نشأته

تكاد كل علاقة بين شو ومنشئه تأتي مصداقًا للحقيقة التي ألمعنا إليها في تصدير هذه الرسالة، وهي الصلة الوثيقة بين البيئة والأديب أو الفنان.

فنشأته في أيرلندا، ونشأته في أسرته، ونشأته من أبويه، ونشأته في جيله السياسي، ونشأته في جيله الثقافي؛ كل أولئك على صلة وثيقة بعنصر من عناصر حياته، أو عنصر من عناصر استعداده وعمله في حياته الفنية والثقافية.

قال عن تلك النشأة: «لا أثر في تكويني من العنصر الإسباني الشمالي الذي استُورِد كما تُستورَد السلع، وجرى العُرْف على اعتباره أصلًا عريقًا للأيرلنديين. إنني أيرلندي مثالي من عناصر الزحوف الدانية والنورمانية والكرمولية، والأيقوسية على الخصوص، وأنا بحكم التقاليد البيتية فخور بالمذهب البروتستانتي، شديد التشيع إليه، ولكن لا تعتمدن حكومة إنجليزية من أجل ذلك على ولائي، فإن الإنجليزية التي أشتمل عليها تكفي لأن تجعل مني جمهوريًّا لدودًا، ومطالبًا عنيدًا بالحكومة الذاتية. وصحيح أن جدي الأعلى كان من الأورنجيين، ولكنْ صحيح كذلك أن أخته كانت رئيسة دير، وأن عمه — وأقولها فخورًا — شُنِق مع الثائرين.»

ولو أراد شو لقال أيضًا إن الأيرلندية التي اشتمل عليها كافية لأن تجعل منه مفكرًا «عالميًّا» يثور على السيطرة الأجنبية، فإن الوطنية التي تثور على الاستعمار والاستغلال قريبة من العالمية في المبدأ والاتجاه.

والأيرلنديون — أو الأمة التي امتزجت من بعض السلالات فأصبحت تُعرَف بهذا العنوان — قوم معروفون بالدأب في طلب الرزق، ونزعة التمرد مع حب الفكاهة. ألجأهم الحكم الأجنبي إلى التمرد، وألجأهم التمرد والفقر إلى الرحلة في طلب الرزق، والكدح وراء المال، وأعانتهم الفكاهة على الضنك والسلطان المكروه، فليس أصلح من هذه البيئة لإخراج برنارد شو المتمرد الساخر الدءوب المؤمن برسالة المال في حياة الآحاد وحياة الجماعات.

وانتماء شو في أصله القديم إلى سلالة «إنجليزية» لا يُخرِجه من حكم النشأة الأيرلندية، حتى في الثورة على السيطرة الإنجليزية.

والمصريون خاصة خلقاء، أن يذكروا في هذا الصدد أن طلاب الاستقلال في مصر كان الكثيرون منهم ينتمون إلى سلالة الترك الذين كانوا يحكمون البلاد.

ويرجع شو بأصله إلى «ماكدوف» المعروف في رواية «ماكبث» من تأليف شكسبير.

ولكن لا خلاف في انتمائه من جانب أبيه وجانب أمه إلى فرسان العصور الوسطى، وقد تزوَّجت حفيدة كرومويل بواحد من أسرة شو، وكان أحدهم «السير روبرت شو» صاحب مصرف في دبلن عند أوائل القرن التاسع عشر، ثم تغيَّرت بهم الحال كما تغيَّرت بكثير من سلالة الفرسان الذين لم يُحسِنوا الاحتفاظ بالثروة القديمة، ولم يُحسِنوا جمع الثروة من مواردها في العصر الحديث.

فلما آلَ أمر الأسرة إلى أبيه — جورج كار شو — كان من فقراء أبناء النبلاء، وكان في صباه يعمل في مصنع للحديد، ثم وصل بنفوذ آله إلى وظيفة حكومية، ثم باع معاش الوظيفة بعد إلغائها، واشترك مع صاحب له في إدارة متجر لم يلبث أن أفلس، ولم يترك له غير مورد صغير يعول عليه في معاشه ومعاش بيته.

وكان يعاقر الخمر، ويتشاغل عن الجد باللهو، ويهرب من الهموم والأزمات، ويتقي مواطن الحسم ما استطاع.

