تصنيف النَّماذج الجِسميَّة والمِزاجيَّة حسب شلدن

أنواع البناء الجِسمي لدى الإنسان – مدخل إلى علم النفس الجِبِلِّي:

تأليف شلدن واستيفنز وتوكر – ترجَمة فرنسية بقلم الدكتور أمبردان عن الطبعة الأمريكية الرابعة – باريس ١٩٥٠م – ٣٨٢ص.

أنواع المِزاج – سَيكولوجية الفَوارِق الجِبِلِّيَّة: تأليف شلدن واستيفنز – ترجمة فرنسية بقلم الدكتور أمبردان وجرومباخ، باريس ١٩٥١م – ٥٧٠ص.

W.H. Sheldon, S.S. Stevens & W.B. Tucker: Les Variétés de la Constitution Physique de l’Homme. Introduction à la Psychologie Constitutionnelle, Trad. Franç, par le Dr. André Ombredane. Presses Universitaires de Franç, Paris, 1950, pp. 382.
W.H. Sheldon & S.S. Stevens: Les Variétés du Tempérament. Une Psychologie des Differences Constitutionnelles. Trad. Franç, par le dr. André Ombredane et J.J. Grumbach. Presses Universitaires de France, Paris, 1951, pp. 570.
تنتمي الأبحاث التي يَتضمَّنها هذان الكِتابان إلى تيَّار يرجِع مَصدرُه إلى أبيقراط عندما ميَّز بين نَموذجين من البناء الجِسمي، النموذج المَدقُوق (Phtisique أي السَّلِّي) والنموذج السَّكتي (Apoplectique المُعرَّض للسَّكتة). ويَستمرُّ على أيدي عُلماء الفِراسة طوال القُرون الوُسطى والعصور الحديثة حتى يصِل إلى أبحاث كرتشمر Kretschmer الذي يذهَب مَذْهَب أبيقراط في تقسيم الناس إلى نَموذجين رئيسيَّين: النموذج الواهِن Leptosome والنموذج المُكتنِز Pyknic. وكانت المدرسة الأبيقراطية وما ماثَلَها من المدارس تَعتقِد بوجود ارتِباط بين خصائص الجِسم من حيث الشَّكل والبِنْيَة، وخصائص النفس من مُيول واتِّجاهات؛ حتى إنَّ علماء الفِراسة يُقيمون عِلمهم على المبدأ القائل بصِحَّة الاستِدلال بالخَلْق على الخُلُق. وظلَّ هذا المبدأ يُوجِّه العُلَماء المُعاصِرين الذين بَحثوا في شكل الجِسم الإنساني وبنائه مُحاوِلين الرَّبط بين الخصائص الجِسمية والخصائص النفسية. وهؤلاء العُلماء من الأطبَّاء والسَّيكولوجِيِّين يؤمنون بأن الإنسان وحدَةٌ جِسمنفسيَّة، وأن كلَّ ما يصدُر عنه من حرَكاتٍ واستجابات مَطبوع بهذه الوِحدة.

غير أنَّ تقسيم الناس إلى عددٍ قليلٍ من النَّماذِج المرفولوجية وما يُطابِقها من النماذج السَّيكولوجية يُغفِل جَمْهرَةَ الذين يَبتَعِدون عن هذه النماذج. وقد حاوَل شلدن ومُعاوِنوه في الكِتابين: «أنواع البِناء الجِسمِي لدى الإنسان» و«أنواع المِزاج» التغلُّب على هذا النَّقص ومُراعاة التَّواصُل الذي يَربِط بين النماذج، فاستبدلوا بِفِكرة النَّموذج المُرفولوجي والمِزاجي فِكرة العوامِل المرفولوجية والمِزاجية، وأشاروا إلى ضرورة النظر إلى هذه العوامل مُجتمِعةً في الأشكال التي تُكوِّنُها بدلًا من النَّظر إلى كلِّ عاملٍ على حِدَة حسْب دَرجته الخاصة. وأخيرًا يَمتاز عملهم بالرُّوح العِلميَّة السَّليمة التي لا تكتفي بالمُلاحَظات المَحدودة والتَّخمينات الانطِباعية، بل تَقتضي تنظيم المُلاحَظات لعددٍ كبير من الحالات، ثُمَّ مُعالَجة البيانات بالطُّرق الإحصائية. وفيما يلي عرْضٌ مُوجَز لمَضمون الكِتابَين وسنُحاول في هذا العرْض إبراز ما تَمتاز به هذه البُحوث من الدقَّة والمَوضوعية.

