الجنسيَّة من الوِجهة البيولوجية في ضُوء المنهج التكامُلي

(١) أهميَّة وظيفة التناسُل

يُقسِّم علماء الفسيولوجيا الوظائف العُضوية إلى ثلاثِ طوائف: وظائف التَّغذية، وظائف الحسِّ والحركة، ثُم وظائف التناسُل. وتشمَل الأولى عمليَّات الهَضْم والدَّورة الدَّمويَّة والتنفُّس وإخراج الفَضَلات، وهذه العمليَّات مُجتمعةً تؤدِّي إلى نموِّ الأنسِجة وتوليد الطاقة والحرارة التي يَستهلِكُها الحَيوان في أثناء الحركة.

أمَّا وظائف الحسِّ والحركة فهي التي تُحقِّق صِلةَ الحيوان ببيئته الخارجية، وتكون هذه الصِّلة مقصورةً في أبسط مَظاهِرِها على جلْب النافع وتجنُّب الضار. وبِتعاوُن وظائف التَّغذية والحِسِّ والحركة يَتحقَّق بقاء الفرد. وتختلِف مدَّة البقاء باختِلاف الأنواع الحيوانية بعد أن يمُرَّ الفرد بمراحِل التكوين الجنيني والطفولة والشباب والكُهولة ثمَّ الشيخوخة. ولكن هناك وظيفة أخرى تَظهَر بوادِرُها بعد انتهاء مَرحلة الطفولة — أي في مرحلة المُراهَقة — هي وظيفة التناسُل، وغرضُها تكاثُر النَّوع ومَنعُه من الاندِثار والموت. وتنتهي مرحلة المُراهَقة عند اكتِمال الوظيفة التناسُليَّة بالبلوغ الجِنسي، ويَنطوي هذا التَّوزيع في الوظائف على حِكمةٍ كبيرة يَجدُر بنا الإشارة إليها، وهي أنَّ وجود النوع هو الغاية التي تَرمِي إليها الطبيعة، في حين أنَّ وجود الفرد ليس إلَّا وسيلة لتحقيق وجود النوع. ويُمكِن أن نكشِف عن أهمية الوظيفة التَّناسُليَّة إذا نظرْنا في مراحِل تكوين الجنين؛ فعلى الرَّغم من تأخُّر ظهور الوظيفة التناسُليَّة في الفرد فإن الجِهاز التَّناسُليَّ يبدأ يتكوَّن ويتميَّز عن بقيَّة الأجهِزة في أثناء الشهر الأول من الحياة الجَينيَّة في الإنسان، عندما يكون طول الجِنين لا يَتجاوَز ثلاثةَ سنتيمترات، بل يُلاحَظ إبطاء الجهاز العَضَلي والعَصَبي في تكوينه وتقدُّم الجهاز التناسُلي، كأنَّ الطبيعة تُريد أن تُشير إلى أهميَّة الوظيفة التناسُليَّة. ولا يُخرِجُنا هذا التأويل عن نِطاق العِلم التجريبي؛ فإنَّ الكائنات الحيَّة تَمتاز بصِفاتٍ خاصَّة منها أنها مُقيَّدة في تكوينها ونُمُوِّها بمراحل زمنية مُعينة. ودِراسة الصِّلة بين هذه المَراحل تُعين في فَهم العلاقات القائمة بين مُختلِف الوظائف العضوية، وتحديد أهميَّة كلِّ وظيفةٍ بالقياس إلى الأخرى؛ فالكائنات الحيَّة خاضِعة في نُموِّها لقانونٍ جديد لا يَنطبِق على الجوامِد وهو قانون تحديد الدِّلالة الزمانية.١ وهذا ما قصدْنا إليه فيما كتَبناه عن المَنهج التَّكامُلي عندما قرَّرْنا أنَّ كلَّ مرحلةٍ من مراحل النموِّ لا تُعْتَبر فقط أساسًا للمرحلة التالِية بل رمزًا لها.٢ ففي حالة تَبكير الجِهاز التَّناسُلي في تكوينه الجَنيني وتقدُّمه نِسبيًّا على تكوين الجِهاز العصبي العضلي رَمزٌ إلى أهميَّة الوظيفة التَّناسُليَّة.

(٢) تعريف الجِنس والجِنسيَّة

قُلنا: الوظيفة التناسُليَّة، ولم نَقُل: الوظيفة الجنسية؛ لأنَّ الوظيفتَين ليستا مُتلازِمتَين في جميع الأنواع الحيوانية، فالتَّناسُل هو تكاثُر أفراد النوع، ولكن ليس كلُّ تناسُلٍ جنسيًّا؛ فهناك طرُقٌ مُختلِفة من التَّكاثُر تتمُّ بدون وجود جِنسين مُختلِفين. وقبل ذِكر الأمثلة على التَّكاثُر اللاجِنسي يجِب تحديد ما هو مقصودٌ بلَفْظَي جِنْس وجِنسيَّة.

للجِنس مَعنيان: أحدُهما عامٌّ والآخر خاص. فبِمعناه العام يُقْصَد بالجِنس الهيئة الجِسميَّة التي تُعيِّن الدَّور الذي يؤدِّيه الكائن الحيُّ في عمليَّة التناسُل. أمَّا المعنى الخاصُّ فهو مجموعة الخصائص الجِسميَّة والنفسية التي تُميِّز الذَّكَر عن الأنثى، وفي الجِنس البشري: الرجل عن المرأة. وهذا المعنى ينطبِق على الحيوانات العُليا والإنسان. والعُنصُر المُشترَك بين هذين المَعنيَين هو وجود التَّمايز بين فَردَين يُعْرَف الواحِد بالذَّكَر والثاني بالأنثى، والتَّمايُز الأصلي هو التَّمايُز العُضوي. وكلَّما ارتقَيْنا سُلَّم الحيوانات العُليا حتى الإنسان ظهرَتِ اختِلافات نفسيَّة تُؤدِّي إلى تَعقُّد السلوك الجِنسي.

أمَّا الجِنسيَّة فهي أعمُّ من الجِنس، ويُمكِن تعريفها بأنها مجموعة الظواهر البيولوجية والتَّشريحية والفسيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية المُتعلِّقة بعمليَّة التَّناسُل وبالعمليَّات المُمَهِّدة لها وبما يَنتُج عنها من نتائج تتجاوَز حدود الفرد إلى النوع، مع مُراعاة ما يُصاحِب مُختلِف هذه الظواهر من حالاتٍ نفسيَّة وما تترُكُه من آثارٍ في نفسيَّة الفرْد وشخصيَّته.

أو بعبارةٍ أخرى تشمَل الجنسية الوظيفية التناسُليَّة وما يَسبِقُها ويَصحبُها ويَتبَعُها من ظواهر تَمهيديَّة وإضافية ولاحِقة من الوِجهتين: السيكولوجية والاجتماعية.

ويُؤثِر العِلم الحديث استِخدام لفظِ الجِنسيَّة على لفظ الغَريزة الجِنسيَّة، وخاصَّةً عند الكلام عن السلوك الجِنسي لدى الإنسان. ونظرًا لشُيوع لفظ الغريزة يجدُر بنا تحديد معناه وبَيان الحدود التي يُمكِن استخدامُه فيها.

لفظ الغريزة من الألفاظ الشعبيَّة التي يُضطرُّ العالِم أحيانًا إلى استِخدامها عندما يَرمي إلى التَّبسيط للإشارة إلى مظاهر السلوك الفِطري الناشئة عن دافعٍ داخلي مُبهَم، أو عن قوَّة حيويَّةٍ تُسيِّر الفرد بطريقةٍ تبدو في مُعظَم الأحيان كأنها قَهريَّة عمياء. ويشمَل لفظ الغريزة معنى المَيل والاستِعداد والدَّافع، كما أنَّه يشمَل معنى آثار المَيل والاستِعداد والدَّافع كما تظهَر في السلوك الحَرَكي وما يصحَبُه من عملياتٍ إدراكيَّة ورغبات وبِطانة وُجدانية من لَذَّةٍ أو ألَم.

ويَنطوي معنى المَيل على معنى التَّوجُّه نحوَ غايةٍ أو نهايةٍ تبدو كأنَّها الغرَض الذي يَرمِي إليه السُّلوك الغريزي. وهذا الغرَض هو تحقيق عملٍ من الأعمال يُرضي المَيل والرَّغبة الناشِئة عنه.

ويُمكِن تلخيص ما سبَق في الحلقات الآتية: وجود المَيْل أو الدَّافع، تنشيطه، حالة توتُّر ناشئة عن هذا التَّنشيط ثُمَّ زَوال التوتُّر بإرضاء المَيل. ويتوقَّف تنشيط المَيل على عوامِل داخلية: بعضُها عضوي كالتركيب الكيميائي لبعض السوائل العضوية ودرجة كثافتها وتركيزها، وبعضُها ذِهنيٌّ كالذِّكريات والأخْيِلَة، وعلى عوامل خارجيَّة كإدراك الفرد بعض المُنبِّهات. وتؤدِّي المُنبِّهات الخارجية التي قد تكون نافِعةً أو ضارَّة أو مُهملةً دَورًا هامًّا في توجيه النشاط الحَرَكي، وإيجاد الظروف المُلائمة لإرضاء المَيل وزَوال التوتُّر. ويُحدِث زوال التوتُّر إحساسًا خاصًّا هو اللَّذة.