فلما علم بإفلاسه أوى إلى حجرة معزولة، وظل يضحك ويستغرق في الضحك والقهقهة حتى أفاق من تلك الصدمة القاسية، وخرج من الحجرة كأنه لم يسمع بشيء.

وكان عجبًا في رعايته للتقاليد واستخفافه بالتقاليد، فكان يجمع أسرته للصلاة ويقرأ لهم في التوراة، ثم لا يلبث أن يلقي بالكتاب من يده ويقول كأنما يخاطب نفسه: «كلام فارغ … كلام فارغ» … ويقطع الصلاة والقراءة ليعود إليهما بعد يوم أو يومين.

وكان يعزو سوء حظه إلى سبب «خرافي» غريب، ولكنه يدل على ضمير يحس الندم والرحمة؛ فقد كان يلهو بالصيد في صباه، فأطلق كلبًا من كلابه على قطة عابرة فمزقها، فلم يَزَلْ نادمًا على فعلته إلى آخِر أيامه، ولم يَزَلْ يعزو ما أصابه من العثرات والخسائر إلى ذلك الحادث الكريه.

كان جورج كار واحدًا من اثني عشر أخًا وأختًا، لم يتمم تعليمه منهم غير أخ واحد، هو العم الذي تعهَّدَ برنارد الصغير بالمدرسة والتعليم في صباه.

وأبٌ كهذا لا يُظَن به أنه يورث ابنه شيئًا يظهر أثره في حياته الثقافية، وبخاصة إذا كان هذا الابن كاتبًا من أكبر الكتَّاب في عصره.

لكنه في الواقع «مورث» ظاهر الميراث في ثقافة برنارد شو، وإن لم يورثه شيئًا في رزقه.

فقد أورثه الاعتزاز بالوجاهة، وهو صفة يتشبث بها النبيل الخائب أشد من تشبث الناجحين الأعزاء في طبقة النبلاء.

وأورثه الاستخفاف بالتبعات والتقاليد، وربما أورثه أيضًا صفة من الصفات الفنية التي تُلاحَظ في روايات برنارد شو، وهي اجتناب الأزمات ومواقف الحرج القصوى، فإن روايات شو جميعًا تنتهي دون هذه المواقف ولا تتمادى إلى الذروة القصوى من الشعور.

بل أورثه خصلة لا يخطر على البال، للوهلة الأولى، أنها تُستفاد من هذا الأب السكير، وهي: تحريمه المسكرات على نفسه؛ فإنه قد نشأ وهو يعافها ويلمس زرايتها وهوانها، ومثله في ذلك أناس كثيرون، منهم في عالم الأدب والدعوة الاجتماعية «أبتون سنكلير» الكاتب الأمريكي المشهور.

ولعله قد أورثه قليلًا من ميله إلى الموسيقى؛ لأن أسرة شو عُرِفت بحب المرح والغناء.

•••

وقد كانت والدته — ليوسندا أليصابات، أو بيسي كما كانوا يدللونها — تنتمي كأبيه إلى أسرة من أُسَر النبلاء المفتقرين. ماتت أمها وهي صغيرة فكفلتها قريبة لها حدباء على شيء من الثراء، أنشأتها نشأة بنات النبلاء، ودعت لتعليمها البيان والموسيقى الأستاذ لوجير المشهور، وأخذتها بالصرامة في تربيتها كما هو معهود في النساء الشائهات ومَن تصطنع منهن سمت النبالة على الخصوص، وكان أبو الفتاة حيًّا ولكنها لا تراه إلا في الحين بعد الحين، ثم انقطعت صلتها به بعد أن فكَّر في البناء بزوجة جديدة، واتَّهَم فتاته بالإيقاع بينه وبين أقاربه وتحريضهم على حبسه؛ لأنه مَدِين.

وضاقت الفتاة بمعيشة الصرامة والتَّزَمُّت، فنزعت إلى التمرد، واستجابت لدعوة «جورج كار شو» حين اقترح عليها الزواج، وهو في نحو الأربعين وهي في نحو العشرين.