نشَر شلدن الكِتاب الخاصَّ ببناء الجسم قبل نشْر كتابه في أنواع المِزاج بسنَتين. وقد يُوحي هذا التَّرتيب التاريخي أنَّ شلدن بحثَ الموضوع المُرفولوجي قبلَ أنْ يبحثَ الموضوع المِزاجي. والواقع هو عكس ذلك؛ فقد اهتمَّ شلدن في بادئ الأمر بدراسة المِزاج، ثم أوَحَتْ إليه هذه الدراسة ببحْث الارتِباطات التي قد تُوجَد بين المُتغيِّرات المرفولوجية والمُتغيِّرات المِزاجية. غير أنه تَمشِّيًا مع مَنهج الأطبَّاء بدأ يَنشُر كتابه في بناء الجسم وصِفاته المرفولوجية.

والطريقة التي اتُّبِعَت في جمع البيانات القياسية للجِسم الإنساني تتلخَّص في أخذ صُوَرٍ فوتوغرافية لأربعة آلاف طالبٍ تتراوَح سنُّهم بين ١٦ و٢٠ سنة. وأُخِذَت لكلِّ طالبٍ ثلاثُ صُوَر: وَجهيَّة وظَهريَّة وجانِبيَّة، ورُوعي في أخذ الصُّوَر تثبيت الظروف من حيث المَسافة وارتِفاع الآلَة وكميَّة الإضاءة، بحيث تُصبِح المُقارنة بين الصُّوَر مُمكِنة. وأدَّت المُقارنة إلى تصنيف الصُّور تَبعًا لبعض الأبعاد أو المُتغيِّرات. وانتهَتِ الدراسة إلى الكشْف عن ثلاثة مُتغيِّرات أوليَّة وإلى أنَّ الأشكال المُختلِفة يُمكِن ردُّها جميعًا إلى تركيب هذه المُتغيِّرات الثلاثة، كلٌّ بدرجةٍ مُعيَّنة تَبعًا لسُلَّم اتُّفِق على أن يكون عدد دَرَجاته سبعَ درجات. ولتحديد النموذج الجِسمي Somatotype لكلِّ شخصٍ أخِذ ١٧ قياسًا وفقًا لطريقةٍ موضوعيَّة دقيقة.

ولتَحقيق أكبر قِسطٍ مُمكِن من الدقَّة في ترتيب الصُّور قُسِّمَ الجِسم إلى خمس مَناطق:

(١) الرأس الوَجه الرَّقَبة. (٢) الجُزء الصَّدري من الجِذع. (٣) الأكتاف والأطراف العُليا. (٤) الجُزء البَطنِي من الجِذع. (٥) الأطراف السُّفلى.

ويُشار إلى كلِّ مُتغيِّرٍ من المُتغيِّرات الثلاثة برقْمٍ يتراوَح بين واحدٍ وسبعة تَبعًا لشِدَّة هذا المُتغيِّر. ويُشار إلى كلِّ نموذج جِسمِيٍّ بمجموعةٍ من ثلاثة أرقام مَثلًا: ٢ – ٦ – ٣، أو ٧ – ١ – ١، أو ١ – ٢ – ٧، ويُعطينا التركيب النَّظري بين السَّبع درجات للمُتغيِّرات الثلاثة ٣٤٣ نَموذجًا جسميًّا. غير أنَّه لا يُمكِن أن تَتحقَّق جميع هذه النماذج، واتَّضَح من دِراسة المجموعة كلِّها أنَّ عددَ النماذج المَوجودة فِعلًا هو ٧٦ نموذجًا، بحيث لا يَقلُّ مجموع الأرقام الثلاثة لكلِّ نموذج عن ٩ ولا يزيد عن ١٢.

