المَدنية والفجور

ترسخ أساس الدولة وتتوطد دعائمها، فينصرف أهلها آمنين إلى طلب الثراء، ويتفنَّنون في جلب المال من وجوه المكاسب، وإنفاقه في أسباب الرفاهة والملاذِّ؛ وهنا يأتي دور المرأة ويكثر الالتفات إليها، فتعلم مكانتها ويعرف لها القوم دالتها، وما إخال ظرفاء النوادي ومُجَّانها في باريس قد بلغوا من الرقة والكياسة في مخاطبة النساء ما بلغه ظرفاء العباسيين والأندلسيين من أبناء أجلاف الصحراء وائدي البنات، وقد شمخ بنيانهم، وامتد سلطانهم. فكانوا يدعونها حينًا مَلَكًا كريمًا، وحينًا كوكبًا منيرًا، وإذا أرادوا عشقها واشتهاء قُربها قالوا عبادتها والفناء في حبها، وقد تلطَّف بعضهم فبسط صفحة خَدِّهِ وِطاءً لنعلها. وإنه لأغلظ شسعًا وأخشن مسًّا من حذاء تلبسه غادات اليوم، يكاد يحسب لابسه حافيًا!

ولا أنكر أن المدنية العصرية أرفق بالمرأة مع هذا من المدنيات الغابرة، ولكنه رفق جاء به تحدُّد الواجبات والحقوق الذي اقتضته طبيعة اجتماعنا، وروح التعميم التي لا بد منها في شرائعنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