وقد اختلف العُلماء في تعريف الغريزة كما اختلَفوا في تحديد عددِ الغرائز، بعد أن بذَل بعضُهم جهودًا عَميقة في هذا المَيدان مُؤثِرين الجدَلَ اللَّفظي على البحث التحليلي التجريبي، وقد ازدادوا اختِلافًا عندما شَرَعوا في تطبيق تعاريفهم على ما يُسمُّونَه السلوك الغريزي في الإنسان. ولا غَرْوَ في أن يَصِل الاختِلاف بينهم إلى حدٍّ كبير من الغموض والفوضى والتعليلات اللفظية الجوفاء؛ إذ إنَّ المقصود من الغريزي هو الفِطري، ولا يُمكِن أن يظهَر الفِطريُّ مُجرَّدًا عن آثار البيئة والتَّمرين؛ ولذلك لا يُمكِن دراسته كفِطري. فمن الأخطاء الشَّائعة في بعض كُتب علم النفس التَّمييز بين السلوك الغريزي والسلوك المُكتَسب ومُحاوَلَة دراسة كلٍّ منهما على حِدَة.

وإذا أمكن استِخدام لفظ الغريزة في دراسة سلوك الحيوانات الدُّنيا، خاصَّةً عندما يُقصَد بالغريزة نَوعٌ من الصِّناعة الثابِتة كنسيج العنكبوت لعُشِّه، فهذا مُحالٌ عند التحدُّث عن سلوك الإنسان؛ ولهذا يُستحسَن استخدام لفظ المَيل الجنسي في الإنسان بدَلًا من الغريزة؛ لبيان ما يَمتاز به سلوك الإنسان من مُرونةٍ ومن قابِليَّةٍ للتَّغيُّر والتكيُّف، وخاصَّةً من قُدرةٍ على المنْع أو الكف. وحتى فيما يَختصُّ بغريزة البحث عن الطعام التي لا يُمكِن كفُّها مدَّةً طويلة وإلَّا أدَّى هذا إلى المَوت، نُلاحِظ أثر الأوضاع الاجتماعية في تكييف مَظاهر هذه الغريزة وتهذيبها. فبالأَوْلَى يجِب الفصل بين معنى الغريزة والمَيل الجنسي، حيث لا يؤدِّي الامتناع إلى موت الفرد، وحيث تكون آثار البيئة الاجتماعية في تهذيب السلوك الجِنسي وتقييده أبلَغَ وأقوى من آثارها في تهذيب غريزة البحث عن الطعام؛ ولهذه الأسباب عينها يكون من التضليل علميًّا وبالأحرى خُلقيًّا تَشبيه الرَّغبة الجِنسية بالجُوع العُضوي، والإشارة إليها بالجُوع الجِنسي كأنَّ عدَم إرضائها يؤدِّي إلى مَوت الفرد أو فُقدانه الصِّحةَ العقلية، كما أنَّ عدَم إرضاء الجُوع العضوي يؤدِّي حتمًا إلى المرَض والهُزال والموت.

ومن الحقائق الثابِتة أن المَيل الجنسي قابِل للإعلاء Sublimation والتأنُّس Socialization وللمُساهَمة في الرُّقي الرُّوحي للأفراد والجماعات أكثر من المَيل إلى العُدوان. وإن المُشكلة الكبرى التي تُواجِه عُلماء العَلاقات الإنسانية هي توافُر الوسائل التي من شأنِها تهذيب العُدوانية وإعلائها.

(٣) التناسُل والجنسيَّة

التناسُل هو تكاثُر أفراد النوع الواحد وهو على نوعين: التَّناسُل اللاجِنسي والتناسُل الجنسي. ويَحدُث التناسُل اللاجنسي — بِوجهٍ عام — عن طريق انقِسام الحَيوان دُون أن يَقترِن مع غيره. ويُشاهَد التناسُل الانقِسامي عادةً في الحَيوانات الأوليَّة ذات الخلِيَّة الواحِدة كالأميبا مثلًا.

ولا يكون التناسُل جنسيًّا إلا إذا تمَّ بعد تزاوُج فردَيْن مُختَلِفَين يؤدِّي إلى اجتماع النُّطفَتَين لتكوين فردٍ جديد يحمِل عن طريق الوِراثة خَصائص الوالِدَين. وقد تكون النُّطفتان صادِرَتَين عن فردٍ واحدٍ كما في بعض الحيوانات الأوليَّة والحيوانات المُخنَّثة، وفي هذه الحالة أيضًا يكون التَّناسُل جِنسيًّا.

وقد يُشاهَد في بعض الحيوانات الدُّنيا اجتماع التناسُل اللاجِنسي والتَّناسُل الجِنسي في نفس النَّوع تِبعًا لظروف البيئة الخارجية، ولكن يُعدُّ التَّناسُل الجِنسي أرقى وأكثرَ تعقُّدًا من اللا جِنسي؛ لأنه عامِل هامٌّ من عوامل تنوُّع الكائنات الحيَّة.

يبدو مما سبق أن العلاقة بين التناسُل والجنسية جدُّ مُعقَّدة، فإذا أمكن القول بأن التناسُل قد يَستقلُّ عن الجنسية كما هو الحال في التناسُل اللاجنسي أو اللانُطفي، هل يُمكِن القول كذلك بأن الجِنسيَّة قد تستقلُّ عن التناسُل وأنَّ هناك حالاتٍ في الطبيعة يتمُّ فيها الوصْل بين حَيوانَين دون أن يكون الغرَض منه تكاثُر النَّوع؟ ليست هذه المَسألة نظريَّة بَحْتة، بل سيكون لحلِّها أثر كبير في فَهم طبيعة الجنسية في الإنسان وتعيين السلوك الجِنسي السَّوِي.

فمدرسة التحليل النفسي مثلًا تَعتبِر أنَّ الجنسية بدَورِها قد تستقلُّ عن التناسُل. ويعتمِد أنصار هذه المدرسة على ظاهِرة الاقتِران كما هي تُشاهَد في البرامسيوم أحد الحيوانات الأوليَّة من فصيلة النقاعيَّات ذات الأهداب، وطول هذا الحيوان لا يتجاوَز رُبع ملليمتر.

يَتكاثَر البرامسيوم عن طريق الانقِسام. فنفس الفرد ينقسِم إلى اثنين ويُكوِّن فردَين كامِلَين لكلٍّ منهما غِشاء وبروتوبلازما أو جِسم خلوي ونَواة داخل الغِشاء النووي. وكلُّ فردٍ جديد بدَوره ينقَسِم إلى اثنين ويَستمرُّ الانقِسام على هذه الصُّورة مدى مئاتٍ من الأجيال. غير أنه يُشاهَد بعد حين إبطاء في عمليَّة الانقِسام وصمود الأفراد، وقد تؤدِّي هذه الحالة في بعض الظُّروف إلى اندِثار الجماعة ومَوتِها إن لم يلجأ أفرادُها إلى عمليَّة جديدةٍ يَسترجِع بها الحيوان نشاطَه فيَعود إلى الانقِسام. وهذه العملية نَوع من الوَصْل بين فردَين يُعْرَف بالاقتِران أو التَّزاوُج Conjugation. فيلتَصِق الحيوان بالآخر، وحِينئذٍ يحدُث بينهما تبادُل بعض أجزاء الجِسم فيعود كلٌّ منهما إلى حالةٍ جديدة من الشَّباب والحيوية.

وفي بعض الظروف الخاصَّة يَسترجِع الحيوان نشاط الانقسام بطريقةٍ أخرى، فبعد أن يَستمرَّ الانقسام لمُدَّة آلافٍ من الأجيال تأخُذ عملية الانقِسام في الإبطاء فيَجتازُ الحيوان مرحلة التَّعَب والانحِطاط ثم يَسترجِع نشاطَه بأن يتخلَّى عن جُزءٍ من مادَّته النَّوَوِيَّة بدون الاقتِران مع فردٍ آخر.

والمقصود بهذه الظروف الخاصَّة تلك الظروف التي يُوجِدها المُجرِّب بأن يُغيِّر تركيب السائل الذي يتكوَّن منه المُزدَرع. فإذا نقَلْنا جماعةً من ذات الأهداب من بيئتها القديمة إلى أخرى جديدة فإن قُدرة الحيوانات على الانقِسام لا تضعُف بل على العكس تزداد. وقد تمكَّن العلماء بإبقاء جماعةٍ من ذات الأهداب حيَّةً بضعةَ سنواتٍ مع استمرار الانقِسام، وقد أثبتَ بعضهم أن عمليَّة الاقتِران يتوقَّف وقُوعها على عوامل خارجية أهمها:
  • (١)
    المَجاعة وهي تُساعِد على الاقتِران.٣
  • (٢)

    تغيُّر نسبة المواد القَلويَّة إلى الحِمضية في وسائل المُزدَرع.