أما المُتغيِّرات الثلاثة التي كشَف عنها البحث والتي بتأليفها يَتكوَّن النموذج الجِسمي، فقد أشار إليها شلدن بثلاثةِ مُصطَلَحاتٍ مُقتبَسة من علم الأجنَّة، فمن المَعروف أنَّ الجَنين في أطواره الأولى يَتكوَّن من ثلاثِ طبَقاتٍ من الأنسِجة: الطبقة الداخلية Endoderme والطبقة المُتوسِّطة Mésoderme والطبقة الخارجية Ectoderme.

ومن الطبَقة الدَّاخلية تتكوَّن الأمعاء ومُعظَم الغُدَد والكَبِد والبِنكرياس، أي الأعضاء التي تُساهِم خاصَّة في وظائف الامتِصاص.

والطَّبقة المُتوسِّطة تنقسِم إلى قِسمين: القِسم الظهري الذي تَتكوَّن منه العِظام والعَضلات المُخطَّطة، والقِسم البَطني الذي تتكوَّن منه العَضَلات الملْساء والقلب والأوعِيَة الدَّمويَّة والليمفاوية والجهاز البَولي التَّناسُلي والطُّحَّال والنَّسيج الضَّمِّي وبعض الغُدَد.

أما الطبَقة الخارجية فهي التي تُكوِّن البَشرة والجِهاز العَصبي بِقسمَيه: المَركزي والسِّمبتاوي.

وبالإشارة إلى هذه الطبَقات الثلاث وإلى دَرَجة نموِّ الأجزاء التابِعة لها بالنِّسبة إلى بعضها بعضًا، ميَّز شلدن بين النَّماذج الجِسمية الثلاثة الآتية:
  • (١)
    الأندومورف Endomorphe: وهو يَتميز بضخامة أحشاء الجِهاز الهضمي بالقِياس إلى نُموِّ الجهاز العَظْمي العَضَلي، وبالتالي يَتميَّز بالسِّمنة المُفرِطة والترهُّل واستِدارة أجزاء الجسم، ووزنه النَّوعي ضَعيف ولذلك يَطفو بِسهولةٍ على سطح الماء.
  • (٢)
    المِيزومورف Mésomorphe: حيث تكون الغَلَبة للجهاز العَظْمِي العَضَلي الوِعائي، ويتميَّز بالاكتِناز والصَّلابة والقُوَّة العَضَليَّة وارتِفاع الوَزن النَّوعي.
  • (٣)
    الإكتومورف Ectomorphe: وهو يتميَّز بدقَّة تقاطيع الجِسم واستِطالة أجزائه، وانخِفاض سطح الصَّدر وضَعف النُّمو في الجِهاز الحَشَوي والجِهاز العَظْمي العَضَلي. وبالنِّسبة إلى حجمه تكون مساحة سُطوحه الخارجيَّة كبيرة؛ وعلى ذلك يكون الإكتومورف مُعرَّضًا أكثر من غَيره للتأثيرات الوارِدة من الخارج، كأنَّه من الوِجهة البيولوجية من الطِّراز المُنبسِط، في حين أنَّ الأندومورف من الطِّراز المُنطوي. غير أنَّ هذه العَلاقة تنعكِس من الوِجْهة السَّيكولوجية كما سيتبيَّن من الدراسة المِزاجية.