فخسرت الميراث الموعود، وشعرت بخيبة الرجاء وهي تقضي شهر العسل مع عريسها في لڤربول، فقد عرفت من كثرة القناني الفارغة في المطبخ كثرة ما يشربه هذا العريس من المسكرات، فهامت على رأسها من الدار إلى الميناء تنوي أن تعمل في السفن، ولا تعود أبدًا إلى ذلك الزوج السكير، ولكنها شهدت هناك عربدة النواتية في سكرهم وهجرهم، فحمدت نصيبها من سكيرها المهذَّب الأنيس، وبقيت معه على مضض، وهي لا تعرف لها مهربًا بعد انقطاع الصلة بينها وبين أبيها وأكثر أقربائها.

ورُزِقت منه بنتين وولدًا هو برنارد، وفي ذلك يقول برنارد على طريقته المعهودة من السخرية والادعاء: إن ميلاد عبقري يحتاج إلى هذه التجربة التي سبقته بولادة بنتين! ولم يَطُلْ العمر بأحد من هذه الذرية غير برنارد.

وثابرت الفتاة على دراستها للموسيقى ودراستها للغناء، وكان لها صوت رخيم وذوق مطبوع. وانتهى شغفها بالموسيقى وضجرها من زوجها إلى علاقة قوية بينها وبين أستاذها «جورج لي» … فهجرت منزل زوجها، وعاشت مع أستاذها، ثم بدا للأستاذ أن يرحل إلى العاصمة الإنجليزية فلحقت به هناك، وتركت برنارد في مسكنها وعنده «البيان» الموسيقي الذي يحرص عليه.

حدث ذلك بُعَيْد سنة ١٨٧٠، وكانت أوروبا كلها يومئذٍ — والعاصمة الإنجليزية على الخصوص — تموج بالمذاهب والدعوات في الفن والأدب والعلم والفلسفة والاجتماع، ومعظمها يجنح إلى التمرد وإنكار التقاليد.

كان فيها المادِّيُّون الملحدون، وكان فيها الروحيون الذين يتدينون بالتصوف ويباشرون تحضير الأرواح، ويقتدون بالبراهمة في اجتناب اللحوم والاقتصار على النبات وإحراق جثث الموتى.

وكان على رأس المدرسة الروحية آنا بيزانت المعروفة بدعوتها الصوفية، وإعجابها بالعقائد الهندية.

لكن البدعة النباتية قد جاوزت المتصوفين إلى الشعراء والأدباء، فكان بيرون وشلي يعلنان هذا المذهب، ولا يأكلان اللحوم أمام الناس، وإن شك الكثيرون في التزامهما هذا المذهب وراء الناس!

وكانت الدعوة الاشتراكية في إبَّانها، ومعها الدعوة إلى استخدام الفن في عرض الآراء الاجتماعية.

فكانت لندن جوًّا ثقافيًّا صالحًا يتنفس فيه عقل الأديب الناشئ، الذي تهيَّأت له رسالةٌ في الأدب العالمي من قبيل رسالة برنارد شو.

وقد كانت أمه تعيش في صميم هذه البيئة الفنية الثقافية؛ إذ كانت تحترف الموسيقى، وكانت بنتها الكبرى تحترف الغناء، ثم اشتغلت بالحركة الصوفية الروحية بعد وفاة بنتها الصغرى (١٨٧٦)، عسى أن تتصل بروحها على نغمات الألحان كما كان يفعل بعض المحضرين للأرواح.

ويعتقد النقاد — كما يعتقد شو نفسه — أنه مَدِين لوالدته بتوجيه فطرته وتوجيه بيئته.

فمنها ورث ذوقه الموسيقي الذي يكاد يضارع في العمق والأصالة عبقريته الأدبية، ومنها ورث الصلابة التي لا تبالي بمخالفة العرف والتمرد على سلطان التقاليد، ومنها ورث البنية السليمة؛ لأنها على الرغم من طول مراسها لمضانك الفاقة قد نيفت على الثمانين، ومن البيئة التي عاشت فيها تعلَّمَ الاهتمام بالدعوة الصوفية النباتية، فأصبح من النباتيين.

•••

وصل برنارد شو إلى لندن وهو يناهز العشرين، وكان مولده في دبلن (في السادس والعشرين من شهر يوليو سنة ١٨٥٦).

وبين هذين الأبوين اللذين لا مشاركة بينهما في غير الثورة على التقاليد والاستخفاف بالتقاليد، درج برنارد الصغير.

