عصر برنارد شو

في هذه الرسالة تعريف وجيز بالكاتب الأيرلندي، الإنجليزي، العالمي، جورج برنارد شو.

والكاتب قد يسبق عصره في أشياء، وقد يتخلف عنه في أشياء، وقد يخالفه في أشياء، ولكنه لا ينفصل عنه كل الانفصال في جميع الأشياء. فلا بد بين الكاتب والعصر الذي ينشأ فيه من صلة نعرفها لتمام التعريف به والاستدلال على مصادر أدبه وقواعد تفكيره.

وقد نشأ برنارد شو في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وهو عهدٌ كثير المعالم كثير الأطوار في ميادين الحياة العامة، ولكنه يتسم في كل ميدان منها بِسِمَة ظاهرة تحيط بما حولها أو تدل عليه، وفي هذه السمات الظاهرة ما يكفي لتصوير «البطانة الثقافية» التي ارتبطت بها نشأة شو، وارتبطت بها — من ثَمَّ — مصادرُ أدبه وقواعد تفكيره.

في ميدان العلم الطبيعي غلبت فكرة التطور بمذاهبها المتعددة، وأهمها مذهب لامارك ومذهب داروين.

وفي ميدان الأخلاق غلبت مباحث الدراسات النفسية، وتطبيقها على المسائل الاجتماعية كالجريمة وروح الاجتماع، وعلى المسائل الجنسية كطبيعة المرأة وتفسير الأخلاق عامة بغرائز الجنس الظاهرة والخفية.

وفي ميدان السياسة والاجتماع غلبت الدعوة إلى الحرية عامةً وإلى الحرية الفردية على الخصوص.

•••

نشأ برنارد شو والعالَم الأوروبي كله يجادل ويساجل في مذاهب التطور والارتقاء، وأهمها كما تقدَّمَ مذهبُ لامارك الذي يقول بدفعة الحياة، ومذهب داروين الذي يقول بالانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح.

والفرق بينهما أن الأول أقرب إلى الإيجاب والثاني أقرب إلى السلب، فمذهب لامارك يفسِّر طول عنق الزرافة بأنها جمعت قواها كلها في عنقها؛ فطال وتمكَّنت به من بلوغ الأوراق الطرية في ذؤابات الشجر، ولولا ذلك لحَلَّ بها الفناءُ.

ومذهب دارون يفسِّر طول عنقها بالتفاوت بين الزرافات في طول العنق، فما كان منها طويل العنق أدرك الورق العالي فعاش وبقيت ذريته، وما كان منها قصير العنق فاته الطعام فانقرض ولم تَبْقَ له ذرية.

وقد كان لفكرة التطور على اختلاف مذاهبه أثر قوي واضح في دعوات المفكرين والفلاسفة، وأخطأ بعضهم فهمه — كما أخطأ نيتشه — فظَنَّ أن القرد ترقى إلى الإنسان، وأن الإنسان سيترقى على هذا النحو إلى السوبرمان، ومعناه الإنسان الأعلى! وأن النسبة بين هذا السوبرمان والإنسان الحاضر ستزيد على النسبة بين الناس والقردة في تركيب الأجسام أو تركيب العقول.

وتطرقت فكرة التطور إلى أشهر المذاهب الفلسفية في فرنسا خلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وهو مذهب برجسون الذي يتلخص في كلمتين، هما: التطور الخلَّاق، وخلاصته أن قوة الحياة تتطور في علاقتها بالأجسام المادية حتى يأتي زمن لا يُستبعَد فيه استقلال «الفكر الحي» عن المادة وأجسادها وأعضائها، فامتزجت نظرية التطور بالفلسفة المثالية الفكرية في مذهب برجسون على هذا المنوال.

ولم يَبْقَ في إنجلترا والولايات المتحدة عالِم ولا أديب ولا فيلسوف لم تدخل نظرية التطور في تقديره، ولا يزال أثرها كبيرًا ظاهرًا في فلسفة مورجان، وفلسفة صمويل إسكندر، وفلسفة هوايتهد، وغيرهم من أصحاب مذاهب التطور والانبثاق، عدا ما كان لها من الشأن الشامل في تفسير جميع العلل الكونية على طريقة هربرت سبنسر على الخصوص.