فعِندما نُعرِّف نموذجًا جِسميًّا من الوِجهة الكميَّة أنه مثلًا: ٢ – ٥ – ٣ (اثنان – خمسة – ثلاثة)، فالرَّقْم الأول يُشير إلى دَرجة الأندومورفية وهي مُنخفِضة في هذه الحالة، والثاني إلى درَجةٍ عالية من المِيزومورفية، والثالث إلى دَرَجةٍ مُتوسِّطة من الإكتومورفية. ويُوجَد هذا النموذج بنسبة ٣٪ من المجموعة التي درَسَها المؤلِّف، وهو شَبيه بالنموذج ١ – ٦ – ٣ غير أنَّ التقاطيع الخارجية تَميل بعض الشيء إلى اللِّين، وجسمه وإن كان مَفتول العَضَل غيرَ أنَّه أقلُّ قوَّةً من صاحِب الرقم ٦.

وقد وصَف شلدن النَّماذج السِّتَّة والسَّبعين مُقارنًا بين النَّماذج المُتشابِهة، وذاكِرًا النَّماذج الأكثر شُيوعًا من غَيرها، مُميِّزًا بين النَّماذج الواضِحة والنَّماذج المُشوَّهة Dysplastique حيث تكون أرقامُها الثلاثة مُتقارِبة ومَجموعها ١٢ مثل: ٣ – ٤ – ٥؛ ٤ – ٣ – ٥، ٤ – ٤ – ٤ إلخ … ويَستغرِق الوصْف أكثر من مائة صفحةٍ بما فيها أربعون صفحةً للصُّوَر الفتوغرافية.

•••

أما الكتاب الثاني فيَتناوَل تصنيف الناس تَبعًا لأمزِجَتهم بالكشْف عن المُتغيِّرات المِزاجيَّة الأولية التي تؤلِّف — تَبعًا لدرجة شدَّة كلٍّ منها — النماذج المِزاجية. والطريقة المُتَّبعة شَبيهة بطريقة تَصنيف النماذج الجِسمية التي سبَق وصفُها، فبدأ شلدن بوضع كشفٍ يَحتوي على ٥٦٠ من السِّمات الخَلْقيَّة، وبعد دِراسة هذه السِّمات عن طريق المُقارنة والتَّصنيف والتكثيف خفَّض العدَد إلى خمسين سِمة، ثم دُرِسَت هذه السِّمات دراسةً تجريبية على مجموعة من ٣٢ طالبًا بواسِطة سُلَّم تقديرٍ مُقسَّم إلى ٧ درجات لكلِّ سمة. هذا بالإضافة إلى تَتبُّع هذه المجموعة مدَّةَ سنةٍ كامِلة لدراسة أفرادِها دراسةً سيكولوجية تحليلية. وبعد الحصول على التَّقديرات المُدرَجة للخمسين سِمةً استخرج المؤلِّف مُعاملات الارتِباط بينها، فكانت الارتِباطات المُوحِية تتراوَح بين الصفر و+٠,٨٥ والسالِبة بين الصِّفر و−٠,٧٣. وانتَهت الدِّراسة الإحصائية إلى الكشْف عن ثلاثة مُتغيِّرات مِزاجيَّة أوَّليَّة يتميَّز كلُّ مُتغيِّرٍ بمجموعةٍ من عشرين سِمة، فيكون سُلَّم الأمزِجة مُكوَّنًا من ثلاثِ مجموعاتٍ تشمل كلُّ واحدةٍ عشرين سِمة، وقد وُضِع فيما بعد سُلَّم مُختصَر من عشر سِماتٍ لكلِّ مجموعة.

أمَّا المُتغيِّرات الثلاثة التي تُكوِّن المِزاج وفقًا لدرجةِ كلِّ واحدٍ منها فقد وَضع لها شلدن المُصطلحات الآتية:
  • (١)
    Viscérotonie نِسبةً إلى الأحشاء، وهذا المُتغيِّر المِزاجي يُناسِب المُتغيِّر الجِسمي المَعروف بالأندومورفي.
  • (٢)
    Somatotonie نِسبةً إلى الجِسم، وهو يُناسِب الميزومورفي.
  • (٣)
    Cérébrotonie نِسبةً إلى الدِّماغ، وهو يُناسِب الإكتومورفي.