درج وهو مفتح الذهن والعينين، وتعلَّمَ القراءة وهو في نحو الثالثة، ومن أقواله المأثورة إنه وُلِد قارئًا … وإنه لا يذكر زمنًا كان فيه من الأميِّين!

وكان له خال طبيب بحري، فكان يستمع إلى أقاصيصه عن بلاد العالم وأممه وراء البحار.

وكان له عم متعلِّم، فكان يتعهده بالإرشاد إلى كتب المطالعة والحث على التوسع فيها، فكاد أن يأتي — وهو دون العاشرة — على الكتب التي يهواها الصغار، كألف ليلة وليلة، وروبنسون كروزو، ورحلة الحاج، وعشرات الكتب التي لا يقرؤها الأطفال عادةً في تلك السن، كتراجم الفنانين وروايات ديكنز وموليير وشكسبير، ولم تفارقه عادةُ التوسعِ في المطالعة بعد ذلك إلى شيخوخته المباركة، وقد أدرك الرابعة والتسعين.

كان له معلم وكانت له مربية. أما المعلم فطرده هو ذات يوم وعَدَا وراءه يهم بضربه، وأما المربية فقد كان يألفها؛ لأنها كانت تأخذه إلى الحانات والأزقة حيث تلقى أصحابها وصويحباتها، وتشبع شوقه إلى المناظر والأعاجيب في هذه البيئة المريبة، والمفروض في البيت أنها تأخذه إلى الحدائق والمنازه والخلوات، وقد أوشك أن يُحرَم هذه المنازه لولا ولع أبيه بالسباحة واصطحابه إياه إلى البحر من حين إلى حين.

ثم عز على أهله أن يحتفظوا له بمربية أو معلم، فذهب إلى المدرسة، وأعجلته الحاجة فعمل في قسم الحسابات ببعض المتاجر الكبيرة، ولم يَنْسَ في وقت من الأوقات أن يرود المكتبات العامة للقراءة والاطلاع واستعارة المصنَّفات التي لا يقوى على شرائها، واستطاع أن يتعلم قليلًا من اللاتينية والإغريقية، وأن يتكلم الفرنسية ويفهمها أكثر مما يتكلمها.

عمل لكسب قوته وهو في نحو الخامسة عشرة، وأرضى رؤساءه بذكائه وأمانته وحسن تصريفه لعمله. فلما تركهم — وهو في نحو العشرين ليلحق بأمه في العاصمة الإنجليزية — راجعوه كثيرًا، ثم قبلوا استعفاءه آسفين.

ولم تكن معيشة أمه مُيَسَّرة حين لحق بها في العاصمة الإنجليزية، وكانت على هجرها لأبيه تعتمد على معونة ضئيلة منه قبل وفاته لمساعدة بنتيه، وزادهم نزول برنارد بينهم عبئًا على أعبائهم، فقد تعسرت عليه سُبُل الأعمال، ولم يستَرِحْ طويلًا إلى وظائف الشركات التي كان يختارها له أستاذ أمه الموسيقي «لي»، فقضى زمنًا لا طعام له غير البطاطس المسلوق، ولا كساء غير بذلة واحدة يلبسها في جميع الفصول.

وحاول أن يكسب قوته بالكتابة إلى الصحف في نقد الموسيقى والتمثيل، فأبطأت عليه ثمراته، وجرب كتابة القصة، فألَّف قصصًا لم يفد منها شيئًا في رزقه، وأفاد منها بعض الشهرة بين طائفةٍ من القراء والأدباء، وقد فتحت له مقالاته في نقد التمثيل أبواب المسرح، فتحوَّلَ إلى معالجة المسرحيات، وأصاب من خطواته الأولى حظًّا غير يسير من النجاح، فثابر على الكتابة في هذا الباب وأبدع في موضوعاته وأساليبه، فأصبح طرازًا مستقلًّا في أدب المسرح نحو جيلين كاملين، ولم يَدَعْ مسألةً من مسائل البحث التي تساور العقول في عصره إلا أحاط بها في رواية من رواياته، فتكلم عن: مشكلات العقيدة، ومشكلات الفكر، ومشكلات الحكم، ومشكلات السياسة الوطنية العالمية، وأبدع الرواية التي تُسمَّى بالملحمة التمثيلية لطولها وتعدُّد مواقفها، وأعانه على ترويج هذه البدعة ذيوع اسمه، وإقبال الناس على مصنفاته وآثاره، وتقدَّمَ العرض السينمائي الذي يستطاع فيه ما تعجز عنه المسارح من الحِيَل والتوفيقات، وأهم رواياته من هذا القبيل رواية «العودة إلى متوشالح»، الذي جاء في التوراة أنه عاش تسعمائة وتسعًا وستين سنة، ورواية «الإنسان والسوبرمان»، ورواية «جان دارك»، ورواية «أندروكليز والأسد»، ومدارها جميعًا على شرح فلسفته في أصل الوجود وحقائق الدين ومصير الإنسان وأمله في مستقبل الحياة. وقد بلغ من ثقته بأسلوبه المسرحي أنه نقَّحَ روايةً لشكسبير هي رواية «سمبلين»، ليبيِّن الفارق بين أسلوبه وأسلوب شكسبير.