أما الدراسات النفسية «السيكولوجية»، فقد أسرعت في اتخاذ طريقها إلى الأدب وإلى فن الرواية بصفة خاصة، فكاد كلُّ بطلٍ من أبطال الروايات أن يصبح نموذجًا لدراسة نفسية، وذاع هذا الأسلوب الروائي من روسيا حيث كان يكتب دستيفسكي، إلى فرنسا حيث كان يكتب بورجيه، إلى النرويج حيث كان أبسن ينظِّم ملاحمه ومسرحياته.

ولم يَبْقَ نوع من الناس — آحادًا وجماعات — إلا تناوله البحث من ناحية نفسية، فكتب العلماء والمفكرون والأدباء عن: نفسية المجرم، ونفسية الجماعة، ونفسية العبقري، ونفسية السادة والعبيد، وأعاد النقاد تحليل «الشخصيات الأدبية والفنية» على هذا النمط الحديث، وكانت الغريزة الجنسية أهم ما تناوله البحث، واقترن به تعليل الأخلاق والبواعث، بل تعليل الحركات الفنية والاجتماعية، وخرجت «المرأة» خاصة من هذه المشرحة بتكوين جديد يختلف فيه معنى الغواية، ومعنى الخطيئة، ومعنى الرذيلة عمَّا كان عليه في «تكوينها» الذي عرفه أبناء العصور الوسطى، وأبناء العصور الغابرة على الإجمال.

ويمكن أن يقال إن النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كانا في مجال الدراسات النفسية عصر لمبروزو وأتباعه من جهة، وعصر فرويد وأتباعه من جهة أخرى، فأصبح للدوافع العقلية كالعبقرية، والدوافع الحيوية كالحب، تفسيرٌ غير تفسيرها في آراء الأقدمين.

•••

وظهرت في هذه الفترة دعوات سياسية، أو دعوات اجتماعية، تنزع كلها إلى التحرير وتحطيم القيود، ولا سيما القيود التي تطلق «الفرد» من ربقة العرف، أو ربقة السادة المستأثرين بحقوق المجتمع ومزاياه.

ونحن في هذا العصر نفرِّق بين الدعوة إلى الشيوعية والدعوة إلى الحرية الفردية؛ لأنهما يتعارضان في تقدير حق الفرد بجانب حق الحكومة.

إلا أن الشيوعية نفسها كانت تُحسَب في أواسط القرن التاسع عشر من حركات الدعوة إلى الحرية الفردية وإنقاذ الآحاد من طغيان الجماعات؛ لأن خطوتها الأولى كانت تستلزم إنكار الامتيازات التي يستأثر بها أبناء بعض الطبقات، فهي تسوية بين آحاد وآحاد، واتجاه إلى المساواة العامة في الحقوق السياسية، يتلاحق فيه الفرد الوضيع والفرد الرفيع.

•••

ومع اختلاف هذه الميادين — ميادين العلوم، وميادين الأخلاق، وميادين السياسة — كانت النزعات الغالبة عليها جميعًا مما يتجه بالذهن الإنساني إلى وجهة واحدة، وهي إعادة النظر في القيم المسلَّمة على العموم.

ما قيمة الإنسان؟ ما قيمة العُرْف؟ ما قيمة السلطة؟ ما قيمة النُّظُم القائمة؟ ما قيمة الحقوق المحترمة؟ ما قيمة البطل؟ ما قيمة المرأة؟ ما قيمة المصطلحات والمعارف والآراء؟

فاتسع في الجواب عن هذه الأسئلة مجالُ السخرية كما اتسع مجال الأمل، وعمت الرغبة في التجديد والابتداع حتى بلغت حد الإغراب والاصطناع.

وسيرى القراء أن برنارد شو لم يكن بعيدًا من آثار هذه النزعات في أدبه وتفكيره، وقد تناول بهما مذاهب العلم والفن، كما تناول بهما مذاهب السياسة والأخلاق والاجتماع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