وقبل أن نذكُر أهمَّ السِّمات التي تُميِّز هذه المُكوِّنات الأوليَّة للمِزاج يَجِب أن نُوضِّح ما يقصِده شلدن بالسِّمة المِزاجية، فهو يبحَث عن سِماتٍ أساسية ثابِتة إلى حدٍّ كبير لا تتغيَّر مَظاهِرها الكميَّة إلَّا في حدودٍ ضيِّقة، وتظلُّ إلى حدٍّ كبير مُستقلَّة عن التأثيرات الحضارية، فهو يتجنَّب أن يُدْخِل في قائمة السِّمات القُدرات والتَّكيُّفات المُكتَسبة.

وليس من المُفيد ذِكر المَجموعات الثلاث من السِّمات؛ إذ إنَّ التعبير اللُّغوي عنها — لاختِصاره وعدَم تحديده — عاجِز عن تحديد السِّمة بطريقةٍ جامِعةٍ مانِعة، فمُجرَّد إلقاء نَظرةٍ عليها يُثير الكثير من الاعتِراضات، ولا بُدَّ من قراءة الوَصْف التفصيلي لهذه السِّمات كما وَرَد في السَّبعين صفحةً التي تُكوِّن الفصل الثالث والتَّوضيحات التي خُصِّصَ لها الفصل الخامس.

ولا شكَّ أنَّنا سنزداد عِلمًا بما يقصِدُه شلدن بالسِّمات التي ذَكَرها لو قرأنا الفَصْل الرابِع الذي يَعرِض فيه من صفحة ١٠٣ إلى صفحة ٢٦٩ لترجمةٍ مُفصَّلة عَميقة لستَّةٍ من الطلَبَة الجامِعِيِّين، مُستقصِيًا ظُروفَهم العائلية وتاريخَهم منذ الطفولة، ثم دِراسة الحالة من الوِجهة الإكلينيكية، وأخيرًا استِعراض السِّمات التي تُميِّز كلَّ حالةٍ من الوِجهتَين: الجسمية والمِزاجية، وفي الفصل السادس يعرِض شلدن ٢٠٠ حالة مُختلفة باختلاف النَّماذج الجِسمية الستَّةِ والسَّبعين.

وفيما يلي وَصْفٌ مُختصَر للمُكوِّنات المِزاجية الثلاثة:

فالمُكوِّن الحَشَوي Viscérotonie في صُورتِه المُتطرِّفة يُميِّز الشَّخص الذي يَميل إلى الارتِخاء والرَّاحة والمُعاشَرة والمرَح. ومن صِفاته الرئيسية الشَّرَه سواء كان موضوع الشَّرَه الطَّعام أو الحُب. وتُسيطِر على دَوافِعه عملية البِناء وتخزين المواد الغِذائية، وتبدو الشخصية كأنها مركَّزة حَول الأحشاء، كما يبدو أن الهدَف الأساسيَّ في الحياة إرضاء مَطالِب الجِهاز الهَضْمي.
والمكوِّن العَضَلي العَظْمي Somatotonie يُميِّز الشَّخص بِتغلُّب النشاط العَضلي، والمَيل إلى إثباتِ القُوَّة الجِسمية، وحبِّ المُغامَرات الرياضية والمُقاتَلة والسَّيطرة والنَّزعة إلى المُنافَسة والعُدوان والقُدرَة على تحمُّل الألم. ويبدو أنَّ الهدَف الأساسيَّ في الحياة النَّشاط في سبيل السُّلطان.
أمَّا المُكوِّن الدِّماغي Cérebrotonie فيُفيد التَّحفُّظ والمَنع والكفَّ وتَجنُّب الظهور، فالشخص الدِّماغي النَّزعة ينكمِش في المَجالس الاجتماعيَّة كما ينكمِش الجِلد تحت تأثير البرد، فيقمَع كلَّ تعبيرٍ عقليٍّ أو حَشَوي، وهو مُرهَفُ الحسِّ شديدُ الانتباه لما يدور حوله، وفي الوقت نفسه يَتحاشى — باستمرار — أن يَسترعي انتباهَ الآخرين، فهو من الطِّراز المُنطوي، وتُسيطر على سُلوكه وظائف الكفِّ والمَنع الدِّماغيَّة. ويُرتِّب أهدافه في الحياة ترتيبًا تَصاعُديًّا على عكسِ النَّموذَج الحَشَوي والنَّموذج العَضَلي.