  • (٣)
    وجود عوامل استِقرانيَّة Zygogenous وهي مواد كيميائية مُعيَّنة تُفرِزها بعض البكتيريا، وهي نباتات ذات خليَّة واحدة تكون موجودة عادةً في البيئة التي تُوجَد فيها ذات الأهداب. وقد تؤثِّر هذه المواد المُفرَزة في حدوث عمليَّة الاقتران أو عدَمِه؛ فقد وُجِدَ بالتَّجربة أن إضافة بعض المواد إلى سائل المُزدَرع ككلورو الحديد أو كلورور الكلسيوم تُثير الاقتران. وقد وُجِدَ أيضًا أن دَرجة تركيز السائل بمِلح الطَّعام يؤثِّر في عمليَّة الاقتِران، فيكون للتركيز الضَّعيف أثر استِقراني في حين يكون أثر التركيز القوي غير استِقراني Azygogenous.

أمَّا في الظروف الطبيعية فيكون التناسُل في ذات الأهداب مُزدوجًا، أي مراحل من الانقسام يتخلَّلها اقتران بين فردَين. وفي حالة الاقتران يكون التناسُل جِنسيًّا نظرًا لاجتِماع فردين، ولِما يحدُث بينهما من تبادُلٍ لبعض أجزاء الجسم. غير أنَّ مدرسة التحليل النفسي أَبَتْ أن تَعتبِر عملية الاقتران عملية تناسُلية، وقصرَت وظيفتَها على تجديد النشاط وإعادة الشباب، وإن كان هذا التجديد شرطًا لاستئناف الانقسام. ومؤدَّى هذا الرأي أنَّ الجنسية أو مظاهر الاقتران بين فردَين قد تكون مُستقلَّةً عن التناسُل.

وإذا صحَّ هذا الرأي فستكون نتائجه خطيرة جدًّا خاصَّة إذا أُريد تطبيقه في الجنسية البشرية. وقد ذهبتْ مدرسة التحليل النفسي إلى القول بأن الجنسية ليست مُرتبِطة حتمًا بالتناسُل، ومن ثم — وهذه نتيجة لها أهميَّتُها وخطرُها من الوجهة الخلقيَّة — إلى القول بأن اللَّذة الناتِجة عن عمل الوظيفة الجنسية هي جوهريًّا غاية في ذاتها، وأنها ليست مُجرَّد وسيلةٍ لتحقيق التناسُل حِفظًا للنَّوع.

ويُردُّ على هذا الرأي بأن ما يحدُث في أثناء عملية الاقتران هو عين ما يحدُث في أثناء عملية الإخصاب بين النُّطفَتين كما بيَّنه العالم موباس Maupas. فالاقتران عملية إخصاب مُتبادَل تؤدِّي إلى تجديد الجهاز النَّووي في كلٍّ من الفريقين الذي يكون في هذه الحالة بمثابة الحيوانات المُخنَّثة. ويمكِن أن نُضيف بأنَّ ذات الأهداب مُكوَّنة من خليَّة واحدة، وأنه لا بدَّ من اعتِبار هذه الخليَّة نُطفةً وفردًا في آنٍ واحد، وأنه لا يجوز فصل عمليَّة تجديد الشباب عن عملية التناسُل.

وبناءً على ذلك فإنَّ الرأي القائل باستِقلال الجنسية عن التناسُل لا تؤيِّده الحقائق التجريبية، فالجنسية خاضعة للتناسُل ولا يمكن تبرير وجودها إلَّا إذا اعتبرناها وسيلةً لغايةٍ تفُوقُها وتتجاوَزُ حدود الفرد، وهذه الغاية هي حِفظ النوع. أما الحالات التي يُشاهِدها الطبيب النفساني والتي تكون فيها الجِنسيَّة عاجِزةً عن تحقيق التناسُل فهي حالات مرَضيَّة بدون شك.

وخضوع الجنسية للتناسُل يزداد ويتَّضِح كلَّما صعَدنا سُلَّم الحيوانات من أدناها إلى أعلاها حتى نصِل إلى الإنسان. وفي الإنسان تزداد صِلة الجنسيَّة بالتَّناسُل تعقُّدًا وتشعُّبًا، فالجنسية بالنِّسبة إلى التَّناسُل هي بمثابة الاستِعداد بالنسبة إلى التحقيق الفعلي، وذلك على الرغم من العقبات التي قد تَحُول دون انتقال الاستعداد من القوة إلى الفعل، فمعنى «الجنسي» يشمل معنى «التناسُلي»، كما أنه يشمَل كلَّ ما له عَلاقة بالتَّناسُلي سواء كانت هذه العلاقة علاقة الصِّلة بالمعلول أو المعلول بالعلَّة أو علاقة الرَّمز بما يَرمُز إليه.

فيكون الجنسي علَّة والتَّناسُلي معلولًا في حالة ظهور الجهاز التناسلي الذي يكوِّن الخصائص الأولية. فإن الجِنس سابق على ظهور أعضاء التناسُل فإن تَعيُّنه يبدأ عند مرحلة الإخصاب أي اجتماع النُّطفتين، ثم يُعيَّن بِدَوره ظهور الجهاز التَّناسُلي تَبعًا له إذا كان ذكرًا أو أنثى.

ويكون الجنسي معلولًا والتناسُلي علَّةً في حالة ظهور الخصائص الجنسية الثانوية في بدء مرحلة المُراهَقة. فإن ظهور الشَّعر في بعض مناطق الجِسم وتغيُّر الصوت ونُموَّ الغُدد الثَّديِيَّة من أثَرِ الإفرازات التي تُكوِّنها غُدَد الجهاز التناسُلي كالخِصيَة والمِبيَض.

أما علاقة الرَّمز بما يَرمُز إليه فهي ليست علاقة أساسيَّة ثابتة، بل عرَضِيَّة قابِلة للزوال، كأنْ يكتسِب شيءٌ خارجي غير جِنسي خاصيَّةً جنسية؛ لارتباطه عرَضًا بحالةٍ جنسية، وهذه الحالات تدخُل في دائرة الأفعال المُنعكِسة الشَّرطية أو الاستجابات المُكتَسبة الشَّرطية.

وعلى ذلك يُمكن استخدام لفظ «الجنسي» بثلاثة معانٍ: (١) معنًى ضَيِّق وهو أنَّ الجِنسي هو التناسُلي. (٢) معنًى أوسَع من الأول، الجنسي هو مجموعة العوامل التي تُمهِّد السبيل للتناسُلي، وكذلك الآثار النفسيَّة التي يُحدِثها التناسُلي. (٣) معنًى أكثر اتِّساعًا من الثاني وهو كلُّ ما له صِلةٌ عرَضِيَّة بالتناسُلي.

ويُمكِن حصر المُشكلة في تحديد الصِّلة بين الجِنسي والتناسُلي تَبَعًا للمعنى الثاني: متى تبدأ المظاهر السُّلوكية التي يُمكِن اعتبارها بحقٍّ مظاهر جنسيةً سترتبط يومًا ما — أي في سنِّ المُراهَقة — بالمظاهر التناسُليَّة أو بالمظاهر الجنسية التي تُمهِّد السبيل مُباشرةً للمظاهر التناسُليَّة؟ وتتمثَّل هذه المشكلة في النِّزاع القائم بين أنصار فرويد وخصومه: هل للجنسية مراحل نفسيَّة أوليَّة تظهَر في المولود الحديث منذ الأسبوع الأول بحيث تكون اللَّذة مهما كان مصدرُها وموضِعُها لذَّةً شَبقيَّة Erotic؟ أم هي مُجرَّد تلَذُّذٍ ناتِج عن تنشيط وظائف ليست لها صِبغة جنسية جوهرية كالامتِصاص والتبرُّز؟٤

(٤) بعض مظاهر الجنسيَّة في الحيوانات

ليس التناسُل اللاجنسي مقصورًا على بعض الحيوانات ذات الخليَّة الواحدة، بل يُوجَد أيضًا في بعض الحيوانات المُتعدِّدة الخلايا كالإسفنجيات والجوفمعويَّة والدِّيدان. غير أن التناسُل في هذه الأنواع لا يكون مقصورًا على اللاجنسي، بل لا بُدَّ أن يعود الحيوان من حينٍ إلى آخر إلى التناسُل الجنسي. ويتَّخِذ التناسُل اللاجنسي في هذه الأنواع التي ذكرناها إمَّا شكل الانقسام أو التبرعُم، فيشاهد في بعض الدِّيدان ذات الحلقات أنَّ إحدى هذه الحلقات أو بعضَها تتَّخِذ شكل الرأس، ثم يحدُثُ الانقِسام عند كل رأسٍ جديد وتتكوَّن عدَّة أفراد من فرد واحد. ويُشاهَد التبرعُم في الهيدرا التي تعيش في الماء الحلو وفي الإسفِنجِيَّات وبعض الدِّيدان ذات الحلقات، فتكوِّن براعِم على جِسم الحيوان، ثم تنمو مكوِّنةً حيوانًا جديدًا ينفصِل بعد حينٍ عن الأصل الذي كان يحمِله.

