذهبهم الديني بإنجلترا بعد دخول البروتستنتية أيام هنري الثامن وابنه إدوارد وابنته ماري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