•••

ليس من المُمكن أن نُلخِّص في بضعِ صفَحاتٍ ما جاء في ألفِ صفحة، وقد حرَصْنا في هذا الغرَض على الإشارة إلى مَنهج شلدن وأعوانه في إجراء البحث، وإلى إحساسِهم بأن دراسة النَّماذج يجِبُ عليها ألَّا تنسى الأفراد المُوزَّعين على سُلَّم ذي الدَّرَجات المُتَّصِلة العديدة؛ فقد وَصَلوا إلى الكشْف بطريقةٍ تَجريبيَّة على ثلاثة مُكوِّنات جِسمية أساسيَّة مُميِّزة يُماثِلها ثلاثة مكوِّنات مِزاجية أساسيَّة مميزة، ثم وجدوا مُعامِلات الارتِباط بين الأولى والثانية. وفيما يلي بَيان بمُعامِلات الارتباط.

  • (١)

    الارتِباطات بين المُكوِّنات المرفولوجية:

    الميزومورفية الإكتومورفية
    الأندومورفية −٠,٢٩ −٠,٤١
    الميزومورفية −٠,٦٣
  • (٢)

    الارتِباطات بين المُكوِّنات المِزاجية:

    المُكوِّن العَضَلي المُكوِّن الدِّماغي
    المُكوِّن الحَشَوي −٠,٣٤ −٠,٣٧
    المكون العَضَلي −٠,٦٢
  • (٣)

    الارتِباطات بين المُكوِّنات المرفولوجية والمُكوِّنات المِزاجية:

    الأندومورفية الميزومورفية الإكتومورفية
    المُكوِّن الحَشَوي +٠,٧٩ −٠,٢٣ −٠,٤١
    المُكوِّن العَضَلي −٠,٢٩ +٠,٨٢ −٠,٥٣
    المُكوِّن الدِّماغي −٠,٣٢ −٠,٥٨ +٠,٨٣

ويتَّضِح من الكشف الأول والثاني أنَّ المُكوِّنات أوَّليَّة وأساسيَّة ومُستقلَّة بعضها عن بعض، ومن الكشْف الثالث أن مُعامِل الارتِباط مُرتفِع بين كلٍّ من المُكوِّن المرفولوجي وما يُناسِبه من المُكوِّن المِزاجي. وقد أثار ارتِفاع مُعامل التَّرابُط الدَّهشة بين النُّقَّاد؛ إذ إن مُعظَم الأبحاث التي أُجْرِيَت من قبل لم تُسْفِر إلَّا عن مُعامِل ارتِباطٍ مُنخفِض جدًّا بين النَّموذج الجِسمي والنموذج المِزاجي، حتى إنَّ الرأيَ السائد هو عدَم وجود أي علاقة عِلمية بين الجِسم والخُلُق. وقد ردَّ شلدن على اعتِراض ناقِديه بقَوله إنَّه اعتمَد في بحثِه على المُكوِّنات الجِسميَّة والمِزاجية الأصليَّة العَميقة، وإن الأبحاث التي عُمِلَت من قبل كانت جُزئية وسطحيَّة، وإن الاختبارات التي استُخْدِمت عاجِزَة عن أن تكشِف عن نواحي المِزاج العميقة الثابتة، في حين أنه استخدَم طريقةَ السُّلَّم التقديري في الكشف عن السِّمات الجسمية والمِزاجية، وأن دراسته للحالات الفرديَّة كانت دِراسةً تَتَبُّعية استغرَقَت سنوات، فالوَصْف الذي يُقدِّمه لنا شلدن للمائتي حالة التي ذُكِرَت في الفصل السادس نتيجةُ دِراسةٍ تَتبُّعية استمرَّت خمسَ سنوات. ولا شكَّ أن الخِبرة الواسِعة التي اكتَسبها شلدن لا يُمكن أن يُجارِيَه فيها أحد غيره من البُحَّاث.