وجرى على عادةٍ طريفة في نشر رواياته المسرحية، فمهَّدَ لكل رواية منها بمقدمة مسهبة تصلح أن تكون كتابًا وافيًا في موضوعها، وتغني فيه مَن لا يرتاد المسرح من القراء.

ولا يكتم برنارد شو ارتياحه إلى نجاح مسرحياته لما جناه من أرباحها، بل لا يكتم هواه للمال وحبه للاستزادة منه ما استطاع، ولكنه — مع هذا — ترك الكتابة للمسرح وهو يدرُّ عليه الألوف من حقوق التمثيل والنشر والترجمة والعرض في دور الصور المتحركة؛ ليكتب مؤلفاته التي يعلِّم بها النساء، والجمهور عامة، ما لهم وما عليهم من الحقوق الاجتماعية، وما ينبغي لهم من السلوك آحادًا وطوائف في المجتمع الحديث.

ومنحته لجنة نوبل جائزتها عن الأدب (سنة ١٩٢٥)، فرفض الجائزة وكتب إلى أمين السر في اللجنة يقول:

إن المال كالعوامة التي أُلقِيَتْ إلى السابح بعد وصوله إلى بر النجاة …

وأوصى بإنفاق المال في توثيق الصِّلَات الأدبية والثقافية بين السويد والجزر البريطانية.

على أن طريقه في الكتابة المسرحية لم يكن بالطريق المفروش بالورود أو الذي خلت وروده من الأشواك، فقد أَعْنَتَهُ أصحابُ المسارح بطلب التنقيح والتبديل طويلًا كما أَعْنَتَهُمْ بالرفض والتقريع، وقد أَعْنَتَهُ الرقباء وأَعْنَتَهُم كذاك، فحظروا بعض الروايات، وقال الرقيب عن إحداها — وهي «صناعة مسز وارين»: إن المؤلف لا يشعر بحرج الضمير.

ولما سمع أهل نيويورك أنها ممنوعة في البلاد الإنجليزية تدفَّقَ طلاب «المحظورات» وطالباتها على المسرح، واشتجروا على تذاكر الدخول، وأوشكت أن تكون فتنة لا تؤمن «على الأمن والنظام» … فوثب الشرطة إلى المسرح وقبضوا على فرقة التمثيل بقضها وقضيضها، وذهبوا بها إلى ساحة القضاء، فاستمهلهم القاضي ريثما يقرأ الرواية، ثم حكم بوقف التمثيل، وظل تمثيلها موقوفًا إلى أن صدر الحكم من قضاء الاستئناف بإباحته، وكان شو يقول كلما سأله الرقباء الذين يمنعون تمثيل رواياته: إن الرواية تهزأ بالأخلاق، إنْ كنتم تقصدون بالأخلاق هذا العُرْف الشائع بين الناس، وإنه ما من رواية تستحق أن تُكتَب إنْ لم يكن فيها تصحيح ونَقْد للعُرْف المألوف.

في خلال ذلك كله كان شو يتردد على جماعات الاشتراكيين ويؤيدهم بلسانه وقلمه، وهو خطيب مقبول المحضر، أخاذ الصوت، حسن الإيقاع.