ويُمكِن أن نستنتِج من اجتماع التناسُل اللاجنسي والتناسُل الجِنسي في نفس الحيوان ما يلي:
  • (١)

    أنَّ ظاهرة التكاثُر بدون تخصُّصٍ جنسي أعمُّ من ظاهرة التناسُل الجِنسي.

  • (٢)

    يُعتبَر التناسُل الجنسي بالقياس إلى التناسُل اللاجنسي من مظاهر التقدُّم والرُّقيِّ لظهور التعقُّد في صُورة التمايُز المرفولوجي (شكل الجسم) والتخصُّص الوظيفي. وهذا يُطابِق ما سبَق أن قُلنا بأن الجنسيَّة خاضِعة للتناسُل؛ إذ إنَّ التَّخصُّص يفيد معنى التفرُّع والفرع لا بد أن يكون خاضِعًا للأصل.

  • (٣)
    غير أنَّ في الحيوانات المُتعدِّدة الخلايا يُوجَد فرقٌ جوهري بين التناسُل اللا جنسي والجنسي هو أنَّ في الحالة الأولى نكون دائمًا بصَدَد الكائن الحيِّ عينِه على الرَّغم من انقِسامه وتجزِئته، في حين أنَّ التناسُل الجنسي يُعتبَر بِحقٍّ عملية توليدٍ لكائنٍ حيٍّ جديد ناتج عن اقتران نطفَتَين صادِرَتَين عن فردَين مُختلِفين. فالتناسُل الجنسي مَظهر من مظاهر النَّشاط الحيَوِي أرقى من مَظاهر التناسُل اللا جنسي. هو طفْرةٌ جديدة من طفَرَات الحياة في أثناء صعودها نحوَ الكمال، وهو أرقى من حيث دِلالته الفلسفيَّة؛ إذ إنَّه يُشير إلى معنى التَّعاوُن بين فردَين وتكامُلِهما في سبيل مَصلحة النوع. ويتَّضِح لنا منذ الآن أن الجنسية تشمل بالإضافة إلى معنى الوَصْل الذي سبقت الإشارة إليه معنى الوصل التَّعاوُني. ومن مظاهر هذا الوَصْل التعاوُني الجاذِبيَّة التي تحدُث بين الجنسين. والسَّعادة الزَّوجيَّة حتى إذا حصرناها في نِطاقها الجِنسي لا يُمكن أن تَتمَّ إلَّا عن طريق التَّعاون الجِسمي والرُّوحي بين الزَّوجَين.٥

والكائن الجديد الذي ينشأ نتيجة لهذا الوَصل أو لهذا الاقتِران هو البُويضة المُخصَّبة؛ فالإخصاب الذي يتمُّ باندِماج نُطفَتَي الذَّكر والأنثى معًا هو الظاهرة الأساسية في كلِّ تناسُلٍ جنسي. ويَسبِق الإخصاب التلقيح وهو تَوصيل السائل المَنوي إلى البُويضة. وتختلِف طريقة التلقيح باختِلاف الأنواع الحيوانية؛ فقد يكون التلقيح داخليًّا أو خارجيًّا، فهو داخلي عندما يتمُّ داخِل جِسم الأنثى كما في الطيور والثديِيَّات، وخارجي كما في الأسماك فتضع الأنثى بَيضها في الماء، ثم يمُّر عليها الذكر ساكبًا عليها سائله المَنوي.

وهناك ظاهِرة جديرة تَسترعي النَّظر فيما يختصُّ بالتلقيح الداخلي، فلا يكون التلقيح الداخلي دائمًا عن طريق اجتماع الفردَين؛ ففي بعض الحيوانات البرمائيَّة كالسمندر يُخرِج الذَّكر الحيوانات المنويَّة مُجتمعةً في كيسٍ فتأخُذَه الأنثى وتضَعه بنفسِها في مِبرَزِها Cloaca وهو مَجمَع ينتهي فيه المَعيُّ الغليظ والقنوات البولية التناسُليَّة في الطيور والبرمائية.

وفي نوعٍ آخر من البرمائية كالضَّفادِع يكون التَّلقيح خارجيًا، ولكنَّه يتمُّ بعد اجتماع الفردَين، فيعلو الذَّكر الأنثى ضاغِطًا على جِسمِها بأطرافه، وعند خُروج البويضات من مِبرَز الأنثى يُلقِّحها الذكر، وتكون البُويضات في شكل عناقيد تَسبَح في الماء أو تلتَصِق في الأعشاب المائية.

ويتَّضِح من هذه الأمثلة أنَّ الفرد يكون خاضعًا تمام الخُضوع لمصلحة النَّوع وغائيَّتِه، ويمكن إثبات ذلك بأمثلةٍ أخرى مُستمَدَّة من سلوك الحَشرات، فكثيرًا ما يُشاهَد موت الذَّكر مُباشرةً بعد التلقيح، وقد يُصبِح الذكر في بعض أنواع العناكِب فريسةً للأنثى بعد تَخصيبها، وفي الحَشَرة المعروفة بالمُتكهِّنة Religieusemante تمضَغ الأنثى رأس قَرينها في أثناء عمليَّة التلقيح، وينتُج عن ذلك المَضغ تعطيل المراكز العصبيَّة العُليا فتُحرَّر المراكز العصبية الموجودة في العقد البطنيَّة مما قد تُحْدِثه مراكز العُقدة المُخيَّة من كفٍّ وبذلك تتمُّ العملية الجِنسيَّة بطريقةٍ مُنعكِسة بَحْتة.

وكلَّما تأمَّلْنا في سلوك الحيوانات حتى العالِية منها كالثديِيَّات اتَّضَح لنا أنَّ نِظام الوظائف الفسيولوجية التناسُليَّة وما يُحيط بها من ظروف خارجية طبيعية يَجعل الفرد مُجرَّد وسيلةٍ لحِفظ النَّوع ويَحُول دون حدوث الانحِرافات فيكون السُّلوك الجِنسي في مُختلِف أطوارِه خاضِعًا لإيقاعٍ مُعيَّنٍ؛ فلا تَتحرَّك الشَّهوَة عند الحَيوان إلَّا بعد أن تكون الطبيعة قد هيَّأت من الأسباب ما يَضمَن تحقيق الإخصاب وتكوين النَّسل. وتكون الظروف الفسيولوجية من تنشيط الغدَّة النُّخامية وهي موجودة في المُخِّ والغُدَد التناسُلية وتكوين البويضات ونُضجها، العامل الأساسي في إثارة السُّلوك الجِنسي. ومِمَّا يُساعد على تَوجيه هذا السُّلوك ومُواصَلَته، المُنبِّهات الخارجيَّة من شكلٍ وحركةٍ ولمسٍ وشمٍّ، وأهمُّها المُنبِّهات الشمِّيَّة.

أما السُّلوك الجِنسي في الإنسان فإنَّه جدُّ متعقِّد؛ لتدخُّل العوامل النفسية وخاصَّةً ما يُؤثِّر في الشعور من اتِّصالاتٍ وعواطِف وذِكرَيات وخَيالات، بل إنَّ العوامل الفِسيولوجية قد تضطرِبُ وتختلُّ بتأثير العَوامِل النفسيَّة. أما فيما يختصُّ بإثارة الشَّهوَة أو إخمادِها أو بِضبطِ المَيل وتوجيهه فيبلُغ أثر العوامل النفسية أقصاه. والإشكال في المسائل الجنسية لدى الإنسان يرجِع في الواقِع إلى تنظيم عَلاقة النفس بالجِسم وبيان مدى تأثير الإرادة في تهذيب المَيل الجنسي وتوجيهه الاتِّجاه السليم السَّوي.