غير أنَّ هناك اعتراضًا جِديًّا يُوجَّه إلى شلدن فيما يختصُّ باختياره السِّمات المِزاجية الأساسية؛ فالمجموعة التي استخدَمَها لهذا الغرَض مُكوَّنة من ٣٣ طالبًا، وهذا عددٌ يبدو صغيرًا في نظَر الإحصائيين، خاصَّةً إذا كانت هذه العَيِّنة لا تُمثِّل مَجموع السُّكان من الفئة نفسِها تمثيلًا صادقًا، هذا فضلًا عن أنَّ شلدن لم يَستخدِم في الكشْف عن التَّغيُّرات الطريقة الإحصائية المَعروفة بتحليل العَوامل والتي استخدَمَها برت Burt من قبل للغرَض نفسه.

قد يكون هذا الاعتِراض صائبًا وقد لا يكون. ولِحَسْم الخِلاف لا بُدَّ من إعادة أبحاث شلدن من جديد مَع مُراعاة نَواحي النَّقص والخطأ التي أشار إليها النُّقَّاد. غير أنَّنا نودُّ أن نقول شيئًا عن التَّحيُّز العدَدي سواء كان مُوجَبًا أو سلبيًّا، فمن الخطأ القَول بأنَّ الظواهر السَّيكولوجية والاجتماعية لا تخضَع للمُعالَجَة العددِيَّة، وأنَّ العدد يَقتُل لُبَّ هذه الظواهر ويُغفِل جوهَرَها، ولكن يجِب ألَّا يتحوَّل التمسُّك بالمَنهَج الرِّياضي إلى ضربٍ من العِبادة برفضِ كلِّ ما لا يُصاغ في أسلوبٍ رياضي، فالمَنهج الرياضي والطُّرق الإحصائية التحليلية ليست سِوى أداة، ولا يُمكِن أن تُضيف الأداة شيئًا إلى قِيمة البَيانات من حيث صِحَّتِها أو خَطئِها. وإذا كان للأداة الرِّياضية قِيمةٌ ابتِكارية فالفَضْل يرجِع إلى العقْل الذي يُحْكِم استِخدامَها بعد أن يكون قد أحكَمَ صِياغة الفَرْض العِلميِّ واختِيار البيانات وتَصنيفها.

ويَجِب ألَّا يخدَعنا رأي النظرية التجريبية الحسِّية التي تَعتبِر أنَّ «التِّكرار» هو وحده الذي يضمَن صِحَّة القانون؛ فقد تكفي مُلاحظةٌ واحدة تَجري بإحكامٍ وتَعمُّق لاستِخلاص قانونٍ عام، في حين قد لا تؤدِّي مئاتٌ من المُلاحَظات تَجري بطريقةٍ سطحيَّة وجُزئية إلى قانونٍ عِلميٍّ صحيح.

ولا زِلنا نَعتقِد أنَّ أبحاث شلدن — على الرغم مما يَشوبُها من نقص — جديرة بدِراسة المُختصِّين؛ لأنه — بدون شكٍّ — ألقى ضُوءًا جديدًا على هذا الموضوع الذي يَمتزِج تاريخه مع تاريخ الفِكر الإنساني منذ أبيقراط وفَلاسِفة اليونان الطبيعيِّين.