وكان يجذبه إلى الاشتراكية أكثر من جاذب واحد في أوائل جهاده على الخصوص، كان يجذبه إليها فقره وتمرده على النظم القائمة ونشأته الأيرلندية التي تعلَّمَ منها الثورة على الاستعمار والاستغلال، فانضوى إلى جماعة الفابيين وعمل معهم وخطب في محافلهم وندواتهم، ولكن دعوته الاشتراكية كانت أبعد شيء عن ضيق العصبية ولجاجة البغض والحرد والشنآن، وعلمته سعة الأفق وسعة الاطلاع ألَّا يتشيَّعَ إلى مذهب محدود بين مذاهب الفكر والإصلاح، فلوحظ على رواياته أن نصيب الدعوة الاشتراكية فيها أقل نصيب إلى جانب مسائل الأخلاق والعقائد، ومسائل الحياة الإنسانية الكبرى على التعميم.

ولا حصر لما قرأه شو من آداب عصره وآداب سائر العصور، إلَّا أن المؤثِّرين فيه من مفكِّرِي العصر الحديث محصورون معروفون، وهم على الأغلب: لامارك، وبرجسون، ونيتشه، وهنري جورج، وأبسن، وصمويل بتلر الفيلسوف الموسيقي المصور الذي أدركه شو وهو في أوج الشهرة والنفوذ.

فمن لامارك وبرجسون أخذ نظريته في التطور الخلَّاق.

ومن نيتشه أخذ نظريته في السوبرمان ومستقبل الإنسان.

ومن هنري جورج أخذ آراءه الاشتراكية.

ومن أبسن أخذ طريقته المسرحية ورأيه في البيت وحقوق المرأة العصرية.

ومن صمويل بتلر أخذ مقاييسه في نقده للفن، ونقده لمذهب النشوء والارتقاء، وأسلوبه اللاذع في كلماته الموجزة، وقد تدل كلمة أو كلمتان من مفكرات بتلر على أثره الواضح في كلمات شو، فمن ذاك أنه يقول: «خير للإنسان أن يخطئ مع الروح القدس من أن يخطئ مع المال، فقد يبالي الروح القدس بآحاد الناس أو لا يبالي بهم، ولكنه يحسب حساب المال ولا جدال؛ فمَن كان له مال أغناه وكفاه.»

ومن ذاك قوله: «إن أبانا الذي في السماوات يعطينا خبزنا، ولكنه لا يجري على طريقة المخابز في أوقات التوزيع.»

وكلمات شو في مفكرات الثائر أو في حوار مسرحياته تطبيقات مختلفة لهذا الأسلوب، وإن كان توقير التلميذ للعقيدة الإلهية أظهر وأكرم من توقير الأستاذ.

•••

هذه عجالة موجزة غاية الإيجاز، قد تغني — في مثل هذه الرسالة الصغيرة — في الإلمام بالخطوط البارزة من هذه السيرة الحافلة، ولكنها لا تغني عن سؤالٍ يتردد لا محالة على لسان مَن يسمع ببرنارد شو أو يقرأ عنه، وهو: كيف يعيش هذا الرجل في حياته الخاصة؟ كيف تكون المعيشة البيتية للرجل الذي يجهر بازدراء التقاليد، ويتنقل بين عشرات من النساء في جو الفن أو جو الثورة على النظم الاجتماعية، وكلهن أو أكثرهن يتحدَّثن عن الحب الحر و«حقوق المرأة الشخصية»، ويباهين بالانطلاق من أَسْر العُرْف وفرائض الدين؟

إن أعاجيب برنارد شو كثيرة، وأعجبها فيما نظن هذا التناقض التام بين الصورة التي يستوحيها قارئه عن حياته الخاصة من كُتُبه وآرائه، وبين الصورة الحقيقية التي يعرفها كلُّ مَن عاشروه واختبروه.

فالقارئ يستوحي من كُتُبه وآرائه صورةَ رجلٍ غارقٍ في الإباحة والشذوذ عن العُرْف، والمتعة بما تمهِّده له وسائل الشهرة والثروة.

ولكنها أكذب صورة للرجل كما عرفه صحابته ومعاشروه، ولعلها تصدق على كل إنسان في البلاد الإنجليزية، وفي العالم كله، قبل أن تصدق عليه.

إنه ليس بالإباحي ولا بالشهوان الغارق في المتع والملذات، بل هو على نقيض ذلك أقرب إلى النسك والتقشُّف، يقصر طعامه على النبات ولا يقرب الخمر ولا يحتفل بالمائدة في طعامها ولا زينتها، ولا يقتني من الأثاث غير السهل البسيط الذي يلزم كل اللزوم في الاستعمال؛ كأنه يُقِيم في معسكر على أُهْبَة الرحيل.