(٥) الإخصاب في الإنسان ودِلالتُه السَّيكولوجية

رأينا أنَّ التناسُل الجنسي الذي يتمُّ باندِماج نُطفَتين بعضهما في بعض أكثر تعقُّدًا من التناسُل اللاجنسي الذي يتمُّ بالانقِسام، وأبعَدُ دِلالةً من حيث تطوُّر الكائنات الحيَّة وتنوُّعها. والتَّناسُل الجنسي يؤدِّي إلى تكوين كائنٍ حيٍّ جديد يبدأ حياته في صورة خلية واحدة تنمو وتنقسِم وتتمايَزُ أجزاؤها حتى تكوِّن مُختلِف الأعضاء والأجهزة. أمَّا التناسُل اللاجنسي فإنه يؤدِّي إلى مُجرَّد تكاثُر النوع بدُون تكوين كائنٍ حيٍّ جديد؛ إذ إنَّ الحيوان المكوَّن من خليةٍ واحدة كالأميبا ينقسِم إلى اثنين مُتماثِلَين يُواصِلان حياة الخلية الأصلية، فلا يكون تجديدًا بمعنى الكلِمة ولا بدءًا لحياةٍ جديدة. فالخَلَف يَحلُّ مَحلَّ السَّلف، ويَستأنِف عمليَّة النموِّ والتَّمثيل حيث ترَكَها الخَلَف. ففي الجِيل الرابع والعِشرين مثلًا يَصِل عدد الخلايا التي حلَّت مَحلَّ الخليَّة الأولى إلى ١٦ مليونًا. وعملية الانقِسام في الخليَّة مُرتبِطة بعملية النموِّ والتَّمثيل؛ فعِندما تصِلُ الخليَّة عند حجمٍ مُعيَّنٍ يُصبِح الغشاءُ الخارجيُّ الذي تحدُث عند سطحه عملية التبادُل الغذائي بين جِسم الخليَّة والبيئة الخارجيَّة عاجزًا عن سدِّ حاجة الجسم إلى الغذاء؛ إذ إنَّ نِسبة ازدياد الحجم أكبر من نسبة ازدياد سطح الغشاء، فعندما يختلُّ التوازُن بين مَقدِرة الغِشاء على التبادُل الغذائي وحاجة الجسم تنحَصِر الخليَّة ونَواتها، وتنقسِم إلى قِسمين يحتوي كلُّ قسمٍ على نِصف النَّواة. وبما أنَّ النَّواة هي التي تحمِل عوامل الوراثة تكون كلُّ خليةٍ جديدة شَبيهةً بالأمِّ تمام الشَّبَه.٦ فتبدو الوِراثة في هذه الحالة في أبسط مَظاهرها ولا تأخُذ في التعقُّد إلَّا عندما يكون الكائن الجديد نتيجة اجتماع نُطفتَي الأب والأمِّ، فتكون وِراثة النَّسل مَزيجًا من خصائص الأب والأم. ويخضَع انتِقال هذه الخصائص لقوانين مُعقَّدة كشفَها الرَّاهِب النِّمساوي مِندل Mendel. وعوامل الوِراثة مَوجودة في بعض أجزاء النَّواة تُعْرَف بالشَّبكة الكروماتينية، والخُيوط الكرُوماتينية مُكوَّنة من الكروموزمات أو الصِّبغيَّات، وسُمِّيَت كذلك لأنها قابِلة أكثر من أجزاء الخلية الأخرى بأن تُصْبَغ، وتحتوي الصِّبغيَّات على عوامل الوراثة أو المورِّثات Genes، وكلُّ مُورِّثة تُمثِّل صفةً من الصِّفات كلَون الشَّعر أو العين، طول القامَة أو قِصَرها إلخ.

في كلِّ نوعٍ من الأنواع يكون عدد الصبغيات في كلِّ خليةٍ ثابتًا، فعدَدُها في دُودة الأسكاريس ٤، وفي ذُبابة الخلِّ «الدروسوفيلا» ٨، وفي الجراد ٣٠ وفي النَّمل ٣٢، وفي الضِّفدَع ٢٦ وفي الدَّجاجة ٣٢ وفي الإنسان ٤٨.

وفي كلِّ حيوانٍ نوعان من الخلايا: الخلايا الجرثومية Germen التي تكوِّن الغُدَد الجِنسيَّة التي تُفرِز البُويضات والحيوانات المَنوية، وهي التي تنقِل خصائص الأب والأمِّ إلى الأولاد، والخلايا الجَسديَّة Soma، وهي التي تتمايز في شكلِها وتركيبها مُكوِّنة أعضاء الجسم وأجهزته، ووظيفتُها الأساسية تَمثيل الأغذية ونموُّ الفرد وبقائه وهي تَموت بِمَوت الفرد. في حين أنَّ الخلايا الجُرثومية تُمثِّل عنصر البقاء والدَّوام، فالبُوَيضة المُخصَّبة تنفصِل عن الأصل الذي يَحمِلها ناقِلةً خصائص الجِنس خلال مَوت الأفراد. وانتِقال هذه الخصائص في سُلالة الخلايا الجُرثومية هو بِعَينه الوِراثة. وإذا كانت الوراثة أحيانًا من عوامل تكوين أصنافٍ حيَّة جديدة، فهي في صَميمها عاملُ ثَبات وامتِداد القديم في الجديد، أي إحياء القديم.

قُلنا: إنَّ الخليَّة الجُرثومية في الإنسان تحوي ٤٨ صِبغيًا، فعند اجتماع نُطفة الذَّكر بالأنثى سيُصبِح هذا العدد ٩٦ في البويضة المُخصَّبة التي سيتكوَّن منها الفرد الجديد، وهذا مُحال إذ لا بُدَّ أن يكون عدَدُ الصِّبغيَّات ثابتًا ليكون الولَد شبيهًا بوالِديه؛ ولهذا السبب يمرُّ كلٌّ من البويضة والحَيوان المَنويُّ بمرحلة نُضجٍ يتخلَّى فيها عن نِصف صِبغيَّاته بحيث تُصبِح ٢٤. فعندما يجتمِع الحيوان المنويُّ والبويضة بعد نُضجِهما — أي بعد خَفض عدد الصِّبغيَّات إلى النِّصف — تندَمِج نَواة الأول بالثانية، ويُصبِح عَددُ الصِّبغيَّات من جديد ٤٨.

ولنتأمَّل قليلًا في عمليَّة تخصيب البُويْضة وظروفها، فإنها تنطوي على حِكمةٍ عظيمة تُساعِدنا على فَهم الفَوارق الخِلقيَّة الموجودة بين الرَّجل والمرأة، وعلى توضيح رِسالة كلٍّ منهما إزاء الآخر وإزاء المُجتمَع الإنساني.

بُويضة المرأة جِسم كرويُّ الشكل يُمكن رؤيته بالعَين المُجرَّدة على الرَّغم من صِغرَه؛ إذ لا يزيد حَجمُه عن ١ / ١٠ الملِّيمتر، في حين أنَّ الحيوان المَنويَّ من الأجسام الميكروسكوبية لا يزيد حجم جسمه عن ١ / ٢٠٠ من الملِّيمتر. وينتهي الجِسم بذيلٍ طوله حَوالي أربع مرَّات طول الجِسم. والحَيوان المَنوي يسعى نحو البويضة بسرعةٍ مُنتقِلًا في السَّوائل التي تحمِله بفضل حرَكَة الذَّيل التي تُشبِه الحرَكة الدُّوديَّة، بينما البويضة بعد خُروجها من المِبيَض تنتقِل ببطءٍ مُتَّجِهة نحوَ الرَّحم. ويحدُث الإخصاب عادةً قبل وصول البُويضة إلى الرَّحم، أي في أثناء اجتِيازها أنبوبة فالوب التي تصِل بين المِبيَض والرَّحِم.

ويحوي مِبيَض المرأة من عشرة آلافٍ إلى مائة ألف بُويضة تكون جُرثوماتُها كلُّها موجودةً منذ الولادة، ولكن عدد البُويْضات التي تَترُك المِبيَض في المُدَّة التي تكون فيها المرأة خِصبة — أي بين ظهور الحَيض في سنِّ المُراهَقة حتى اختِفائه في سنِّ اليأس — يتراوَح بين ٢٥٠ و٣٠٠ تَبَعًا لطول المُدَّة وعدد مرَّات الحمل؛ إذ المَعلوم أن بُويضةً واحدة تخرُج من المِبيَض مرَّةً واحدة كلَّ شهر. ما عدا الحالات الاستِثنائية التي تحمِل فيها المرأة التوائم الأخويَّة أو غير المُتماثِلة.٧

أما عدَد الحَيوانات المنويَّة التي تتكوَّن في الخِصيتَين فعددها لا حصر له، وقد يحتوي السائل المنوي الذي ينسكِب في أثناء العمل الجِنسي على أكثر من ثلاثمائة مليون كلَّ مرة. غير أنَّ هذا العدد قد ينقُص في بعض الحالات نتيجة الإسراف الجِنسي. ومن بين هذا العدد الهائل من الحيوانات المنوية لا يُسمَح إلَّا لحيوانٍ واحدٍ باختِراق غِشاء البُويضة، وبعد دخول جِسم النُّطفة ينفصِل الذَّيل ويموت، وتُغطَّى البويضة بطبقةٍ هُلاميَّة خاصَّة تحُول دون دُخول حيوانٍ آخر. وفي هذا العدد الكبير من الحيوانات المَنويَّة التي تسعى نحوَ البويضة ضَمان أكبر لحدُوث الإخصاب.

ولا تكون المرأة قابِلةً للحَمْل إلَّا في أثناء مَرحلة التَّبويض Ovulation، وهي حوالي خمسة أيام تَسبِقُها ثلاثة أو أربعة أيام، وهي المدة التي يظلُّ فيها الحيوان المَنويُّ حيًّا. وبعد انتهاء مرحلَة التَّبويض تَضمُر البويضة وتموت في حالة عدَم تخصيبها. وتقَع هذه المَرحلة المُكوَّنة من ثمانية إلى تِسعة أيام، أحد عشر يومًا قبل مِيعاد بَدء الحَيض الجديد؛ فكلُّ حَيضٍ يكون مُرتبطًا وَظيفيًّا بمرحلة التَّبويض السابقة. أمَّا المُدَّة بين بدء الحَيض وبدء التَّبويض فتختلِف باختِلاف مُدَّة الدَّورة الشهرية التي تتراوَح تَبعًا للأفراد من ٢٣ إلى ٤٠ يومًا. أما المُدَّة العاديَّة فهي ٢٨ يومًا أو شهر قمري. وتبدو المرأة كأنَّها مُرتبِطة ارتِباطًا وَثيقًا بإحدى الأنظِمة الطبيعية، وهي دَورة فلك القَمر. وسوف نرى كيف أنَّ المرأة أقرَب من الرَّجُل إلى أُمِّنا الطَّبيعيَّة مُستودَع الخَيرات ومصدَرها.