وجدير بنا أن نذكُر أن أبحاث شلدن لا تزال تُذْكَر وتُنَاقَش، وقد احتلَّت مكانتها في الكُتب المدرسية مع أبحاث يونج وكرتشمر وغيرهما من أنصار علم النفس الجِبِلِّي، بل لا تزال هذه النظرية تُسْتَخدم في الأبحاث التي تقتضي دراسة بِنية الجِسم. نذكر منها على سبيل المثال بحث الدكتور كارل سلتزر C. Seltzer الذي يؤيِّد ما وصل إليه شلدن، وهذا البحث منشور في كتاب شلدن جلوك وإليانور جلوك عن جُناح الأحداث١ (الفصل الخامس عشر، ص١٨٣–١٩٧ والمُلحق ح، ص٣٠٧–٣٥٠).
فالنقد الذي يوجِّهه الناقد إلى تَحيُّز شلدن يجِب أن يَخلو هو نفسه من التحيُّز، ولكن قد يتطوَّر الشكُّ لدى بعضهم إلى ضربٍ من التهكُّم، فنرى مثلًا أيزنك Eysenk في كتابه: «الدراسة العلمية للشخصية»، يَتَّهم شلدن وأعوانه بضَعف قُدرتِهم الحِسابية وبجهلِهم أصول الإحصاء … وموقِف أيزنك المُتزمِّت إزاء أبحاث الآخرين معروف. وكلُّ ما نوَدُّ أن نقوله أنَّ أيزنك الذي يفخر بتحصُّنه داخل قَلعة العِلم الرياضي يُجافي الرُّوح العلمية الصحيحة عندما يقضي على مجهودٍ استغرَقَ عشر سنوات في الأبحاث الدقيقة بعبارة تَهكُّمٍ واستهتار، ولو كلَّف نفسه مئونة قراءة الكِتابَين برُوحٍ هادئة نزيهةٍ لوجَد أن شلدن نفسه يعترِف بما ينقُص أبحاثه بعدُ من الموضوعية والدقَّة، فيقول: إنه كان شاعرًا باستمرار بخطَر التحيُّز، وعمل وسع جهده للتغلُّب على ما قد يؤثِّر عليه من التحيُّز من حيث لا يدري، وبهذا القول يُعطينا درسًا بليغًا في التواضُع الذي يُميِّز العلماء الحقيقيين، وفي ضرورة التيقُّظ والنقد الذاتي، وبهذه المُناسبة فإننا نُوصي بقراءة الفصل الثامن من كتاب: «أنواع المِزاج» في بعض الاعتبارات النظريَّة، ففي هذا الفصل فوائد منهجية قيِّمة حقًّا.

•••

وإذا أردنا أن نبحث عن دليلٍ خارجيٍّ لقِيمة هذين الكِتابين فسنلتَمِسُه في شخصيَّة الدكتور أمبردان العلمية الذي قام بالترجمة الفرنسية وبكتابة مُقدِّمتها؛ فقد عرفتُ الدكتور أمبردان منذ عام ١٩٣١م عندما كان مُساعدًا للدكتور جورج دوماس أستاذ علم النفس المرَضي في السربون، وصاحب المَوسوعة الكُبرى في علم النفس، وكان الدكتور أمبردان في مُحاضراته مثال العالِم المُدقِّق الناقد الحريص على تمييز الثَّمين واستبعاد كلِّ ما هو غثٌّ مُبتَسر، وكانت ثقافته الفلسفية والسيكولوجية والطبِّيَّة تسمح له بتوسيع آفاق البحث مع التعمُّق والتمحيص. وهذا فضلًا عما كان يَمتاز به من حسٍّ إكلينيكي دقيق، وقد تجلَّت لي هذه الناحية في شخصيَّته أثناء اشتراكي معه في العيادة الطبيَّة السيكولوجية المُلحَقة بمستشفى بيستر للأمراض العقليَّة في باريس، وهو الآن أستاذ علم النفس بجامعة بروكسل، ويقوم بأبحاثٍ إنتروبولوجية وسيكولوجية على بعض قبائل الكنغو.

١  Sheldon Glueck & Eleanor Glueck: Unraveling juvenile Delinquency. A Commonwealth Fund Book, Harvard University Press, Cambridge, Mass. 1950. pp. XV + 399.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