عاش مع أمه إلى أن توفيت (سنة ١٩١٣) وهو يعلم أنها لا تقرأ كلمةً من مؤلفاته، ولا تحفل بعمل من أعماله، ولم يقع بينه وبينها خلاف أو جفاء حتى ودَّعَها الوداع الأخير، فاحتفل بإحراق جثتها على حسب وصيتها، وظل وَفِيًّا لذكراها إلى هذه الأيام.
figure
في شبابه.

والعجيب في أمره، أنه أقام الصلوات عليها بعد وفاتها، وكذلك فعل في تشييع جميع أعزائه، ومنهم أخته التي نهت في وصيتها عن إقامة الشعائر الدينية على جثتها، وما كان ذلك عن إيمان منه بالشعائر التي تقام على جثث الموتى، بل لأنه يرى أن الأمر أهون من أن يساوي مصادمة شعور مَن حوله، ولا سيما شعور المعزين الذين يواسونه في مصابه.

أما علاقاته بالمرأة عامة، فخلاصتها أنها مهمة في كُتُبه ومذهبه، غير مهمة في حياته وعواطفه، وهو لا يؤمن بالحب إلا أن يكون علاقةَ مراسلة لا مغامسة، ولا يرى في الشهوات الجسدية ما يستحق أن يتهالك عليه، بل يعاف هذه الشهوات ويعجب كيف يتلاقى في وضح النهار رجل وامرأة قضيا الليل في مغامستها. ويقول: لولا هوان هذه الشهوة لما اختيرت لها أعضاء النفايات!

كانت له علاقات مع كثيرات، أشهرهن في عالم الفن الممثلة البارعة إللن تيري، وأشهرهن في عالم الدعوات الفكرية آنا بيزانت، وأشهرهن في عالم الدعوات الاجتماعية إلينور أصغر بنات كارل ماركس.

وهو يقول عن إللن تيري إنها تعبت من خمسة أزواج ولم تتعب منه إلى يوم مماتها؛ لأنه أبى أن يشوب الصلة بينهما بشائبة المتعة الجسدية، وقد تبيَّنَ فعلًا أنها بقيت على حبه إلى سويعاتها الأخيرة، فكان آخِر ما كتبَتْه كلمة تحية له وثناء عليه.

أما آنا بيزانت فقد كانت مثلًا في غرابة الأطوار وتقلُّب المزاج؛ خطيبة مفوهة وكاتبة فصيحة، تجمع خطبُها ورسائلُها بين الدفاع عن الإلحاد والدفاع عن الصوفية والإشادة بالبرهمية، وقد هامت به وهي متزوجة لا سبيل إلى ربط حياتها بحياته كما كانت تريد، إلا أنها لجأت إلى وسيلة تعوضها عن رابطة الزواج وتوافق ما اشتهرت به من غرابة الأطوار … جاءته يومًا وفي يدها ميثاق مكتوب تطلب منه أن يوقعه ويتعهد بتنفيذه، وإذا بالميثاق جملة من الشروط المطولة تُلزِمه وتُلزِمها بتنظيم علاقة الحب بينهما … فضحك ولما يفرغ من قراءتها، وقال لها: «إن الميثاق أصعب من جميع العهود التي تفرضها جميع الكنائس في رابطة الزواج.» فغضبت وجاءته مرة أخرى برسائله تردها إليه، وتؤذنه بانقطاع المودة بينهما، فصاح بها مظهرًا للدهشة والامتعاض: ماذا؟ أَلَا تحرصين حتى على هذا الأثر مني؟ … حسن. وقذف بالأوراق في النار.

أما بنت كارل ماركس، فقد أراحه منها زميل في الدعوة الاشتراكية من العلماء يُسمَّى إدوارد أفلنج، خدعها وهي تحسب أنه أعزب، وعاشت معه حتى ماتت زوجته، فلما عرضت عليه أن يتزوج بها أعرض عنها، فبَخَعَتْ نفسها كما فعلت أخت لها من قبلُ، إيثارًا للموت على الشيخوخة في أوانها.