وبصدَد تحديد المُدَّة التي تكون فيها المرأة قابلةً للحمل يَجِب القول بأن بعض عُلَماء الفسيولوجيا لا يَعدُّون هذه القاعِدة ثابتة مُطلقة، فهناك استثناءات تَظلُّ فيها البُويضة حيَّةً أكثر من خمسة أيام، هذا فضلًا عمَّا قد يَعتري الدَّورة الشهرية من تقدُّم أو تأخُّر.

تبيَّن لنا حتى الآن أنَّ الإخصاب هو امتِزاج نَواة كلِّ نُطفةٍ بالأخرى بعد خفض عدد الصِّبغيَّات إلى النصف، ولكن بجانب هذه العملية النَّووية تُوجَد عملية أخرى لم يهتدِ العلم إليها إلَّا أخيرًا وهي عمليَّة تنشيط البُويضة قبل امتِزاج النَّواتَين تحت تأثير الحبوب الخَيطيَّة Mitochondria الموجودة بكثرةٍ في جِسم الحيوان المنوي، وسنُفصِّل القول في هذه العملية؛ نظرًا لأهميَّتها وخاصةً نظرًا لدِلالتها السيكولوجية والاجتماعية طبقًا لمنهجِنا التكامُلي.

نعلم أنَّ الوحدة الأساسية في تركيب كلِّ كائنٍ حيٍّ هي الخلية، أي إنَّ مظاهر الحياة المُنظمة لا يُمكن مُشاهدتها إلا في الخلية، ففي أبسط الحيوانات المُكوَّنة من خليةٍ واحدة تحدُث جميع العمليات الحيوية من تَغذية ونُموٍّ وإفرازٍ وإخراج وحسٍّ وحركة وتكاثُر. وعلى الرغم من بساطة تركيب هذه الحيوانات الأوليَّة إذا قارنَّاها بالحيوانات المُتعدِّدة الخلايا يُوجد تمايُز بين مُختلِف الأجزاء من حيث الشكل والتركيب الكيميائي، ومن ثم تقسيم للعمل، فقد أشرْنا مثلًا إلى الدَّور الذي تقوم به النَّواة أثناء عملية الانقسام في نقْل العوامل الوِراثية من الأصل إلى الذُّرِّية.

إذا فحصْنا الخليَّة تحت المِجهَر وجدْنا في جِسم الخليَّة الذي يُحيط بالنَّواة جُسيمات صغيرة كاسِرة للضوء تُعْرَف بالحبوب الخَيطيَّة Mitochondria، وهي تتَّخِذ أشكالًا مُختلفة تَبعًا لحالة الخليَّة العامة. ففي أبسط أشكالها تكون بِمثابة حُبيبات صغيرة جدًّا لا يزيد حجمُها عن نِصف ميكرون، والميكرون هو جزء من ألف من الملِّيمتر. وقد تتَّخِذ شكل السِّبحة أو شَكل العصا، وقد تكون مُوزَّعة في جميع أنحاء جسم الخلية أو مُتجمِّعة حول النَّواة أو عند منطقتَين مُتقابِلتين في الخليَّة.

ولا تصدُر الحبوب الخَيطيَّة عن النَّواة، كما أنها لا تتكوَّن تلقائيًا؛ فكلُّ حبَّة جديدة تتولَّد بالانقِسام عن حبَّةٍ قديمة. يُشاهَد انقِسام الحبوب انقِسامًا عرضيًّا كلَّما أبطأت عمليَّة النُّموِّ في حالة التَّعَب أو الإعياء الشديد. ويحدُث نتيجةً لانقِسام الحبوب ازدياد النَّشاط الحيوي واستئناف النُّمو. ونظرًا لأنَّ كلَّ حبَّةٍ جديدة لا تَتولَّد إلَّا من حبَّةٍ أخرى فقد تَساءل العلماء ما إذا كانت الوحدة الأساسية للتركيب الحيوي هي الحبَّة الخَيطيَّة أم الخلية؟ والحبوب الخَيطيَّة تُمثِّل في الخليَّة طبقَةَ العُمَّال التي تقوم بالعمليَّات الحيوية تحت إشراف النَّواة التي تُعتبَر بِحقٍّ حارِسة وحدة الخلية ونَوعيَّتها، فالحبوب الخَيطيَّة هي في نفس الآن من عوامل التحليل لتَعبِئة الطاقة الخَلَويَّة ومن عوامل التركيب لاختزان الطاقة وحفظِها.

والآن وقد فَهِمنا طبيعة الحبوب الخيطية نعود إلى عملية الإخصاب. نعلَم أنَّ البويضة بعد تَخصيبها تنقسِم إلى عددٍ كبير من الخلايا لتكوين الجنين، فلا بُدَّ من أن تحتوي على كمِّيَّةٍ كبيرة من المواد الغذائية. وتُكَوَّن هذه المواد المُختَزنة فيما يُعْرَف بالمُحِّ أو صفار البيض، وكلَّما ازداد حَجْم المُحِّ نقَصت كَميَّة المادَّة الحيَّة المُسمَّاة بالبروتوبلاسما. تكون البُويضة إذن في حالة شَيخوخة وانحِطاط ومن ثَمَّ عاجِزة عن الانقِسام، فلا بُدَّ من تجديد نشاطِها وإعادة الشباب إليها. وهذا هو الدَّور الذي ستُؤدِّيه نُطفة الذَّكر عند امتِزاجِها بنُطفة الأنثى، فإذا فحَصْنا الحيوان المَنويَّ تحت المِجهَر وجدْنا أنه يتركَّب خاصَّةً من نَواة ومن كُتلةٍ من الحبوب الخَيطيَّة تمتاز بشدَّة نشاطها، فعندما يتمُّ الإخصاب تُشاهَد هذه الحبوب الخَيطيَّة تتَّجِه نحوَ البروتوبلاسما وتَنتشِر فيه، وفي هذه اللَّحظة تنتقِل البويضة من حالة الخُمول التي كانت فيها إلى حالةٍ جديدة من النَّشاط والحيويَّة.

وسرُّ هذا النَّشاط الجديد هو أنَّ الحبوب الخَيطيَّة الآتِية من نُطفة الذَّكَر امتزجَت بالحبوب الخَيطيَّة التي أخذت تَهزُل وتَشيخ في جِسم البويضة فتُعيد إليها النَّشاط والشباب. فعمليَّة الإخصاب هي — في الواقع — عمليَّة تَغذية وعملية تناسُل في الوقت نفسه. وتظهَر هاتان النَّاحِيَتان بِجلاءٍ في تخصيب النَّبات حيث تحتوي حبوب اللقاح على نَواتين: إحداهما وهي كبيرة الحجم لتَغذِية البُويضة، والأخرى صغيرة للتَّخصيب.

وممَّا هو جَدير بالمُلاحَظة أنَّ من بين السُّلالَتَين الجُرثُومَتين: سُلالة الذَّكَر وسُلالة الأنثى، لا تُصاب الحبوب الخَيطيَّة بالانحِطاط والشيخوخة إلا في سُلالة الأنثى، في حين تَظلُّ الحبوب الخَيطيَّة في سُلالة الذَّكَر في حالةٍ دائمةٍ من الشباب. وخلاصة القول: إنَّ الحياة لا تتجدَّد ولا تَستمرُّ في حَرَكتِها الإبداعية الخالِقة إلَّا بفضل نُطفة الذَّكر وما تَحمِلُه من عوامِل البقاء والخلود.

وقبل أن نَستخلِص من هذه التَّفرقة الوظيفية التي تُميِّز الذَّكر عن الأنثى من الوِجهة البيولوجية ما تنطوي عليها من دِلالة سيكولوجية، نُعيد التأمُّل قليلًا في تركيب كلٍّ من نُطفتَي الذَّكَر والأنثى، فالحيوان المَنويُّ ضامِر الجِسم مَفتول الشَّكل تكاد تكون الموادُّ الغذائية المُختزَنة فيه مَعدومة، ثم إنَّه سريع الحرَكة والتنقُّل بفضل ذَيلِه الطويل الذي يُشبِه شكلَ السَّوط Flagellum، في حِين أن البُويضة كبيرة الجِسم كرويَّة الشَّكل كثيرة المواد الغِذائية المُختزَنة فيها بطيئة الحركة. لا شكَّ أنَّ في هاتَين الصُّورَتين إشارة واضِحة إلى الصِّفات الخَلقيَّة والخُلُقيَّة التي تُميِّز بين الرَّجُل والمرأة. ولا نِزاع فيما يَختصُّ بالصِّفات الخَلْقية كما يُمكِن الوقوف عليه عندما نُقارِن بين رجلٍ كامل الرُّجولة وامرأة كاملة الأنوثة. أما فيما يختصُّ بالصِّفات الخُلُقية والعَقليَّة فالأمر أكثر عُسرًا ودِقَّة. ولكن أليس الوَضع الحالي لنظام الأسرة مُطابقًا لطبيعة كلٍّ من الرجل والمرأة؟ فعلى الرجُل أن يسعى في الخارج لتحصيل الرِّزق والقُوت، وعلى المرأة أن تُدبِّر استِهلاك بعض الرِّزق وحِفظ بعضه الآخر لوقتِ الحاجة. والرجُل يُمثِّل جانب البحث والتحليل والإبداع، في حين أنَّ المرأة تُمثِّل جانِب المُحافَظة والتَّركيب والتأليف. عالَجْنا هذا الموضوع في كِتابنا «سيكولوجية الجِنس ومُشكلات الزَّواج»، ولكن يُمكنُنا أن نُقرِّر هنا أن كلَّ مُحاولةٍ ترمي إلى تحرير المرأة على حِساب طبيعتِها الجَوهريَّة وبدون مُراعاة ما فُطِرَت عليه من استعداداتٍ وأخلاق لا بُدَّ أن تُؤدِّي إلى تعاستِها، بل إلى تعاسَة الإنسانية جمعاء. وسوف نرى أنَّ رسالة المرأة جليلة كلَّ الجَلال على الرَّغم ممَّا تبدو عليه من التَّواضُع في نظَر العُقول السَّطحيَّة؛ فإنها ليست فقط حارِسة البيت والأسرة، بل هي قبل كلِّ شيءٍ حارِسة الإنسانية، ومن أهمِّ عوامِل تحريرها من الذُّعر الهائل الذي يُهيمِن كالسَّحابة السَّوداء على قلبِ الإنسان العصري.

(٦) تعيين الجنس ودِلالته الاجتماعية

اهتمَّ العُلماء اهتمامًا خاصًّا ببَحث العوامل التي تُعيِّن جنس الجنين، هل يتحدَّد جِنس الجنين — ذكرًا أو أنثى — قبل الإخصاب أو عِنده أو بعدَه؟ هل يُمكن تغيير الجِنس وتحويله إلى ضِدِّه في أثناء النموِّ الجنيني؟ هل تكون عوامل التَّعيين مقصورةً على الظُّروف الداخلية والتركيب الكروموسومي لكلٍّ من النُّطفتين؟ أم هناك عوامل خارجية كالحرارة ونظام التَّغذية وما يدخُل فيه من فيتامينات خاصَّة تؤثِّر في العوامل الداخلية فتُساعدها حينًا أو تعوق آثارها حينًا آخر؟ هل يُمكن التحكُّم في تعيين الجنس بحيث تضع المرأة ذكرًا أو أنثى حسب رغبة الوالِدين؟ تلك هي بعض الأسئلة التي تُثار حول موضوع تعيين الجنس، وسنُحاول الإجابة عن بعضها بإيجازٍ مع الإشارة إلى ما يُمكن اعتباره حقيقةً علمية ثابِتة وما يزال فرضًا من الفروض لا يزال العِلم يواصِل بحثَه لتدعيمه أو رفضه، تَبعًا لما ستُسفِر عنه التَّجارب من نتائج ثابتة، كما أننا — تطبيقًا للمَنهج التكامُلي — سنُحاول أن نَستخلِص ما تنطوي عليه الحقائق البيولوجية من دلالةٍ سيكولوجية واجتماعية.

تنقسِم النظريَّات التي حاولت تفسير تعيين الجِنس إلى ثلاث: تذهب الأولى إلى أن التعيين يكون قبل الإخصاب Progamic، والثانية بعد الإخصاب Epigamic، والثالثة في أثناء الإخصاب Syngamic.
تعتمِد الأولى على ما نُشاهِده في حالات التولُّد البكري أو العُذري Parthenogenesis وهو انقِسام البويضة غير المُخصَّبة ونموها في بعض الحيوانات اللافقرية كالحَشرات، فيُلاحظ أن الحَشَرة تضَع حِينًا بيضًا يكون ذُكورًا فقط وحينًا آخر بيضًا يكون إناثًا فقط. ويُعتَقَد أن تَعيين الجِنس يرجِع إلى درجة النُّضج التي تكون عليها البُويضة، ومركز هذه النظرية ضعيف جدًّا خاصَّة وأنَّ عوامل التولُّد البكري لا يزال يحيط بها كثيرٌ من الغموض.

والنظرية الثانية كذلك مرفوضة، وهي التي تقول بتعيُّن الجِنس أثناء نموِّ الجنين تحت تأثير الأغذِية التي تتعاطاها الأم وهي حامِل، أو تحت تأثير البيئة الغِذائية التي تَعيش فيها الأجِنَّة في بعض أنواع الحيوانات التي لا تحمِل نِتاجَها. وقد لوحظ أن بيضَ الضَّفادع يتحوَّل مُعظَمُه إلى إناثٍ عند انخِفاض درجةِ الحرارة، وإلى ذكورٍ عند ارتفاعِها.

أما النظرية الثالثة وهي تَعتبِر تَعيُّن الجنس مُرتبطًا بالإخصاب ومُعاصِرًا له فهي التي تؤيِّدُها الحقائق التجريبية، خاصَّة وأنها تربِط بين تعيُّن الجنس وعوامل داخلية ثابتة هي العوامل الوِراثية في كِلا النُّطفتين. وهي تنقسِم إلى نظريَّتين مُتمِّمتين إحداهما للأخرى، على الرغم ممَّا يبدو بينهما من تَعارض، وهما النَّظرية الكروموسومية أو الصِّبغيَّة، والنظريَّة الفِيتامِينيَّة.

النظرية الكروموسومية: سبَق أن ذكرْنا أنَّ في كلِّ نواةٍ عددًا خاصًّا من الصِّبغيَّات Chromosomes يَختلِف باختِلاف الأنواع؛ فعدَدُها في الإنسان مثلًا ٤٨ أي ٢٤ زَوجًا، غير أنَّه يُوجَد في نَواة الخلايا الجُرثوميَّة كروموسومات إضافيَّة يَختلِف عددُها أو شكلُها باختلاف جِنس النُّطفة، ففي الإنسان يكون التركيب الصِّبغي كالآتي:

في الأنثى ٤٦ كروموسومًا أساسيًّا وكروموسومان إضافيَّان مُتشابهان نرمُز إليهما ﺑ ص ص. وفي الذَّكَر ٤٦ واثنان إضافيَّان أحدُهما أقوى من الثاني نرمُز إلى الأول ﺑ ص وإلى الثاني ﺑ س، أو الأنثى ٤٦ + ص ص، والذكر ٤٦ + ص س.

وقد ذكرْنا أيضًا أن الإخصاب يكون مَسبوقًا بمرحلة تنضَج في أثنائها النُّطفة تُعْرَف بعملية خفض الكروموسومات إلى النصف، فيكون لدَينا في نُطفة الأنثى نوع واحِد من التركيب الصِّبغي هو ٢٣ + ص. وفي نُطفة الذَّكَر نوعان ٢٣ + ص أو ٢٣ + س.

فإذا اجتمع النوع الأول بالبُويضة أصبح تركيب البويضة المُخصَّبة (٢٣ + ص) + (٢٣ + ص) أي ٤٦ + ص ص أي أنَّ الجنين سيكون أنثى.

وفي الحالة الثانية: (٢٣ + ص) + (٢٣ + س) أي ٤٦ + ص س أي إنَّ الجنين سيكون ذكرًا. ولكن إذا كانت هذه النظرية صحيحةً كيف نُعلِّل ظهور الجِنسَين في نفس الشَّخص أو تحوُّل الجِنس إلى ضِدِّه في أثناء النموِّ الجنيني؟ لا شكَّ أن النظرية الكروموسومية تُعلِّل لنا بوضوح الحالات العادية، وتفسِّر لنا كيف يكون عدد الذكور مُساويًا لعدد الإناث أو يكاد إذا أخذنا مجموعة كبيرة من السُّكان. غير أنه لا شكَّ أيضًا أنَّ هناك عوامل أخرى تتدخَّل في عملية تَعيُّن الجِنس من شأنِها أحيانًا أن تُحْدِث اضطرابًا في نِظام توزيع الصِّبغيَّات وفي آثارها. والنظريَّة الفِيتامينية تُحاوِل توضيح هذه الناحية الغامِضة وتفسير الحالات الشاذَّة.