ولا يدعي شو أنه كان ملكًا نورانيًّا في جميع مغامراته مع النساء، فقد غلبته مآزق الفتنة غير مرة، ولكنه لم يكن صاحب الإغراء في كل مرة، بل كان في أكثرها هو المغرَى الذي تحيط به الشبكة قبل أن يتمكن من الإفلات.

ثم تزوَّج شو كما تزوَّج أبوه بعد أن جاوز الأربعين، فعقد زواجه (أول يونيو سنة ١٨٩٨) على الآنسة باين تونزند، وهي فتاة أيرلندية من الوارثات اللائي أضجرهن فراغ الغنى وتفاهة الحياة بغير وجهة، فشغلت نفسها بالدعوة الاشتراكية، وأحبت شو لطلاوة أحاديثه وطيبة قلبه وشهرته واشتغاله بالإصلاح والمسائل الإنسانية، وأشفقت عليه في عزلته وسوء معيشته في مسكنه، وأشفق هو على سمعتها من طول ملازمتها إياه، فاتفقا على الزواج، ولبثت على إعجابها به وإكبارها له بعد الألفة الزوجية، فكانت لا تذكره باسمه إذا تحدَّثت عنه، وإنما تسميه «العبقري» فتقول: هكذا أراد العبقري، وهنا يحب العبقري أن يجلس، فيعلم السامعون مَن تعنيه، وهي التي كانت تغريه بالسياحة والطواف حول «الكرة الأرضية» وتعنى به عناية الأمهات بالأبناء.

ثم فقدها وانقطع لعزلة الشيخوخة وهو أحوج ما يكون إليها.

مَن يره اليوم في الرابعة والتسعين يذكر تلك الصورة الوصفية الرائعة التي صوَّره بها أديب التشك الأكبر — كارل كابك — حيث قال: «لكأنه شخصية مما وراء الطبيعة. مفرط الطول مفرط النحافة، يبدو كأنه نصف إله ونصف ساتير، طال تساميه مع الزمن آلاف السنين حتى أنبتت كل صلة تلصقه بالطبيعة. له شعر مشتعل ولحية بيضاء وبشرة موردة، وعينان صافيتان لا تشبهان عين إنسان، وعليه سمة من سمات دون كيشوت، فهو من جانب يلوح في هيئة الرسل، ومن جانب يلوح كالعابث الذي يهزأ بكل ما في الدنيا وهو منها. وما رأيت في حياتي قَطُّ كائنًا مختلفًا كهذا الكائن. لقد خفت منه، وخطر لي أنه روح من الأرواح يزعم أنه الشهير برنارد شو، وهو يفيض بالحياة، ولديه آكام من الأحاديث الشائقة عن نفسه أو عن سترندبرج أو عن رودان، وغيرهم من الناس المشهورين والأشياء المشهورة، وإصغاؤك إليه مسرة مقرونة بالروعة والهول.»
figure
على الطعام.

وأحسن ما يزكيه، أنه يُخلِف ظن زائره بالمناقضة بين صورته في الذهن وصورته في الواقع، كما قالت صحفية فرنسية رأته في بيته، فغالبت نفسها لحظة ثم صاحت: ماذا أرى؟ كنت أحسبني أرى أجرأ المفكرين المتمردين في البلاد الإنجليزية، فإذا بي أنظر إلى حضري من أوساط المقلدين.

•••

واليوم، وقد بلغ الغاية من تحقيق الظنون واختلاف الظنون، يتم غرائبه وهو يتحدث عن المصير الذي لا معدى عنه لحي من الأحياء، فيوصي جادًّا أو هازلًا، أَلَّا يتبعوا نعشه بالسيارات في شارات الحزن والحداد، بل بقطعان من البقر والضأن والخنازير، وأسراب من الحمام والإوز والدجاج، وحوض يعوم فيه السمك الحي، موشحات كلها بالبياض، مشتركات كلها في كرامة الرجل الذي كان يؤثر أن يهلك على أن يشبع بلحوم زملائه من المخلوقات الحية!

ولو تحقَّقَتْ هذه الوصية يومًا لصارت جنازة شو أليق الجنازات بشو، وفاقًا للغرابة التي يتوخاها في كل شيء، فهي كما قال أغرب موكب شُوهِدَ من نوعه، بعد موكب الذاهبين إلى سفينة نوح!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١