النظرية الفيتامينية: وتُسمَّى أيضًا نظريَّة طاقة الخليَّة Cyto-energetic تعتمِد هذه النظرية على المُلاحظة الآتية: شدَّة الطاقة في الحياة الخلوية تكون أقوى لدى الذَّكر منها لدى الأنثى، أي إنَّ عمليات التأكسُد أو استِهلاك الطاقة تكون أقوى وأسرَعَ في الذُّكور منها في الإناث، وقد لاحظ القُدَماء هذه الحقيقة فيقول الإمام فخر الدين الرازي في كِتاب الفراسة٨ ما يلي: «واعلَم أن الذُّكور من كلِّ نوعٍ من أنواع الحيوان أكمل حالًا وأقوى مِزاجًا من الأنثى، والسبب فيه أنَّ المِزاج الذُّكوري إنما يَحصُل بسبب استِيلاء الحرارة واليُبوسة، والمِزاج الأنوثي إنما يحصل بسبب استِيلاء البرد والرُّطوبة، وهذا المعنى يقتضي أحوالًا في البدَن وأحوالًا في النفس.» ولا يرجِع شدَّة التأكسُد أو ضَعفه إلى الغُدَد الجِنسية؛ إذ إنَّ الشِّدَّة أو الضَّعف يَظهر منذ بدء الحياة الجينية وقبل تكوين الغُدَد التَّناسُليَّة.

ويتوقَّف على ذلك أنَّ كلَّ عاملٍ من شأنه أن يُضعِف التأكسُد في نُطفة الذَّكَر سيؤدي إلى أن يكون الجنين أنثى، وكذلك كلُّ عاملٍ من شأنه أن يَزيد التأكسُد في نُطفة الأنثى سيؤدي إلى أن يكون الجنين ذكرًا.

ومن أهم العَوامل التي تُؤثِّر في شدَّة التأكسُد الفيتامين ب وخاصة ب٢، ب٣ فإذا أُصيب الذَّكَر بنقصٍ في هذه الفيتامينات تكون ذُرِّيَّته من الإناث ضِعْفَ ذُرِّيَّته من الذُّكور.

وهذه النَّظرية تُفسِّر لنا ازدِياد عدد المَواليد الذكور في زَمن الحَرب؛ فحياة الجُندي في المَيدان شاقَّة محفوفة بالأخطار وتُنمِّي فيه خصائص الرُّجولة إلى أقصى حدٍّ من الشَّجاعة والجَلَد وتَحمُّل المَشقَّات، وكذلك تكون حياة الزَّوجة شاقَّة تتطلَّب منها بذل مَجهودٍ مُضنٍ في الحقل أو المصنع، فتكون عمليَّات التأكسُد واستهلاك الطاقات قويَّةً وشديدة؛ ولهذا تَرجح كفَّة الذَّكَر على الأنثى كأنَّ الطبيعة تُريد أن تُعوِّض ما تفقِده الإنسانية من رجالٍ في ميادين القتال.

ولكن يجِب أن يُلاحَظ أنَّ ازدياد شدَّة التأكسُد لا يُؤثِّر في تَرجيح تكوين الذَّكَر على الأنثى إلَّا إذا كان مُحقَّقًا أثناء الإخصاب. أما إذا كان كلٌّ من الزَّوجَين في حالةٍ سويَّة، أي أن يمتاز الرجُل بخصائص الرُّجولة من حركةٍ ونشاط وجلَدٍ وإقدام على الأهوال، ومن تغلُّب عملية الهَدْم على عمليَّة البناء في التَّغذية، والمرأة بخصائص الأنوثة من لِينٍ وهدوءٍ وحنانٍ وانقِياد، ومن تَغلُّب عمليَّة البناء على عمليَّة الهَدْم في التَّغذِية تتوزَّع الذُّرية بالتَّساوي بين الجِنسين. وفي هذه الحالة يكون العامل الأساسي في تَعيُّن الجنس، العوامل الكروموسومية.

ولكن يندُر أن تتحقَّق الرُّجولة الكامِلة أو الأنوثة الكامِلة؛ فكثيرًا ما تكون بعض خصائص الجِنسَين موجودةً في شخصٍ واحد مع تغلُّب خصائص جِنسِه على خصائص الجِنس الآخر، فلدينا دَرَجات كثيرة بين الرُّجولة أو الأنوثة الكامِلة وحالة الخُنوثة سواء كانت جِسميَّة أو نفسية، ولكن في حالات الانحِراف البسيطة التي لا تكون من نَوع الجِنسيَّة المِثليَّة الواضِحة Homosexuality تقوم الجاذِبيَّة الجِنسية بدَورٍ هامٍّ في إعادة التَّوازُن المُختل، بحيث تعود الذُّرية إلى حالة السواء والاعتِدال من حيث توزيع عدد الجِنسين بنسبةٍ مُتساوية. وقد نص العالم ويننجر Weininger على قانون الجاذبيَّة الجنسية كالآتي: يختار الزَّوجان أحدهما الآخر بحيث يُكوِّنان بامتِزاج عناصِرِهما الذُّكورية والأنوثيَّة رجُلًا كامِلًا وامرأةً كاملة. لنفرِض رجُلًا تكون نسبة الرجولة فيه ٦٠٪ والأنوثة ٤٠٪ فإنه يَميل بالفِطرة إلى امرأةٍ نِسبة الرجولة فيها ٤٠٪ والأنوثة ٦٠٪ بحيث يكون اجتماعهما ١٠٠٪ من الذكورة و١٠٠٪ من الأنوثة.

وخلاصة القول إنَّ كلَّ شخصٍ ينحرِف عن سبل جِنسه ويأبى القيام بالمُهمَّات التي يفرِضُها عليه جِنسه يفقِد أولًا: القُدرَة على إنسال ذُرِّية من جِنسه، وأخيرًا: القدرة على الإنسال عامَّة.

١  C. V. Monakow et R. Morgue-Introduction Biologique à L’étude de La Neurologie et de La Psychopathologie, Intégration et Désintégration de La Fonction. Paris, 1928, pp. XI 416.
٢  يوسف مراد، المَنهج التكامُلي وتصنيف الوقائع النفسية، العدد الثالث من المُجلَّد الأول من مَجلَّة علم النفس، فبراير ١٩٤٦م، ص٢٧٣–٣٠٤، دار المعارف بمصر.
يوسف مراد، مبادئ علم النفس العام، الطبعة الثانية، ١٩٥٤، ٤٢٨ صفحة من منشورات جماعة علم النفس التكامُلي، دار المعارف بمصر.
٣  لوحظ أيضًا ازدِياد النشاط الجِنسي لدى جماعةٍ من الفِيران حُرِمَت من جزءٍ من طعامها العادي، كما أنَّه من المُلاحظ أنَّ النشاط الجِنسي يزداد نسبيًّا في الجماعات البشريَّة ذات مُستوى اقتصادي مُنخفِض، كأن اللَّذة الجِنسية نَوع من التَّعويض عن الجُوع. والعكس أيضًا صحيح، فالشخص الذي يُعاني الحِرمان من الحُبِّ والعطف يُقبِل على الطَّعام بشراهةٍ واضِحة.
٤  عالجنا هذا الموضوع في مَقالِنا: «نموُّ الطفل العقلي وتكوين شخصيَّته»، العدد الأول من المُجلَّد الثاني من مجلَّة عِلم النفس، يونيو سنة ١٩٤٦م، ص١–٢٤، دار المعارف بمصر.
٥  يوسف مراد: سيكولوجية الجِنس ومُشكِلات الزواج، دار المعارف بمصر.
٦  بِشرط أن يكون توزيع عوامل الوراثة مُتعادلًا في كلٍّ من القسمين، ويُعْرَف الانقسام في هذه الحالة بالتَّخَيُّطي Mitosis. أما إذا انقسَمَت النَّواة مُباشرة بدون تعادُلٍ تام فيُعْرَف الانقِسام بالمُباشر أو لا تَخيُّطي Amitosis. والانقِسام التَّخَيُّطي هو القاعدة، ولا يحدُث الانقِسام المُباشر إلَّا في حالة ضَعف الخلية وافتِقار جِسمها إلى بعض الجُسيْمات المعروفة بالحُبوب الخَيطيَّة Mitochondria. وهذه الحبوب تؤدِّي دَورًا هامًّا في نُموِّ الخلية وفي حمْل النَّواة على الانقِسام.
٧  التوائم الأخَويَّة أو غير المُتماثِلة Fraternal Twins يتكوَّن كلُّ واحدٍ منها من بُويضةٍ خاصَّة، ويكون كلُّ جنينٍ في مَشيمة واحدةٍ على حِدة. وقد تكون هذه التوائم من جِنسَين مُختلِفين. أما التوائم المُتماثِلة Identical Twins فهي من بُويضةٍ واحدة وداخل مَشيمة واحدة ومن جنسٍ واحد — ذكر أو أُنثى — وهي مُتشابِهة تمام التَّشابُه.
٨  ص ٢٤ طبعة باريس سنة ١٩٣٩م، النص العربي مصحوبًا بترجمة فرنسية وتعليقات ومُقدِّمة في تاريخ علم الفراسة عند اليونان والعرب:
Youssef Mourad. La Physiognomonic Arabe et Le Kitâb al-Firâsa de Fakhr al-Din al-Ràzi Librairie Orintaliste Paul Geuthner-Paris 1939.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